سودانيات .. تواصل ومحبة

سودانيات .. تواصل ومحبة (http://www.sudanyat.org/vb/index.php)
-   الســــــرد والحكــايـــــة (http://www.sudanyat.org/vb/forumdisplay.php?f=14)
-   -   (حصــــــــــاد غيمة)..☼ قصه ☼ (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?t=11508)

Mema 26-07-2009 11:06 AM

(حصــــــــــاد غيمة)..☼ قصه ☼
 

[align=center]

مدخل ,,,


’’أنا الفلاح الذي
أجاد أغنيات الأرض
منذ عبوره الاول
وحتى عناقه الاخير
زرعت أحلامي في الغيم يوما
فأمطرت السماء عشقا
بلون الدم
وكان عهد الماء والطين
ميثاق حياة لا ينقضه
حتى جبروت الموت’’

[/align]

Mema 26-07-2009 11:08 AM



وقفت (زينب) ذات الأعوام السبعة في حيرة وجزع أمام شقيقتها (جميلة )
التي كانت تتأوه ألما في فراش صغير ,, وقد شحبت على نحو مخيف ,,
و تصبب العرق غزيرا على جبينها الواسع وانحدر ليختلط بدمعها الغزير
فيغسل بقية وجهها الغائم رهقا ,,
وامتلأت عيناها بالدموع الصامتة وخوفها يتفاقم مع ارتفاع حده
آلام وتأوهات( جميله),, وفي رأسها الصغير دارت الآلاف الأسئلة
التي كانت تتوق لإجابات شافيه لها لكنها لم تجرؤ على طرح أي منها
فقد كانت رهبة الموقف في قلبها تطغى على ما سواها ,,
وانتفضت بشده عندما أمسكت بها والدتها دون مقدمات وجذبتها إلى
خارج الغرفة وأمرتها بالبقاء هناك,,
ثم أغلقت الباب ,,!!

*****


Mema 26-07-2009 11:08 AM




ولادة متعسرة ,,!!
هكذا جاءت (جميلة ) لهذا العالم ,, وقد تأرجحت والدتها (آمنة ) من بعد قدومها
طويلا بين الموت والحياة واحتاجت إلى الكثير من الوقت لتستعيد عافيتها ونشاطها ,,
لكنها احتاجت لوقت أطول بكثير ,, بل والى أصناف لا تحصى من الأعشاب
والجذور وكل ما توفر من سبل العلاج لتنجب لها أخا أو أخت ,, فلم يحدث إلا
بعد مرور عشرة أعوام كاملة من السعي و الانتظار,,
لم تعاني(آمنه) من الناحية الجسدية كثيرا عندما وضعت (زينب ) لكن الجميع
أصيب بصدمة عنيفة عندما مدت لها القابلة طفلتها الصغيرة وصراخها الملتاع
يملأ المكان ,, فلم تبتسم بحنو ولم تمد يدها لتتناولها بلهفة وشوق ,, ولم تضمها
إلى صدرها وتبكي في مزيج من الفرح والراحة ,, إنما ,, انكمشت وأشاحت
بوجهها في انزعاج شديد
ظنت القابلة انه أمر مؤقت ,, فناولت الطفلة لأختها الكبرى(جميلة) التي
أصرت على حضور ميلاد شقيقتها المنتظر بعد أن حذرتها من إسقاطها أو
حملها بطريقة خاطئة بصوتها الخشن الجهوروتابعت اهتمامها بالأم ,, وما أن
استقرت الصغيرة الباكية بين ذراعيها ,, شعرت (جميلة) بفرحة لا توصف ,,
ورغبت بشده أن تبقى في حضنها للأبد ,,!
ويبدو أن أمنية (جميلة) تحققت..!! ,, فلم يكن رفض (آمنه) الشديد لاقتراب
مولودتها التي اشتهت طيلة العشرة أعوام الماضية منها أمر مؤقتا كما قالت القابلة ,
واستمر.. بل وازداد عنفا وغرابه مع الوقت فهي , لم ترغب في رؤيتها حتى,,,
ورفضت إرضاعها برغم من محاولات الجميع في إقناعها بذلك,, وتحول حالها
وأصبحت خارج دائرة الوعي لا تغادر فراشها إلا نادرا ولا تحدث أحدا ولا تهتم بذاتها
ولا بمن حولها لأمد طويل



Mema 26-07-2009 11:09 AM



وفي تلك المحنه ,, تكفلت (جميله) بـ(زينب ) وبكل سرور ,,
فكانت لها أم محبة حانية صغيره ,,,تحملها إلى منزل جارتهم
لتقوم بإرضاعها مع ابنها كلما أجهشت بالبكاء ,, وترعاها وتعتني بها
بأقصى ما تستطيع ,, وقد انصرف والدها عنهما للاهتمام بالأم وبعض
شؤون المنزل إضافة إلى عمله المعتاد,, حيث كان يمضي جل وقته خلف
المنزل الصغير يعمل على ثمار القرع بأحجامها
المختلفة ليصنع منها الأواني والحافظات ,, ثم يحمل ما صنع الى
السوق في القرية المجاوره ليستبدله بما يحتاج من عسل او دقيق
او قطع الثياب في حال الحاجة,,فينفق يوما كاملا مع حماره العجوز
في رحله الذهاب والعودة عبر تلك الطرق الجبليه الوعرة.....
وبعد ميلاد (زينب ) ومرض(آمنه) ,, أصبح أكثر انطواء على ذاته
وقليلا ما كان يسأل( جميلة) في اغتضاب ,,
_كيف حال الصغيرة ,,
فتجيبه بسيل من القصص و الحكايا عن تفاصيل ما يحدث لها
مع زينب طيلة اليوم ,,
لكنها كفت عن رواية تلك القصص ,, وأصبحت تجيبه بكلمة أو
كلمتين مختصرتين بعد أن سمعته يوما يحدث جارتهم (هدية ) ويقول لها
وهو يشكرها على إرضاعها لابنته الصغيرة واهتمامها بها ما استطاعت ,
ان هذه الطفلة نذير شؤم وأنها مصيبة وابتلاء من الله سيصبر عليها ما استطاع,,
ويردف في حزن عميق,, انه كان مكتف تماما بـ(جميله) ولا يرغب
الا بحياة هادئة مع زوجته ,, لولا إصرارها هي على الإنجاب مجددا ,,,
كان ألم (سعيد ) بما حل بزوجته كبيرا ,,ولأن معتقداته كانت تدفعه
للتصديق بأن بها مس من الجن أو السحر أو سوء الطالع
فلم يوفر جهدا في تنفيذ كل ما كان يطلبه منه (هارون) الرجل الذي
اشتهر بين القرى بقدرته على معالجه الشر ,, بتعامله مع الجن والشياطين ,,!
وعندما فقد الأمل في عودتها لرشدها ,, طرق باب الشيخ (أحمد) في انكسار,,
يرجوه أن يشفيها فأجابه الشيخ دون ان يرفع رأسه من كتاب مهترئ بين يديه
_يا أخي (سعيد) أنا لا أشفي أحدا ,, الشفاء بيد الله ,,فإن أردتني أن أسعى لأكون
سببا فعليك أن تؤمن بذلك أولا...
دمعت عينا (سعيد ) قائلا ,,
_ونعم بالله..
فما كان من الشيخ احمد إلا أن نادى على ابنته وطلب أن تأتيه بإبريق الوضوء
وقراء عليه بعض الآيات ,,ثم مده الى (سعيد) قائلا,,
_ اسقها بعد ان تذكر اسم الله عليه ...ولا تنسى ان تدعو لها دوما .



Mema 26-07-2009 11:11 AM


لم تكن طفولة (آمنة) سعيدة قط ,,فهي لم تنعم بدفء حضن الأم
ولا حنان الأب إذ ماتت ولدتها بعد ميلادها مباشرة متأثرة بالحمى ,,
وكان والدها امرئ سوء ,,يقضي جل وقته في طرقات القرية
برفقه الشراب ,, وخيالاته وأحلامه التي لا تكف ليلا أو نهارا ,,
وقد عاشت في منزل خالتها المكتظ ,, تعاني من قسوة زوجها
وتسلط أبنائها الكبار ,, وكثيرا ما كانت تنام جائعة عندما لا يتبقى
لها مع كثرة أفراد الأسرة سوى إناء فارغ لتغسله
,,, قالت لها خالتها يوما ,,,
_أظن أن لك إخوة يفوق عددهم أولادي بكثير لكنهم لن ينافسونك
على شيء فهم لن يعرفوك أبدا ولن تعرفينهم,,
وصمتت للحظه ثم أردفت ,,
_أمك صبرت كثيرا ,, وكانت تهرب من أحاديث الناس عن مغامرات
زوجها بالصمت ,,أظن أن موتها كان هروب أيضا
,, أرجو أن لا تصبحين مثلها !
لم تفهم (آمنة) ما قصدته خالتها الا بعد أن كبرت ,,
وعرفت حقيقة والدها وما كان عليه,, وحقيقة أجادتها لفن الهروب أيضا .!!
,, عندما التقت (سعيد) كانت قد تجاوزت مراهقتها الوعرة توا ,,
كان رجلا في أواسط الثلاثينات وقتها ,, توفيت زوجته
فأضناه حزنه عليها وقرر الرحيل عله ينجح بنسيانها
وجاء به القدر الى قريتهم الجبلية الصغيرة ولم يمض الكثير من
الوقت حتى نسي أحزانه وباشر حرفته التي يتقنها أكثر من غيره
وأعجب بنشاط وجمال( آمنة ) و اختارها لتكون زوجه له ,,
فوافقت بغبطة وفرح ,,
واستطاع بعمله وبمساعده أبناء القرية أن يبني لها بيت متواضع ,,
ولم يمضي بعض الوقت حتى كان قادرا على شراء بقرة حلوب ,,
وبضع دجاجات وديك ..
وظنت (آمنة ) أنها أخيرا حصلت على الجنة التي كانت تتمنى
لكنها ما لبثت أن عادت لمسار حظها المتعثر عندما عجزت عن الإنجاب
بعد بكرها (جميلة) ,, فقد كانت تحلم بأن يكون لها صبي يعينها إذا ما
تقدم بها العمر وألم بها المرض ,,
وانتهى بها الأمر في عالم آخر ,, تناجي فيه رؤاها وأحلامها
أتراها كانت تمارس الهروب الذي ورثته عن والدتها على طريقتها الخاصة ؟
من يدري ,,!!


أمير الأمين 26-07-2009 12:09 PM

ميما ..
جميل هو سردك.. ومشوق درب الحكى عندكِ

نكشة..
لذوى الاربعة عيون ..امثالنا..
الخط باهت قليلا...
بل كثيرا!!:D
نرجو التعديل..
مودتى
َ

Mema 26-07-2009 12:35 PM

الأخ الكريم أمير الامين

يسعدني كثيرا تواجدك هنا
ومتابعتك
واعتذر عن عدم وضوح الخط
واتمنى ان تبقى للمتابعه وانتظر رأيك في نهاية
السرد

مودتي

Mema 27-07-2009 09:04 AM

.....
لم يكن موسم الأمطار قد انتهى بعد عندما أصيبت زينب
بداء الجدري ,, وتناثرت البثور على جسدها المحموم الصغير,,
ولم يتمكن احد من إبعاد (جميلة )عنها مخافة العدوى ,,فتركوها
لمصيرها تقضي وقتها ليل نهار إلى جوار زينب الغائبة عن الوعي ,,
تخفف الحمى عنها بقطع القماش المبتلة وتسقيها الماء والحليب ,,
و نقيع الأعشاب والجذور وتمسح جسدها الغض بخليط الطين والعسل ,,
وتمضي ليلها تبكي إلى جوارها حتى يغلبها النعاس
فتنام على مقربة منها ,,,,واضطر والدها إلى استئجار الفتى
(مصطفى) ليقوم بأعمالها إذ امتنعت عن مفارقة أختها
لأي سبب كان ,,
وفي إحدى الليالي رأت في منامها امرأة شعثاء الشعر
لها جسد حصان ,, كانت تبكي في فيناء المنزل
وبرغم خوفها سألتها عن ما بها ,,
فقالت أنها ترغب بالعودة إلى أمها ,, فتوجهت جميلة نحو الباب
وشرعته أمامها لتنطلق في طريقها دون أن تلتفت إلى الخلف,,
وعندما قصت رؤياها على والدها
ابتسم لها قائلا ,,
_يبدو أن أختك ستشفى قريبا ,,
وفعلا ,,لم يختر الموت زينب من بين عشرة أطفال آخرين في القرية ,,
قضوا متأثرين بالمرض ,,
وببطء شديد راحت الصغيرة تسترجع ألوان الحياة وتستعيد عافيتها
وسط فرحة (جميله )الغامرة بشفائها ,,
,,

Mema 27-07-2009 09:07 AM

كانت الشقيقتان قد اعتادتا على لقاء (مصطفى) كل صباح ,,
ليذهبوا سويا إلى المرعى ,, وكانوا يقضون الوقت بين اللعب والعمل ,,
فلا يشعرون بالملل ولا بالتعب الا عندما يعودون الى منازلهم فيسقطون في
نوم عميق ..
( مصطفى )يكبر( جميلة) ببضع سنوات ,, لكن حياته القاسية أجبرته
على ان ينضج قبل أوانه ,, فقد ولد يتيما ,, إذ توفي والده متأثرا بجراحه ,,
بعد ان اعتدت عليه مجموعه من الذئاب ,, في طريق عودته من السوق ,,
وكان قد تأخر قليلا فأدركه الليل وهو لا يزال على قارعة الطريق ,,ولم يترك
لزوجته الحبلى سوى بيت صغير وكم هائل من الهموم وابن آت لمستقبل مجهول ,,
وفي ظروف قاسية أنجبت (أم مصطفى ) مولودها ,, وسط اشفاق الاهالى وخوفهم
على مصيرها ,, وهي امرأة وحيده جاء بها زوجها من قرية بعيده ,,
وكانت قد أصيبت بالتراكوما منذ الصغر ,, فضعف بصرها ,, واستصعبت الرؤية
حتى أطفئ نور عينيها تماما بعد بكائها المتواصل على زوجها الراحل ,,
وكن نساء القرية يتحدثن عن (أم مصطفى ) على أنها امرأة مبروكة ,,ويهمس البعض
أنها ربما كانت من سلاله أولياء صالحين ,, ويرجح البعض الآخر انها تزوجت بملك
من (الجن) بعد وفاة زوجها ,,,فبالرغم من قلة حيلتها ,,_ أرملة ضريرة ترعى
طفل وليد_..لم تمد (ام مصطفى) يدها استجداء او تطلب شيئا من احد ,,
وأكدت جارتها أنها كلما ذهبت لزيارتها وجدت عندها رزقا ..وكانت تجيبها عندما
تسألها عن مصدر ذلك الرزق انه من عند الله ,, والله كريم لا ينسى احد ..
وكبر(مصطفى) واشتد عوده ,, ليصبح ذلك الفتى المحبوب من الجميع لسماحة
نفسه وجمال خلقه وأخلاقه ,,ولكم كان بارا بوالدته الضريرة ,,يخرج صباحا
بماشية المقتدرين من أهل القرية ,,ليعود مساء بما تجود به أنفسهم فيوفر لوالدته
قوت يومها ,,ويكسوها ,, ويحاول جاهدا ان لا يجعلها تحتاج الى شيء ,,
وبرغم عمله الشاق كان حريصا جدا على حضور دروس الشيخ(احمد) والتي كان
يؤديها في بيته الواسع دون اجر او مقابل ,,فيستقبل الصبيه بعد ان يصلي العصر
بالناس ويوزع لهم ألواحهم ثم يعلمهم القراءة والكتابة والقران الكريم
وكان (مصطفى) قد حفظ القران كاملا عندما اصبح عمره خمسة عشر عاما ,,
ولم يخف على احد مقدار المحبة التي كان يكنها للشيخ أحمد ..

وفي يوم ما ,,
كانا يفترشان العشب وينظران الى السماء وبجوارهما كانت (زينب) تغط في نوم
عميق عندما سألته (جميلة) عن سبب محبته الشديده للشيخ (احمد) ,,
قال لها
_سيكون سر بيننا
أومأت موافقة في فرح فقال
_لابد وانك سمعت بحكاية الرزق السماوي الذي كان يأتيني ووالدتي .؟!
أجابت وهي تنظر إلى الغيوم البيضاء السابحة في السماء وقد بدت قريبه جدا,,
_قالت جارتنا (هدية) أن ملاك كان يهبط من السماء كل يوم
قبل صلاة الفجر محملا بكل ما تحتاجونه من مأكل ومشرب وملبس
ابتسم (مصطفى ) قائلا
_هذا الملاك هو الشيخ (احمد)
شهقت جميله في دهشه ورفعت رأسها لتنظر مباشره الى عينيه فتابع
_هو من كان يرعنا ولا يزال ,,ولقد طلب مني ان لا اخبر أحدا
,, لهذا أحبه كثيرا يا (جميله) و أريد أن أكون مثله عندما
اكبر ..

Mema 27-07-2009 09:09 AM

لم تستطع (جميلة ) إقناع (زينب )بالاقتراب من والدتها
بعد أن بدأت الأخيرة بالتماثل للشفاء
وبرغم فرحتها العارمة لعودة والدتها لطبيعتها المحببة
لكن رفض (زينب ) للاقتراب منها كان يفسد عليها فرحتها
ويحيرها ويؤرقها كثيرا ,,
وبحزن طلبت منها (آمنه) أن تتوقف عن محاولاتها الفاشلة
فـ(زينب ) لا تعرف أما سوى (جميلة) وتعتبرها هي غريبة عنها ,,
وهكذا ,, عادت (آمنة ) تدريجيا لطبيعتها ,, ولكن الشرخ الكبير
بينها وبين (زينب )بقى على حاله ,, بل وازداد اتساعا ووحشة..

تذكر(جميله ) جيدا نظرة (زينب ) ولهفتها الشديدة,, يوم وضعت
بقرتهم عجلها الأول ,,وقتها لم تكن قد بلغت الرابعة بعد
تذكر تماما كيف وقفت تراقبها وجارتهم (هديه ) وهما تساعدان البقرة
حتى خرج العجل الصغير مبتلا والتفتت البقرة نحوه مباشرة
تداعبه بلسانها الخشن الكبير وكأنها تقبله في حنان
من المستحيل أن تذكر( زينب) ما حدث يوم ميلادها
ولم يكن لعقلها القدرة على تحليل ما كان بينها وبين والدتها في ذلك
الوقت لكنها ولسبب ما كانت مأخوذة بالمشهد حتى النخاع وظلت تحدق
بعينين مندهشتين حتى تمكن العجل من الوقوف على قدميه متعثرا ليسقط
وينهض مجددا وأمه لا تكف عن مداعبته بحنان ,,
برغم ابتسامتها كانت (زينب ) تبكي بصمت ,, فتأثرت جميلة
كثيرا وكذلك جارتهم (هدية ) التي قالت لها مداعبه
_ هذه البقرة الصغيرة ستكون لزينب,, ماذا تريدين تسميتها ,,؟
ولم تجب (زينب ) يومها
وانسحبت من الحظيرة بهدوء وصمت

Mema 27-07-2009 09:11 AM

,,,
كانت (زينب) قد بلغت عامها الخامس عندما اجتاح الجراد القرية
فلم يبقى على الأخضر ولا على اليابس..
كان عاما قاسيا ماتت فيه معظم الماشية وفقد المزارعين محاصيلهم
وانتشر الجوع والمرض ,, فقضى الكثير من الأطفال وكبار السن
وكانت مأساة تاريخيه عمت بضع قرى مجاورة
وعندما عاد المطر ,, كان بمثابة الخلاص والأمل المنتظر
ولن ينسى من شهد ذلك العام ,, كل الأحداث التي مرت ,, ولا
الاحتفال الكبير الذي أقيم على شرف المطر,, ولم يتغيب عنه احد ..

يقال أن الجراد توجه إلى غابات البن أعلى الجبل ,, ولم يبقى في أشجارها
على حبة بن واحده..
فخلت الاسواق من تلك الحبوب ,, بعد ان كانت متواجدة بكثرة ,,
حتى ان الثمار الحمراء الصغيرة كانت تباع طازجة في المواسم
كفائض عن الحاجة ,, فيستمتع الاطفال بمذاقها الحلو المتميز ,,
ولم يتصور احد من السكان المحلين كيف يمكن أن تكون الحياة بدون قهوة ..!!
كانت (آمنة) كمن يحتضر دون قهوتها الصباحية ,,
وتدهورت حالتها مجددا ,, فأجتهد (سعيد) ,, وسافر مسيرة أيام محملا
دابته العجوز بكمية مضاعفة من الأواني التي عكف على صنعتها في الأسابيع الأخيرة ,,
ليعود لها بالحبوب الغالية ,,فاستعادت نشاطها فور ارتشافها لفنجانها العزيز ,,
وكما الأشياء الثمينة لفت (آمنة ) حفنة البن في صرة من القماش خبأتها في
وعاء فخاري كبير ,,,وعندما لاحظت وجود الطفلتين تراقبانها حذرتهم بشده
من أن يعبثوا بكنزها أو يطلعوا أحد على مكانه,,

ولم تمض أيام حتى طرق بابهم شيخ كبير
رجل في ثياب رثه ,, وحال مزرية كان يتكئ على الحائط
وقدماه عاجزتان عن حمله,, وقتها كانت الفتاتان قد عادتا لتوهما من
المرعى ,, استقبلته (جميلة ) ومن خلفها (زينب )
فأخافهن مظهره الرث ,, وسألته (جميلة ) ان كان يريد طعاما
فقال بعد جهد أن رائحة القهوة التي فاحت من بيتهم صباحا قادته إليهم
وانه لا يريد إلا بعض البُن ,,!
تبادلت الفتاتان نظرة خوف ,, ثم ما لبثت (جميله) أن قالت بشيء
من التردد
_لا نستطيع مساعدتك فليس لدينا سوى القليل وهو خاص بأمي
وبدونه ستمرض,,!!
زفي تلك اللحظة سالت دماء حمراء من انف الرجل بغزاره مفاجئه
فتشبثت (زينب ) بثياب جميله وشعرت برعشتها وبرودة كفيها
وعرفت أنها كانت خائفة أيضا ,,
والرجل يهمس بصعوبة ,,
_أرجوك يا ابنتي فقط القليل احتاج الى رائحة القهوة ,, وإلا قد أموت ,,
القليل فقط ...القليل..
وتهاوى على ركبتيه فانطلقت من (زينب) شهقة مكتومة
فوضعت (جميلة ) يدها على فمها ونظرت اليها قائلة
_سأعطيه بعض من بن أمي ,,
أطلت نظرة خوف من عيني( زينب) فتابعت (جميله) هامسة
_لا تقلقي هي لن تعلم.... فلن يخبرها احد
واتجهت في حزم إلى المطبخ وبحرص استخرجت الآنية الفخارية
من الخزانة ورفعت عنها الغطاء وأخرجت تلك الصرة البيضاء الصغيرة
وفاحت رائحة البن فخافت أن تحملها الريح إلى انف أمها النائمة في الفناء الخلفي
فهمست مناولة الإناء لـ(زينب),,
_بسرعة !!,,
وفتحت هي الصرة وملأت كفها الصغيرة بحبوب البن
ثم أعدت كل شيء في مكانه,,,
وبطريقه ما ,, زال خوف الفتاتين دفعة واحده عندما غمرهم الرجل
بنظرة ممتنة قبل ان يقرب الحبات السمراء من انفه النازف
ويمرغه في عطرها المتميز ,,ويبتسم لهما ثم يغادر على عجل ,,
يومها لم تتمكن زينب من النوم ,, فقد كان منظر الرجل وانفه النازف يشغل
ذهنها وتنبهت (جميله) لقلقها ,, فهمست لها وسط الظلام الدامس,,
_هل تعرفين يا (زينب) لماذا نزف الرجل من انفه؟
هزت رأسها نافيه فتابعت (جميله) دون أن تنتظر منها جوابا
_ أظن أن انفه أحب رائحة البن واعتاد عليها كثيرا كما احبك يا زينب ,,!!,,
ربما لم تتوصل (زينب) الصغيره لما قصدته اختها لكنها برغم ذلك
شعرت بموجة فرح عارم ازالت كل ما علق بقلبها الصغير من خوف
وعانقت جميله بحراراه دون ان تقول شيئا ونامت الطفلتان بعمق ,,
.........

أمير الأمين 28-07-2009 08:45 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Mema (المشاركة 155468)
الأخ الكريم أمير الامين

يسعدني كثيرا تواجدك هنا
ومتابعتك
واعتذر عن عدم وضوح الخط
واتمنى ان تبقى للمتابعه وانتظر رأيك في نهاية
السرد

مودتي

العزيزة ميما

تشكرات حد الترف لجميل الاستجابة..
و اكيد المتابعة موجودة بى هنا او بى هناك..

مودتى

Mema 29-07-2009 02:21 PM

كان التغير الذي طرأ على (جميلة) محيرا بالنسبة ل(لزينب )
ففضلا عن زيادة طولها واستدارة جسدها أصبحت أكثر هدوء
واقل مرحا ,, ولم تعد ترغب في اللعب معها كما في السابق
وعندما أهدتها والدتها وشاح ابيض وأمرتها أن تضعه على رأسها
اعترضت (زينب ) وبشده ,, لرغبتها في الحصول على وشاح مشابه
لكن ولدتها زجرتها قائله ,, ليس الآن ,,
فما كان منها إلا أن استخرجت قطعة القماش الملونة التي كانت
تستخدمها (جميلة ) لحملها على ظهرها عندما كانت اصغر ,,
ولفتها حول رأسها بأحكام ,,
رافضه ان تنزعها الا عندما كنت جميله تنزع وشاحها ,,
ولم يكن هذا التحول هو الوحيد الذي ضايقها
فقد تبدل تعاملها و (مصطفى ) أيضا ,, واصبحا يميلان للجلوس والحديث
وحدهما,, ويطلبان منها ان تذهب لتلعب او تجمع بعض الثمار او الازهار البريه ,,
وقد كانوا من قبل يمرحون ثلاثتهم دون كلل ,, شعرت (زينب ) بخطب ما ,,
وهما يتبادلان النظرات المطولة ,, ويتهامسان ,, ثم تخفض (جميلة ) رأسها في خجل ,, وفكرت في حزن أنهم ربما لم يعودان يحبانها ,,
او قد تكون أخطأت في أمر ما فغضبا عليها ,,
لذا فلن يشركانها في مخططاتهم ومغامراتهم التي لا تنتهي
كالسابق ,,, هي لا تزال تذكرها جميعا ,, وخصوصا ذلك اليوم
عندما قرر (مصطفى) اصطحابهما الى منزل الشيخ (احمد) بعد ان
أعلنت (جميلة ) عن رغبتها في تعلم الكتابة ,, وقراءة القران ,
وقد عشقت صوت (مصطفى) عندما يتلو عليهن ما حفظه ,, ويروي
لهن بعض القصص والأحاديث التي كان يتعلمها من ( الشيخ),,
ولأنهما كانا يعلمان أن والد (جميله ) لن يسمح لها ان تحضر دروسا مع الصبية ,,
فقد قرروا أن يذهبوا دون معرفته ,,
بعد ان يتركون الماشية لأحد أصدقائهم الرعاة
ولان الطريق طويلة اقترح مصطفى أن يذهبوا من أعلى الجبل
مباشره فاعترضت (جميلة) قائلة _هل نسيت ان للشيخ منحل كبير
في أعلى الجبل ,, كيف سنتمكن من عبوره دون ان يهجم علينا النحل
اطرق (مصطفى ) مفكرا قبل ان يهديه تفكيره الى
استعاره شال احد الرعاة ,, وغمره بالماء
وعندما وصلوا على حدود المنحل فرد (مصطفى) الشال ليغطيه
من رأسه حتى أخمص قدميه ودعا الفتاتان للدخول تحت تلك الخيمة المتحركة
و بدأوا بالسير حتى وصل والى منتصف مساحه المنحل
عندما تسللت نحلة من ثقب خفي في الإزار الطويل وتبعتها أختها ,,
وانهالتا على الأطفال باللسع الموجع ,, فانطلقت صرخات جميله وزينب
وارتفعت الاطراف المسدلة على الارض
اثر حركتهم العنيفه تحت قطعة القماش
وتتابع دخول النحل منها ولسعاته فخرجت الفتاتان وانطلقتا تعدوان
عائدتين من حيث أتيتا ..
وسقط مصطفى وسط المنحل ,, وهجوم النحل الضاري
يتزايد على جسده المتورم الموجوع,,
ولم تدريا ما حل به الا عندما سمعتا والدهما
يتحدث الى امهما قائلا
_لولا ابن الشيخ احمد لكان مصطفى في عداد الموتى ,,
لابد انه اراد سرقه العسل فنال ما يستحق ,,
وصمتت الفتاتان بخوف وحسرة على صديقهما المسكين ,,

Mema 29-07-2009 02:34 PM

,,,
,, كان من الصعب على الفتاتين لقاء صديقهما(مصطفى) مع حلول موسم المطار ,,
إذ تساق الماشية إلى المراعي في سفح الجبل
قريبا من البيوت ,, نظرا لانحدار السيل الكبير من اعلى الجبل
وما يحدث معه من انهيارات طينيه خطيرة
وفيضانات تحمل كل ما يقف في طريقها دون تحديد’’
وكان الرجال من يقوم بهذا العمل ,, لصعوبته وما يحمله من مخاطر
,, وكذلك الأمر بالنسبة لمياه الشرب
فكل الجداول العذبة التي تخترق مروج الجبل وغاباته
تتحول بعد أيام من المطر المتواصل إلى سيول وانهار ضخمة
هائجة لا تخلو من جثث الحيوانات البرية القاطنة في الغابات
أعلى الجبل أو المواشي الضالة عن أصحابها وأغصان الأشجار ,,
وربما بعض البيوت التي بنيت على غفلة في مسار السيل ,,

وفي كل عام كانت الأختان تجدان ما يشغلهما طيلة الخريف
فتساعدن والدهن في صناعة الاواني ,, وتذهبان الى جارتهن
لتعلمهن ما تجيد من فنون الحياكة ,, والتطريز ,,
لكن الأمر كان مختلفا في ذلك العام
فقد امتنعت جميلة عن الخروج وبقيت صامته
حزينة تراقب المارة طوال النهار وكأنها تترقب ظهور
شخص تنتظره بصبر ,, ولا يلبث ان يحل المساء
فتنصرف الى مساعده والدتها في شؤون المنزل
فقدت (جميلة) الكثير من وزنها , ورونقها , وخيم الحزن على
محياها حتى أصاب والديها القلق
فقرر (اسعد) أن يأخذها للشيخ (احمد) الذي أصبح يثق
به تماما بعد شفاء (آمنة ) من علتها بمساعدته
ورقص قلب (جميلة ) فرحا عندما سمعت أبويها يتحدثان عن الأمر
واستغربت (زينب ) فرحتها فهمست لها (جميله)
_الا تعرفين من قد التقي هناك؟
تسائلت (زينب) في براءة ,,
_الشيخ احمد.؟
_بل مصطفى يا زينب ,, لقد اشتقت إليه كثيرا
_أريد الذهاب أيضا
_لا لا تطلبي ذلك من والدي لأنه سيرفض
وقد يغض النظر عن الموضوع كله اذا ألححت عليه بالطلب
الطريق صعب جدا الى هناك ولن يتمكن من اصطحابك
ثم مالت عليها بعينين كلهما رجاء قائله
_يا (زينب) ليتك تعرفين أهميه هذا بالنسبة لي
لو لم التقي بـ(مصطفى) سأموت ,,
هل تريدين ان اموت؟
هزت زينب رأسها نافيه فابتسمت جميله وقالت
_اذا لا تقولي أي شيء ,, واعدك بأن احكي لك
كل ما حدث معي ,, وعندما أعود ,, سأخبرك بسر لا يعرفه احد
تهللت أسارير زينب وقالت
_حسنا لن أقول شيئا وسأنتظرك ,, لا تتأخري
,,

Mema 30-07-2009 12:49 PM

,,
يوم كامل لم تذق فيه (زينب ) طعاما ولا شرابا
وأصرت على الجلوس على عتبه الباب رغم ما أصابها
من رذاذ المطر ,,

على الطريق كابدت (جميلة) ووالدها للوصول الى منزل الشيخ احمد
وعندما بلغوا مقصدهم كانت الشمس قد غادرت موقعها
في منتصف السماء قبل لحظات ,, وكان الشيخ قد فرغ توا من صلاة الظهر ,,
وبدأ يجهز مجلس الصبية اذ كان يبدل موعد الدرس في موسم الأمطار
حتى يتسنى للصبية العودة الى منازلهم قبل هبوط الليل نظرا لازدياد
وعورة الطريق مع كثافة الطين وبرك الماء والوحل اضافه الى
احتماليه عدم توقف المطر اذا ما بدأ بالهطول
وخفق قلب (جميلة) طربا وهي تشاهد المكان الذي وصفه لها (مصطفى ) مطولا ,,
مفارش الحصير والألواح والكتب الكبيرة القديمة .. ولفافات الجلد ..
وشعرت برغبة قويه في تناول اللوح
وكتابة ما كان يعلمها اياه من حروف على الطين والحية الشجر..
استقبلتهم ابنة الشيخ (احمد) بحفاوة وقادت (جميلة) لتقدم لها طعام
الغداء مع بقيه النساء بينما انضم (اسعد ) الى الشيخ (احمد)
وبعد ان فرغ من طعامه حدثه عن حال ابنته (جميله )
وعن خوفه الشديد عليها من المرض ,,
فطلب الشيخ أن يراها وحدها
وعندما حضرت بين يديه , ازداد خفقان قلبها سعادة
بلقاء ذلك الرجل إلي يتحدث عنه الجميع في القرية
والاهم من ذلك ,, الشخص الذي يحبه (مصطفى )
بلا حدود,.,,
سألها في حنو دون ان ينظر اليها ,,
_اخبرني ما خطبك يا ابنتي ,,
لم تجد (جميلة ) ما تقول ,, فتلعثمت طويلا قبل ان يظهر (مصطفى)
فجأة في بداية الطريق المؤدية إلى البيت الكبير فيبدو لها واضحا من حيث
مجلسها...ولم تستطع كتمان شهقتها المبتهجة ,,
فرفع الشيخ رأسه نحو (مصطفى) مباشرة ,,
فتوردت وجنتاها وطأطأت رأسها خجلا ,, فقال الشيخ مبتسما
_(مصطفى ) رجل صالح ,, هل ترغبين الزواج به
اتسعت عينا (جميلة ) في ذهول ونظرت الى الشيخ
للحظه ثم قالت بتلقائية ودون وعي منها
_نعم ,,
لكنها مالبثت ان تداركت وقد ازداد خجلها
_لا اعلم ياشيخي
فضحك الشيخ (احمد) ,,
وهنا اقبل (مصطفى ) بلهفة عندما لمح (جميلة ) ووقف ينظر غير
مصدق ما ترى عيناه
فدعاه الشيخ للجلوس , واطاعه على الفور
ثم قال له
_يا (مصطفى ) انت ولدي ,, واحبك كثيرا , واعرف انك
فتى صالح ,,, هذه جميلة أبنة عمك (سعيد)
هل تعرفها ,,
اومأ مصطفى قائلا نعم يا شيخي اعرفها
ولم يسطع منع نفسه من النظر اليها بشوق كبير
فابتسم الشيخ قائلا
ما رأيك ان نطلبها من والدها و نزوجك اياها ,,
,,,,

Mema 30-07-2009 12:50 PM

لم يتفوه (سعيد) بحرف واحد طوال طريق العوده
وبدا مهموما ,, وقد غامت عيناه بسحابة لا تزوره الا
اذا كان الحمل ثقيلا على عاتقه ,,
وبرغم قلقها من صمته الذي لا يبشر بالخير
شع وجه (جميلة ) بالفرح ,, وعادت لقسماتها الحياة
فتلك الدقائق التي قضتها مع (مصطفى ) عندما طلب الشيخ
أن يختلي بوالدها للحظات ,, كانت اجمل ما حدث لها منذ بداية
موسم المطر ,,
وتحسست طرف خمارها ,, لتطمئن لوجود القلاده الجلديه
التي نزعها (مصطفى ) من عنقه وقدمها لها قائلا
_ اعتني بنفسك لاجلي ,, واحتفظي بهذه حتى القاك ,,
سألته في لهفه ولوعه
_هل تظن ان الشيخ سيكلم ابي عنا ؟
صمت قليلا ,, وقال
_لايهم ,, في كل الاحوال ,, سأجد طريقه لنكون معا الى الابد
وافترقا على ذلك الوعد ,,
,,

Mema 30-07-2009 12:52 PM

لم تنم (جميلة ) في تلك الليله وهي تسترجع ما حدث معها
ولقائها بـ(مصطفى )
وكانت (زينب ) الى جوارها تغط في نوم عميق
وهي تمسك يدها برفق ,,
وقد استسلمت للنوم بعد ان روت لها (جميلة ) كل
ما جرى معها بالتفصيل
واستمعت اليها بانتباه شديد ثم سألت
_هل ستتزوجين (مصطفى )؟
_هذا ما أتمناه
_ هل ستعيشين في بيته إذا ما تزوجتي به؟
_ أظن ذلك
_هل ستأخذينني معك ؟
ابتسمت (جميله) ومدت ذراعيها لتعانق شقيقتها
قائله
_وهل يمكنني العيش بدونك؟! ,,
وعانقتها زينب بفرح كبير قبل ان تمسك بكفها وتخلد الى النوم
تاركة اياها تتأرجح بين الخوف من ما ماهو ات ,, واللهفه
لقدوم غد جميل كما تحلم به وتتمناه ,,
...

Mema 02-08-2009 09:21 PM

مرت الايام ثقيلة ,, دون اثر لـ(مصطفى) ,,
ودون ان يتحدث
والدها معها بالامر,, وقد بدأت الشكوك تملأ قلب (جميله )
وضج عقلها بالتساؤلات
ترى ,, ماذا قال الشيخ احمد لوالدها ,, في ذلك اليوم ؟ هل اخبره عن (مصطفى)؟
وان حدث ,, لم لا يقول لها شيئا ؟ لم لا يعبر عن قبوله او حتى رفضه للأمر ,,
المهم ان يقول أي شيء لتخرج من دائرة الأسئلة
القاتلة هذه ,,
وفي صباح مشرق بينما كانت جميله تسوي أرضيه الفناء ,, وتنثر
بمساعده (زينب ) بعض الأوراق العطرة ,, ثم ترشها بالماء لتثبت
فتنبعث تلك الرائحة الجميلة من المدخل ,, المساوي بشكل جيد
اقبل والدها الى البيت على عجل ,,
وناداها قائلا
_دعي ما بيدك لزينب وتعالي
خفق قلب جميله في مزيج من الخوف والترقب ,, وتبادلت نظرة
قلقة مع زينب قبل أن تلحق بوالدها إلى الداخل
حيث جلس ينتظرها وما أن أقبلت حتى طلب منها الجلوس
ففعلت ,, قال
_لقد كبرت وأصبحت عروس جميله
طأطأت رأسها خجلا وانتفض قلبها طربا وفرحا
فتابع
_سأزوجك يا جميلة عندما ينتهي موسم الامطار
فما قولك ؟
ابتسمت في حياء ولم تقل شيئا
وشعرت أنها تحلق في أعلى سماوات السعاده ,
فتابع والداها
_ لقد طلبك (محمد) ابن الحاج (عبد الله ) ,, لابد وان تكوني قد سمعتي عنه ,,
ذلك الشاب الذي عاد من العاصمة
قبل يومين ,,
ذهلت جميلة وأصبحت كمن سقطت من علو شاهق ,, فتهشم كل ما
كان ينبض فيها ,,
واتسعت عينيها وهي تحدق في والدها بنظرة دهشة واستنكار قابلها بهروب مقصود ,,
وأشاح بوجهه عنها
فهتفت بصعوبة _ لكن ,, ابي ,.؟! كيف ؟ و مصطــ....
قاطعها بحده دون أن ينظر الى عينيها
_اياك ان تأتي على ذكره ,, ذلك الفتى لا يصلح لك يا (جميلة)
لقد اعطيت كلمتي للحاج عبد الله ,, واخبرك الان لتكوني على علم فقط ,
,فلا تجبريني على معاملتك بشكل لا احبه ,,
ثم نهض مغادرا الحجرة ,,
وتناهى صوته الى مسامعها وهو يجهر بقوله ,,
_يا(امنه ) غدا سيأتي الحاج عبد الله وابنه ,, كوني على استعداد
وانفجرت تبكي بحرارة ,,
..

Mema 02-08-2009 09:24 PM

كان يوما عصيبا للجميع عندما اقبل الحاج (عبد الله) ,, وابنه (محمد) ,, على جوادين ضخمين
والزينة الملونة المصنوعة من خيوط الصوف ,,تتدلي من أسرجتها
و لجامها فتجعلها أكثر جمالا وفخامة ,,
واستقبلهما (سعيد) عند الباب مرحبا بابتسامة أرادها أن تكون كبيره
لولا أن بدا بعض الارتباك على وجهه ..
ترجلا ,, فبدت هيئتهما اكثر اختلافا وتميزا ,, الحاج (عبد الله) ,,
بثيابه ناصعة البياض ,, وحذائه الجلدي الجديد ولحيته البيضاء المهذبة
وابنه (محمد) بمظهره الأنيق. وقامته المديدة وذلك المنظار الطبي امام عينية ,,,
وقد كان محط أنظار الجميع ,,_ وخاصة الفتيات_,, منذ قدومه من العاصمة
حيث عاش لفترة طويلة مع أقاربه هناك ليدرس حتى تخرج من الجامعة
ووجد عملا يناسبه فقرر الاستقرار واصر والده على تزويجه من بنات قريته
لاعتقاده ان فتيات المدينه لا يجدن العناية بأزواجهن بشكل كاف.!
صافحهما (سعيد ) بحرارة قبل ان ينادي (زينب) آمرا إياها بربط
الجوادين إلى شجرة ضخمة كانت تظلل فيناء المنزل بأغصانها المتشعبة
وأوراقها العريضة,,
أقبلت (زينب ) متجهمة الوجه وتجاهلت سلام الحاج (عبد الله)تماما ,,
تناولت لجام الخيل وقادتهم نحو الشجرة دون أن تتفوه بحرف واحد ,,
فتدارك (سعيد) قائلا ,,
_ابنتي زينب لا تتحدث كثيرا ,, الكل يعرف حادثة مولدها
أومأ (عبد الله ) قائلا
_مسكينة ,, لابد وان الأمر كان صعبا عليها
قال (سعيد) وقد وجد فرصه جيده للحديث عن محاسن (جميلة )
_لقد ربتها أختها كأم حقيقيه على الرغم من أنها لم تكن قد تجاوزت العاشرة بعد
_نِعم البنت ,, يا (سعيد) ,,
كانوا قد بلغوا المكان المعد لهم فجلسوا ,, وامتد حديثهم إلى منتصف النهار
..
بعدها جاءتهم آمنة بالطعام ,, المعد بعناية وقدمت لهم بعدها بعض من
ثمار البابايا والسفرجل ولم تنس ما خبزته من كعك القمح
وما لبث الحاج (عبد الله ) ان تساءل ,,
_لكن أين هي العروس يا (سعيد) أرى أن والدتها تقوم بخدمتنا وهي لم تظهر قط
تلعثم (سعيد) قليلا ثم قال
_هي متعبة قليلا ولا تشعر أنها بخير
استأذنك لأرى إن كان بإمكانها لقاؤكم الآن قال (محمد ) في قلق
_مم تشكو .؟أتمنى أن لا يكون امرا خطيرا.! هل لديكم طبيب هنا ؟
ازداد ارتباك (سعيد ) وهو يقول
_طبيب ؟؟؟.....لا لا لا شيء مهم ,, أنا واثق أنها الآن بخير ,,سأناديها ,,
كانت جميلة في حال يرثى لها ,, وقد انتفخت أجفانها وبح صوتها
وبدت شاحبة متعبه اذ لم تجف دموعها منذ البارحة ورفضت الطعام والشراب ..
دخل عليها (سعيد) بهدوء ,, وجلس الى جوارها دون ان يقول شيئا لبرهه ...
ثم وضع يده على رأسها فانتحبت بصمت
قال
_تعرفين انني احبك جدا يا (جميلة) ,, ولا أريد إلا سعادتك
رفعت رأسها بنظرة متوسلة وهمست
_لن أكون سعيدة إلا مع مصطفى ,,
زفر والدها في نفاذ صبر قبل أن يهتف في حده
_الم اقل لك أنني لا أريدك ان تذكريه مجددا؟
_لكن لماذا يا ابي ؟ ماذا فعل لتكرهه الى هذا الحد ؟ الست من قال انه ولد صالح ,,
وانك تتمنى لو كان لك ابن مثله ؟
ازداد صوته حدة وهو يجيب
_نعم ,, هو ولد صالح ,,ولست اكرهه ابدا فهو مثل ابني لكن .....
صمت قليلا ,,ثم ما لبث ان لان صوته وهو يتابع
_أنتي لاتزلين صغيره ,, ولا تعرفين ما المناسب لك أريدك أن تفهميني
يا صغيرتي الحياة اكبر بكثير من ما اعتدت عليه هنا وأريدك أن تعيشيها كما اتمنى لك ,,
صدقيني ,, غدا عندما تتزوجين ب(محمد) وترحلين معه الى العاصمة ستجدين
عالم لم تتصورين وجوده أبدا ستبهرك كل الأشياء الجديدة وستنسين كل شيء عن ذلك الفتى
فهو لن يستطيع ان يمنحك شيء الا المزيد من الشقاء ,, عندها فقط ستعرفين سبب قراري هذا ,, وستسامحينني ....أما الآن ,, فليس لديك الخيار ,, هيا ,,اذهبي ,, واغسلي وجهك جيدا وضعي خمارك وارتدي الثوب الذي أحضرته لك وتعالي مع أمك لمقابلة الضيوف سأمهلك بضع لحظات ,, وان لم تأتي بعد قليل فلا تلوميني على ما سأفعل بك ,, هل تفهمين .؟

Mema 02-08-2009 09:40 PM

كفتاة القربان في الأساطير كانت (جميلة) ... ترتدي ثوبا ابيضا جديدا,,
وتضع قلادة من الزهر والخرز على جيدها ,, وتغطي رأسها بوشاح
ابيض مطرز بالخيوط الملونه على أطرافه
جميلة كانت ,, لكنها حزينة وتعيسة إلى أقصى الحدود
بهدوء سارت مع والدتها عبر الفناء ,,الى مجلس الرجال حيث
ينتظرها والدها مع ضيوفه ,,وكأنها تقاد الى الموت ,,, شيء في داخلها كان يقول
لها اصرخي ,,قولي انك لا تريدين سوى الحياة التي اعتدت
ومع من تحبين ,,اهربي بعيدا ولا تعودي ,,
توقفت عن السير في منتصف الطريق,, فنظرت اليها امها
متسائلة وقبل ان تتمكن من سؤالها عن شيء ...
انطلقت صرخة مدوية ,,,!
,,,,

Mema 05-08-2009 12:30 PM

تتابعت شهقات (زينب) المكتومة ودموعها تجري بغزارة وهي ترقد على بطنها وتستلم رغم آلامها الشديدة ,,
لـ(جميلة ) التي كانت تحمل قطعة قماش بللتها بمحلول الأعشاب وراحت تنظف بهاتلك الخطوط الدامية
على ظهر اختها ,,وقالت لها في حزن ..
_ماكان عليك فعل ذلك يا (زينب )...هل يرضيك ما حدث لك ؟
بصعوبه قالت (زينب) من بين دموعها
_ولكني لا أريدك أن ترحلي ,,
وضعت (جميلة) قطعة القماش بعيدا ,, وتناولت معجون الطين والعسل وراحت تغطي به جراح شقيقتها وهي تقول
_ولا أنا أريد يا حبيبتي ,, لكن إطلاق الخيل لم يكن حلا موفقا ..فقد كاد الفرس أن يقتلك تحت حوافره ,, بما اجفلته ياشقيه؟
_لم ارد اجفاله ,, فقط أردته ان يهرب بعيدا حتى لا يتمكن (محمد) من العوده الى هنا مجددا,,
فخاف الحصان واراد ان يركلني فصرخت..!!
ابتسمت (جميلة )بحنو وقربت شفتيها من جراح زينب ثم راحت تنفخ الهواء برقة لتلطف الالام الصغيرة
التي تابعت بصوتها المتهدج الباكي
_لم يضربني ابي من قبل .....لم غضب هكذا ؟
_......
_جميلة ؟
_نعم يا حبيبتي
_ألا يحبك أبي ؟
_من قال لك هذا الكلام بالتأكيد يحبني
_لماذا يريدك ان تذهبي بعيدا اذا ؟ لماذا يجعلك تبكين ؟.....انا لا احبه ,, ولا أحب (آمنه)
ولا أريد احد سواك,,
وراحت تبكي في حراره ..
تساقطت دموع (جميلة )بغزارة وبصعوبة استطاعت ان تقول
_وانا احبك كثيرا يا(زينب) ... كثيرا جدا

Mema 05-08-2009 12:31 PM

عندما عادت الحياة الصيفية الضاجة إلى القرية
كانت التجهيزات لزواج (جميلة) من (محمد) قائمة على قدم وساق
كل ذلك ولم يظهر (مصطفى ) منذ التقته في منزل الشيخ (احمد),,
وقد كان اختفاءه هذا غامضا ومؤلما جدا بالنسبة لـها,,
فلكم رجت ودعت أن يُقبل يوما ما من الطريق التي عكفت على مراقبتها
ليل نهار ...ويدعوها فترحل معه الى حيث لا يعلم مكانهما احد...وبالتأكيد
لن تنسى ان تأخذ معها( زينب )!!
لكن آمالها راحت تخفت مع مرور كل يوم حتى انطفأت تماما
واستسلمت لمصيرها الذي اختاره والدها لها ,,
واستقبلت هدايا (محمد) الثمينة من ثياب وحلي وزينة ,, بحزن
وحسرة ,, رغم انبهار كل فتيات القريه الاتي كن يزرنها ويمضين النهار معها كتقليد اعتدنه مع كل فتاة مقبله على الزواج,,
ولم يشاركها ذلك الحزن العميق الا اختها (زينب )
بل ولربما تجاوزت ذلك العمق بكثير ,,
وهي تفكر كيف لها ان تعيش بعيدا عن جميلة ؟
ماذا ستفعل بعد رحيلها الى ذلك المكان البعيد,؟ كيف ستنام
دون ان تضمها او تمسك بكفها ؟
لمن ستخبر أسرارها وتحكي همومها
كيف ستصبح حياتها بعد ان ينتزعو منها امها ؟؟

Mema 05-08-2009 12:32 PM

وجاء اليوم الموعود
فأقيمت الأعمدة بجوار بيتهم ,, حيث عكفت النساء على تسوية مساحة ضخمة من
الارض بمقشات الحصير ,, ورشها بالماء ثم نثر الاوراق المعطرة فيها على مر ثلاث
ايام متتاليه حتى اصبحت مستوية تماما وتفوح منها رائحة مميزه ,, ,, واسقفت
بالحصير وأوراق أشجار الموز الضخمة
وتأهبت نساء القريه ,, فأتين من بيوتهن فجرا ,, كل تحمل ما استطاعت من
الخضروات والدقيق والسمن والعسل ,,وذبحت المواشي ,, قبل أن تقوم النساء بأعدادها
وتقاسمن العمل ما بين الطبخ والخبز وتحضير الشراب المعد من الشعير والحلبة والعسل
واعدت العروس بأجمل الثياب والحلي ,, وجدلو لها شعرها بالخيوط الذهبية ,,
عطروها بأفضل ما صنعوه من عطور ,, وكحلو عينيها بكحل جاء به خطيبها من
العاصمة ,, فكان جمالها, برغم نحولها الواضح واستغراق الحزن في ملامحها وقسماتها, مبهرا ,,
شعرت بصعوبة في التنفس وبشيء كالكابوس يجثم على صدرها
فقالت لإحدى النساء الآتي كن يهتممن بزينتها
_لم لا أرى زينب .؟ أين هي
أجابتها المرأة
_لابد وأنها تعمل في الخارج,,, العمل كثير كما تعرفين
قالت جميلة متوسلة
_ارجوك اريد ان اراها هل تنادينها من أجلي ؟
اومأت المرأة موافقه وخرجت تبحث عن (زينب) ..

Mema 05-08-2009 12:33 PM

كان طريقا طويلا, وعرا, ذلك الذي سلكته الصغيرة (زينب ) قبل ان تصل الى حقول الذرة الممتدة على مرمى البصر
فتشق طريقها خلالها بعزم وتصميم وكانت قد قضت ساعات طويلة لتصل
الى هذا الحد ,,كم كانت جائعة ومرهقة ... تعثرت وسقطت فانغرس عود خشبي
في ساقها ,,صرخت في الم ,, وبقيت في مكانها تبكي لبرهة قبل ان تمسح دموعها
بإصرار ثم تنتزع العود بشجاعه ,, وتنهض لتتابع سيرها متعثرة ,وبعد ساعات كانت
قد وصلت لنهاية الحقول ليقابلها ذلك الطريق الضيق المحفوف بالاشجار الطويلة وقد
بدا مظلما لا تخترقه أشعة الشمس,,
كانت (زينب ) قد سمعت الكثير عن الحكايا المخيفة عن ما يحدث في هذا الطريق
الذي يقطع طرفا من الغابة ,,وعن الحيوانات الضارية التي تهجم على العابرين
عندما تكون جائعة وغاضبة,, فتمزقهم اربا ..!
قالت في نفسها
_أتمنى أن تكون كل الحيوانات قد تناولت فطورها
ثم مضت في الطريق بخطوات مترددة ..
كان الظلام يتزايد كلما توغلت ,, وتلك الأصوات المخيفة تعلو وتقترب منها ,,
تذكرت على الفور (مصباح) ذلك العجوز ذو اليد الواحدة ,, والعين الواحده
وما كان يرويه عن مغامرته التي خاضها على هذا الطريق مع حيوان ضخم ,,
وصفه بأن له وجه الذئب وجسد حصان وذراعين تشبه اذرع البشر لكنها تنتهي
بمخالب في حجم المنجل استخدمها لاقتلاع عينه اليسرى ,,وقطع ذراعه اليمنى ,,
وتذكرت تلك الأصوات التي كان يصدرها مقلدا ذلك الحيوان الأسطوري ,,
وهو يروي لهم أحداث المعركة الضارية .. وبالرغم من أن (جميلة)كانت
تقول لها دوما أن ذلك ليس صحيحا وان لا وجود لحيوان بتلك الأوصاف ,,
كانت (زينب ) تراه دائما في كوابيسها ,, وهو يقتلع عين (مصباح) فتتناثر دماؤه في
كل مكان ,,امتلأ قلبها بالخوف لما خطر ببالها ,, فأغمضت عينيها وصاحت وهي
تركض برغم جرحها النازف
_لن اخاااااااااااااااااف ,,,,,

محمد الطيب يوسف 09-08-2009 04:05 AM

ذات الحرف البهي يخط ملحمة توشحت بنا

ميما لا توقفي هذا الهطول

Mema 10-08-2009 08:43 PM

الاديب العزيز محمد الطيب

اسعدني شروقك هاهنا كثيرا
فشكرا جدا لهذا الحضور الكريم

وخليك قريب

مودتي

Mema 10-08-2009 08:44 PM

امتدت تلك الخطوط السوداء على خدود (جميلة ) التي لم تكف عن البكاء للحظه واحده طيلة مراسم الزواج .فامتزج الكحل النفيس مع الدموع الحارة ,,,ورسم مجراها على وجهها بلونه الكئيب ... وعندما حان موعد رحيلها مع زوجها ,, ازداد انتحابها وهي ترجوا الجميع ان يبحثوا عن (زينب) لكن انشغالهم بالحدث الكبير جعلهم لا يدركون غيابها منذ ساعات الفجر الأولى وامسك والدها بكفها قائلا
كفي عن البكاء يا(جميلة) ,, وانسي امر (زينب ) الان ..أنتي تعرفينها أكثر مني... لابد أنها مشغولة باللعب هنا او هناك,,,
ظلت عيني (جميلة ) تذرفان الدمع وتدوران بين الوجوه علها تهتدي
لوجه اختها ,, وتابع والدها حديثه قائلا
_ها قد حان وقت رحيلك ,, ووصيتي لك ان تطيعي زوجك
دائما ولا تعصي له امرا وان لا تقلقي على أي منا ,, فنحن بخير مادمت سعيده
همست (جميلة) من بين دموعها
_لا أستطيع أن اذهب دون أن أرى زينب
يجب أن أراها ,,
أقبلت( آمنة )في تلك اللحظة ,, وضمت (جميلة )قائلة
_لن أوصيك يا ابنتي فأنت فتاة عاقلة وتعرفين ما عليك فعله
اعتني بنفسك وبزوجك كثيرا
_أين زينب ,, أين هي
_هيا يا جميلة نحن في انتظارك
_زينب يا ابي
زينب يا امي
اين هي ؟
_تحركي يا جميلة ,,, يجب ان نصل الى المحطة في الموعد حتى لا تفوتنا الحافلة فنضطر للمبيت في في القرية المجاورة ,, الوقت يمضي وطريقنا طويلة,,
وبعد جهد ,, حملوها لتجلس على ظهر الحصان المخصص لها
وامسك (محمد) باللجام ,,
وانطلق في طريقه ملوحا لهم بيديه الأخرى
وضاعت صرخات جميلة باسم اختها
وسط عاصفه من الزغاريد وصيحات الفرح ودقات الطبول

Mema 10-08-2009 08:45 PM



رحلت جميلة ,, وأمضى أهل القرية بعدها يوم عصيب,, وفجيعة اختفاء زينب أخمدت الفرحة في قلوب الجميع ,,بحثوا عنها في كل مكان ,, أعلى الجبل,,على السفح ,,
بين الحقول,, عند مصب الماء ,,دون أن يعثروا لها على اثر
وعندما شارفت الشمس على الغياب ,, قرروا العودة الى منازلهم
واتفق رهط من رجال القرية ان يتابعوا البحث بعد صلاة الفجر مباشرة ,, فتساقطت الدموع من عيني (سعيد) وقال في حزن
_وهل تنتظر الذئاب حتى الفجر ؟ ..
ثم فارقهم عازما على العودة الى المنزل ليتزود ببعض ما يحتاجه
ثم يتابع البحث عنها وحده,, غير آبه بالمخاطر التي قد يواجهها
إذا ما خرج يمشط الطرقات في جنح الظلام ,,
وعندما وصل الى منزله مثقلا بالهموم والحزن
تفاجأ بـ (مصطفى) خارجا من داره ,, بهيئة رثة مزرية
وقبل ان يقول شيئا ,, كان الفتى قد استدار مغادرا بصمت
أسرع (سعيد) إلى الداخل ,, ولكم شعر بالراحة عندما استقبلته (آمنه )
مستبشرة وأخبرته أن (مصطفى ) قد جاء بابنته الصغيرة ,, وقد وجدها بالصدفة تائهة في الغابة ,, وهي بألف خير وتغط الان في نوم عميق

Mema 10-08-2009 08:46 PM

كان من الصعب على (مصطفى) تبين طريقه والظلمة تحيط به من كل مكان وثمة أضواء خافته تلمع تارة من بعيد .. وفي الجوار تارة أخرى,, دون مصدر معروف ,, وأصوات العواء تتناهى إلى مسمعه ,, مصحوبة بأناشيد الريح والشجر ,,وغناء حشرات الليل ونعيق الضفادع .. وأصوات أخرى يجهل كنهها..
لكنه لم يهتم بما كان يدور حوله ,, ومضى في طريقه الطويل نحو منزله الذي يقع في الجهة الخلفية من الجبل تحمله
خطاه التي الفت خارطة الطريق

تدفقت الدموع من عينية بغزارة,, وبإصرار كان يمسحها كل مرة قبل أن تصل إلى خديه ,,
كيف يمكن لها ان تتزوج .!
لم تركته (جميلة)؟؟ الم تحبه كما كان يجبها ؟ لايمكن ,, فهو واثق تماما من مشاعرها اتجاهه ,, ربما لم تقلها علنا ,,
لكن عينيها قالتا كل شيء بالنيابة عنها..
تصرفتها ,, لهفتها عند لقائه ,, خجلها ,, ابتسامتها .........
لماذا اذا؟
استعاد بمراره تفاصيل ذالك اليوم عندما التقاها في منزل الشيخ (احمد)... الم يتعاهدا على اللقاء مجددا والبقاء سويا الى الابد؟
لازال صدى كلمات الشيخ يدوي في ذاكرته عندما قال له بعد ان تحدث الى والدها
ان الامر سيكون صعبا .. وليس كما تخيل,, فوالد (جميلة) يريد
تزويجها من شخص مقتدر ,, ظنا منه ان السعاده تكمن في المال
وبرغم محاولاته لاقناعه لكنه اعرض عنه تماما,,,
لذا ,, لم ينتظر ,, وأمن الشيخ على والدته الكفيفة,,دون ان يخبره عن ما ينوي فعله ,, لانه يعلم انه سيعترض ,,ليساعده بكل ما يستطيع ,,لكنه اراد ان يفعل ذلك بنفسه ليثبت (لجميلة) ووالدها انه رجل يعتمد عليه ,, وغادر القريه على عجل دون أن يتمكن حتى من وداع جميلة ,, ودون ان يطلع احد على وجهته
ممنيا النفس بعودة قريبه يكون فيها قد وجد عملا يناسبه ويكسب منه المال الكافي ليرضى والد جميلة فيبارك زواجه بها
ساعده بعض من عرفهم في سوق القرى المجاورة ووجدوا له عملا
كحمال للبضائع عند احد أصحاب عربات النقل الكبيرة
التي كانت تمر على القرية مرة كل بضع اشهر محملة بشتى أنواع البضائع من العاصمة فتستبدلها بما تنتجه القرى من غلال وعسل وسمن ونحو ذلك ,,
كم من الليالي كان يمضيها في الطرق المقفرة ,, بين الغابات والبراري ,, يلسعه البرد ,, ويرهقه المطر ,, ولا شيء يدفعه
للاحتمال إلا هي ,,وكم من الاخطار واجهته في رحلته ,, قطاع الطريق ,, الذئاب ,,و العواصف ,, وهوام الطرق المهجورة ,,
لكنه كان يحصن ذاته بحلمه بها ,,وأمنيته أن يعود لها ويكون معها الى الابد ..
ارتجف في غضب ,, وهو يذكر كيف أسرع ليلقاها عندما عاد من سفره الطويل أخيرا ,, ليبشرها بما فعل لاجلها وما جناه من المال ليرضي أباها,,
انه حتى لم يمر لرؤية والدته أو الشيخ( احمد)
وكان قد قرر اختصار المسافة والسير عبر طريق الغابة ليصل
في وقت اقصر ,,
فسمع بكاء( زينب) وسط الأحراش ,, وظن انه يتوهم ,, قبل أن يسمعها مجددا و يوقن مندهشا أنها حقا هي
يذكر كيف انفق الكثير من الوقت ليعثر عليها مختبئة وباكية بين الأشجار والحشائش ,,فأخبرته أنها كانت قادمة الى بيته
لامر طارئ ولا يحتمل التأخير لذالك اختارت ان تسلك تلك الطريق .. لكنها شعرت بالخوف وظنت أنها تاهت عن الوجهة التي تبغي ...فاختبأت وظلت تبكي في مكانها خائفة
واعتصر الألم قلبه ,, وحديثها يتردد في أعماقه فيشعلها
ألما ,, عندما أخبرته عن زواج (جميلة ) من (محمد ) ..
أي فاجعة كانت تحملها إليه تلك الصغيرة ؟
ثار ,, وهاج,, وصرخ,, ورفض بشدة تصديق ذلك
ثم انهار وبكى كثيرا بين يدي الطفلة التي شاركته البكاء
وأخبرته أن أختها ستسافر عصرا متوجهة إلى العاصمة
وأنها تعتقد انه الوحيد القادر على منعها من الذهاب
فكر أن يسرع إليها ,, يلحق بها ,, يوقفها ,,
لكن الوقت كان قد أدركه ,,
فوصل حاملا (زينب ) بين ذراعية مع غروب الشمس
وغروب (جميلة) عن حياته للأبد,,!!

Mema 10-08-2009 08:47 PM

كانت (زينب ) قد تعافت توا من حمى ألمت بها جراء التهاب
جرح قدمها البليغ ,, فأصبحت طريحة الفراش لأيام طويلة
نسبة لرفضها للطعام والشراب وعدم رغبتها في الشفاء
لم تعد تلك الطفلة الصاخبة الضاجة بالحياة
وكل من رآها عرف أنها تعاني كثيرا من غياب
(جميلة) وتذبل في كل يوم بعيد عن حضن أختها التي
أحبت ,, حتى أن البعض حدث والدها ليأخذها إليها
في العاصمة علها تعود لطبيعتها المعهودة
لكنه كان يقول دائما انها ستعتاد غياب (جميلة)
وستكون بخير ,,!
كل شيء أصبح بالنسبة لـ(زينب) خال من المتعة والجمال
لم تعد مهتمة بالخروج للعب مع الأطفال
او بالذهاب الى بيت جارتهم (هدية ) لتعلمها الخياطة
لم تعد تستمتع بتقشير ومضغ اعواد القصب امام الدار
ولا بسماع قصص العجوز( مصباح )الخرافية
كانت تؤدي واجباتها اليومية في صمت ,, ثم تختلي بمجموعة
من قطع الفخار والزجاج الملون والقواقع التي جمعتها وأختها
وكانتا تحملانها معهم الى المرعى ,, وتلعبان بها على العشب النضير
كانت تخرجهم ,, تعرضهم امامها في صف طويل
وتكتفي بالنظر المطول للقطع المتباينة أمامها ثم تستخرج تلك القلادة الجلدية ,, وتبكي في حزن
حاولت (آمنة ) التقرب منها بشتى الطرق ,, لكن رفض (زينب ) لها
تفاقم وأصبحت ترفض حتى مجرد الحديث مع والديها ,,
كانت تلتقي (بمصطفى ),, عندما يعود من رحلاته الطويله اذ كان حريصا على الذهاب الى حيث ترعى الماشية ليطمئن على أحوالها ,, ليلتقيا بصمت ,,ويغادرا بصمت ,, وفي داخل كل منهم
حسرة وشوق كبير لمن شاركتهم مجلسهم هذا دائما وغمرته بهجة وحياة..
لم تقتصر أحزان (زينب) على فراق أختها
فقد أصيب (حبيب) أخوها بالرضاعة ,, بسعال شديد
جعله طريح الفراش ,, وملأ قلب امة (هدية ) بالخوف على مصيره
فقد كان ذلك الصوت الذي يصدره عندما يشتد سعاله معروف لديهم
ومؤشر يدل على سوء وضع المريض ,,
أخذوه إلى الحاج (إدريس ) معالج أهل القرية والذي كان
خبيرا بالأعشاب وتأثيراتها .. وكان يداوي الناس بوصفاته المختلفة والمتنوعة وبالحجامة والكي والفسط وجراحات اخرى كتوسعة مجرى الحلق وازاله اللهاة واللوزتين
كل ذلك بأدوات كان يصنعها وحده من قرون البقر والسكاكين
وقطع المعدن والخشب,,,
وبعد ان عاينه واستمع الى صوت سعاله اخبرهم الحاج (أدريس) انه لابد ان يأتوا له بحليب الأتان
المغلي مع بعض الأعشاب النادرة ليشفى ,, وكان على والده السفر للحصول على الوصفة المطلوبة ,,وعاد بها ,, لكن بعد فوات الاوان ’’
وانتهى الصيف حزينا كما بدأ ,,, ومع حلول موسم الامطار
حدثت مفاجأة لم يتوقعها احد,,
فلقد عادت (جميلة ),,

Mema 15-08-2009 12:41 PM

مختلفة كانت ,, و إلى حد كبير,, ثيابها ,,هيئتها ,,شعرها
نحولها البالغ ,,,وشحوبها الشديد والاهم من كل ذلك تلك الزيادة الملحوظة في حجم بطنها
كانت عودتها صدمة لوالديها ,, فلقد عرفوا فورا ان هناك خطب ما
فأكدت لهم ظنونهم عندما أخبرتهم أن (محمد) قد طلقها
كانت تبكي بحرارة وهي تقص على والديها ما حدث معها
وكيف انقلب الشاب الأنيق المثقف إلى وحش لا يجيد الا ضربها واهانتها ,,
كانت اثار الكدمات على وجهها وذراعيها تحكي عنها
واخبرتهم كيف احتملت هي كل ذلك ,, وعودته بعد ايام من الغياب
تفوح منه رائحه الخمر ,, وعطور النساء ,,
كان (محمد) يقامر بكل شيء ,, حتى لم يعد يملك أي شيء
فثارت ثائرته وصب جام غضبه عليها ,, دون ان تأتي بذنب
يذكر ,, ونقلتها جارتها الى المستشفى وأبلغوا الشرطه فاحتجزوه
لعدة ايام حتى اخرجه قريبه بكفالة ,,
وكان اول عمل يقوم به بعد خروجه هو ان طلقها والقى بها
في الشارع مع انه كان يعلم انها تحمل ابنه في احشائها
وقصت لهم كيف ساعدتها جارتها الطيبة(نوره) ببعض المال
وأرشدتها لطريق العوده فلولاها ما عرفت ماذا كان سيحل بها
تساقطت دموعها في حرارة وهي تقول
_لقد فعلت كل ما طلبه مني يا أبي ,, لم اقصر بشيء ,,
كنت أطيعه في كل شيء ,, قصصت شعري ,, ولم اعد أجدله
كما أحب ,, ألقيت بكل ثيابي وارتديت ما كان يحضره من ثياب..
وضعت الألوان على وجهي ,,لكنه لم يحبني ابدا
بل كان يكرهني ويعيب علي جهلي وعدم قدرتي على القراءة والكتابه,,
يكره طريقتي في الحديث وفي المشي وفي استقبال ضيوفه والطعام الذي اطهوه له
و توضيبي لثيابه..وكل ما افعله واقوله ..وانا كنت اقوم
بكل واجباتي كما علمتموني ,,ولم اشكوا او اتذمر ولم اسأله عن شيء ولم
اجادله في اي شيء ابدا ابدا ...
ثم انهارت باكية ..
احترق قلب (اسعد) ندما ولم يجد ما يقول ,,وبكت (آمنة ) مع ابنتها حظها التعيس ,,
وحدها (زينب ) كانت سعيدة الى حد لا يوصف بعودة شقيقتها ,, لم تجد الفرصه
للحديث معها اذ انخرطت في حوار طويل مع والديها منذ قدومها وحتى المساء..
وعندما أوت إلى الفراش رافقتها (زينب ) كما في السابق ,,واستلقت جوارها في صمت ,,
وضعت يدها على بطن (جميلة) قائله
_هل هو نائم الان ؟
اجابتها جميلة
_نعم ربما
_ومتى سيخرج ,, لانني اريد ان اراه
_ليس الان ربما بعد بضعة اشهر
_هل هو صبي ام فتاة
_لا اعرف
_(جميلة)
_نعم يا حبيبتي
خيم الصمت للحظات جاء بعدها صوت (زينب ) غارق
في الدموع
_لا تذهبي مرة اخرى ,, وإذا ذهبتي خذيني معك أرجوك
بكت جميلة بدورها وقالت
_لن اذهب أبدا من دونك الى اي مكان يا حبيبتي,, أبدا ,,

Mema 15-08-2009 12:42 PM

بدت (زينب) كمن عادت لها الحياة من جديد .. وقد استرجعت كل ما فقدته
منذ رحيل أختها الأم من بهجة وبريق ..
وعلى الرغم من كل ما علق بها من أحزان ,, وذكريات فترة وجيزة كانت كافيه
لتغرق سنوات عمرها السبعة عشر في طوفان من الأسى ,, بدا التحسن ملحوظا
على هيئة (جميلة) .. وقد استعادت بعض عافيتها ,, وعادت تبتسم من جديد ..
لم تكن (زينب ) تفارقها للحظة الا لتعود اليها بشوق كبير وكأنها تريد تعويض
تلك الأيام السوداء التي قضتها بعيدا عنها ..
وحكت لها (جميلة) عن العالم الذي وجدته بعيدا خلف الجبال
,,عن الطرق المعبدة ,, والعربات ,,والبيوت المكونة من عدة طوابق,, عن المياه في الصنبور ,, والأضواء الكهربائية ,, والطعام في العلب المعدنية ,,
عن الثياب الملونة المتباينة الأحجام ,وعن الزحام والضجيج
وعن الهواتف وأجهزه التلفاز وافران الطهي التي تعمل بالغاز لا بالحطب ,,و كل ما أدهشها وأذهلها ,,
لكنها لم تكن تتحدث عن كل تلك الأشياء بحماسه إنما بالكثير
من الأسى ,,,
ودائما ما كانت تتبع حديثها بقولها
_لا مكان في العالم يشبه قريتنا يا (زينب) ,, ربما لم يكن هناك ذئاب
او جراد او امطار تهدد بسيول وفيضانات ,,لكنهم هناك يخافون من
بعضهم البعض ,, ويؤذون بعضهم بعضا..!هل تصدقين يا (زينب ),,
لم تخفني الذئاب يوما كما أخافني (محمد)..!!
ثم تطأطئ رأسها لتخفي دموعها ,, فتمسك (زينب ) بكفها قائله
_لن اسمح له أن يأخذك مجددا
_ولا انا يا حبيبتي ,, لن اسمح بذلك ابدا

Mema 15-08-2009 12:44 PM

لم تجرؤ (جميلة) على السؤال عن (مصطفى ) ولعلها لم ترغب بذلك .. وكانت
تتحاشى الحديث عنه مع أي كان ,, حتى أختها (زينب )
لكنها عرفت بحادثة اختفاء (زينب ) وعودتها برفقته ,,
ولم تستطع حبس دموعها عندما وجدت القلادة الجلدية بين أغراض
(زينب ) بينما كانت تنظم المكان في غيابها ثم أعادتها إلى مكانها وقالت في نفسها
_اعتقد انها ستكون بأمان معك يا زينب ,, فلقد عجزت انا عن المحافظة عليها ,,!!
و بسرعة مسحت دموعها عندما شعرت بخطى تقترب ودخلت عليها (زينب) لتجلس
الى جوارها في هدوء ,,خيم الصمت للحظات قالت بعدها (زينب)
_هل تعرفين يا(جميلة) ماذا حدث لأخي(حبيب )؟
أجابت (جميله ) في حزن
_نعم ,, اخبرني والدي منذ قدومي ..الم نذهب سويا الى (هدية ) لأعزيها ؟
_ نعم ولكنني لا أظن أنك تعرفين ...قالت (زينب )ثم دنت منها هامسة ..
_ أريد أن أخبرك سر ا
_قولي
_عندما مات أخي (حبيب) بكيت كثيرا وغضبت جدا عندما رأيتهم يحملونه
بعيدا فلحقت بهم دون ان يراني احد ورأيتهم يضعونه تحت التراب !!
انقبض قلب (جميلة) وهي تهمس
_لم فعلت هذا يا(زينب) ما كان عليك الذهاب الى هناك ....
ثم تنبهت لتلك النظرة في عيني أختها وعرفت انها لم تقل كل ما لديها بعد
فحاولت ان تتمالك نفسها وسألتها
_وماذا حدث بعد ذلك
_انتظرتهم حتى ذهبوا ,, وحفرت حيث وضعوا (حبيب)لأخرجه من هناك ,,
فهو لا يحب البقاء وحيدا ,, ويخاف كثيرا من الظلام ...
لم تتمكن (جميله ) من قول شيء وبقيت تحدق في وجه اختها التي واصلت حديثها قائله
_حفرت كثيرا حتى تعبت وجرحت يدي وأصابعي لكنني لم أتمكن من الوصول اليه ....ثم وجدني الشيخ (أحمد)..!
_وماذا قال ؟
_في البداية خفت كثيرا ..لكنه لم يوبخني ولم يضربني .. وقال لي أن (حبيب) لم يعد موجودا تحت الأرض وانه تحول إلى طائر ابيض جميل في الجنة
فاضت عينا (جميلة ) بالدموع وهي تقول
_هذا صحيح يا صغيرتي
_و ما هي الجنة يا(جميله)؟
أمسكت (جميله ) بكفيها قائله
_مكان جميل جدا في السماء ..
_وكيف عرف الطريق الى هناك ؟
_جاءه ملاك له أجنحة قوية وكبيرة وقاده إليها
_لكنني لم أراه عندما ذهب..
_لا تستطيعين رؤيته .. لكنه كان يعرف انك كنت هناك
_وهل سنذهب نحن أيضا إلى الجنة؟
_كلنا سنذهب في وقت ما لكن ليس الآن..
_متى؟
_عندما يحين الوقت ولا احد يعرف .
_(جميله)...
_نعم يا حبيبتي
_دعينا نذهب سويا عندما (يحين الوقت)
فأنا لا أريد الذهاب وحدي ولا أريدك ان تذهبي وتتركيني
وعجزت (جميله ) عن الكلام

Mema 15-08-2009 12:45 PM

واقبل الشتاء وانتهت أيام المطر المستديم ,, وخرج الناس من منازلهم
محاولين اعادة ترميميها وبناء ما سقط منها وعكف الشباب على جلب
الحجارة من النهر لرصف الطريق وتسويته كما كان قبل ان تفسده الأمطار
وفي غضون شهر,, عادت القرية لنشاطها السابق من جديدوامتلأت طرقاتها
وحقولها وضفاف جداولها بالحياة
كانت (جميلة) في نهايات فترة الحمل وقد مرت بأوقات عصيبة ,,
إذ كانت تشكو من الآلام شديدة تجتاح رأسها من وقت لآخر وقد ازدادت
شدتها وترددها مع مرور الوقت ,, وتورمت قدميها ووجهها حتى بدت
ملامحها مختلفة تماما لكنها برغم ذلك لم تلزم الفراش لكنها كانت تتحرك
بصعوبة وتعجز عن اداء الاعمال التي تتطلب مجهود كبيرا
فتكفلت زينب بكل ما تستطيعه حرصا على راحه وسلامة اختها

وفي احدى الصباحات الشتوية المشرقة
كانت (جميلة) قد ملت من جو البيت فقررت الخروج للتنزه في الجوار واستسقاء
الدفء من اشعة الشمس المشرقة متلفحة بإزار صوفي كبير ,,
كان الجو منعشا رغم برودته وشعرت بالندى يغمر ساقيها
وهي تخطو على الحشائش الغضة و كانت الريح تهب بنعومة حاملة معها
خليط منعش من عبير الازهار الجبلية ورائحة البن القادمة من البيوت
المتناثرة هنا وهناك
ومن بعيد بدت لها جارتهم (هدية) وهي تسوي مدخل منزلها
فرفعت كفها محية اياها وبادلتها الجاره التحية
ثم مضت في طريقها متوجهة نحو الجبل ,, حتى وصلت الى مساحة مغطاة باالازهار
الريفيه العطره ,, فاتخذت مجلسها بصعوبه ,, وراحت تجمع الازهار وتحدث
طفلها قائله
_قريبا ستأتي الى العالم ,, وستتعرف على ارضك واهلك وقريتك ,, و زينب ,,
اعرف انك ستكون صبيا سأسميك مصطفى .. لانني اريدك ان تكون مثله تماما
عندما تكبر هل تعرف سـ..........
انتفضت جميله وابتلعت بقيه كلماتها بصعوبه عندما شعرت بأحد ما يقترب منها
والتفتت,, وامامها تماما كان يقف مصطفى..

Mema 15-08-2009 12:46 PM

بدا مختلفا عن آخر مره التقته فيها
وقد أصبحت له لحيه صغيره وقد ازداد اسمرار بشرته
وبرزت عضلات ذارعيه ,,وربما بدا أطول وأكثر نحولا
وقت طويل مر عليهما وهما صامتان بعد أن جلس إلى جوارها
وتأملها للحظات دون ان يقول شيئا وأخيرا قرر كسر حاجز
الصمت فقال
_كيف حالك؟
_بخير,,
عاد يتأملها مجددا... بدت متعبه جدا ...فقال
_يبدو أن (مصطفى) الصغير قد أرهقك كثيرا
تحملت كثيرا .. ولم يبق الا القليل
شعرت بالانزعاج عندما أيقنت انه قد سمع حديثها
مع ابنها وتمتمت
_نعم ,, ارجو ذلك
خيم الصمت مجددا وفاضت عينا (جميلة) بالدموع
وهمست
_انتظرتك طويلا ,,ولم تأتي .. لماذا؟
_اتيت ,, وكنت قد رحلت ,,
_تأخرت كثيرا..!!
_جميله....... هل تحبينني؟؟؟
رفعت جميلة وجهها لتنظر الى عيني (مصطفى )
ورأت دموعه لاول مرة منذ ان عرفته ,,فقالت دون ان تكف عن النظر الى عينيه,,
_نعم
_هل تتزوجينني ؟
اتسعت عينا جميلة في دهشة وهتفت
_وهل لازلت ترغب بي ؟
_ارجوك ,, تزوجني ..لقد وجدت ارض رائعة على مقربة من هنا..
امتلكتها ..وقمت بزراعتها قمحا ,, وقريبا سأحصد أولى الغلال وسأبني لك ولطفلك
بيتا اينما تريدين وسأشتري لك كل ما تتمنين ,وان أردت يمكنني أن آخذكم
ووالدتي لنعيش في العاصمة فقد أصبح لي العديد من المعارف هناك سيجدون
لي عملا مناسبا ,, وسأوفر لك كل ما تحتاجين..وطفلك سيكون أبني ...
والدك لن يرفضني مجددا لأنني الآن املك كل ما أراده لك ,, فقط قولي نعم ..!

Mema 17-08-2009 04:38 PM

في تلك الحجرة الصغيرة على ذلك السرير المتهالك الوحيد
هي الان ,,,تعاني المخاض والآلام تكاد تزهق روحها
ولدتها تبدو قلقة جدا.. ربما كان عليها ان تقلق ايضا نظرا للصعوبات التي
واجهتها في حملها هذا
لكن وعود مصطفى التي لم تغب عن بالها للحظه كانت
كالبلسم لروحها وقلبها ,, فقد كانت تعلم أنها
ستنجب هذا الطفل ,, وستتزوج من الشخص الذي تحب
وستعيش معه في قريتها قريبا من أهلها وأصدقائها وجيرانها
ستنتظره كل يوم ريثما يعود من الحقل مع ابنها لانه
سيصطحبه معه الى دروس الشيخ (احمد) وستكون زينب معها ,, ستساعدها في
تزين الجدران بخليط الالوان الجميلة والنقوش
وستطهو معها وتسوى ارضيه الدار وتطعم الدجاجات وتأخذ الماشية الى الرعي ,,
وفي الظهيرة ستذهبان لزيارة والدتها ,, وستجلس معها لتحكي لها عن,, الصغير
وعن زوجها و حبيبها وعن سعادتها التي لا توصف وستصبح كل الالامها مجرد ذكريات.
_امي ,, لماذا اخرجت زينب ,, دعيها تدخل
هكذا قالت بصعوبة والعرق يغمرها فقالت والدتها
_كفي عن التفكير بزينب واهتمي بنفسك وتشجعي
_أرجوك اسمحي لها بالدخول اريدها معي انا خائفه..
نظرت اليها والدتها في استنكار ولسبب تجهله شعرت بقلبها ينقبض بشده
وهنا اندفعت القابلة الى الحجرة وهي تقول موجهة حديثها (لجميلة)..
_أرجو أن لا أكون قد تأخرت ,, فما ان رأيت (سعيد) مقبلا
حتى عرفت ان موعدك قد حان ...
ثم التفتت الى( آمنه) قائلة
_الماء الساخن والملاءات النظيفة بسرعة!
ركضت( آمنه) لتحضر ما طلبته القابله وكانت زينب تراقبها وهي تحمل
إناء الماء الساخن و الأبخرة تتصاعد منه بكثافة.. ثم تندفع عائده إلى
الحجرةومن مكانها كانت تسمع تأوهات جميلة بوضوح وحديث القابلة
معها
_ادفعي ,, هيا ,, لا تتوقفي ..
شعرت بقدميها وقد عجزتا عن حملها فجلست أرضا تترقب
و قدم والدها ليقف الى جوارها في هدوء ثم انحنى ووضع يده على رأسه
ا وقال وهو يطالع نظره الخوف والقلق في عينيها
_لا تخافي يا (زينب ) سينتهي كل ذلك قريبا ..سأكون خلف المنزل ,,
نادني اذا احتجتم لشيء ..
أومأت موافقة وبدا جليا إن كلماته لم تنجح في التخفيف عنها ,,
فربت على رأسها بحنان وغادروبقيت هي تصغي وتنتظر
وبعد قليل تحولت التأوهات الى صرخات الم هائله
ثم ,, صوت بكاء طفل يتعالى

Mema 17-08-2009 04:38 PM

قفزت (زينب) من مكانها واندفعت الى الحجرة وقد نفذ صبرها,,وقررت الدخول
على أي حال بعد ان سمعت بكاء الطفل,, وصوت (آمنة) وهي
تجهر بالحمد والشكر لله ,, ولم يخرج أحد ليخبرها بما يجري في الداخل..
وعند الباب توقفت تراقب (جميلة )وقد ضمت طفلها الى صدرها
وعلى وجهها المبتل عرقا ,, ارتسمت ابتسامة تعرفها (زينب)
و تحبها كثيرا ...ورفعت رأسها قائلة ..
_تعالي يا(زينب) ألا تريدين الترحيب بـأبننا الصغير؟
أقتربت (زينب) ببطء ونظرت الى الصغير المجعد بين يدي
(جميلة ) بعينين ملأهما دهشة وحنان .. ثم نظرت الى ااختها قائلة ..
_أبننا ..!!!......انه صغير جدا ..!
ابتسمت (جميلة ) وضمته أكثر اليها وهي تهمس
_قريبا سيكبر وسيصبح رجلا قويا ..
رفعت (زينب) بصرها الى وجه جميله
ومن النظرة التي ارتسمت في عينيها
عرفت ان هناك من سيشغل معها ذلك المكان الكبير الاخضر
في قلب شقيقتها ,, وبشكل ما لم يزعجها ذلك
بل أسعدها كثيرا ...!!

Mema 17-08-2009 04:39 PM

احتشدت النسوة في بيت (سعيد) بعد أن سمعن بالخبر ليشاركن (امنة)
في صنع عصيدة السمن والعسل (المخصصة لتلك المناسبة) بكميات كبيرة ..
ودعي كل من في الجوار لتلك الوليمة المميزة,,
وبرغم ذلك الاحتفال المصغر في البيت , لم تبرح (زينب ) مكانها جوار
اختها والمولود الجديد ,,
قالت لها همسا
_هل ترغبين ان تسميه (مصطفى)؟
رغم ابتسامتها بدت (جميلة) شاحبة كثيرا ومتعبه أجابت
_ليس بعد الان .. سأسمية (أحمد)
_مثل الشيخ (أحمد)..!؟
هزت جميلة رأسها إيجابا ,,فابتسمت (زينب) وهي تنظر للطفل النائم وتقول
_أسمك جميل يا (أحمد)
ومد يدها لتتحسس بشرته الناعمة برفق وهي تتابع..
_عندما تكبر ستعلم الصبية كيف يقرءون ويكتبون وستعلمهم اشياء كثيره
اليس كذالك يا ...
وابتلعت بقية كلماتها عندما رفعت رأسها لترى (جميلة)وقد بدت متألمة
ومتعبة الى حد كبير ,,قالت في خوف
_مابك ياجميلة ؟
اجابتها بصعوبة وهي تضغط على معدتها بشده,,
_اشعر بألم شديد جدا ,,
همت (زينب) بالانطلاق ركضا لتنادي احدا لكن (جميلة) أمسكت
بذراعها وقالت بصوت خافت متقطع
_لاتذهبي يا(زينب) لا تتركيني ..
ثم راحت تشهق بشده وقبضتها تزداد احكاما على ذراع (زينب) التي
صرخت بكل ما أوتيت من قوة
_ ابى ,, تعاال بسرعة (جميلة ) مريضه
ثم راحت تبكي في خوف شديد
همست جميلة بصعوبة
_زينب,, لا تبكي ,, اسمعيني ,, هل تحبنني ؟
قالت زينب باكية
_كثيرا
_إذا ,,, اعتني بنفسك وبأحمد لاجلي ,, وقولي لمصطفى
انني............ اسفه جدا...
صرخت زينب
_ابي ارجوك تعال بسرعه ...
وشعرت بالالام شديده في ذراعها وقبضة (جميلة ) تزداد قوة
وراحت تصرخ في هستريا عندما تبدلت هيئة (جميلة ) وتصلبت
عضلات وجهها ودارت عينيها للاعلى
واطبقت على أسنانها بقوة ثم راحت ترتجف بعنف
و الزبد يخرج من فمها وبدت كأنها تختنق
ولا تزال زينب تصرخ بكل خوفها
_جميلاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا ااااا اااا

Mema 17-08-2009 04:40 PM

يومان كاملان و(جميلة ) لاتزال على حالها فاقدة الوعي ,,
متصلبة الجسد,, ومطبقة على أسنانها بشدة,,,,سألتهم (هدية)
أن ينقلوها إلى بيتها ,, لأنها كانت تظن أن مس قد أصابها
في منزل (سعيد)ولا يجب ان تبقى هناك ابدا ..
وتم نقلها فعلا .. وأحضروا الشيخ (إدريس) لمعاينتها فقال
في أسف ان ما بها صعب أن يتم الشفاء منه ..
وأعطاهم وصفة من بعض الاعشاب وطلب منهم أن يسكبوها في
فمها المغلق بأحكام صباحا ومساء .. لكن السائل كان يتدفق من زاوية
فمها فلا يدخل جوفها شيء منه أبدا..

وكذالك جاء الشيخ (أحمد) ليرقيها ويقرأ لها بعض الآيات والأدعية ..
لكنها لم تبدي أي تجاوب أو علامة تدل على تحسن قريب..
وعندما علم (مصطفى ) بما أصابها لم يهتم لأي كان وأصر على البقاء
الى جوارها ليل نهار ,, بعد أن طلب من جيرانه الاهتمام بوالدته,,
وكان يتحدث اليها بشكل متواصل راجيا ان تستجيب ,, كثير ما كان يعجز عن
حبس دموع فينخرط في بكاء حار لساعات قبل ان يستعيد رباطة جأشه مجددا..

وبرغم خوفها الشديد على شقيقتها عكفت (زينب) على الاعتناء بالوليد ,,
ولكم كانت مهمتها صعبه .!! إذ انشغل الجميع بوالدته المريضة
ونسوا أمره تماما .. كانت تحمله إلى بيت يبعد مسيرة ساعات من منزلهم
ليتم إرضاعه مرتين في اليوم لكنه لم يكن ينال كفايته بطبيعه الحال
فلا يكف عن البكاء ,,احتجاجا ,, وخاصه بالليل ,, فكانت تمضي
ليلتها تبكي معه حتى يشرق الصباح ,,

وفي اليوم الثالث ,, تلاشى الامل من قلوب الجميع اذ لم تبدي (جميلة)
أي تحسن يذكر بل وقد ساءت حالتها و تورم جسدها بالكامل ..

Mema 17-08-2009 04:41 PM

دخلت عليها (زينب) حاملة الطفل بين ذراعيها الصغيرتين
كانت وحدها ,, وقد خرج (مصطفى) ليطمئن على والدته
فاقتربت منها ووضعت الطفل الباكي الى جوارها في الفراش
رغم تحذيرات والديها بعدم احضار الطفل خوفا من ان ينتقل
اليه المرض ا وان يصاب بالمس ايضا

كان صغيرا جدا .. وقد أزداد جلده تجعدا وغارت عيناه وقارب
صوته على الاختفاء كليا ,, توقف عن البكاء عندما شعر بجسد
والدته فهمست (زينب )
_(جميلة) لقد جئت لك بأحمد,, انه جائع....
الخالة (صفية) تطعم طفلها اولا ثم تطعمه لذا هو فلا يشبع ....
انه يبكي باستمرار حاولت اعطاءة بعض الماء لكنه
راح يسعل بشده .. فخفت كثيرا..
صمتت للحظه وكانها تتنتظر جوابا ثم قالت..
_(هدية) تهتم بزوجها المريض وبك وبأولادها
و(امنه ) تبكي كثيرا ولا تتحدث مع احد.. و لا تريد مساعدتي ,,
لانها لا تحب الاطفال ..
و(مصطفى) لا يرغب بتركك وحدك ووالدي لا يعرف كيف يرعى الصغار,,
(جميله )..انا لا اعرف ماذا افعل .. ارجوك ساعدني
ثم صمتت للحظه اخرى وراحت تنظر الى وجه اختها
فلاحظت بعض التراخي في عضلاتها المشدوده وجفاف شفتيها
قالت
_ أنت لم تشربي ولم تأكلي منذ يومين.!تبدين عطشى ,, هل تريدين
بعض الماء؟
هل أعطوك الدواء؟
ودارت بعينيها في انحاء الحجرة باحثة عن خلطة الاعشاب
الحفوظه في وعاء صغير ..
وقع بصرها على المقعد الخشبي المتهالك حيث وضعت قطع من القماش
الأبيض المطوي بعناية ..وقد جرت العادة على تحضير الكفن للمريض
عندما ييأس الناس من شفائه ..

تذكرت أخاها (حبيب) فانتفض قلبها في خوف وقالت
_ما هذا يا (جميلة) ؟ لم جاءوا بهذا الثوب ؟ أنت لن تذهبين إلى الجنة أليس كذلك؟
ثم اتجهت حيث وضعوا الكفن وحملته من مكانه قائلة في غضب
_لقد وعدتني ان نذهب سويا ,, لن تذهبي وتتركيني ,,
و توجهت نحو الباب محاولة أخفاء قطعة الكفن خلف ظهرها
وخرجت ..


الساعة الآن 12:22 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.