إلى المدرسة الأولية
إلى المدرسة الأولية الخوف والدهشة والفرح اجتمعوا جميعاً في قمة رأسي منذ المساء . - بلغت الآن يا (نجم الدين ) مرحلة النضج . آن لك أن تستبدل وإلى الأبد الجلوس على الرمل الخشِن أرضاً بالجلوس على المقاعد الخشبية كالسادة وكِبار السِن . هكذا قلت لنفسي . * ودّعت وإلى الأبد ألواح ( الأردواز ) للكتابة وجاءت مرحلة الكراسات وأقلام الرصاص و الريشة والحِبر ، فقد كبرنا على خلوة عمنا الشيخ "عبد الرحيم". السابعة من العُمر كان في ذهني هو موعد النُضج والانعطاف الكبير ، وآن الأوان أن أذهب برفقة أخي عثمان وابن عمي كمال الدين إلى المدرسة . سيقبلونني قسراً بينهم رفيقاً و مُسامراً . لن يتهكم أحد فلم أعد صغيراً ، فمنذ اليوم سوف أصبح مثلهم . قامتي تعدت المِتر قبل زمان، كنت أحسبها في ذلك الزمان عنفواناً ورجولة وقوة . * صحوت مُبكراً على غير العادة ، فالأفراح القادمة مع الخوف والقلق تُخلخل المنام . الجلباب الأبيض وغطاء الرأس وحذاء القماش ، هي اللباس الجديد . حلاقة الرأس كانت قبل يومين تحت ( راكوبة ) الحاج محمد في سوق الموردة ، ومنها بدأ العد التنازلي للذهاب إلى المدرسة . * أعدت والدتي كل شيء منذ الصباح الباكر . وكان عليَّ الإسراع لحمام الصباح والسواك . رغم أنني لا أحبهما ولكنني اعتدت على قبولهما فهي طقس من طقوس الكِبار ، يمارسونه بلا تردد ، أياً كان الماء بارداً أم دافئاً . للنضج مخاطر وقساوة لابُد من التعود عليها . * شاي الحليب مع (الِلقيمات ) تناولته مثل الجميع ،ثم أخذت الزاد اليومي ( قرشان ) للإفطار وهو في زمان الخمسينات من القرن الماضي مال يمكن للمُدبر أن يوفر ربعه ، أو نصفه إن كان مُقتِّـراً . التنبيه والتشديد على تفقد "المال" من الضياع عند كل حين كانت هي الوصية ، فالجري والقفز واللعب تُضيّع النقود ، لذا كان الحذر من الواجبات . * تحدد مُسبقاً تاريخ اليوم موعداً للذهاب للمدرسة . يقولون إن الشيخ "عبد الرحيم" قد حمل القائمة بأسماء التلاميذ الجدد ومعها وثائق الميلاد للمدرسة الأولية قبل أيام . تبعد المدرسة الأولية فرسخاً ونصف الفرسخ عن مسكننا . حضر ابن عمي" كمال الدين " إلى مسكننا في موعده اليومي ، فمسكننا يقع على طريق مسيرته إلى المدرسة . من المُعتاد أن يغشى أخي عثمان ويذهبان سوياً . الحقيبة القماشية على الكتِف تبدو لي اليوم جميلة ورائعة ، حتى ولو كانت فارغة . الطريق الترابي كنت أراه ضخماً فخماً هادئاً في الصباح . شمس الصباح رائعة . المذياع تُجمله أغنية في الطريق : الزهور صاحية وإنتَ نايم داعَبت شَعرك النسائم . . . . . . . . . لم أكن حينها أعرف أن شاعرها هو العملاق عبد الرحمن الريَّح ، أو أن الصوت الرخيم هو للفنان الرائع رمضان حسن . * النظرة المُستبشِرة و التحية من الجيران والعابرين ، فثلاثتنا الآن في طريقنا للمدرسة ، أنا وكمال الدين و أخي عثمان. كمال الدين في السنة الرابعة والأخيرة في المدرسة الأولية ، وعثمان في الثالثة وأنا سوف أصبح في الأولى . وأدركت أول ما أدركت و منذ خروجنا من مسكننا ، أن الجَدة (نفيسة ) كانت صادقة عندما قلبت أصداف ( الوَدِع ) الصغيرة أمامي ذات مرة و كان تقول :- - الدار الكبيرة مُحَمِدَاك يا نجم الدين . * كان للذهاب المُبكر للمدرسة مَيزّة تعرفك على معالم المدرسة وفق ما يرى أخي عثمان . على جانب الطريق أشجار ( النيم ) متفرقة بلا انتظام على الطريق إلى المدرسة الأولية . ينضم إلينا في الطريق مبارك و محمد من أبناء عمومتي ، جميعهم يتسامرون وأنا أستمع . للمدرسة سور ضخم متصل تراه أنت من البعيد ، هو مبني من الطين وطرفه الأعلى من الطوب الأحمر ، بعرض 30 سنتمتر ، تسمح للجميع الصعود عليه والسير فيهوقت اللعب. الأغصان الباسقة تغطي الأسقف الهرمية الشكل . إنها لا تشبه مساكننا ، ترتفع أكثر مما يجب . إن رأيتها وأنت داخل القاعة الدراسية ، ترى أخشاب التيك داكنة اللون تتقاطع مع بعضها لتُمسِك سقفالأسبستوس الخرساني المتموج، أعلى قاعة الفصل والقاعات المجاورة كذلك . الحوائط بُنيت من الطوب الأحمر والنوافذ من ألواح التيك الخشبية، تفتح علىالفرندة الممتدة جنوباً ، أما شمالاً فتظلل النوافذ أفرع أشجار ( اليارنج ) . ثمارها الخضراء حامضة الطعم، صرنا نحن بعد تعوُدنا نتبارى في تحمل حموضتها . * المدخل الرئيس عند بوابة المدرسة بعرض أربعة أمتار ، وأعلاه لافتة المدرسة : ( مدرسة أبو عنجة الأولية للبنين ) . بعد زمان من ذلك التاريخ أدركت أن المدرسة تحمل ذكرى البطل حمدان أبو عنجة ، حامل أحد ألوية المهدية و بطل من أبطالها ، وأدركت لاحقاً أن البنين تختلف عن البنات في الكتابة كما في الطبيعة ! . تجد الطريق أمامك عند مدخل المدرسة يفترِشه البحص والرمل . على اليمين وعلى اليسار حديقتان ، تحُف من حولهما مجموعة من أشجار ( البان ) و( التمر هندي ) والحشائش ومغطيات التربة تشكل تكوين الحدائق . إن خطوت خمسة عشر خطوة تجد على اليمين مظلة مبردات المياه الفخارية . مجموعة من الجرار تجلس على فتحات صنعت في بسطة خرسانية بارتفاع أقل من المتر . على رؤوسها أغطية خشبية بمقابِض ، وعليها أكواب صنعت من الألمنيوم كبيرة الحجم ربطت بحبال من نبات الكِناف ، تمنع الكوب أن يتجول بعيداً . عدة أمتار أخرى وإلى اليمين ملعباً صغيراً للكرة الطائرة اصطلاحاً ، فهو باحة وقائمين وشبكة . عشرة أمتار أخرى وتبدأ مباني قاعات الدرس ( الفصول ) . المباني أقامتها وزارة الأشغال منذ مطلع الخمسينات . تبتني هي أنموذجاً لمدرسة ، ويتم تنفيذها في كل مدن السودان وضواحيه والأرياف، وفق ما يتيسر . يقوم البناء على شكل هرمي . عِقد واسطته مكتب لمدير المدرسة و آخر للمدرسين . وعلى الطرفين( فصلين ) على اليمين وعلى اليسار .للسنوات الأولى والثانية من جهة ، وللسنوات الثالثة والرابعة من الجهة الأخرى . على طرف قصي مخزن و غرفة الحارس عمنا ( محمد الفرَّاش ) ، بها أيضاً مطبخه. لاحقاً بعد أن تعرفنا عليه ، تذوقنا عنده لأول مرّة " قُرّاصة " القمح مع طبيخ اللحم عصراً ،بعد انتهاء دوام المدرسة . من الجهة الشرقية و على يُسراكَ وأن تدخل البوابة ، هنا يجلس ثلاثة من النسوة ، حولهم آنية وصحائف تجهيز الإفطار للتلاميذ ( في فُسحة الفطور ) : العَمة ( الحاجة ) ، ثم العمة( زينب ) ثم العَمة ( حليمة ) . عمرهُنَّ يقارب أمهاتنا ، يقدمنَّ النصائح ويترفقنَّ بالفقراء من التلاميذ . من الجهة الغربية باحة كُبرى لطابور الصباح اليومي . في الوسط توجد مساحة لمزارع التلاميذ التعليمية . الخضروات والمحاصيلالموسمية ، وقد تقلصت لأحواض يتراوح أطوالها بين المتر والمترين . تربط بعضها قنوات الري ، تُقرِّب لنا في ذلك الزمان المزرعة في وقتٍ نأت المزارع بعيداً إلى أطراف النيل. ثلاثة فراسِخ شرق المدرسة الأولية و تحت جسر النيل الأبيض يوجد اليسير مما تبقى من مزارع الخُضر . فقد تمَدينت أم درمان وأخذت بأسباب التجارة والمهن الحرفية. بعُدت قليلاً عن حياة الريف ، وبقي أهلها ريفيون ولكنهم يلبسون قشور الحواضِر . * عندما تقاطر التلاميذ ، أخذني شقيقي إلى عمنا الشيخ "عبد الرحيم "، وأمسك الأخير بيدي . انتظرنا في الباحة بعد أن رأينا طابور الصباح ، وكيف ينتظم الجميع في سكون وأدب . يصطف الجميع ، يتفقد المعلمون الصفوف . كل مرحلة على جانب من الباحة ، قبل النشيد اليومي . ثم المغادرة إلى قاعة الدرس . * انتهت قراءة الأسماء المُعتمدة وتمَّ التسجيل للسنة الأولى. تفقد الشيخ "عبد الرحيم" الجميع و اطمأن على قبولهم . نبهنا بضرورة الالتزام بالآداب التي تربينا عليها في ( الخلوة ) . أوضح أن المخالفين سيقدمون إليه ليوقع العقوبة عليهم وفق النظام القديم ، إضافة لعقوبة أولياء الأمور . تحرك الموكب إلى داخل القاعة المخصصة لتلاميذ السنة الأولى . على باب القاعة وقف مُرشد الفصل المعلم ( مصطفى أحمد سالِم ) ، في يده اليُسرى سوطاً قصيراً ، ويده اليمنى مرفوعة توجه الداخلين . * يوليو هو شهر الصيف ، الحرّ والأتربة ثم الأمطار حين يبدأ العام الدراسي . بدأ المعلم " مصطفى "التعريف بالمدرسة ونظمها والقائمين عليها ، ثم بدأ قراءة قصة قصيرة مشوقة من قصص " كامل كيلاني " كي نتقرب إلى المدرسة عن طريق القص، وتلك بداية الطريق. عبد الله الشقليني 21أبريل 2005 * |
عندما نفتح بيوت القلب * |
سلامات الشقليني ,,,
جميل ان تكون في زاكرتك كل هذا المد من الزكريات التي تبخرت معظمها عند الكثيرين. استمعت جدا بهذا السرد ، وانا اقرأ أستعيد فترة ليست بالبعيده ولكن تقارب المواقف والمزيج من سعادة الإنتقال إلى مرحلة دراسية جديدة والخوف من المجهول ، وعلي كل فقد كانت المرحلة الأولية هي الأجمل علي الإطلاق .. انتظر المزيد مع كل التقدير. تحياتي |
اقتباس:
تحية طيبة وبعد ،، كنت دائماً أتطلع إلى الشق المختبئ من الحفريات الاجتماعية ، فقد صرنا جميعاً اسري رواة تاريخ الأعلام في الحُكم ، ولم نجد النصف الآخر من الكرة التاريخية . ونحن في حاجة لبعض الإضاءة في التاريخ الاجتماعي . لك شكري * |
ونواصل
|
العزيز بيكاسو،
سلام واحترام .. قص يأخذك إلى أزمان تخلد في الذاكرة. لعلّنا بعدكم في الفترة الزمنية، ولكن كان الحال كما هو الوصف هنا، والفارق الوحيد، وسيلة الوصول إلى المدرسة. كنّا نتّخذ الحمير وسيلة، ونتّخذ أشجار السَلَم على جانبي المدرسة، مربطاً لها. نترادف على ظهرها وأنا خلف أخي الأكبر، فقد كان يسبقني بسنة دراسيّة. أضافت رواحلنا متعة أخرى وسانحة للتباري والتسابق في رحلة العودة إلى البيوت؛ وكم من حمارة طرحت ممتطي ظهورها أرضاً و"عارت"، فجلبت الضحك والسخرية من الأنداد، والعقوبة من الآباء عند العودة راجلين. ما زلت أذكر جل تفاصيل تلك الفترة وكأنّها قد حُفرت في الذاكرة. شكراً يا عبد الله، فالقراءة لك متعة، والتعليق عليها يرقي بذوق الخطاب. |
كتب الصديق : عبد الحميد البرنس :
حياك الله مجددا، أخي الشقليني، وقد وجهت إليك تحية بدءا، عبر الاحتفاء، على طريقتي، بنصّ سردي غني شكلا ومضمونا. وهو ما يخرج رؤيتي تلك، على تواضعها واقتضابها، من الأسر الشائع للأخوانيات والمواضعات الاجتماعية السائدة الأخرى، تحريا للموضوعية، ما أمكن. على أنني أشير، في السياق نفسه، إلى الثراء المعرفي والإلمام الواسع بالمعلومات التاريخية، التي يحفل بها النصّ، وهي جميعا مقدمة ضمن النسيج الحيّ والمتلاحم للسرد ككل، لا مقحمة إقحاما، أو مفروضة قسريا من أعلى، وما يمنح القراءة متعتها لمثل هكذا نصّ، هو محاولة اكتشاف هذا العالم المدرسي، واستعادة دهشة ذلك الاكتشاف ، وتقديم أجواء العالم المعني، وعرض كنوزه المبثوثة في ثنايا الذاكرة، مثل شنطة الدمورية أوالدبلان، لا كقطع أو أدوات عملية، بل كتحف تذكارية مغمورة بالحنين. |
اقتباس:
تحية طيبة وود كثير يا لها من أيام ، كان شيخ الخلوة هو الذي يتولى التعليم والتربية ، ثم يسلم الراية لمعلم المدرسة الأولية ، الذي بدوره يسلمه إلى أساتيذ المرحلة الوسطى ثم الثانوية ، فيتحول إلى تعليم بعد أن نضج المتعلمون تربية .... لك الشكر الجزيل |
بيكاسو
تفاصيل لذاكرة حميمة. تفاصيل الذكريات الاولى . تفاصيل الشارع / المباني أخلاق الامهات ( ست الفطور) .. ثم أعجبني موقف شيخ الخلوة الذى يخرّج جيلا و يسلمهم للمدرسة .. |
الغالي غبد الله لك التحية وعظيم الشكر . يقولون ان الانسان يعجب ويطرب للمغني ، ويندهش للاعب الكرة لانه يقوم بما لا نستطيع نحن ان نقوم به . لهذا اطربتني هذه الكتابة . واظن انك تعرف انني ابدا لا اجامل في هذه الاشياء .
انا في حالة اجازة من الكتابة ولكن هذا النص الرائع اجبرني علي الافطار . لك كل الود . |
الاخ عكود لك التحية . لم يكن ركوب الحمير متاحا في امدرمان . ولكن كنا نذهب الي الاقاليم بانتظام وكنت اعشق ركوب الحمير . وكنت اركب حصين الكارو وحصين الجلب عندما يحضرونما للحمام في البحر .
اسياذ الاجيال والوزير جمال محمد احمد تكلم عن المشلكلة بينه وشقيقه في ركوب الحمار للذهاب الي المدرسة في حلفا . والاثنان كان يريدان ان يركبا في المقدمة . وحل جدهما المشكلة ن بان جعل الامر بالتناوب. كل يوم يركب احدهم في المقدمة . |
اقتباس:
اعجبتني فكرة التناوب علي قيادة السيارة ماركة donkey 4 ×4 ..... الذهاب الي المدرسة كان يقدر بقلع الضرس الاول ... حيث لا تاريخ دقيق عن تاريخ الميلاد فمنهم من دخل وهو في التاسعة ... لكن لا احد يمكنه الذهاب دون السابعة او ان تحدد طول ساقيه مقدرة الذهاب .... اما ...... فندوك فهو موضوع تقديري |
اقتباس:
الأكرم : أستاذنا شوقي بدري سلام وألف تحية ،، بعيد لا نلقاك إلا لماماً ، ولكن بنانك الأخضر هو الذي طوى المسافة بيننا ، فرغم برودة الطقس هناك ، فقلبك دافئٌ يُذيب الجفوة أنا تكون . فأنت صاحب اليد الطولى مؤرخاً لوطن تعود أهله على اللغة الشفاهية . دونت التاريخ الحقيقي لأمم كاد الممسكون بطيلسان السلطان أن ينسونا أهلنا ، إلا وجئت لنا " بقدح " الأضياف ، تعبُ طعاماً لا يكمل ، نذوب في حضنك أخاً لم تلده أمهاتنا ، وكنا ارتوينا من شقيقك " شنقيطي " ، واستكثرته الدنيا علينا . ألف سلام عليه في مرقد المحبين للنبي الأكرم . * |
اقتباس:
فكيف نحنُ ؟ تحياتي |
بسم الله الرحمن الرحيم
أستاذنا ، كل الود ، كالعهد بك ، دوما .. تقول الأشياء بشكل مبهر ، تشكل من المألوف والمعاش صور مكتملة البهاء ، اقتباس:
وصف يضج بالحياة ، هذا دأب الرائعين أمثالك ،، تحياتى ، |
| الساعة الآن 01:45 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.