سودانيات .. تواصل ومحبة

سودانيات .. تواصل ومحبة (http://www.sudanyat.org/vb/index.php)
-   الســــــرد والحكــايـــــة (http://www.sudanyat.org/vb/forumdisplay.php?f=14)
-   -   (حصــــــــــاد غيمة)..☼ قصه ☼ (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?t=11508)

Mema 17-08-2009 04:42 PM

وقفت (زينب) أمام السنة اللهب التي أخذت تتراقص وتتلوى بجنون
على وقع الريح .. ,, انتفضت عندما شعرت بيد تمس كتفها بهدوء
والتفت لتجد (مصطفى) يقف خلفها مباشرة قال متسائلا ..
_ماذا تفعلين هنا يازينب ؟ لم اشعلت النار ؟
كانا بعيدين عن المنازل في منطقة مرتفعة مليئة بالصخور قالت
_اخبرتني خالتي (هدية) أن الجن هم من جعلو (جميلة)تمرض لانهم اشرار ..
ولكن الشيخ (احمد ) يعرف كيف يأدبهم ..
لم يقل شيئا فتابعت
_وعندما بكيت كثيرا بعد ان مرضت (جميلة )اخبرني العم (مصباح)
عن صديقه (جمال) قال أنه كان يرتجف بشدة ثم يسقط فاقد وعية كما حدث
(لجميلة)لكنه كان يستيقظ بعد فتره قصيرة ,وكان ينسى كل ما جرى له ..
نظر اليها مشفقا وقال
_ستشفى (جميلة ) يا زينب .. من اجلك ومن اجل احمد ومن اجلي ايضا
نظرت الى السنه اللهب التي راحت تخبو وقالت مشيرة اليها ..
_هذا الثوب الذي أحضروه لجميلة لتذهب الى الجنه
سرت القشعريرة في جسده وانتفض قلبه بين ضلوعة وهو يهمس بصعوبة
_,, لم احرقته يازينب ,, سيغضب والدك كثيرا ..؟
عقدت (زينب) حاجبيها وقالت صارخه
_ .. (جميلة) وعدتني ان تبقى معي أو أن تأخذني معها ان ذهبت..
لقد احضر والدي لها هذا الثوب ليبعدها عني مرة اخرى .. لكنني لن اسمح له بذلك
لقد أحرقته حتى لا يأخذونها الى أي مكان..
نظر اليها (مصطفى) بعينين دامعتين للحظات
ثم ضمها اليه قائلا....
_حسن فعلت يا (زينب ).. لأن (جميلة) لن ترحل,,ليس الان ..
فلقد وعدتني ايضا .وسنكون معا بعد الحصاد .!

Mema 17-08-2009 04:43 PM

أقبل الصيف ,, وانحنت سنابل القمح الناضجة وكأنها
ترغب في طبع قبلة وداع على جبين أمها الأرض
التي احتضنتها ورعتها منذ ان كانت بذرة تغفو في مخدع
الانتظار لموعدها الاول مع الريح والشمس ...
وانتشرت مجموعة من رجال ونساء وفتية القرية في تلك المساحات الذهبية الشاسعة ,, حاملون مناجلهم يعملون بنشاط كبير وبعضهم يردد تلك الأناشيد التي اعتادوا
على إنشادها في موسم الحصاد..
و من بين الجموع اطل (مصطفى) وقد غمر العرق وجهه
وبدت إمارات القلق واضحة على ملامحه وهو يبحث ببصرة بين الجموع عن شيء ما
و ما لبث أن ابتسم في ارتياح وتقدم بضع خطوات وهو يقول
_لم ارى من هي اشد منك عنادا يا زينب .. الم أقل ليك
أن لا تحملي (أحمد) على ظهرك مجددا.!؟ لقد أصبح رجلا
ضحكت( زينب) ,, فازداد وجهها الساحر جمالا وانحنت بقامتها الطويلة المفعمة بالأنوثة وأنزلت طفل الخمسة أعوام الذي كان يتعلق بظهرها قائلة
_لقد تعب من الوقوف .. فأشفقت عليه
نظر (مصطفى) الى (احمد) قائلا
_ألم يكن من الأفضل لك أن تبقى لتلعب مع الأطفال
بدلا من ان تعذب (زينب) هكذا
قال (احمد) عابثا
_امي (زينب) هي التي حملتني وحدها انا لم اطلب منها ذلك
ضحك الجميع بصفاء ..و ما لبث أن قال مصطفى بشيء من الحزن
_هيا يا(زينب ),, سنتوقف عن العمل باكرا اليوم ,,إنها ذكرى رحيلها ,,
ويجب أن نزور قبرها
همست (زينب) وقد انتقلت إليها موجة الحزن
_سنأخذ (أحمد) معنا أليس كذلك ؟لقد حكيت له عنها كثيرا وهو يرغب في زيارتها ..
هز (مصطفى) رأسه موافقا وحمل الصغير على كتفية وقال
_سنمر بالبيت اولا ,, وبعدها سنواصل طريقنا الى المقبره ...

Mema 17-08-2009 04:45 PM

اندفع (أحمد )محدثا ذلك الضجيج الطفولي الصاخب
معلنا عن قدومه الى البيت
وتبعته (زينب )مداعبة إياه ,, وما أن وصلت إلى الفناء حتى
اتسعت ابتسامتها وقالت في حنان وهي ترفع الطفلة التي جاءت إليها مسرعة رغم خطواتها المتعثرة ومدت ذارعيها مطالبة (زينب) بحملها
_مرحبا بالأميرة الصغيرة ,, لقد اشتقت اليك كثيرا
ماذا فعلت اليوم في غيابي ..
وهنا دخل (مصطفى) وصاح وهو يربت على رأس
الصغيرة التي استقرت بين ذراعي (زينب) في سعاده
_ لقد عدنا .. لكننا ذاهبون لزيارة قبر والدتي .. أين أنت جميلتي ؟
وظهرت (جميلة) من الحجرة ممسكة بكف (احمد) الذي
توجه فور دخوله الى البيت حيث كانت وعانقها بشوق كبير
...كانت تسير بصعوبة وقد أثقلها
حملها الذي كان في نهاياته وقالت
_ليتني استطيع الذهاب معكم ..
اسرع( مصطفى) اليها وامسك بيدها قائلا
_ستذهبين بعد أن تضعي حملك بإذن الله.. اقترحت (زينب)
أن نأخذ (أحمد) معنا ..ما رأيك؟
ابتسمت( جميلة )وقالت
_ستكون خالتي رحمها الله سعيدة بوجوده معكم فلقد أحبته كثيرا ..
طبع (مصطفى ) قبلة على جبينها وقال
_سنذهب الان حتى لا نتأخر..
ثم رفع (أحمد) على كتفيه وقال مخاطبا (زينب)
_سيكون الشيخ (احمد) هناك .. وبعض الجيران
علينا أن نسرع لنعود قبل الظلام
قالت (زينب) وهي تنزل الصغيرة وتقبلها في حنان
_سأحضر الطعام ,, وألحق بكم

راقبتهم (جميلة) بحب كبير ,, ووضعت يدها على بطنها
واتكأت برأسها على الحائط وراحت تسترجع كل الأحداث السعيدة التي غمرت حياتها في السنوات الخمس الماضية...
فنجاتها بأعجوبة من موت محقق كانت معجزة حقيقية
أشعلت البهجة في قلوب الجميع ,, وخاصة أختها (زينب )
التي كانت تؤمن بشفائها دون شكوك
وبعد ان تماثلت للشفاء .. تقدم (مصطفى) طالبا إياها من والدها
الذي رحب به كثيرا ,, وعندما أقبل الصيف تم الزواج بعد الحصاد الأول لأرض (مصطفى)..
وانتقلت (جميلة) مع ابنها( أحمد) و(زينب ),,
الى منزلها الجديد ليحيطها (مصطفى ) بكل حبه
ورعايته .. وتظلل عليهم والدته بحنوها وعطفها البالغين

ولم يعكر صفو سعادتهم سوى رحيل أم (مصطفى) عن العالم
بشكل مفاجئ ودون سابقة مرض أو حمى ,,كان ذلك بعد عامين من زواجهم ,, وتزامنت وفاتها مع وقوع ظاهرة طبيعية أثارت الرهبة في قلوب الجميع .. فقد اختفى قرص الشمس تدريجيا حتى اصبح حلقة متوهجة للحظات قبل ان يعاود الظهور ويعود لوضعه الطبيعي.. وأكد الحدث للكثيرين من
أهل القرية أن (طيبة) الكفيفة .. لم تكن امرأة عادية ابدا.

عادت السعادة لتعم أرجاء المنزل الصغير عندما أنجبت (جميلة ) مولودتها الاولى من (مصطفى)وأسمتها (طيبة) تيمنا بوالدته الراحلة ..
وهاهي الان على وشك أن تضع مولودا جديدا وبرغم
المتاعب التي كانت تواجهها في فترات حملها لكنها
كانت تعلم أنها لا يمكن ان تكون أكثر سعادة من الآن
فهاهي محاطة بكل من تحب وما تحب حقا

Mema 17-08-2009 04:46 PM

..وابتسمت بمحبة كبيرة عندما طرأت (زينب) بخاطرها
فهاهي الان تراها كما تمنت دائما أمرأة جميلة وقوية
وذات قلب كبير .. فبرغم رحيلها معها عن بيت والديها فهي لم تتوقف يوميا عن زيارتهم لقضاء حوائجهم ما استطاعت ..
وكانت تساندها في اعمال البيت اضافة الى المساعده في الحقل ورعاية الاطفال
... دون تذمر او شكوى.. بل وبفرح كبير وحماسه صادقة

وأمتلأت عينيها بالفخر وهي تسترجع ما حققه زوجها (مصطفى) خلال الاعوام الماضية لاجل أسرته الصغيره ولاجل اهل القرية أجمعين .. فلقد أستطاع بفضل
معارفه في المدينة ان يقيم مدرسه صغيره ..لتعليم الاطفال .. على أن يأتي
بعض المدرسين من المدينة خلال فصل الصيف .. لتدريس المناهج التي تعطى
للأطفال المدينة,, فقد كان يقول دائما ان الكتابة والقراءة تفتح للانسان الطريق
وبعدها سيحتاج حتما الى الخارطة ليمضى في طريقه ..ولا يكون ذلك
الا بتدريس بقية العلوم بشكل منهجي منظم... وهكذا قوبل اقتراحه بالكثير
من الحماس وساعده أهل القرية في بناء المدرسة..
وقدم له الشيخ (احمد)الكثير من الكتب التي قام بكتابتها بخط يده
بدأ من المصحف الشريف مرروا بتفسيره والأحاديث النبوية
وقصص القران وعلوم الفقه والتجويد والكثير من النصائح التي لا تقدر بثمن ...

ولكم غمرتها الفرحة أمام مشهد الأطفال يجلسون في صفين منفصلين ..
صف للبنين واخر للبنات ذلك الذي اصر (مصطفى) على إقامته رغم اعتراض
البعض كهدية منه الى زوجته التي تمنت ان تتعلم دائما ..
وعلى الرغم من عدم قدرتها على حضور الصفوف لكنها
اكتفت بسعادتها لأجل (زينب) التي اجتهدت كثيرا لتتعلم
إذ كانت تتمنى أن تستطيع ان تشارك أيضا في عملية تدريس
الأطفال بعد أن تجتاز جميع المراحل المقررة بنجاح..
ولكم شعرت بالراحه والرضى وهي ترى ثمار المعرفة
والعلم وقد اينعت في خصال شقيقتها ,, فأصبحت أكثر
قوة وصلابة وثقة ..

ولقد أيقنت أنها قد تغيرت أيضا .. بفعل ما مرت به من تجارب
وعثرات جعلت منها امرأة اكثر حكمة وقوة ,, بعد ماحدث قبل عام من الان عندما فاجأهم زوجها السابق (محمد) بزياره غير متوقعه ,ولكم بدا مختلفا .. وقد اكتست ملامحه بحزن عميق
وأخبرها أن والده قد توفي ,, بعد ان عانى طويلا
من داء عضال ..
وقال ان رغبته الاخيرة كانت أن يعيدها وابنه
الى بيته ,,والان وقد علم انها قد تزوجت وانجبت
من زوجها .. طلب منها أن تسمح له بأن يأخذ (أحمد)
نزولا عند رغبة والده .. واخبرها بصدق انه تبدل ولم يعد
(محمد) الذي عرفته وكرهته
فقالت له بقوة لم يعهدها بها
_لو كان أمره يهمك حقا لما أنتظرت حتى يطلب
منك والدك ذلك .. اتدري انني نجوت وهو من موت محقق بفضل
الله وفضل رعاية من يحبوننا ونحبهم .. ! ولولا ذلك لما وجدتنا اليوم
فبأي حق تطالب به وانت لا تعلم عنه أي شيء
امتلأت عينية بدموع الندم وهو يقول
_ سيكون بخير معي أن سمحت لي بأخذه الى المدينه
لانه سينال افضل تعليم وسيرتاد الجامعه ليكون مهندسا او طبيبا ..
قالت
_سيكون ذلك بدأ من هنا ودون أن تنتزعه مني .. سيكمل تعليمه حتما ..
لكنه سيتعلم كيف يحب الخير للاخرين وكيف يكون رجلا نبيلا يعتمد عليه اولا ,,
ولن يحدث هذا بعيدا عن هذه الارض وهاؤلاء الناس ,, لان هذه القريه هي
المدرسه التي ارتدناها جميعنا وتعلمنا فيها كل القيم الجميلة
التي افتقدتها فيك ,, اسفة فأنا لا أريد أن يصبح (أحمد) مهندس او طبيبا
بدون قلب مثلك..
ورحل (محمد) حتى دون ان يلقى نظرة على ابنه ,,
فأيقنت أنها قامت بالصواب تماما ,, ولم يسمع احد عنه
من يومها
....
توقف سيل افكارها عندما ركضت (طيبة) التي كانت
تلهو عند المدخل وتشبثت بثيابها مطالبة اياها بحملها
فابتسمت لها وامسكت كفها ثم ملأت صدرها
بذلك الهواء النقي ,, المشبع بتلك الرائحة التي
تفوح من الحقول عندما يحين الحصاد
ولا يميزها الا من يعرف أحوال الارض .. والغيم ..والسنابل
والجداول .. ويعشقها ملء القلب والوجدان


تمت بحمد الله

Mema 17-08-2009 04:49 PM


ملحوظه

قد يرى البعض ان احداث هذه القصة
مفرطة في التفاؤل ..
وبعيدة عن ما يحدث حقا على ارض الواقع
لكن دعوني أخبركم أنها مستوحاة من أحداث حقيقية
لأشخاص عرفوا قيمة الحياة فاستحقوها بكل جداره

ولمن مر من هنا
شكرا جزيلا لكل من تابعني
رغم طول المشوار
واتمنى ان تكون الحروف قد نالت استحقاق متابعتكم

مودتي للجميع

Mema


الساعة الآن 01:16 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.