سودانيات .. تواصل ومحبة

سودانيات .. تواصل ومحبة (http://www.sudanyat.org/vb/index.php)
-   الســــــرد والحكــايـــــة (http://www.sudanyat.org/vb/forumdisplay.php?f=14)
-   -   (حصــــــــــاد غيمة)..☼ قصه ☼ (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?t=11508)

Mema 30-07-2009 12:50 PM

لم يتفوه (سعيد) بحرف واحد طوال طريق العوده
وبدا مهموما ,, وقد غامت عيناه بسحابة لا تزوره الا
اذا كان الحمل ثقيلا على عاتقه ,,
وبرغم قلقها من صمته الذي لا يبشر بالخير
شع وجه (جميلة ) بالفرح ,, وعادت لقسماتها الحياة
فتلك الدقائق التي قضتها مع (مصطفى ) عندما طلب الشيخ
أن يختلي بوالدها للحظات ,, كانت اجمل ما حدث لها منذ بداية
موسم المطر ,,
وتحسست طرف خمارها ,, لتطمئن لوجود القلاده الجلديه
التي نزعها (مصطفى ) من عنقه وقدمها لها قائلا
_ اعتني بنفسك لاجلي ,, واحتفظي بهذه حتى القاك ,,
سألته في لهفه ولوعه
_هل تظن ان الشيخ سيكلم ابي عنا ؟
صمت قليلا ,, وقال
_لايهم ,, في كل الاحوال ,, سأجد طريقه لنكون معا الى الابد
وافترقا على ذلك الوعد ,,
,,

Mema 30-07-2009 12:52 PM

لم تنم (جميلة ) في تلك الليله وهي تسترجع ما حدث معها
ولقائها بـ(مصطفى )
وكانت (زينب ) الى جوارها تغط في نوم عميق
وهي تمسك يدها برفق ,,
وقد استسلمت للنوم بعد ان روت لها (جميلة ) كل
ما جرى معها بالتفصيل
واستمعت اليها بانتباه شديد ثم سألت
_هل ستتزوجين (مصطفى )؟
_هذا ما أتمناه
_ هل ستعيشين في بيته إذا ما تزوجتي به؟
_ أظن ذلك
_هل ستأخذينني معك ؟
ابتسمت (جميله) ومدت ذراعيها لتعانق شقيقتها
قائله
_وهل يمكنني العيش بدونك؟! ,,
وعانقتها زينب بفرح كبير قبل ان تمسك بكفها وتخلد الى النوم
تاركة اياها تتأرجح بين الخوف من ما ماهو ات ,, واللهفه
لقدوم غد جميل كما تحلم به وتتمناه ,,
...

Mema 02-08-2009 09:21 PM

مرت الايام ثقيلة ,, دون اثر لـ(مصطفى) ,,
ودون ان يتحدث
والدها معها بالامر,, وقد بدأت الشكوك تملأ قلب (جميله )
وضج عقلها بالتساؤلات
ترى ,, ماذا قال الشيخ احمد لوالدها ,, في ذلك اليوم ؟ هل اخبره عن (مصطفى)؟
وان حدث ,, لم لا يقول لها شيئا ؟ لم لا يعبر عن قبوله او حتى رفضه للأمر ,,
المهم ان يقول أي شيء لتخرج من دائرة الأسئلة
القاتلة هذه ,,
وفي صباح مشرق بينما كانت جميله تسوي أرضيه الفناء ,, وتنثر
بمساعده (زينب ) بعض الأوراق العطرة ,, ثم ترشها بالماء لتثبت
فتنبعث تلك الرائحة الجميلة من المدخل ,, المساوي بشكل جيد
اقبل والدها الى البيت على عجل ,,
وناداها قائلا
_دعي ما بيدك لزينب وتعالي
خفق قلب جميله في مزيج من الخوف والترقب ,, وتبادلت نظرة
قلقة مع زينب قبل أن تلحق بوالدها إلى الداخل
حيث جلس ينتظرها وما أن أقبلت حتى طلب منها الجلوس
ففعلت ,, قال
_لقد كبرت وأصبحت عروس جميله
طأطأت رأسها خجلا وانتفض قلبها طربا وفرحا
فتابع
_سأزوجك يا جميلة عندما ينتهي موسم الامطار
فما قولك ؟
ابتسمت في حياء ولم تقل شيئا
وشعرت أنها تحلق في أعلى سماوات السعاده ,
فتابع والداها
_ لقد طلبك (محمد) ابن الحاج (عبد الله ) ,, لابد وان تكوني قد سمعتي عنه ,,
ذلك الشاب الذي عاد من العاصمة
قبل يومين ,,
ذهلت جميلة وأصبحت كمن سقطت من علو شاهق ,, فتهشم كل ما
كان ينبض فيها ,,
واتسعت عينيها وهي تحدق في والدها بنظرة دهشة واستنكار قابلها بهروب مقصود ,,
وأشاح بوجهه عنها
فهتفت بصعوبة _ لكن ,, ابي ,.؟! كيف ؟ و مصطــ....
قاطعها بحده دون أن ينظر الى عينيها
_اياك ان تأتي على ذكره ,, ذلك الفتى لا يصلح لك يا (جميلة)
لقد اعطيت كلمتي للحاج عبد الله ,, واخبرك الان لتكوني على علم فقط ,
,فلا تجبريني على معاملتك بشكل لا احبه ,,
ثم نهض مغادرا الحجرة ,,
وتناهى صوته الى مسامعها وهو يجهر بقوله ,,
_يا(امنه ) غدا سيأتي الحاج عبد الله وابنه ,, كوني على استعداد
وانفجرت تبكي بحرارة ,,
..

Mema 02-08-2009 09:24 PM

كان يوما عصيبا للجميع عندما اقبل الحاج (عبد الله) ,, وابنه (محمد) ,, على جوادين ضخمين
والزينة الملونة المصنوعة من خيوط الصوف ,,تتدلي من أسرجتها
و لجامها فتجعلها أكثر جمالا وفخامة ,,
واستقبلهما (سعيد) عند الباب مرحبا بابتسامة أرادها أن تكون كبيره
لولا أن بدا بعض الارتباك على وجهه ..
ترجلا ,, فبدت هيئتهما اكثر اختلافا وتميزا ,, الحاج (عبد الله) ,,
بثيابه ناصعة البياض ,, وحذائه الجلدي الجديد ولحيته البيضاء المهذبة
وابنه (محمد) بمظهره الأنيق. وقامته المديدة وذلك المنظار الطبي امام عينية ,,,
وقد كان محط أنظار الجميع ,,_ وخاصة الفتيات_,, منذ قدومه من العاصمة
حيث عاش لفترة طويلة مع أقاربه هناك ليدرس حتى تخرج من الجامعة
ووجد عملا يناسبه فقرر الاستقرار واصر والده على تزويجه من بنات قريته
لاعتقاده ان فتيات المدينه لا يجدن العناية بأزواجهن بشكل كاف.!
صافحهما (سعيد ) بحرارة قبل ان ينادي (زينب) آمرا إياها بربط
الجوادين إلى شجرة ضخمة كانت تظلل فيناء المنزل بأغصانها المتشعبة
وأوراقها العريضة,,
أقبلت (زينب ) متجهمة الوجه وتجاهلت سلام الحاج (عبد الله)تماما ,,
تناولت لجام الخيل وقادتهم نحو الشجرة دون أن تتفوه بحرف واحد ,,
فتدارك (سعيد) قائلا ,,
_ابنتي زينب لا تتحدث كثيرا ,, الكل يعرف حادثة مولدها
أومأ (عبد الله ) قائلا
_مسكينة ,, لابد وان الأمر كان صعبا عليها
قال (سعيد) وقد وجد فرصه جيده للحديث عن محاسن (جميلة )
_لقد ربتها أختها كأم حقيقيه على الرغم من أنها لم تكن قد تجاوزت العاشرة بعد
_نِعم البنت ,, يا (سعيد) ,,
كانوا قد بلغوا المكان المعد لهم فجلسوا ,, وامتد حديثهم إلى منتصف النهار
..
بعدها جاءتهم آمنة بالطعام ,, المعد بعناية وقدمت لهم بعدها بعض من
ثمار البابايا والسفرجل ولم تنس ما خبزته من كعك القمح
وما لبث الحاج (عبد الله ) ان تساءل ,,
_لكن أين هي العروس يا (سعيد) أرى أن والدتها تقوم بخدمتنا وهي لم تظهر قط
تلعثم (سعيد) قليلا ثم قال
_هي متعبة قليلا ولا تشعر أنها بخير
استأذنك لأرى إن كان بإمكانها لقاؤكم الآن قال (محمد ) في قلق
_مم تشكو .؟أتمنى أن لا يكون امرا خطيرا.! هل لديكم طبيب هنا ؟
ازداد ارتباك (سعيد ) وهو يقول
_طبيب ؟؟؟.....لا لا لا شيء مهم ,, أنا واثق أنها الآن بخير ,,سأناديها ,,
كانت جميلة في حال يرثى لها ,, وقد انتفخت أجفانها وبح صوتها
وبدت شاحبة متعبه اذ لم تجف دموعها منذ البارحة ورفضت الطعام والشراب ..
دخل عليها (سعيد) بهدوء ,, وجلس الى جوارها دون ان يقول شيئا لبرهه ...
ثم وضع يده على رأسها فانتحبت بصمت
قال
_تعرفين انني احبك جدا يا (جميلة) ,, ولا أريد إلا سعادتك
رفعت رأسها بنظرة متوسلة وهمست
_لن أكون سعيدة إلا مع مصطفى ,,
زفر والدها في نفاذ صبر قبل أن يهتف في حده
_الم اقل لك أنني لا أريدك ان تذكريه مجددا؟
_لكن لماذا يا ابي ؟ ماذا فعل لتكرهه الى هذا الحد ؟ الست من قال انه ولد صالح ,,
وانك تتمنى لو كان لك ابن مثله ؟
ازداد صوته حدة وهو يجيب
_نعم ,, هو ولد صالح ,,ولست اكرهه ابدا فهو مثل ابني لكن .....
صمت قليلا ,,ثم ما لبث ان لان صوته وهو يتابع
_أنتي لاتزلين صغيره ,, ولا تعرفين ما المناسب لك أريدك أن تفهميني
يا صغيرتي الحياة اكبر بكثير من ما اعتدت عليه هنا وأريدك أن تعيشيها كما اتمنى لك ,,
صدقيني ,, غدا عندما تتزوجين ب(محمد) وترحلين معه الى العاصمة ستجدين
عالم لم تتصورين وجوده أبدا ستبهرك كل الأشياء الجديدة وستنسين كل شيء عن ذلك الفتى
فهو لن يستطيع ان يمنحك شيء الا المزيد من الشقاء ,, عندها فقط ستعرفين سبب قراري هذا ,, وستسامحينني ....أما الآن ,, فليس لديك الخيار ,, هيا ,,اذهبي ,, واغسلي وجهك جيدا وضعي خمارك وارتدي الثوب الذي أحضرته لك وتعالي مع أمك لمقابلة الضيوف سأمهلك بضع لحظات ,, وان لم تأتي بعد قليل فلا تلوميني على ما سأفعل بك ,, هل تفهمين .؟

Mema 02-08-2009 09:40 PM

كفتاة القربان في الأساطير كانت (جميلة) ... ترتدي ثوبا ابيضا جديدا,,
وتضع قلادة من الزهر والخرز على جيدها ,, وتغطي رأسها بوشاح
ابيض مطرز بالخيوط الملونه على أطرافه
جميلة كانت ,, لكنها حزينة وتعيسة إلى أقصى الحدود
بهدوء سارت مع والدتها عبر الفناء ,,الى مجلس الرجال حيث
ينتظرها والدها مع ضيوفه ,,وكأنها تقاد الى الموت ,,, شيء في داخلها كان يقول
لها اصرخي ,,قولي انك لا تريدين سوى الحياة التي اعتدت
ومع من تحبين ,,اهربي بعيدا ولا تعودي ,,
توقفت عن السير في منتصف الطريق,, فنظرت اليها امها
متسائلة وقبل ان تتمكن من سؤالها عن شيء ...
انطلقت صرخة مدوية ,,,!
,,,,

Mema 05-08-2009 12:30 PM

تتابعت شهقات (زينب) المكتومة ودموعها تجري بغزارة وهي ترقد على بطنها وتستلم رغم آلامها الشديدة ,,
لـ(جميلة ) التي كانت تحمل قطعة قماش بللتها بمحلول الأعشاب وراحت تنظف بهاتلك الخطوط الدامية
على ظهر اختها ,,وقالت لها في حزن ..
_ماكان عليك فعل ذلك يا (زينب )...هل يرضيك ما حدث لك ؟
بصعوبه قالت (زينب) من بين دموعها
_ولكني لا أريدك أن ترحلي ,,
وضعت (جميلة) قطعة القماش بعيدا ,, وتناولت معجون الطين والعسل وراحت تغطي به جراح شقيقتها وهي تقول
_ولا أنا أريد يا حبيبتي ,, لكن إطلاق الخيل لم يكن حلا موفقا ..فقد كاد الفرس أن يقتلك تحت حوافره ,, بما اجفلته ياشقيه؟
_لم ارد اجفاله ,, فقط أردته ان يهرب بعيدا حتى لا يتمكن (محمد) من العوده الى هنا مجددا,,
فخاف الحصان واراد ان يركلني فصرخت..!!
ابتسمت (جميلة )بحنو وقربت شفتيها من جراح زينب ثم راحت تنفخ الهواء برقة لتلطف الالام الصغيرة
التي تابعت بصوتها المتهدج الباكي
_لم يضربني ابي من قبل .....لم غضب هكذا ؟
_......
_جميلة ؟
_نعم يا حبيبتي
_ألا يحبك أبي ؟
_من قال لك هذا الكلام بالتأكيد يحبني
_لماذا يريدك ان تذهبي بعيدا اذا ؟ لماذا يجعلك تبكين ؟.....انا لا احبه ,, ولا أحب (آمنه)
ولا أريد احد سواك,,
وراحت تبكي في حراره ..
تساقطت دموع (جميلة )بغزارة وبصعوبة استطاعت ان تقول
_وانا احبك كثيرا يا(زينب) ... كثيرا جدا

Mema 05-08-2009 12:31 PM

عندما عادت الحياة الصيفية الضاجة إلى القرية
كانت التجهيزات لزواج (جميلة) من (محمد) قائمة على قدم وساق
كل ذلك ولم يظهر (مصطفى ) منذ التقته في منزل الشيخ (احمد),,
وقد كان اختفاءه هذا غامضا ومؤلما جدا بالنسبة لـها,,
فلكم رجت ودعت أن يُقبل يوما ما من الطريق التي عكفت على مراقبتها
ليل نهار ...ويدعوها فترحل معه الى حيث لا يعلم مكانهما احد...وبالتأكيد
لن تنسى ان تأخذ معها( زينب )!!
لكن آمالها راحت تخفت مع مرور كل يوم حتى انطفأت تماما
واستسلمت لمصيرها الذي اختاره والدها لها ,,
واستقبلت هدايا (محمد) الثمينة من ثياب وحلي وزينة ,, بحزن
وحسرة ,, رغم انبهار كل فتيات القريه الاتي كن يزرنها ويمضين النهار معها كتقليد اعتدنه مع كل فتاة مقبله على الزواج,,
ولم يشاركها ذلك الحزن العميق الا اختها (زينب )
بل ولربما تجاوزت ذلك العمق بكثير ,,
وهي تفكر كيف لها ان تعيش بعيدا عن جميلة ؟
ماذا ستفعل بعد رحيلها الى ذلك المكان البعيد,؟ كيف ستنام
دون ان تضمها او تمسك بكفها ؟
لمن ستخبر أسرارها وتحكي همومها
كيف ستصبح حياتها بعد ان ينتزعو منها امها ؟؟

Mema 05-08-2009 12:32 PM

وجاء اليوم الموعود
فأقيمت الأعمدة بجوار بيتهم ,, حيث عكفت النساء على تسوية مساحة ضخمة من
الارض بمقشات الحصير ,, ورشها بالماء ثم نثر الاوراق المعطرة فيها على مر ثلاث
ايام متتاليه حتى اصبحت مستوية تماما وتفوح منها رائحة مميزه ,, ,, واسقفت
بالحصير وأوراق أشجار الموز الضخمة
وتأهبت نساء القريه ,, فأتين من بيوتهن فجرا ,, كل تحمل ما استطاعت من
الخضروات والدقيق والسمن والعسل ,,وذبحت المواشي ,, قبل أن تقوم النساء بأعدادها
وتقاسمن العمل ما بين الطبخ والخبز وتحضير الشراب المعد من الشعير والحلبة والعسل
واعدت العروس بأجمل الثياب والحلي ,, وجدلو لها شعرها بالخيوط الذهبية ,,
عطروها بأفضل ما صنعوه من عطور ,, وكحلو عينيها بكحل جاء به خطيبها من
العاصمة ,, فكان جمالها, برغم نحولها الواضح واستغراق الحزن في ملامحها وقسماتها, مبهرا ,,
شعرت بصعوبة في التنفس وبشيء كالكابوس يجثم على صدرها
فقالت لإحدى النساء الآتي كن يهتممن بزينتها
_لم لا أرى زينب .؟ أين هي
أجابتها المرأة
_لابد وأنها تعمل في الخارج,,, العمل كثير كما تعرفين
قالت جميلة متوسلة
_ارجوك اريد ان اراها هل تنادينها من أجلي ؟
اومأت المرأة موافقه وخرجت تبحث عن (زينب) ..

Mema 05-08-2009 12:33 PM

كان طريقا طويلا, وعرا, ذلك الذي سلكته الصغيرة (زينب ) قبل ان تصل الى حقول الذرة الممتدة على مرمى البصر
فتشق طريقها خلالها بعزم وتصميم وكانت قد قضت ساعات طويلة لتصل
الى هذا الحد ,,كم كانت جائعة ومرهقة ... تعثرت وسقطت فانغرس عود خشبي
في ساقها ,,صرخت في الم ,, وبقيت في مكانها تبكي لبرهة قبل ان تمسح دموعها
بإصرار ثم تنتزع العود بشجاعه ,, وتنهض لتتابع سيرها متعثرة ,وبعد ساعات كانت
قد وصلت لنهاية الحقول ليقابلها ذلك الطريق الضيق المحفوف بالاشجار الطويلة وقد
بدا مظلما لا تخترقه أشعة الشمس,,
كانت (زينب ) قد سمعت الكثير عن الحكايا المخيفة عن ما يحدث في هذا الطريق
الذي يقطع طرفا من الغابة ,,وعن الحيوانات الضارية التي تهجم على العابرين
عندما تكون جائعة وغاضبة,, فتمزقهم اربا ..!
قالت في نفسها
_أتمنى أن تكون كل الحيوانات قد تناولت فطورها
ثم مضت في الطريق بخطوات مترددة ..
كان الظلام يتزايد كلما توغلت ,, وتلك الأصوات المخيفة تعلو وتقترب منها ,,
تذكرت على الفور (مصباح) ذلك العجوز ذو اليد الواحدة ,, والعين الواحده
وما كان يرويه عن مغامرته التي خاضها على هذا الطريق مع حيوان ضخم ,,
وصفه بأن له وجه الذئب وجسد حصان وذراعين تشبه اذرع البشر لكنها تنتهي
بمخالب في حجم المنجل استخدمها لاقتلاع عينه اليسرى ,,وقطع ذراعه اليمنى ,,
وتذكرت تلك الأصوات التي كان يصدرها مقلدا ذلك الحيوان الأسطوري ,,
وهو يروي لهم أحداث المعركة الضارية .. وبالرغم من أن (جميلة)كانت
تقول لها دوما أن ذلك ليس صحيحا وان لا وجود لحيوان بتلك الأوصاف ,,
كانت (زينب ) تراه دائما في كوابيسها ,, وهو يقتلع عين (مصباح) فتتناثر دماؤه في
كل مكان ,,امتلأ قلبها بالخوف لما خطر ببالها ,, فأغمضت عينيها وصاحت وهي
تركض برغم جرحها النازف
_لن اخاااااااااااااااااف ,,,,,

محمد الطيب يوسف 09-08-2009 04:05 AM

ذات الحرف البهي يخط ملحمة توشحت بنا

ميما لا توقفي هذا الهطول

Mema 10-08-2009 08:43 PM

الاديب العزيز محمد الطيب

اسعدني شروقك هاهنا كثيرا
فشكرا جدا لهذا الحضور الكريم

وخليك قريب

مودتي

Mema 10-08-2009 08:44 PM

امتدت تلك الخطوط السوداء على خدود (جميلة ) التي لم تكف عن البكاء للحظه واحده طيلة مراسم الزواج .فامتزج الكحل النفيس مع الدموع الحارة ,,,ورسم مجراها على وجهها بلونه الكئيب ... وعندما حان موعد رحيلها مع زوجها ,, ازداد انتحابها وهي ترجوا الجميع ان يبحثوا عن (زينب) لكن انشغالهم بالحدث الكبير جعلهم لا يدركون غيابها منذ ساعات الفجر الأولى وامسك والدها بكفها قائلا
كفي عن البكاء يا(جميلة) ,, وانسي امر (زينب ) الان ..أنتي تعرفينها أكثر مني... لابد أنها مشغولة باللعب هنا او هناك,,,
ظلت عيني (جميلة ) تذرفان الدمع وتدوران بين الوجوه علها تهتدي
لوجه اختها ,, وتابع والدها حديثه قائلا
_ها قد حان وقت رحيلك ,, ووصيتي لك ان تطيعي زوجك
دائما ولا تعصي له امرا وان لا تقلقي على أي منا ,, فنحن بخير مادمت سعيده
همست (جميلة) من بين دموعها
_لا أستطيع أن اذهب دون أن أرى زينب
يجب أن أراها ,,
أقبلت( آمنة )في تلك اللحظة ,, وضمت (جميلة )قائلة
_لن أوصيك يا ابنتي فأنت فتاة عاقلة وتعرفين ما عليك فعله
اعتني بنفسك وبزوجك كثيرا
_أين زينب ,, أين هي
_هيا يا جميلة نحن في انتظارك
_زينب يا ابي
زينب يا امي
اين هي ؟
_تحركي يا جميلة ,,, يجب ان نصل الى المحطة في الموعد حتى لا تفوتنا الحافلة فنضطر للمبيت في في القرية المجاورة ,, الوقت يمضي وطريقنا طويلة,,
وبعد جهد ,, حملوها لتجلس على ظهر الحصان المخصص لها
وامسك (محمد) باللجام ,,
وانطلق في طريقه ملوحا لهم بيديه الأخرى
وضاعت صرخات جميلة باسم اختها
وسط عاصفه من الزغاريد وصيحات الفرح ودقات الطبول

Mema 10-08-2009 08:45 PM



رحلت جميلة ,, وأمضى أهل القرية بعدها يوم عصيب,, وفجيعة اختفاء زينب أخمدت الفرحة في قلوب الجميع ,,بحثوا عنها في كل مكان ,, أعلى الجبل,,على السفح ,,
بين الحقول,, عند مصب الماء ,,دون أن يعثروا لها على اثر
وعندما شارفت الشمس على الغياب ,, قرروا العودة الى منازلهم
واتفق رهط من رجال القرية ان يتابعوا البحث بعد صلاة الفجر مباشرة ,, فتساقطت الدموع من عيني (سعيد) وقال في حزن
_وهل تنتظر الذئاب حتى الفجر ؟ ..
ثم فارقهم عازما على العودة الى المنزل ليتزود ببعض ما يحتاجه
ثم يتابع البحث عنها وحده,, غير آبه بالمخاطر التي قد يواجهها
إذا ما خرج يمشط الطرقات في جنح الظلام ,,
وعندما وصل الى منزله مثقلا بالهموم والحزن
تفاجأ بـ (مصطفى) خارجا من داره ,, بهيئة رثة مزرية
وقبل ان يقول شيئا ,, كان الفتى قد استدار مغادرا بصمت
أسرع (سعيد) إلى الداخل ,, ولكم شعر بالراحة عندما استقبلته (آمنه )
مستبشرة وأخبرته أن (مصطفى ) قد جاء بابنته الصغيرة ,, وقد وجدها بالصدفة تائهة في الغابة ,, وهي بألف خير وتغط الان في نوم عميق

Mema 10-08-2009 08:46 PM

كان من الصعب على (مصطفى) تبين طريقه والظلمة تحيط به من كل مكان وثمة أضواء خافته تلمع تارة من بعيد .. وفي الجوار تارة أخرى,, دون مصدر معروف ,, وأصوات العواء تتناهى إلى مسمعه ,, مصحوبة بأناشيد الريح والشجر ,,وغناء حشرات الليل ونعيق الضفادع .. وأصوات أخرى يجهل كنهها..
لكنه لم يهتم بما كان يدور حوله ,, ومضى في طريقه الطويل نحو منزله الذي يقع في الجهة الخلفية من الجبل تحمله
خطاه التي الفت خارطة الطريق

تدفقت الدموع من عينية بغزارة,, وبإصرار كان يمسحها كل مرة قبل أن تصل إلى خديه ,,
كيف يمكن لها ان تتزوج .!
لم تركته (جميلة)؟؟ الم تحبه كما كان يجبها ؟ لايمكن ,, فهو واثق تماما من مشاعرها اتجاهه ,, ربما لم تقلها علنا ,,
لكن عينيها قالتا كل شيء بالنيابة عنها..
تصرفتها ,, لهفتها عند لقائه ,, خجلها ,, ابتسامتها .........
لماذا اذا؟
استعاد بمراره تفاصيل ذالك اليوم عندما التقاها في منزل الشيخ (احمد)... الم يتعاهدا على اللقاء مجددا والبقاء سويا الى الابد؟
لازال صدى كلمات الشيخ يدوي في ذاكرته عندما قال له بعد ان تحدث الى والدها
ان الامر سيكون صعبا .. وليس كما تخيل,, فوالد (جميلة) يريد
تزويجها من شخص مقتدر ,, ظنا منه ان السعاده تكمن في المال
وبرغم محاولاته لاقناعه لكنه اعرض عنه تماما,,,
لذا ,, لم ينتظر ,, وأمن الشيخ على والدته الكفيفة,,دون ان يخبره عن ما ينوي فعله ,, لانه يعلم انه سيعترض ,,ليساعده بكل ما يستطيع ,,لكنه اراد ان يفعل ذلك بنفسه ليثبت (لجميلة) ووالدها انه رجل يعتمد عليه ,, وغادر القريه على عجل دون أن يتمكن حتى من وداع جميلة ,, ودون ان يطلع احد على وجهته
ممنيا النفس بعودة قريبه يكون فيها قد وجد عملا يناسبه ويكسب منه المال الكافي ليرضى والد جميلة فيبارك زواجه بها
ساعده بعض من عرفهم في سوق القرى المجاورة ووجدوا له عملا
كحمال للبضائع عند احد أصحاب عربات النقل الكبيرة
التي كانت تمر على القرية مرة كل بضع اشهر محملة بشتى أنواع البضائع من العاصمة فتستبدلها بما تنتجه القرى من غلال وعسل وسمن ونحو ذلك ,,
كم من الليالي كان يمضيها في الطرق المقفرة ,, بين الغابات والبراري ,, يلسعه البرد ,, ويرهقه المطر ,, ولا شيء يدفعه
للاحتمال إلا هي ,,وكم من الاخطار واجهته في رحلته ,, قطاع الطريق ,, الذئاب ,,و العواصف ,, وهوام الطرق المهجورة ,,
لكنه كان يحصن ذاته بحلمه بها ,,وأمنيته أن يعود لها ويكون معها الى الابد ..
ارتجف في غضب ,, وهو يذكر كيف أسرع ليلقاها عندما عاد من سفره الطويل أخيرا ,, ليبشرها بما فعل لاجلها وما جناه من المال ليرضي أباها,,
انه حتى لم يمر لرؤية والدته أو الشيخ( احمد)
وكان قد قرر اختصار المسافة والسير عبر طريق الغابة ليصل
في وقت اقصر ,,
فسمع بكاء( زينب) وسط الأحراش ,, وظن انه يتوهم ,, قبل أن يسمعها مجددا و يوقن مندهشا أنها حقا هي
يذكر كيف انفق الكثير من الوقت ليعثر عليها مختبئة وباكية بين الأشجار والحشائش ,,فأخبرته أنها كانت قادمة الى بيته
لامر طارئ ولا يحتمل التأخير لذالك اختارت ان تسلك تلك الطريق .. لكنها شعرت بالخوف وظنت أنها تاهت عن الوجهة التي تبغي ...فاختبأت وظلت تبكي في مكانها خائفة
واعتصر الألم قلبه ,, وحديثها يتردد في أعماقه فيشعلها
ألما ,, عندما أخبرته عن زواج (جميلة ) من (محمد ) ..
أي فاجعة كانت تحملها إليه تلك الصغيرة ؟
ثار ,, وهاج,, وصرخ,, ورفض بشدة تصديق ذلك
ثم انهار وبكى كثيرا بين يدي الطفلة التي شاركته البكاء
وأخبرته أن أختها ستسافر عصرا متوجهة إلى العاصمة
وأنها تعتقد انه الوحيد القادر على منعها من الذهاب
فكر أن يسرع إليها ,, يلحق بها ,, يوقفها ,,
لكن الوقت كان قد أدركه ,,
فوصل حاملا (زينب ) بين ذراعية مع غروب الشمس
وغروب (جميلة) عن حياته للأبد,,!!

Mema 10-08-2009 08:47 PM

كانت (زينب ) قد تعافت توا من حمى ألمت بها جراء التهاب
جرح قدمها البليغ ,, فأصبحت طريحة الفراش لأيام طويلة
نسبة لرفضها للطعام والشراب وعدم رغبتها في الشفاء
لم تعد تلك الطفلة الصاخبة الضاجة بالحياة
وكل من رآها عرف أنها تعاني كثيرا من غياب
(جميلة) وتذبل في كل يوم بعيد عن حضن أختها التي
أحبت ,, حتى أن البعض حدث والدها ليأخذها إليها
في العاصمة علها تعود لطبيعتها المعهودة
لكنه كان يقول دائما انها ستعتاد غياب (جميلة)
وستكون بخير ,,!
كل شيء أصبح بالنسبة لـ(زينب) خال من المتعة والجمال
لم تعد مهتمة بالخروج للعب مع الأطفال
او بالذهاب الى بيت جارتهم (هدية ) لتعلمها الخياطة
لم تعد تستمتع بتقشير ومضغ اعواد القصب امام الدار
ولا بسماع قصص العجوز( مصباح )الخرافية
كانت تؤدي واجباتها اليومية في صمت ,, ثم تختلي بمجموعة
من قطع الفخار والزجاج الملون والقواقع التي جمعتها وأختها
وكانتا تحملانها معهم الى المرعى ,, وتلعبان بها على العشب النضير
كانت تخرجهم ,, تعرضهم امامها في صف طويل
وتكتفي بالنظر المطول للقطع المتباينة أمامها ثم تستخرج تلك القلادة الجلدية ,, وتبكي في حزن
حاولت (آمنة ) التقرب منها بشتى الطرق ,, لكن رفض (زينب ) لها
تفاقم وأصبحت ترفض حتى مجرد الحديث مع والديها ,,
كانت تلتقي (بمصطفى ),, عندما يعود من رحلاته الطويله اذ كان حريصا على الذهاب الى حيث ترعى الماشية ليطمئن على أحوالها ,, ليلتقيا بصمت ,,ويغادرا بصمت ,, وفي داخل كل منهم
حسرة وشوق كبير لمن شاركتهم مجلسهم هذا دائما وغمرته بهجة وحياة..
لم تقتصر أحزان (زينب) على فراق أختها
فقد أصيب (حبيب) أخوها بالرضاعة ,, بسعال شديد
جعله طريح الفراش ,, وملأ قلب امة (هدية ) بالخوف على مصيره
فقد كان ذلك الصوت الذي يصدره عندما يشتد سعاله معروف لديهم
ومؤشر يدل على سوء وضع المريض ,,
أخذوه إلى الحاج (إدريس ) معالج أهل القرية والذي كان
خبيرا بالأعشاب وتأثيراتها .. وكان يداوي الناس بوصفاته المختلفة والمتنوعة وبالحجامة والكي والفسط وجراحات اخرى كتوسعة مجرى الحلق وازاله اللهاة واللوزتين
كل ذلك بأدوات كان يصنعها وحده من قرون البقر والسكاكين
وقطع المعدن والخشب,,,
وبعد ان عاينه واستمع الى صوت سعاله اخبرهم الحاج (أدريس) انه لابد ان يأتوا له بحليب الأتان
المغلي مع بعض الأعشاب النادرة ليشفى ,, وكان على والده السفر للحصول على الوصفة المطلوبة ,,وعاد بها ,, لكن بعد فوات الاوان ’’
وانتهى الصيف حزينا كما بدأ ,,, ومع حلول موسم الامطار
حدثت مفاجأة لم يتوقعها احد,,
فلقد عادت (جميلة ),,


الساعة الآن 12:24 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.