الشــــــــــــــــفاء للدكتور : منصـــــــور خـــــــــــــــــــــالد .
الشفاء للدكتور : منصــور خــالد قال أبو الطيب أحمد بن الحسين الجعفي : وكيف تُعلُك الدنيا بشيء .. وأنتَ لِعِلة الدنيا طبيب وكيف تنوبك الشكوى بداءٍ ..وأنت المستغاث لما ينوب (1) اتصلت بسعادة السفير (م) والكاتب" جمال محمد إبراهيم "، وعلمت أن الدكتور" منصور" طريح فراش الاستشفاء .ندعو له بالسلامة للجسد وللروح .وأن ينهض سالماً مُعافى ليكمل ما تبقى من رسالة . لا أنينزل السيف إلى الغمدِ . صباحكَ نور من الإصباح ، ونغمك الدافئ في بطون ما تكتب.ألف سلامة لك أيها النجم الصاحي ، بك الأيام تعتلي هامة الزمن ، بك الأرض رحيبة وأنت فارس كتابها الموثق ، في وطن اعتادت الصدور أن تطمر تاريخها. بالوجد ذاته الذي تسير به قلوبنا متوكئة على المشاعر التي نقتسم حياتها في دنيا عصية على القبض . سخية بالتقدم عند الذين هم من حولنا في الدنيا . في حين أبطأنا نحن السير بوطننا ليلحق برفاقنا في الإنسانية وهم يسرعون الخطى. يتخذون من العقل دُرة لترشيد المنهج وطرائق التفكير ثم العمل ، وهو الكنز الذي يتعين أن يكون ثروتنا جميعاً . تلك مرابط أحصنة الفوارس ، ومنها الانطلاق . لا أحد ينتظر من يفقأ عينيه ويمُدّ صحن التسول . (2) لنتوقف قليلاً في سيرة الذين نتشارك معهم خبز الثقافة والشأن العام الحامض . كان الدكتور " منصور خالد " رفيق درب في دنيانا .يكبرنا سناً وخبرة ومعرفة . عرفناه من التاريخ ومن حياته العامة ومن خلال كتاباته قبل أن نلتقي في برهة يوم ساطع ، أكاد أذكره في العام 1983 كأنه الأمس. بمثل ما كان يحفه إرث صوفي يخضّب بطن الذاكرة ، فلسيدنا دنيا يراها غير التي يرى عامة الناس . قال لي الصديق الأستاذ " فخر الدين كرار " ، كان الدكتور في كل كلمة يريد تدوينها ، يدعونا ونحن في بواكير أيام التخرج من الجامعة أن نذهب إلى دار الوثائق ، ونبحث وندقق عنها ، حتى نجدها . يصورها ويرقمها ، ثم يدونها مادة يبني عليها رؤاه وتحليله في أسفاره .ذكر الصديق الأستاذ " هاشم حبيب الله " أنه كان في يوم من أيام التاريخ مبعوثاً من قبل الدكتور " منصور "لتوثيق حياة الشاعر" عبد الله محمد عمر البنا " بقريته " عمارة البنا " بأرض البطانة قبل رحيله في ثمانينات القرن الماضي وكان برفقته صنّاجة شِعر البطانة الشاعر" الفرجوني". قَضَيا أكثر من أسبوعين توثيقاً . وتلك خامة معرفية تنتظر فسيلتها ليشتلها صاحبنا بيده الساحرة في الكتابة عن الجيل الذي عمِل في التعليم بكلية غردون التذكارية في ثلاثينات القرن الماضي لنقرأ ثمارها آخر المطاف.ونزعم أيضاً ومنذ زمان أن الدكتور " منصور " بصدد أن يوثق لأم درمان ، وربما يكتب في السيرة الذاتية. الدكتور" منصور" موجز العبارة ودقيق التوصيف ، بلغة جزلة وبلاغة ساحرة لا تُصعِّر خدها للقارئين والقارئات .تصل بيسر لمجموعات متنوعة من الذين يهمهم الشأن العام وخبايا حيواته. يعتمد قدرة توثيق لا تُضل أن توصلك للرؤى ناصعة بهية مكنوزة بالمعرفة . يستعين بالرصد ، ومن ثم ينسج رؤاه ناضجة صدّاحة في أسفار يضع فيها حكايات مسيرة وطن بموارده وشعوبه وصفوته مُتقلبي الأهواء والطبائع، لتأخذ مكانها اللائق في المكتبة العالمية قبل السودانية . قد يختلف كثيرون مع رؤاه أو في سيرة تجاربه وخياراته، ولكنه امتلك الجسارة في خوض الشأن العام وتحمُل تبعات ذلك . وضع نهجاً جديداً لكل موقع تقلد وظيفة مرموقة فيه. يُجبرك أن تنتبه أنك أمام قامة عالية بما تخيره من منهاج وما كسبه من خبرات معرفية وأكاديمية ، ليس من السهل أن تختلف معه دون أن تستعين بذخيرة من الحُجج الموثقة التي لا تقبل الشك . (3) عمِل الدكتور " منصور خالد " في بواكير شبابه مديراً لمكتب رئيس وزراء السودان السابق السيد " عبد الله خليل " في الخمسينات ، ثم من بعد التأهيل محاضراً للقانون الدولي بجامعة "كلورادو" بالولايات المتحدة الأمريكية وخبيراً في اليونسكو ، ووزيراً للإعلام ثم الخارجية في السودان ، وحامل مشاعل أُخرى أكبر من الحصر. في حوزته ملفات عن التاريخ السوداني من الصعب على المرء معرفتها لولا حدسه السابق بأن التوثيق الدقيق يقطع شك المعلومة ويؤسس البنية التحتية المعرفية قبل التحليل وإبداء الرأي .فكان يسابق ريح عصره مثل كل المبدعين الذين هم أكبر من التقييم . لم يستسهل " الدكتور منصور" الحياة وحِفظ معرفته في صدره مثل كثيرين من مجايليه ولكنه انتفض في زمان كان له أن يسترخي مثل غالبية أجيال السودنة. كتب درراً في الصحافة والاجتماع والتاريخ و الاقتصاد والإدارة والسياسة والقانون. اهتم بالكتابة مثل غيره من المبدعين كالشاعر " محمد المهدي المجذوب "والكاتب الأستاذ" جمال محمد أحمد " وبروفيسور " عبد الله الطيب المجذوب" والكاتب الروائي " الطيب صالح " و " الدكتور "جعفر محمد علي بخيت "، وقبلهم جميعاً " الشيخ بابكر بدري " وقليل من أصحاب السطوة الثقافية التي رأت تحرير إبداعها من سلطة الشفهية الغالبة على شأننا الثقافي والفكري . احتجب معظم تاريخنا الموثوق وتفاصيله الدقيقة وغطس في صدور الكثيرين ، ورحلت الأذهان بهذا الكم الهائل من المعرفة وعضَّينا أصابع الندم . تقلب المبدعون الذين ذكرنا في مجالات الشِعر و التاريخ والرواية والإدارة والقانون وفي الخبز الثقافي المتنوع ، وجاء الدكتور" منصور " في مرحلة صعبة ، تصطخب بالصراع قرب خروج المستعمر وإلى تاريخ اليوم. وأصبح ليس من شهود العيان فحسب ، بل من ضمن اللاعبين في تشكيل ملامح واضحة لعلاقة المثقف بالسلطة في منعطفات الوطن التاريخية الحادة. (4) الدكتور منصور خالد ، مثله مثل الدكتور " جعفر محمد علي بخيت " و" الدكتور محمد عبد الحي " و الأستاذ " جمال محمد أحمد " استجارت بهم السلطة في وقت انقسمت عواطفهم ما بين أن يقدموا ما في وسعهم من معارف في شق طريق أفضل للوطن وفق رؤاهم ،و يتخذوا بما يستطيعون من سطوة مستحقة للعمل العام لرد دَيّن الوطن ولكن من تحت عباءة نظام حاكم ،جاء من إعسار نظام ديمقراطي لم يزل على بداوته ليس بقادر على استحداث رؤيا التجديد لإدارة وطن متنوع الشعوب والأعراق والثقافات مكنوز بثروات مطمورة لا يعرف أحد أفقاً لها ، وبين أن يسوِّقوا لنظامٍ : "جاء بليل العسكر لا خبرة لديه ولا أحد يعرف لأصحابه رؤى ، حين بدءوا حياتهم السلطانية " . إن اختلفنا في أن السياسة المباشرة ليست من خبز همّنا اليومي الثقافي رغم أنها حياتنا التي نحيا .ورغم خطرها على الشمائل والملامح. متراوحة بين التراث وقدرتنا على النهوض في تمام قمر المعاصرة والحداثة أو نستكين لتراث سلفي موغل في القدم.إن لأسفار الدكتور" منصور " في الشأن الثقافي وحياة الصفوة في السودان القديم وفي قضايا جنوب السودان أو السودان الجنوبي ، بحسبه صاحب رصيد الشراكة في صناعة اتفاقية " أديس أبابا " 1972 ، الأولى التي امتدت سلاماً أحد عشر عاماً ، ثم لاحقاً مستشاراً لقيادة الحركة الشعبية منذ الثمانينات و إلى اتفاق " نيفاشا " 2005 وما بعدها . له خبرة نسجت أسلوبه البلاغي المميز في الكتابة وفي تناول الوقائع و تحليلها وقراءة المستقبل ، ثم الخروج بنبوءات الحياة اللاحقة. ورسم لوحة لكيف ابتلعنا السمّ ونتذوق الآن مرارة فشل دولتين ،لما تزل الديمقراطية والسلام والتنمية فيهما أحلام لا تأتي ولو في النوم العميق . (5) كتب عنه الراحل والدبلوماسي الكاتب "جمال محمد أحمد "في ثمانينات القرن الماضي : (...وأنا الذي صحبته سنين أعرف أنه قومي سوداني في البدء،وأكبر من كل بطاقة يسير بها الناس، يتصيدون المكان الأرفع لذاته، لا لما يتيح لواحدأن يعمل، وعذاب المكان الأرفع لا يعرفه غير من افتقده. أثلجت غضباته صدور أكثرالشباب، لأنه واحد منهم، يتميز عنهم ببيان يقنع، يعبر عن ذاتهم كما يعبر عن ذاته،فهي تحس ما يحس، ولا تملك ما يملك هو، من معرفة بتجارب عالمنا العربي والأفريقي،يتصدى لدقائق الحكم والإدارة والتعليم والثقافة. يستلهم تجاربه الثرة. يخيف الواحد بنشاطه الجسدي والذهني، تأتيك رسائله من أطراف الأرض يبث فيها مشاعره وأفكاره،ويحدثك عن الذي قرأ من سياسة وأدب لا تدري، متى وجد الفراغ، وعن الذين لقي من أئمة الفكر والسياسة، لا يمس واحد منهم استقلاله الفكري.... ما أدري إن وقف عند كلمةمعلمنا "لطفي السيد" أم لم يقف، لكنها تصفه وتصف كل الذين يعيشون الطلاقة الجامحة: "إن أراد قارئ أن يفهم حديثي هذا دفاعا عن فكر بعينه، فليعد قراءة الحديث مثنى وثلاث ورباع... وإن أراد أن يفهمه دفاعا عن دولة، فليعد قراءته مثنى وثلاث ورباع فالذي أدافع عنه هو أمر أخطر من هذا بكثير...الذي أدافع عنه هو حقنا في أن نفكربحرية طليقة... وهو واجبنا في أن نتصرف بإرادة.) (6) من أسفاره المبذولة : حوار مع الصفوة - لا خير فينا إن لم نقلها - السودان والنفق المظلم – الفجر الكاذب - جنوب السودان في المخيلة العربية - النخبة السودانية وإدمان الفشل(من جزأين) - السودان، أهوال الحرب.. وطموحات السلام (قصة بلدين) - (الثلاثية الماجدية ) صور من أدب التصوف في السودان . وله الكثير الذي ينتظر النور. * ألف سلام عليك سيدي أينما حللت ،و للعافية أن تلثم مُحياك المضيء بإذن واحد أحد . عبد الله الشقليني 25/ 6/ 2012 |
شفاه الله ومد فى أيامه وأيامنا لنرى نور الحرية فيكون نوم قرير العين
سلامات حبيبنا الشقلينى |
نسأل الله له الشفاء .
كتابة "متعوب عليها" كما يقول الصديق الجيلي أحمد شكرا أستاذنا الشقليني لك تقديري ومودتي |
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة رأفت ميلاد http://sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif شفاه الله ومد فى أيامه وأيامنا لنرى نور الحرية فيكون نوم قرير العين سلامات حبيبنا الشقلينى ودي ومحبتي أخي الأكرم : رأفت .. بالخير ندعو لك من سويداء القلب وأن تكون الأسرة كذلك في أتم العافية ...لك شكري |
[frame="1 50"]
بيكاسوالفنان..... شفاء الله دكتور منصور خالد.وعافاه ورد له صحته وحضوره الزاهى... دكتورمنصور خالد... ذلك الاسم الضخم والكاتب الفنان الذى اخذته السياسه من محافل الادب وساحة الفنون ومسارح الابداع اللغوى والروائى...هذا الرجل الذى فى اعماق دواخله ايقاعات نوبات الصوفيه فى تجرد الذات وسمو الروح وذلك التسامى الروحى المتـالق..زحمته السياسه وركب امواجها وبرع فيها..واخفته من عطاء ينابيع عيون الادب.وسحر الكتابه... كتب كتابا رائعا عن امدرمان فى توثيق خطير ونافذ لتاريخ امدرمان الفنى والادبى والروائى..والسياسى انجذه بسحربيان ابداع فريد ورهيب.ومتعاظم...ولغته جذله مبدعه ومنفتحه ودكتور منصور خالد صديق حميم لبروفسير على نور الجليل جراح القلب العالمى المشهور.وهو ابن عمى الكبير وعميدالاسره..والتقيته معه فى مدينة مانشستر اكثر من مره..وسبرت غوره وهو يتنقل بين المواضيع وهبشت فيه حوزته الادبيه فافاض وسحر وحير...التقيته اخر مره فى عام 2009 فى مناسبه اجتماعيه هنا فى لندن..وتحدثت مع الاخ الدكتور الشاعر السردوليب عنه...وعن السعى وراء استضافته ليفتح مغاليق ما يحفظه عن الفن والادب...وتسامرت مع الاخ الباشمهندس يحيى قبانى المدير العام لموقع الاغنيات السودانيه عن امكانية التسجيل معه عبر الهاتف.. دكتور منصور خالد شخصية مرموقه لها ثقلها ووزنها وله سحر بيانه فى كل المجالات.. وهو كاتب فذ ومتنوع..وله فكرصائب ومتقد وكم تمنينا ان يفيض بما يعرف وما يكتب عن الاداب والفنون.. نتمنى له الشفاء فهو قيمة وثروة قوميه برغم اخنلافات الناس عن مساراته السياسيه.. ورباطه الفكرى [/frame] |
اللهم اشف دكتور منصور وعافه
شكراً يا بيكاسو على الكتابة شاهقة المعاني. |
بيكاسو الفنان..
وهذه عودة اخرى الى دكتورمنصور خالد.. وهذا رثاء افاضت به كلماته الى الراحل عزيز بطران..وفى كلمات دكتور منصور استعادة لحنين التذكار ومودة العشره..ورباط الالفه والزماله..وذكرى الامير صديق منزول عبقرى الكره السودانيه.. هذا منقول من صفحة الحركه الشعبيه .. [frame="1 70"] <H2>د. منصور خالد يكتب عن الراحل عزيز بطران إرتجفتُ لحظة سماع نعيه كما ترتجف فروع البان .. كتابه عن صديق منزول أكد حبه لذاك الأسطورة http://pub.sudanlam.com/dr-mansor-khalid.gif د.منصور خالد قلما أرتجفُ لموت قريب أو صديق، لا لخمود في الشعور، وإنما ليقين عميق ان الموت مصير كل حي. رغم ذلك إرتجفتُ لحظة سماع نعي الراحل عزيز بطران في واشنطون في الإسبوع الماضي كما ترتجف فروع البان. إرتجاف فروع البان لا يدهش أحداً، فالبان شجر خوار، وما عرفت ان بي خوراً في الطبيعة. هل كان ذلك الرجفان بسبب الفجاءة من بعد أن أبُل بطران من علة خبيثة وأخذ يعاود حياته الطبيعية ليموت بسكتة قلبية؟ أم هو جزع عند النوازل، وأي نازلة أكثر من رحيل ذي اثرة عند الإنسان. حاشا لله، إذ علمنا اهلونا الصبر على النازلات. فمنذ الصغر ظللنا نتسمع منهم »وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ«. هؤلاء قوم لم تكن تتلقاهم مصيبة إلا أدرأوها بقولهم »لا إله إلا الله«. مصدر جزعي حقاً ولتعجب ما شئت هو عدم إيفائي بدين مستحق لصديقي الراحل رغم أني احسب نفسي رجلاً ميفاءً يأخذ الحق ويعطي الحق. آخر ما يتمناه لنفسه رجل كهذا أن يكون من الذين يبكون الميت ولا يقضون دينه. وعلى هذا الأمر نعود. من هو عزيز بطران؟ هو فتى ولد في كسلا، وعشق أرض التاكا (ومن ذا الذي لا يعشقها). في تلك المدينة عاش في بيئة صوفية تبدأ يومها بصلاة في سلام، وتختمه بمرحبا بالمصطفى يا مسهلا. هذه هي البيئة التي إنتقل منها عبد العزيز إبن الخليفة عبد الله بطران إلى الخرطوم ليلتحق بجامعتها الوطنية الوحيدة كواحد من أوائل الطلاب الذين إختاروا للدراسة كلية حديثة الإنشاء: كلية الإقتصاد والإجتماع. عقب تخرجه بإمتياز من تلك الكلية في عام 1964م إلتحق بطران بوزارة التجارة والتموين ليقضي بها فترة قصيرة قبل أن توفده الوزارة إلى بريطانيا لإكتساب المزيد من المهارة فيما يلي تلك الوزارة من مهام. إرتحل بطران إلى بريطانيا محملاً بالأمل، ومختزناً في وعيه الحاد كل ما هو جميل في السودان. لايدري أحد أي آمال كان يحمل، ولكن ما أن حط رحاله في بريطانيا إلا وأخذ يتطلع إلى عالم آخر غير عالم البيع والشراء، والمقاييس والمكاييل. آثر خريج كلية الإقتصاد المتميز أن ينصرف إلى دراسة التاريخ في جامعة بيرمنجهام، ومن بين كل علوم التاريخ إختار لدراسته موضوع الإسلام الإفريقي وإشعاعاته على السودان. ذلك مجال لم يطرقه يومذاك إلا نفر قليل من مؤرخينا السياسيين والإجتماعيين، منهم من تفرغ له كلية مثل محمد احمد الحاج، ومنهم من تناول فصولاً منه إذ منعهم من التفرغ الكامل للموضوع تفرغاً كاملاً إنشغالهم بضروب أخرى من ضروب المعرفة: جمال محمد أحمد، مدثر عبد الرحيم، يوسف فضل. لا شك في أن الدهشة قد أصابت كثيرين من رفاق دربه يومذاك عندما نمى إلى علمهم أن بطران إتخذ موضوعاً لبحثه للدكتوراة سيرة عالم لم ينصرف إليه إهتمام الباحثين السودانيين، بل ربما لم يعرفه أغلبهم: سيدي الشيخ المختار الكُنتي الفهري القرشي، أحد أعلام الطريقة القادرية. إختار ذلك الشيخ العالم موضوعاً للدراسة في معرض البحث عن إنتشار الإسلام في الصحراء الغربية والنيجر الوســـــــيط، وكـــــــــان عنوان الرســـــــــالة (Sidi al Mukhtar al ذ Kunti and the Recrudescence of Islam in Western Sahara and the Middle Niger). على تلك الدراسة أشرف عالمان خبيران بالشـــــــئون الأفــــــريقية هـــــــما الأستــــــاذ بــــرازيلـــــي الأصــــل باولــــو فيرنــاندو فاريـــــــاس (Paulo Fernando de Morales Farias) وهو أكاديمي متخصص في تاريخ تمبكتو وسانغاي، والثاني هو سلفه في جامعة بيرمنجهام رالـــــف ويــلــــس (Ralph Willis) الذي إرتحل من بعد إلى جامعة بيركلي بكاليفورنيا. من الظاهر أن الأستاذين قد حثا الطالب الذي توسما في نجابة على تبني الموضوع، ولكن لاريب في أن البيئة الصوفية التي نشأ فيها الطالب قد اهلته نفسياً ووجدانياً للقيام بذلك البحث. أياً كانت الأسباب، فطن بطران إلى أن الإسلام الأفريقي، أو الإسلام في ما كان يسميه البلدانيون (الجغرافيون) ببلاد افريقيا، قد لعب دوراً هاماً في أسلمة بلادنا، وهو دور لم يلق بحثاً عميقاً، كما سلفت الإشارة، لا سيما فيما يتعلق بدور الطرق الصوفية. بلاد افريقيا عند البلدانيين هي المنطقة التي تبدأ من تونس وتنتهي عند السهل الأفريقي بممالكه التاريخية: مالي، كانم، سانغاي، تمبكتو، وداي. إشعاعات ذلك الإسلام إنبعثت من القيروان التي لم ينشئ فيها عقبة بن نافع قلعة عسكرية فحسب، بل أقام فيها أول صرح للمعرفة والتنوير الإسلامي في افريقيا. ومن مسجد عقبة تفرقت تلك الإشعاعات وإنتشرت مرسلة ضوءها وحرارتها إلى الزيتونة بتونس الخضراء، وقلاع التجانية في عين ماضي بالجزائر، وجامعة القرويين بفاس، ومرابط العلماء في صنهاجه وشنقيط وتمبكتو. هذه هي المراكز التي إنداح منها الإسلام الصوفي على السودان الكبير (السهل الأفريقي) ثم من بعد إلى ما كان يعرف بالسودان المصري قبل أن ينتهي إلى السودان الإنجليزي المصري. دون إنكار للدور الذي لعبه متصوفة ذلك الزمان الذين وفدوا إلى السودان من المشرق (أرض الحرمين)، ومن الشمال (مصر)، كان لمتصوفة أفريقيا الإسلامية القدح المعلى في نقل الإسلام للسودان: القادرية ببطونها وأفخاذها، التجانية، الشاذلية الجزولية. حل ببلادنا أولئك الأشياخ بدءً بسودان الغرب (دارفور وكردفان) ثم إنتشروا من بعد في وسطه المنبسط. وسيلة هؤلاء الأشياخ في نشر الدين كانت هي الحسنى والمهاداة، دون أن يفترضوا عصمة لشيخ، أو يدعوا لتقديس آخر. كان شعارهم في التبشير: إجعل الكتاب والسنة جناحيك وطر بهما إلى الله، لم يقولوا طر إليه على جناح شيخ ولي، أو عالم، بزعمه، يفتأت في الأحكام أكثر مما يفتي. ديدنهم في ذلك هو قول الباز الأشهب، الشيخ المؤسس لطريقة تمددت عبر العالم حتى وصلت السودان وأصبحت أكبر الطرق فيه: الطريقة القادرية. قال الشيخ عبد القادر الجيلاني: يا بُنى اياك أن تنظر إلى شيخك أنه معصوم، إنما هو بشر يخطئ ويصيب. فإن رأيت منه مخالفة فابحث له عن عذر شرعي. فإن لم تجد له عذراً فاستغفر الله له، فإنه بشر يخطئ ويصيب. نسأل الله أن يعي هذه الحقائق من حسبوا انفسهم مكتشفي براءة إختراع الإسلام في السودان، أو من ظنوا أنهم ظلال الله على الأرض، فهما سيان في الضلال. لعلهم لو فعلوا لكانوا أقرب إلى الله فعلاً لا قولاً، ومخبراً لا مظهراً. على أي، عقب تخرج بطران من جامعة بيرمنجهام التحق بجامعة كينية ناشئة، بل هي أول جامعة في كينيا: جامعة كينياتا. وكان إلتحاقه بتلك الجامعة من بعد فترة قصيرة قضاها كمحاضر في جامعة كاليفورنيا، سانتا كروز (1972م 1973م). ولكن سرعان ما ترك بطران تلك الجامعة عندما احس بأنها لا توفر له مجالاً للمضي في بحوثه حول الإسلام الإفريقي مؤثراً الإلتحاق بالجامعات التي تمكنه من تطوير معارفه، وتعميق بحوثه في موضوعه الأثير. التحق بطران بجامعة هاوارد العتيقة بواشنطون كاستاذ للتاريخ وظل في موقعه ذلك على مدى خمس وثلاثين عاماً حتى رحل. في تلك الفترة تخرج على يديه المئات وأشرف على عشرات من رسائل الماجستير والدكتوراة. عمل بطران أيضاً إستاذاً زائراً بجامعة برنستون مشرفاً على البحوث في تاريخ أفريقيا الإسلامية. وخلال فترة عمله في الجامعتين تواصلت رحلاته البحثية إلى المغرب وغرب أفريقيا، كما توالى نشر بحوثه في عديـد الحوليات الأكاديمية مـثل مجلة التاريخ الأفريقي (Journal of African Studies)، مجلة الجـمـعية النيـجيـرية للتـاريخ (Journal of the Historical Society of Nigeria)، كــــراســــــات معــــهــــــــد الــــدراســــــــات الأفــــريقــــــية بــالــمــغــــــرب (Institut des Etudes Africaines,)، وتاريخ افريقيا العام لليونسكو. الباحثون المؤرخون كثيراً ما ينكبون على أمور يَلزمونَها ويُلزمون أنفسهم بها، لا يرى فيها عامة الناس بل بعض خاصتهم إلا عملاً لا جدوى من ورائه، ولا فائدة تستدرك من أدائه. فإلى جانب الإهتمام الكبير الذي أولى بطران في بحوثه للظروف التي هيأت للإسلام ذ ذ نفسه في التربة الأفريقية، وتوحيد اهليها بمرونة فائــقة، تــناول إيــضاً النــزاعــات الفــقهيــة (Ulema Fracas) بين العلماء في المجال الإجتماعي. في ذلك، تناول بطران قضيتين: الأولى هي الدخان، والثانية الرق. وفيما كتب عن الدخان لم يكن بطران يحلل ظاهرة إجتماعية نجمت عن التواصل تواصل أفريقيا الإسلامية مع الغرب وإنما كان، حسبما ذكر أستاذ التاريخ الإسلامي جون فول في تعليق له على رسالة بطران حول التدخين، يستعرض الأطر الإجتماعية والسياسية التي كانت تكيف الرأي القانوني حول الممارسات الإجتماعية، وتضبط احكام الفقهاء بشأنها. ففي الحوار حول الدخان: أهو مسكر أو مفسد أو مُنوم (Soporific)، لم يكن الموضوع الحقيقي الذي شغل بال الباحث هو الدخان في حد ذاته، بل كان همه التوصل إلى مناهج التحليل والإستدلال عند أولئك الفقهاء، وأسلوبهم في تقعيد الأحكام. قال عن تلك الرسالة عالم مؤرخ آخر: رالف ويليس أنها قد قدمت ارضية خصبة للدراسة المقارنة بين القانون والتاريخ الدينيس من الباحثين الخوض فيه: الرق الإسلامي. ذلك الموضوع إحتل حيزاً كبيراً في دراساته، خاصة في الفترة التي عمل فيها بجامعة برنستون. الرق ظاهرة عرفها العالم منذ عهوده القديمة: مصر الفرعونية، اليونان، الرومان، ومن بعد إرتبطت الظاهرة بافريقيا عند إستشراء الرق الزراعي، من القارة الأفريقية إلى جزر الهند الغربية والشرقية والولايات المتحدة. في زماننا هذا أخذ كل العالم يسعى لتطهير نفسه بالإعتراف بما إقترفه الأسلاف من ذنوب في حق شعوب بأكملها. في ذات الوقت إستحيا المفكرون الإسلاميون ولاذوا بالصمت إلا قلة في تونس والمغرب من الإعتذار عن خطايا الإسترقاق. بطران إجترأ على أحكام لم يسبقه إليها باحث مسلم ممن آثروا الصمت إما خشية، أو جهلاً، او إحجاماً عن قول الحق. وإن كان الصدق مع النفس والمعرفة يكسبان المرء جرأة فكرية، فإن الجهل والإنغلاق الفكري لا يوسعانه إلا الوجل، أو يحملانه على الدجل. على المستوى الشخصي كانت معرفتي المباشرة بالراحل في نيروبي في اوائل سبعينات القرن الماضي. شدتني إليه إهتماماته الاكاديمية، وسعيه الدائب لورود آبار بكر في العلم والمعرفة. حببه أيضاً إلى نفسي روح المرح والفكاهة التي لم تفارقه حتى في أشد حالات مرضه. إلا أن أكثر ما قربني منه، أو قربه إلي، كان خلوه مما عُرف به الكثير من أبناء جيلنا: الغيرة الجيلية، التشنج الفكري خاصة في السياسة، والإنغماس الجزافي في الترهات الأيديولوجية. تلك صفات كانت وما زالت تحمل نفسي على الإنقباض عن أصحابها بلا هوادة أو لين. فإن كان التشنج الطبيعي هو تقبض عضلي غير إرادي، إلا أن التشنج السياسي يصدر دوماً عن إنسداد في خلايا المخ يعطل التفكير. أما الغيرة بين المجايلين فحسبها سوءً انها تعبر عن رغبة الحاسد في ان يُذهب اللهُ عن المحسود خلة موروثة، أو مأثرة مكتسبة. وبما أن كسب المرء لا يكون إلا بعون من الله وجهد من عبده، فإن في مثل هذا الحسد جحود بعطاء الخالق. صفات بطران الشخصية ومميزاته الفكرية تلك حملتني إبان تَوليَّ أمر الدبلوماسية السودانية على أن أنشد عونه مع آخرين من ذوي الدربة والقدارة من داخل وزارة الخارجية وخارجها. طمعت في أن يتولى بطران الإشراف على إدارة إستــحدثتــها يومــذاك وأســميتـــها إدارة الرصـــد والتـنـبـوء (Monitoring and Forecast). لا أدري كيف كان البعض سيستقبل هذا الإسم في زمان أصبح فيه نشر خريطة البروج (horoscope) في أحدى الصحف مُنكراً حُملت معه الصحيفة الناشرة، تحايلاً على نشر ذلك المنكرس : ز س. هؤلاء لأسموها إدارة الرجم بالغيب. رجماً كان أو لم يكن، إستهمتني يومذاك القضايا ذات الطابع المستقبلي: كينيا بعد كينياتا، أثيوبيا بعد هيلاسلاسي، مستقبل الخليج خاصة بعد الهزات التي صحبت إحتلال إيران للجزر الثلاث والسحب التي أخذت تتراكم في الجو عند إستقلال البحرين، العلاقات العربية الإسرائيلية: حرباً أو سلماً. الموضوع الأخير جعل بعض الحواجب ترتفع إذ كيف يجرؤ أحد في عاصمة اللاءات الثلاثة على الحديث عن سلام مع إسرائيل، حتى كإحتمال نظري. مهما يكن من أمر، إعتذر بطران عن القيام بما دعوته له، إلا أنه أعد للوزارة بحثاً رصيناً عن كينيا بعد كينياتا كان جد متوافق مع ما آلت إليه الأحداث فيما بعد. ذلك البحث تضام مع بحوث أخرى لفحول الدبلوماسيين: جمال محمد أحمد (أثيوبيا بعد هيلاسلاسي، القضية العربية الإسرائيلية)، صلاح عثمان هاشم (مستقبل الخليج)، او فحول الباحثين زكي مصطفى (قانون البحار وثروات البحر الأحمر)، فيصل عبد الرحمن على طه (حدود السودان خاصة الشرقية والجنوبية). إنتقل بطران من بعد نيروبي إلى واشنطون ليقيم فيها ، وطاب مقامه هناك بعد إقترانه بهادية طلسم، رعاها الله ومن أنجبت. كفاها توفرها على رعاية رجل لم يكن يكلف احداً رهقاً، بل كان يغدو ويروح في داخل منزله كالنسيم كي لا يثقل على أحد. واشنطون مدينة قرية لا كغيرها من المدن الامريكية الممتدة والمتشعبة. هي قرية يسودها هدوء غريب عندما يغبش الليل. فمنذ الرابعة مساءً يهجرها قرابة نصف سكانها إلى ضواحي المدينة، يخرجون منها متسارعين يركب بعضهم بعضاً إلى تلك الضواحي. هؤلاء هم البيروقراطيون الذين تتكدس بهم مكاتب الدولة ومؤسسات المدينة الإقتصادية. تلك المدينة / القرية عرفتها زائراً ومقيماً. ويوم حللت في المدينة مقيماً في مطلع الثمانينات كزميل باحث في معهد وورد ويلسون ذكرت الصحاب القدامى ومنهم بطران. إلتقيت به وطربت باللقاء طرب الواله أو المختبل. طربي كان طرب إرتياح لا كطرب النابغة الجعدي صاحب هذا القصيد سألتني أمتي عن جارتي وإذا ما عُي ذو اللب سأل سألتني عن أناس هلكوا شرب الدهر عليهم وأكل وأراني طرِباً في ذكرهم طرب الواله أو المختبل الطرب أغلب ما يكون عند الإرتياح، إلا انه يعني أيضاً الإهتزاز من حزن أو غم، كالغم الذي إنتاب النابغة. كنت وجماعة من الراحلين: الرشيد عثمان خالد، صلاح عثمان هاشم، عثمان حسن احمد وبعض نفر من الباقين نتلاقى في مقاصف المدينة ومسارحها ومكتباتها. في كثير من تلك اللقاءات كان بطران هو نقطة الإلتقاء، بل بؤرة الضوء التي تلتقي عندها الأشعة. كان يُعَمرُ نفوسنا بكل ما هو جميل، أو ممتع، أو مفيد. لا عجب، إذ كان بطران يبحر في أفق مفتوح. إتسع افقه للدراسات الأكاديمية، وللموسيقى، وللأدب، وللرياضة دون أن تختلط عليه الأمور. عرفت قليلاً من البشر تحتدم في دواخلهم المتناقضات ولا يفقدون توازنهم. ما أكثر ما كنت أرضخ لهؤلاء الصحاب وهم يغزون داري في بيثيسدا دون ميعاد لإقتلاعي من مكتبي للإرتحال معهم إلى أندية الجاز والبلوز في الشوارع الخلفية لقرية جورج تاون، أو لزيارة مطعم جديد في المدينة، أو للإلتقاء بزائر لا يستثقلونه، وما اكثر الثقلاء الذين كانوا يفدون على المدينة. ليكدرون على الناس صفو الحياة. كان صحبي هؤلاء يعرفون انني أقبع في داري لائذاً بكتبي وموسيقاي لأنهما يغنياني عن الناس أغلب الناس. كما كانوا يعرفون أن الكتابة هي الأكسير الذي يقني من الإنفجار. ذلك قول لم يكن، بوجه خاص، يقنع عثمان وبطران فيردفا قائلين: نعرف هذا ولكن هيا بنا إلى جورج تاون ففيها أكسير آخرً. في نهاية الأمر، كنت ارخي لهم العنان، لسبب واحد هو انني لم أكن زعيماً بحال انني أكثر إنكباباً أو حرصاً على القراءة من عثمان، ولا على البحث من بطران، ولا على الخلوة من صلاح هاشم. ما الذي بقي للمرء بعد رحيل تلك الكوكبة من الفاضلين؟ ما الذي بقي بعد إنكساف البؤرة التي تتلاقى عندها الأشعة، فالبؤرة في علم الطبيعة هي ملتقي الإشعاع كما هي مفترقه. ثم هل يفيد الصحب الأقربون والأهل الأدنون، في لوعة فراق الميت وترقب المزيد من عطائه، أن يقولوا مع الشاعر محمد بن عبدالله عند فقده لولده يا موتُ لو اقلت عُثرتَه يا يومه لو تركتَه لغد أو كنت ارخيتَ في العنَان له حازَ العلا واحتوى على الأمد لا أظن ذلك. ليس من طبعي التشاؤم، بل لا أجعل للحزن سلطاناً على نفسي، ما أستطعت إلى ذلك سبيلا. مع ذلك، عند تذكري لتلك الكوكبة الوشنطونية الرائعة: صلاح عثمان هاشم، الرشيد عثمان خالد، الوليد محمد طه الملك، عثمان حسن أحمد، ثم بطران، لم افلح في قهر نفسي عن إستذكار واحدة من قصائد إدجار الان بو (Edgar Allan Poe)، بل أقول أعظم قصائده، بل هي في رأي الكثير من النقاد واحدة من عيون الشعر الأمريكي. تلك هي قصيدة الغراب الأسحم (The Raven). الغراب طائر مشئوم، ولعل شؤمه هذا هو الذي دفع بو لإختياره ليكون نجياً له، بدلاً من الببغاء مثلاً. القصيدة مرثية في لينور (Lenore) صفية الشاعر التي حزن حزناً كبيراً على فراقها. ولكن بو، بطبعه المتشائم والمأساوي، رأى حتى في ذلك الحزن جمالاً، بل ذهب إلى وصف الحزن بأن أعلى درجات الجمال لأنه يثير في النفس المشاعر الدفينة، ويدر الدموع الغاسقة. كان بو يجلس كل يوم في عتمة الليل البهيم في الغرفة التي كان يتشاركها مع ليونور في إنتظار شئ سيجئ. في إنتظار عودة لينور، فلا يجيئه إلا صوت الغراب المشئوم يردد: لن يعود… لن يعود ما مضى لن يعود على خلاف ادجار الان بو نحن أهل يقين ديني تعلمنا منه «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ». لهذا لا يكون عزاؤنا لأنفسنا إلا في الذكرى، «والذكريات صدى السنين الحاكي». قطعاً سيعود المرء ما أمتد به العمر إلى المناهل التي كان يرتاد، سيعود إليها كما يعود أهل افريقيا إلى موارد الماء القديمة. ومن حكمهم: «عندما نعود إلى موارد المياه القديمة لا نفعل ذلك من أجل الماء بل لأن الذكريات تنتظرنا هناك». أحباب كثر لنا ماتوا فأقبروا، وفي قبورهم أجداث ستنسل إلى ربها يوم القيامة. ولكن بجانب الأجداث تضم قبور البعض ايضاً رفوات أحلام جميلة وذكريات باقية. قلت أنني ساعود على بدء بشأن الدَين المستحق لبطران. ففي لقائي الأخير معه قبل بضع أعوام قدم إلي وثيقتين، الأولى هي بحث لعله آخر ما كتب حول صراعات العلماء في أفريقيا الإسلامية (نشرته مجلة المغرب الأفريقي)، والثاني كتيب لا يتجاوز المائة وخمس وعشرين صفحة إختار له عنوان «حنين إلى كورة زمان». الكتيب، فيما علمت منه، سطا عليه أحد قراصنة النشر وطبع منه، دون إذن صاحبه، بضع عشر عشرات أو إن شئت مئين من النسخ. أشار بطران وهو يقدم لي كتاب ذكرياته: «أريد منك أن تعمل على طبعه من جديد ، وأن تقدم له». قلت للراحل «كتابك كتاب حنين والمرء يعاوده الحنين إلى ما ألف، ويَستَحِنه الشوق إلى ما عرف، فما بالك تريد مني أن أقدم لكتاب يذكرك بماض الفته، ولم أكن الوفاً له، أوشغوفاً به». قال: «أو لم تكن صديقاً للأمير، إقرأ المقدمة». أطللت على مقدمة الكتاب التي صاغها بطران باللغة الإنجليزية وجاء في مطلعها: «إلى نجم النجوم، الإسطورة الخالدة، أعظم لاعبي الكرة في هذا الزمان وكل زمان، الأمير صديق منزول». قلت: «هذا تقريظ جيد لمنزول وأنت تستدعي ذكراه». قال: «هو تقريظ لمنزول فحسب، فلم يأت الوقت بعد ليكون منزول ذكرى». وعلى أي، كان بطران محقاً في جانب، إذ تعود علاقتي بمنزول إلى عهد الطلب في المدرسة الوسطى، ثم بصورة أوثق إبان تولي وزارة الشباب والرياضة. في تلك الفترة امتدت لقاءاتنا وتواصلت، وأعان على ذلك نفاج كان يصل بين مكتبي في الوزارة ومكتبه في ديوان المراجع العام. نابني إحساس بأن الذي كان يبتغيه بطران ليس هو إضافة شئ لم يكن يعرفه الناس عن «الإسطورة الخالدة»، وإنما الإنتصاف لرجل فريد يخطئ من يسعى لإختصاره في لاعب كروي ساد ثم باد. ففي منزول الذي عرفت صفات إنسانية أكسبته فرادة، وصفات خلقية ميزته عن الأقران، ثم إستعلاء حميد لم يكن يبتغي منه الترفع عن الآخرين بقدر ما كان يفرض عبره على نفسه قبل غيره - سلوكاً يتوجب على كل صاحب مهنة أو صنعة ان يلتزم به. فالطبيب البارع، والقانوني الحاذق، والمعلم الجيد، والرياضي المبدع ينبغي أن لا يتوقعوا تقديراً من الناس لحذقهم، وبراعتهم، وجودة أدائهم لمهنتهم إن لم يصحب الحذق والبراعة والتجويد والإبداع إلتزام بأخلاقيات المهنة التي إمتهنوا، وبمدونة السلوك التي تضبط الأداء في تلك المهن والرياضات. زادت يقيني بحب بطران لمن اسماه «الأسطورة الخالدة» إيماءات خلال حديثه عن رحلته إلى السودان في ثمانينات القرن الماضي. بواعث الرحلة في ظاهرها كانت شغفه بالديار، وبمن سكن الديار. وبما أن لكل شئ ظاهر مرئي وباطن خفي، فالباطن الخفي في تلك الزيارة كان هو رغبة بطران لإخراج صديقه نجم النجوم من حالة غم كان عليها. زاد من غم منزول وهمه، فيما روى بطران، رحيل خلصائه: سورين وكوركين أسكندريان، عبد الرحمن صغيرون، ثم غياب شيخ الرياضيين ومؤدبهم الدكتور عبد الحليم محمد عنه من بعد أن أقعدته السنون. يالها من سنون تلك التي تقعد العماليق. من تلك الزيارة عاد بطران موجعاً أسيانا. لم آلو جهداً، علم الله، في السعي للإيفاء بما وعدت صديقي وتعهدت به راضياً. ولكن ما حيلتي مع الناس؟ فمن بين كل من أوصى بطران بإمدادي بما يسد الفجوات فيما كنت أنتوي كتابته لم تصل إلى ومن بعض البعض غير جذاذت (والجذيذ قطعة من حطام)، أو بضع صور فوتوغرافية أشكر عليها الأستاذ أمين زكي. والآن وقد ذهب بطران إلى ربه راضياً مرضيا ما علي إلا أن أستحصد العزم للإيفاء بمهمة غير عسيرة أناطها بي راحل عظيم. ما هو أكثر جدارة بالعناية هو دراسات الراحل التي نشرت بالإنجليزية ومن حق القارئ العربي أن يطلع عليها. في رثائه لطالبه النجيب عبر أستاذه البرازيلي فارياس عن حزن عميق لإضطرار بطران إلى تلخيص رسالته للدكتوراة في كتيب صغير طبعه معهد الدراسات الأفريقية بجامعة محمد الخامس تحت عنوان: «الطريقة القادرية في غرب أفريقيا والصحراء الغربية: حياة وزمان الشيخ المختار الكنتي 1729م 1811م. قال فارياس أن ذلكك الإختصار قد ظلم الكاتب ظلماً بيناً، كما عفى على الصعوبات الجمة التي عاناها في بحثه حتى يلقي الضوء على الكثير مما كان يجهله الباحثون». من أقمن بالإهتمام بجهد هذا الباحث غير الجامعة أنجبته: جامعة الخرطوم، وبوجه خاص كلية الآداب ومعهد الدراسات الأفريقية والأسيوية؟ ومن غيرهما أكثر إدراكاً أو ينبغي أن يكون بأن إهدار الآثار العلمية هو والفتاة مهدرة الجمال سواء؟! [/frame]</H2> |
تحية وشكر جزيل للأكرمين :
عكود وطارق كانديك ، وسأعودكما . ونحن نأمل الشفاء لهذا الشهاب الذي صادف رحلة دورانه أن نكون من الشاهدين . |
الصفاء في حضرة تخوم القراءة حبيبنا في موسم صيف لندن : الأستاذ الصدوق عصمت العالم ، بعُدنا عن بعضنا ، جففت الحياة قنوات الاتصال ، ولم يذب الحنين إلى أن نلتقي ، ونحن نمشي على جمر الحياة ونعيش العُسرة . * أكاد أتسلق صبوة عشق القراءة وأنا أقرأ موجز الواسع في النهل من السيرة وأدب اللحاق بقطرات التاريخ حين تقرأ أزيز أمطارها قبل أن يغير الإنسان البيئة ويُجفف طلاقتها ، وأطيارها الصادحة . لقد استدعتني قصة " بطران " برواية " منصور " أن تهتز الجذوع من وهج هذا الغناء النبيل في الكلام المكتوب ، في وقت نشهد الحصرم وقد اعتلى موائد الكرام ، فجفّت الينابيع . لم أعتد مثل تلك البساتين التي تُطل من وهج الكتابة ، فقد قضينا كثير من العمر في تداول قراءة اللغة المنخفضة السقوف ، والمباشر من الكتابة التقريرية ، وهي تلقي عليك بحصبائها كي يعتاد الذهن أن يطوي عباءته ويستريح دهراً . وهو الآن قد أفرد خيمته للريح في لطافة سعيها أن تكون مُمَكِّنة لهذا الذهن النائم ،أن "اترك الأحلام يا جميل وأصحى " كما كتب الشاعر " مصطفى بطران " تقبل محبتي * |
شكرا عالمنا عصمت على المقال العظيم لدكتور منصور خالد
لابد أن تلفح القارئ له نسمات الأدب وهو يكتب عن أي شئ. شفاه الله والبسه ثوب العافية |
عاجل الشفاء للرفيق الدكتور منصور خالد
|
لطف الله به
ومنحه من نعمه الكثيرة العافية في البدن والروح ... |
[frame="4 50"]
بيكاسو الفنان... دائما لك السبق والمبادره...والايفاء.. هذا ملف ضخم...لمفكر ضخم ونافذ ولسياسى مرموق ومدرك..يختلف الكثيرون حوله سياسيا.ويلتف الكثيرون حوله مفكرا وكاتبا له صفاته ومذاق طعم شهده واسرار ابداعه وسحر بيانه... هذه مراجعه له وعن تاريخه...وهو يتحدث فى قناة النيل الازرق...احتفظ له بتسجيل نادر فى لقاء تم فى قناة امبى سى فى بدايات تسينيات القرن الماضى وقت ان كانت تبث من لندن بترسى..فيه كل شىء عنه ...تحيل بعض المسائل الفنيه فى نقله ولكن ساسعى جاهدا ان احلها وانقله لكم... هذه اجزاء من حلقات مراجعات لقناة النيل الازرق... [/frame] http://www.youtube.com/watch?v=3SiDhPgr3xk http://www.youtube.com/watch?v=nK_ehb3poPk |
اللهم أنعم عليه بعاجل الشفاء و موفور العافية
|
د.منصور خالد جمال انصرف إلى الجانب المغفل من العلائق الثقافية بين أفريقيا والعرب ..كتب عن الكاتب الدبلوماسي الكبير جمال محمد أحمد في الذكرى 25 لرحيله كفاه أنه أفلح في خلق كتلة إبداعية حرجة لتيار فكري. نعم اختلفت مع شيخي / صديقي كما قلت للمرة الأولى ? وكم تمنيت أن أكون مخطئاً، لا لأن جمالاً هو أستاذي الأثير وإنما لأني لم أحسبه أبداً رجلاً عادياً، بل مستودع أفكار think tank. احمد الله أن جمالاً كان كما عرفت رَجْحانياً يقبل كل الأفكار. والرَجحانية طائفة من الفلاسفة ترى أن لا سبيل لبلوغ اليقين. كلما نعرفه من آراء يترجح وجودها على عدمها، وصدقها على كذبها. الرجحانيون لا يبنون الرأي على الهوى، فالرأي باقٍ، والهوى إلى بيود. وقد ذهب الهوى بالبعض إلى إنكار كل المظالم التي تولدت عن تلك النظرة الملتبسة للشخصية السودانية فحسبوا ظلمهم للآخرين ظلماً عادلاً. هل نقول: لا ضير، فقد سبقهم إلى ذلك وليام شكسبير في يوليوس قيصر: «أن قيصر لا يظلم إلا لسبب عادل». كان أول لقاء لي بجمال في عهد الطلب بمدرسة وادي سيدنا عندما عاد من بعثته الدراسية في جامعة أكستر هو وصديقه سر الختم الخليفة ولعلهما كانا أول مبعوثين من رجالات التربية إلى بريطانيا إذ ظلت حكومة السودان آنذاك توفد أساتذتها لاستكمال معارفهم في الجامعة الأمريكية ببيروت: إسمعيل الأزهري، عبد الفتاح المغربي، عوض ساتي، عبد الحليم علي طه، أحمد المرضي جبارة، النصري حمزة، نصر الحاج علي. وفد إلينا جمال كمعلم للغة الإنجليزية والتاريخ ودرجَ على أسلوب في التدريس لم نكن نألفه: اصطحابُنا إلى حافة النهر للحوار حول فَصلٍ من كتاب، أو مراجعة قصيدة. ورغم إلحاف جمال علينا بالحوار كنا نؤثر أن نستمع إليه بدلاً من أن نسمعه أصواتنا. لعلنا آثرنا الالتزام بحكمة الصوفي ذي النون المصري (وهو في الحقيقة نوبي من أقاصي الصعيد). قال ذو النون لمريديه: «يا معشر المريدين من أراد منكم الطريق فليلقَ العلماءَ بإظهار الجهل، والزهاد بإظهار الرغبة، والعارفين بالصمت». لم يبق جمالٌ طويلاً بين مريديه إذ اختطفه الأستاذ عوض ساتي لينشئا معا إلى جانب أستاذ إنجليزي معروف هو روبين هودجكن مكتب النشر ومجلة الصبيان، والأخيرة كانت من بنات أفكار المعلم الفذ عبد الرحمن علي طه. إلى ذلك الثالوث انضم بشير محمد سعيد، وأبو القاسم بدري والفنان الناشئ إسمعيل ود الشيخ، إن لم تخني الذاكرة. رثى روبن هودجكن جمالاً عند رحيله في مجلة دراسات سودانية بالقول: «وجودُ جمال مَثل لنا قوة ًإضافية. كان تقدمياً في نظرته للأمور، معروفاً بين الناس كأديب مثقف، وصاحبَ روح طفولية خفيفة الظل. بتلك الروح كان جمال مكملاً لعوض ساتي بنظرته العلمية الجادة للأمور». ونحمد لواحد من باحثينا: بدر الدين حامد الهاشمي ترجمته لذلك المقال وإضاءته التي كشفت للقارئ عن التياسر الطفولي الذي كان شائعاً في ذلك الزمان بين الصغار، وعن الغوغائية السياسية التي لم ينجُ منها بعضُ الكبار. قال الباحث المحقق إن البعض كان يرى: «أن بخت الرضا ومكتب النشر وغيرهما من مؤسسات الأربعينيات والخمسينيات أنشأها المستعمرُ البريطاني لأهدافه الظاهرة والباطنة وليس خدمة «للسودان وأهله». هذا لون من ألوان التنميط الطفولي للرجال، فمؤسسات الأربعينيات والخمسينيات شملت وادي سيدنا الثانوية، وحنتوب الثانوية، وخور طقت الثانوية، وكلية الخرطوم الجامعية، وثانوية رمبيك. إن كان في إنشاء هذه الصروح من هدف ظاهر أو باطن تغيأه الاستعمار، فمرحى بما تغيأ. ليت هؤلاء اعتقلوا ألسنتهم، فانتهاك التاريخ أمر سئ، ولكن من سوء الخلق أن يوصم بعداوة الوطن من سمقوا إلى الذرى من أبنائه بجهد لا يبتغون منه غير رضا ربهم، ومصالح أهليهم «فصعب العلا في الصعب والسهل في السهل». لابد لنا من وقفة عند أفريقيات جمال. فلربما ظن السطحيون أن جمالاً النوبي كان سيُعني أكثر ما يعني بأثر الحضارة النوبية على أفريقيا جنوب الصحراء. جمال لم يستهن بهذا الأمر، لا لعدم جدواه وإنما آثر تركه لمن لهم عُلقة «مباشرة» بالأمر من الباحثين الذين تفرغوا منذ منتصف السبعينيات في القرن الماضي لإعادة كتابة تاريخ القارة من منظور أفريقي. ذلك أمر ما كان ليُنجز إلا عندما أصبح أحمد مختار أمبو مديراً عاماً لليونسكو في الفترة من (1974م إلى 1987م). وقد ضمت اللجنة التي أسهمت في صياغة الجزء الذي يعنينا الشيخ أنتا ديوب من السنغال (رحل في عام 1986م)، الأستاذ هامباتي با من مالي، البروفيسور كي زيربو (بوركينا فاسو)، نجم الدين شريف (السودان)، مكي شبيكة (السودان). ترك جمال الأمر لمن توافر عليه من العلماء وأنصرف إلى الجانب المغفل من العلاقات الثقافية بين أفريقيا والعرب، ثم ذهب إلى حفر عميق في ثقافة أفريقيا. وعندما اطل جمال على القارئ بكتبه: في المسرحية الأفريقية، وجدان أفريقيا، الدين في الإطار الأفريقي، سالي فو حمر، مطالعات في الشئون الأفريقية، ثم مقالاته عن إتحاد دول حوض النيل. كان ينشد أكثر من هدف: الهدف الأول هو إعانة القارئ السوداني، بل العربي، على أن يدرك أن أفريقيا ليست قارة غُفل لم تسِم أهلهَا التجارب، بل لها ولهم تجاربُ ثرة في الأدب بضروبه: قصة وشعراً ونثراً، كما لهم دياناتهم التقليدية التي لا يقرأونها فقط باللسان، بل يعتقدونها بالجَنان، ويلتزمون بقيمها السامقة في علائقهم مع بعضهم البعض، ومع الأغيار، ثم مع البيئة الطبيعية التي يعيشون فيها. ومما يطرف ذكُره أنه عندما أرادت اللجنة الدولية للبيئة والتنمية والتي كان لها شرف المشاركة فيها في مطلع ثمانينيات القرن الماضي أن تصوغ في كلمات معبرة معنى يستهدي به الناس لفكرة التنمية المستدامة وجدت ضالتها في حكمة شعبية أفريقية. الهدف الأساسي من التنمية المستدامة، كما تعلمون، هو استغلالُ الموارد الطبيعية دون إنهاك لها، أي أن لا تستغل استغلالا يقضي على قاعدة الموارد. تقول الحكمة الأفريقية «لم نرث الأرض من أبائنا لنستهلكها في زماننا وإنما لنورثها لأبنائنا». اهتداء بتلك الحكمة، خرجت اللجنة بتعريفها للتنمية المستدامة بحسبانها «تمكين الأجيال الراهنة من نيل نصيبها من التنمية دون إهدار لحق الأجيال القادمة في الاستمتاع بنصيبها». الهدف الثاني هو الإبانة عن أن الثقافة الأفريقية لم تتجمد في الزمان بل تطورت عبر الدهور بسبب من التيارات التي وفدت عليها: المد الإسلامي و الاستعمار الغربي بديانته المسيحية وحركات التحرير و نوازع الوحدة الأفريقية. أزعم أن ليس من بين كل من تصدى لهذا الموضوع من الباحثين العرب والأفارقة من توافر على دراسته بالعمق والإبانة التي توافر جمالٌ بها على الموضوع. وبمنهجه التوفيقي ? لا التلفيقي ? أفلح جمال أيضاً في إزالة المفاضلة الزائفة بين الأصالة والمعاصرة، ذلك وهم ساد إفريقيا، وبنفس القدر ساد بلادنا، عندما وفدت عليهما أفكار التحديث وآيات (isms) ? تعبير بديع نحته جمال ? الفكر السياسي. في المفاضلة بين الظاهرتين، أو تقديس أي منهما بالنسبة للأخرى، مصادرة على المطلوب. فالحداثة ليست مفهوماً طوباوياً، والأصالة ليست ماهية ثابتة. لهذا فإن كل ما هو متسق منطقياً، ومقنع تاريخياً، ومثبت تجريبياً، وصالح للناس في دنياهم وآخرتهم برضاهم، أمر نافع. الهدف الثالث هو إزالة الجفوة التي أفتعلها الاستعمار، بل قل التبشير المسيحي الذي جاء في ركابه، بين المسيحية والإسلام، وهو عداء لا ناقة للدين فيه ولا بعير، تماماً كما لم يكن للصليب نصيب في الحروب الصليبية التي أرثت العداوةَ بين الإسلام والنصرانية، وأغرت بعضهم ببعض. بل هي حرب سياسية غربية. أكاد أقاطع بأن جمالاً - وهو يصور أفريقيا في تلك الفترة- أخذ الكثير من نماذجها من جوزيف كونراد: «في قلب الظلام». فلا أظن أن هناك من استجاد في توصيف الإذلال والعنف اللذين مارسهما الاستعمار البلجيكي في أفريقيا مثل كونراد. هل لكم أن تتصوروا أن أربعة عشر رجلاً - ليس من بينهم كونغولي واحد-اجتمعوا في برلين التي تبتعد بما يقارب الخمسة آلاف كيلو متر عن الكونغو ليقرروا إهداء الكونغو لا لدولة، وإنما لليوبولد ملك البلجيك كغنيمة شخصية رغم أن الكونغو تحتل مساحة تضاهي مساحة كل أوروبا. مع ذلك لم يتردد جمال في أن يميط اللثام في ممارسات نفرت بعض الأفارقة عن الإسلام، ويقول إن العنجهية العربية التي حسبها بعض الأفارقة إسلاماً ليست من الإسلام في شئ. الناس، كما قال، «أكفاء في عين الله، وأولى بهم أن يكونوا أكفاء في أعين الناس». في تقديمه لوجدان أفريقيا كتب علي المك ? وكان واحداً من أصفياء جمال ومريديه «أن هذا الكتاب لا يضيف مادة جديدة وحسب بل هو امتداد لما يمكن أن نسميه - بغير كثير حذر - لغة جمال محمد أحمد. تلك التي تدخل الأذهان والأفئدة غازية مقتحمة، وهي قادرةُ لأصالتها أن تقتحم. ربما قاومتَ زماناً، ولكنك لابد أن ترفع رأيه الاستسلام حين تلحُ عليك بسحرها». لغة جمال تمتاز بمزاج شاعري استجاده جمال، بل ألهمه الله له. كان الشاعر الفرنسي بول فاليري يقول «الإلهة تمنحنا مطلع القصيدة، ونحن نكملها». هذا المعنى ذهب إليه العقاد في لغة أكثر طراوة، وشعر العقاد ونثره، يجيئانك كما يجئُ النغمُ من عود رَنِم. والشعر من نفس الرحمن مقتبس والشاعر الفذ بين الناس رحمان وهكذا كانت منثورات جمال. فيها شئ من نفس الرحمن. لا غرو في أن جمالاً كلما أشار إلى العقاد كان يقول: سيدي العقاد، أو يضيف العقاد رضي الله عنه. ومنذا الذي ينكر ابتغاء مرضاة الله لصاحب العبقريات. قلت في مطلع حديثي إن جمالاً ما فتئ هو الهادي لنا وقد أدلجنا في سكك الزمان. هل أضيف أيضاً أنه في عالم الأدب والفن ما زال قمراً يدور في سماواتنا، وكوكباً يفيض إشعاعاً على المجرة. ولعله قد ظلم نفسه في رسالته لابنيه التي رثى فيها جيله، كفاه أنه أفلح في خلق كتلة إبداعية حرجة لتيار فكري لا يستنكف النظر لذاته في مرآة مستقيمة بدلاً من النظر للذات في مرايا مقعرة. * |
| الساعة الآن 04:36 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.