عرض مشاركة واحدة
قديم 04-10-2011, 05:19 AM   #[2]
imported_فيصل سعد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_فيصل سعد
 
افتراضي

البروفيسور علي المك ينعي صديقه
عبدالعزيز محمد داؤود‎ ..

الإهداء‎ :

إلى حليمة سليمان أمي‎
أنها كانت تنشد المديح النبوي‎
ترانيم في‎ ‎أشغال يومها‎ ..

و الى الشيخ محمد علي المك‎
أنه أدخلني في‎
فراديس لغتنا‎ ‎الجميلة‎..

ثم إلى خالي علي سليمان‎
فقد تعلمت منه‎
كيف يكون العيش‎
في أم درمان صبابة‎...

"مولد زهرة الروض الظليل"

مساء السبت الرابع من أغسطس 1984 م مات عبدالعزيز‎ ‎محمد داؤد، كان بدأ رحلته في طريق ‏الأبد مساء الجمعة، وانطلق الموت يلهث إلى قلبه‎ ‎الكبير، فمصير القلب الكبير إلى لهاث، وارتاح ‏الموت حين أسكته، لم اصدق كل ما حصل،‎ ‎وبعضه قد شهدت، ولم اصدق، في يوم الجمعة التي ‏بدأت فيها رحلة الموت كنت مدعواً في‎ ‎بيت أحد الجيران، والدعوة غداء والنهار حار ومضجر، لا ‏اعلم، تباطأت شيئاً، ولكني‎ ‎ذهبت علي كل حال، وجدت خلقاً كثيرين، كان منهم أحد المغنين، ودأبه ‏كان تقليد أداء‎ ‎عبدالعزيز، ولكنه بون شاسع، قال يبدي تظرفاً امقت صنوفه (صاحبك صوته خف) ‏قلت بحدة‎ (‎صاحبي منو؟) قال (عبدالعزيز داؤد) قلت ساخراً (ما هو أنت موجود!) ضحك القوم ‏ضحكاً‎ ‎كثيراً، تشاءمت، أكلت في عجلة، عدت للبيت، وحدي كنت، و في التلفزيون وجدت ألواناً من‎ ‎مسابقات الأولمبياد في لوس انجيلاس، لم تفد حالتي كثيراً، اعرف الاكتئاب النفسي‎ ‎يقيناً، كنت لا ‏اعلم من أمره، الاكتئاب، كبير شيء، ولكن الأزمنة الصعبة، والتمرس‎ ‎بمقابلة المكاذبين يبدون، ‏أول أمرهم، براءة أطفال، هد من صلابة النفس ونقائها‎ ‎كثيراً. عرفت الاكتئاب إذن. يقيناً. والجمعة ‏‏3 أغسطس كان يومه‏‎.

وحين بدأت شمس النهار بالإخفاق أبصره حيث كنت في‎ ‎البرندة، سمعت حركة أقدام، ثمة من ‏يصفق، نهضت من موقعي، فتحت الباب، أمامي كان‎ ‎عثمان محمد داؤد، أحييه في حماسة، ثوان ‏وتخال دهوراً، لعله كان يود يختزل مجاملات‎ ‎التحية الطويلات ليقول لي شيئاً أهم كثيرا من ‏مجاملات السلام. توقف السلام، قال‎ (‎صاحبك جه من الأبيض عيان جداً) تركت التلفزيون يحفل ‏بالعدو والملاكمة والسباحة‎ ‎وانطلقت معه نبحث عن طبيب، وعدنا صديق طبيب أن يتبعنا، ذهبنا ‏إلى الخرطوم بحري، ما‎ ‎أنكرنا حي الدناقلة، كان بي حفياً منذ أن جعلته وطن الوجدان يكون في دار ‏عبدالعزيز،‎ ‎ذلك كان في أخريات الخمسين، جسر مطمئن علي الخور يفضي إلى زقاق فيه دار ‏عبدالعزيز،‎ ‎لا اعلم لماذا تفرست في معالم الجسر الصغير في ذاك الموعد من ذاك اليوم ولأول ‏مرة‎! ‎فوقه حصى، وعليه مع الحصى تراب، وكان يضايق السيارة انه علي حافي الجسر تكون ‏دائماً‎ ‎مجموعة صبيان، أقدامهم تزيد ضيق الجسر ضيقاً تخال أحياناً، إن أقدامهم تدعو إطارات‎ ‎السيارات أن تدهسها، تارة ينهضون من مجالسهم برمين، وأحياناً بذوق حسن، في ذاك‎ ‎الموعد ‏من ذاك اليوم لا صبيان ولا أقدام صبيان، ليس هناك من شيء علي الجسر إلا‎ ‎الحصي وإلا التراب، ‏صرنا إلى البيت، ثوان وتخال دهوراً، بعد الباب المضياف، وجه‎ ‎عبدالعزيز، كان جالساً علي ‏كرسي، اسند ظهره علي وسادات، تعبن علي قليل من راحة‎ ‎يحتاجها قلب متعب مجهد، مرهف، ‏أنفاسه تجعل من جلابيته شراعا تعبث به الريح وتنفخ‎ ‎فيه، لا تسعفه الأنفاس المبهورات، لم يتعود ‏هذا الإنسان الرائع أن يصمت، هش لي وبش،‏‎ ‎وضعت اكتئابي بين يديه، دأبي منذ أن عرفته، ‏يعرف ما يضايقني قبل أن أبوح به، نظر‎ ‎إلي، ضحك ضحكاً صافياً هزم به الأنفاس المبهورات قال ‏‏(أنت لسع محافظ علي جلابيتي‎ ‎الجبتها ليك؟) ضحكت بصفاء جعل الاكتئاب المر يتساقط من خيوط ‏الجلابية، يغادر نفسي،‎ ‎جلست انظر إليه، تذكرت لحظتها زماناً في الستين وكنت اعد نفسي للسفر ‏للدراسة في‎ ‎أمريكا. جاءني عبد العزيز وأهداني جلابية زرقاء اللون وفصلتها وحملتها معي، وحين‎ ‎عدت إلى الوطن سألني؟ ماذا أحضرت معك، إن شاء الله جلابيتي رجعت معاك؟) ضحكت، قلت‎ ‎‎(‎والله يا أستاذ كل الجبته معاي اسطوانات وفونوغراف) قال (بس! مرحب الغاب وجاب‎)!

قبل عصر الجمعة ذاك، بأسبوع أو نحو أسبوع،‎ ‎زرته في البيت، أوان لمنيب، كانت الحمى قد ‏استقرت بجسده، ولحظت تورما في ركبته،‎ ‎جنته، كان يسال ملحفاً عن أغنية الحاج سرور (يجلي ‏النظر يا صاح)، جودت نصها، جعلت‎ ‎أغريه بالترنم، كان علمني شيئاً من مذهبه في الغناء، سنين ‏طويلات، كمفت مثل ظله‎ ‎اتبعه، أغني على استحياء امسك صوته المذهل أغنية سرور، يتحسس ‏مداخلها ومخارجها، كان‎ ‎الأغنية لديه محبوبة يغازلها، ثم تلين، ترق، تتداعى، تكون هو، ثم ‏يكونها صدح (في‎ ‎الضي جبينو النادي والبدر خلان يجمع لطافة ورقة ونفرة الغزلان‎).

جلست انظر إليه، لم أكن أعلم إني أشهد طرفاً‎ ‎من ساعاته الأخيرات، وهو جالس أمامي، صدره ‏يعلو سريعاً ويهبط سريعاً، أردت أن أقول‎ ‎له إنني لم اكن مقتنعا بسفره للأبيض، لأنه كان مريضاً ‏بحمى وبيلة، عرفت حدتها حين‎ ‎جعلت يدي على جبينه، أصرت عايدة عبدالعزيز ألا أترك أباها ‏يسافر للأبيض، كانت قلقة‎ ‎ليلتئذ وقد زايلها مرح معهود في أسرة ربها واتسم بالمرح، حدثتني ‏ماجدة عبدالعزيز‎ ‎مرة أن والدها قال لها نكتة يبدو انه ألفها في حينه قال يا ماجدة سمعتي بالجدادة‎ ‎الاستضافوها في الإذاعة، قالت ماجدة: (لا) قال (اكمل ليك القصة الجدادة دخلت‎ ‎الأستوديو، ‏وبعدين كالعادة شكرت الإذاعة على إتاحة الفرصة، واتكلمت عن مزارع‎ ‎الدواجن، والأوبئة، وحياة ‏الجداد في البيوت أيام زمان، واتكلمت كويس.. وبعدين‎ ‎المذيع كالعادة قال ليها تحبى تسمعي أغنية ‏شنو؟ الجدادة ما أتلفتت قالت احب استمع‏‎ ‎لأغنية: في الليلة ديك‎ !!).

ما توقفت لحظة، رفضت رجاء عايدة، لأني كنت‎ ‎أعلم أن عبدالعزيز إن قد قر رأيه على شئ استقر ‏عليه وفعله، إذن فرجائي ألا يسافر‎ ‎مرفوض سلفاً، بحثت في عينيّ لا أمل طأطأت رأسي وخرجت ‏مسرعاً اضرب في الليل لحين أن‎ ‎استدعاني عثمان داؤد عصر الجمعة تلك‎.

كنت‎ ‎انظر إليه إلى جلابيتي الدمورية، أحاط بها البلى كل جانب تتماسك جميلة في شيخوختها،‎ ‎تكون الدمورية جميلة الشأن رقيقة الملمس حين تدنو من الهلاك، كان كلام عبدالعزيز‎ ‎متقطعاً، ‏رجوته ألا يتكلم. شعرت بثقل المرض الذي احتمل، عاد الاكتئاب إلى نفسي، غمر‎ ‎جيوب الجلابية، ‏تقافز يعود إلى مواقعه. قلت إن الطبيب قادم، هز رأسه، مضيت لحالي‎.

أمسيات عدداً قبل ذلك كان بدأ يتدرب على ما اسميه (برنامج عتيق) وهو يشمل‎ ‎مختارات من ‏أغنيات للشاعر محمد البشير عتيق، وقد الفت حنجرة عبدالعزيز شعر عتيق منذ‎ ‎عهد ليس ‏بالقصير، غنى له (ما بنسى ليلة كنا)، بتفريغ نغمى على لحن كرومة، ثم تناول‎ ‎القصيدة الصعبة ‏‏(قم نرتشف خمر الهوى) وأخضعها لسلطانه، ومن بعد تلك (أول نظرة‎) ‎واذكر يوم كان تسجيلها ‏بالإذاعة، لم نكن نعرف النص تماماً، اتصلت في نحو الظهر‎ ‎بعتيق في المدبغة الحكومية حيث كان ‏يعمل عصرئذ، وعن طريق سيف النصر عمر عثمان عازف‎ ‎الكمان، وجاء صوت عتيق على ‏التليفون، أملى عليّ كلمات قصيدته، جاء صوته يزدان بوقار‎ ‎السنين، يملى دون خطأ، في ثبات، ‏قصيدة كان نظمها في مطالع الأربعين، عاد حين نشر‎ ‎ديوانه في هذا العام (1987) يثبت على ‏صدرها عام نظمها 1942، ويكتب يقول (رأيتها وهى‎ ‎جالسة على سباته العرس بين أترابها فكانت ‏أول نظرة)، صوته جاء عبر التليفون (الحيا‎ ‎والنضرة والتيه والجبره هم مصدر شوقى، ومصيبتى ‏الكبرى، بالحب ابلانى، وكمان خلاني‎)‎،‎ ‎دخل الموسيقيون إلى الاستديو، الساعة الثالثة بعد الظهر، ‏ينتظرون الاشارة كيف‎ ‎لحنها: أول نظرة، بدأ عبدالعزيز يدندن بشىء ليس من تلك الاغنية في ‏شئ، اضطربت‎ ‎شيئاً، جريت الى مكتبة الاذاعة جئت باللحن عل صوت أولاد الموردة، عطا ‏ومحمود‎ ‎عبدالكريم استمعنا اليه مرة واحدة، رسخ في أوتار الكمنجات، التقطه عبدالعزيز، وجعل‎ ‎يستعمره شيئاً فشيئاً وتم التسجيل بالصورة التي تعرفون الآن‎.

وأنا أنظر إليه: أيمكن أن يخرس المرض هذا‎ ‎الصوت، أو هذا الرجل الذي ما عهدت نفسه صمتاً ‏طوال حياته فهو إما يتكلم أو يغنى،‎ ‎كانت نظراته بعيدا سابحات، والجلابية خلتها شراع مركب ‏تستبد به الريح، تعلو وتهبط‎ ‎مسرعة: الحالتين كلتيهما.. هل يعقل أن يصمت هذا الصوت المذهل ‏عن الغناء لحظة؟‎

وأنا إليه انظر: كنا نذهب إلى المنطقة الصناعية‎ ‎أي واحدة من المدن الثلاث تكون، بسبب أو بلا ‏سبب، كان الحرفيون والصنايعية صناع‎ ‎الحياة يتجمعون حين يبصرون بسيارة عبدالعزيز، ‏يصيحون به جماعات، على ملابسهم الزيت‎ ‎والشحوم والغبار، وحر الأسقف الزنك يلوذون منه ‏بظلال النيم إذ يبدو انه لا شجر ينبت‎ ‎مواقع الحديد والشدة سوى النيم، تتوقف سيارته وينطلقون ‏إليه وإليها، جماعة تطلب‎ ‎نكتة، وأخري حكاية وثالثة تطلب (زهرة الروض الظليل). ويغنى ويؤلف ‏نكتة على الفور،‎ ‎ويترك في المناطق الصناعية سعادة كبيرة. وما قصة زهرة الروض الظليل؟ في ‏بدايات‎ ‎الستين مات على أبو الجود رحمه الله، وكان الرجل من أساطين الغناء، في عهده (طابق‎) ‎كرومة عهدا ليس باليسير ثم استقل بغنائه، كان له صوت قوى عريض المساحة، وكان له في‎ ‎مجال تشجيع فريق المريخ باع طويل، وقرر معجبوه الأوفياء أن يقيموا له حفل تأبين على‎ ‎مسرح ‏النادي الذي احب. روى الرواة أن على أبو الجود وجماعته كانوا يشهدون مباراة‎ ‎حامية بين فريق ‏المريخ وفريق الشاطئ. جاء فريق الشاطئ قوياً، متحمساً، وبرز من‎ ‎لاعبيه حارس المرمى ‏بصورة. رائعة، وامسك بكل الكرات التي صوبت نحوه. نذكر أبو الجود‎ ‎أن هذا الحارس من اكثر ‏خلق الله حبا لكرومة ولفنه يتبعه أنى ذهب، رجل طربي من‎ ‎الطراز الأول. انتهى شوط المباراة ‏الأول، هتف على أبو الجود بالناس (يا عالم ما في‎ ‎زول في الهاشماب عنده رق)؟ بين الهاشماب ‏ودار الرياضة شارع الموردة لا سواه، كان‎ ‎المريخ مهزوما بثلاث إصابات، انطلق مريخابي ‏كالقذيفة إلى حي الهاشماب واحضر رقا،‎ ‎بدأ الشوط الثاني، مضى أبو الجود وجماعته وجلسوا ‏خلف شباك حارس مرمى الشاطئ، وصدحوا‎ ‎بالغناء (الرشيم الأخضر، زهرة الروض الظليل، نسيم ‏سحرك، جوهر صدر المحافل) الخ هذا‎ ‎الغناء العذب، ثم جعل الرجل يتداعى، يفقد توازنه طربا الله ‏‏! الله ! ورماة المريخ‎ ‎يسجلون، عصمت معنى، طلب مدني، أبو زيد العبد، وانتصر المريخ آخر ‏الأمر. لم يكن‎ ‎عبدالعزيز يعلم شيئاً عن حفل التأبين، كنا نزور صديقنا الحميم حسن يحي الكوارتى ‏في‎ ‎داره بحي العرب، منطقة ونصيبها من الشعر والغناء حق وفير، قلت له بعد أن هبط الظلام‎ (‎يا ‏أستاذ نمشى نادى المريخ لحضور حفل تابين على أبو الجود) وافق على الفور، ذهبنا،‎ ‎ؤ الطريق ‏عجبت لهذا الرجل، دائماً للغناء مستعد، ولإسعاد الآخرين يتأهب، قلت لنفسي‎: ‎من يعزف له؟ ماذا ‏يتوقع أن يكون بانتظاره في نادى المريخ؟ أشرفنا على الموقع، كان‎ ‎محتشداً بالناس، مجموعة من ‏أهل غناء الحقيبة، قدامى ومحدثين، قدموا خير مالديهم في‎ ‎ذكرى زميل وعزيز، جاء دور ‏عبدالعزيز، صعد خفيفاً إلى المسرح، دأبه، صمت الجمهور‎ ‎يحتشد بالأذان، لم يقل إنه سيقدم أغنية ‏بعينها، ولا أغنيات بأعيانهن، أخذ الرق من‎ ‎أحد المغنين بيد، ثلاثة أو أربعة من الكورس وقفوا ‏خلفه، ما درى أولئك إنهم،‎ ‎وللتاريخ، أمسوا على مشارف مولد أغنية لدى عبدالعزيز، ما كان قد ‏حدثنا عنها قط، ما‎ ‎ترنم بها قط، نكون في سيارته نجوب الطرقات، كثير أحيان، بلا هدف ولا هدى، ‏إذ ذاك‎ ‎يكون الغناء والطرب ونكون محاولات التنغيم التي لم يبلغ علياءها من معاصريه أحد‎. ‎الرمية أولاً، طال صمت الأذان تحتشد: هيا (الجرحو نوسر بى، غور في الضمير، فوق قلبي‎ ‎خلف ‏الكى، يا ناس الله لى): صياح مذهل أمطار مثجمة من الطرب يعب منها الجمهور لحين‎ ‎يثمل ‏نشوان، ثم (يا زهرة طيبك جانى ليل، أقلق راحتي حار بى الدليل، زاد وجدي) هناك‎ ‎جاء مولد ‏زهرة الروض الظليل، (كرومة الأصلي) كما يقولون، إحدى أغنياته الخالدات،‎ ‎كرومة الأصلي، كما ‏أتصور مع كلمات صالح عبدالسيد أبو صلاح، وكلمات عمر البنا وأشعار‎ ‎عتيق. خرجنا من الحفل ‏والجمهور المحتشد يصفق لنا في حماسة كأنه يظاهر فريق المريخ،‎ ‎برعى وابراهومة وجقدول‎.

وأنا انظر إليه: كيف يصمت هذا الصوت الذي هطل‎ ‎سعادة على كل شبر في الوطن على مد بضع ‏وأربعين سنة، مرة كنا في اتحاد الفنانين، في‎ ‎الدار كانوا يحتفلون بثورة أكتوبر، كل الفنانين الكبار ‏اشتركوا في الحفل، جاءنا حيث‎ ‎كنا نجلس آخر الصفوف، عبدالله حامد العربى عازف الكمان ‏المجيد. قال لعبدالعزيز‎ (‎سمعت انك مريض ولن تستطيع الغناء) رد عبدالعزيز (المرض بحمى ‏الغنا؟).. ضحكنا قام‎ ‎قال (سأغنى لكم ثنائي مع الكابي) اتفق المطربان، صعد عبدالعزيز إلى ‏المسرح، كان‎ ‎الزعيم إسماعيل الأزهري يشهد الحفل، كان سعيداً جداً، تقدم عبدالعزيز إلى‏‎ ‎المايكرفون، قال يخاطب الزعيم (حيغني ليكم اثنين من أولاد بحري، ثنائي، الكابي‎ ‎وأنا، بلاك آند ‏وايت)! كان بشير عباس في مقدمة الأوركسترا، والخليل، وتم دور‎ ‎واتدور. وأنا انظر إليه: في ذلك ‏المغيب الكئيب، هل يمنع المرض الغناء؟ والكلام‎ ‎هكذا؟ في مثل هذا الوقت منذ بدايات عام 1984 م ‏كنت اختلف إليه، قررنا أن نعالج‎ ‎قصائد عتيق المشهورة، اختلفنا حول بعضهن، كان عبدالعزيز لا ‏يحب أغنية (كلما اتاملت‎ ‎حسنك يا رشيق) بينما كنت أودها وداً شديداً، وكان يريد أن يغني (بدر لي ‏حسنك سحر‏‎) ‎وكنت لا أودها وأخيراً حذفنا الاثنتين، وكان بدأ يتدرب على أغنية (يا نسيم بالله‎ ‎اشكي له) وجعل يؤديها بصورة مدهشة جداً، وقرر أن يزحف بكنوز عتيق إلى الإذاعة، كان‎ ‎عبدالعزيز لا يفعل ما يفعله كثير من المطربين، لم يكن يطلب أجورا عالية من أجهزة‎ ‎الإعلام، كان ‏يريد أن يغني بما يسعد الناس في هذا البلد الرحيب. ولما سجل مجموعة من‎ ‎أغنيات الحقيبة في ‏مطلع السبعين تقاض عن كل أغنية بضعة وثلاثين جنيها، فاعجب‎ ! ‎ومثلما قال سامي ديفز حين ‏مات نات كنج كول انهم كانوا لا يقربون أغنية غناها، قال‎ ‎ديفز إن كول كان يضع بصمته الفريدة ‏وأداءه. الأسر على كل الأغنيات. قال لي عبدالله‎ ‎عربي انه يظن أن في ظهر عبدالعزيز مكبرات ‏صوت حبته بها الطبيعة، قال صديقي عاشق‎ ‎اللحون معقبا (عينو حارة ود القطينة!!) لم اكن اعلم ‏مدق ما ذهب إليه سامي ديفز إلا‎ ‎حينما اختطف عبدالعزيز أغنية (ذكرتني) من عثمان حسين، ‏وعثمان جالس إليه ينظر في‎ ‎سعادة، ثم جعل يغنيها بما اطرب صاحبها غاية الطرب، و غير هذا‎ ‎كثير‎.

صباح السبت 4 أغسطس 984ام كان ذاك العام بما‎ ‎فيه وما انقضى منه ثقيلاً بأحداثه، بطوارئه، ‏وقضاة طوارئه، وقد استحال بذلك إلى قرن‎ ‎من الزمان كان حكمه الواحد هو كاليجولا وجنكيزخان، ‏وسوموزا، آه صباح ذاك السبت طرت‎ ‎إلى الخرطوم بحري لحين أن بلغت دار عبدالعزيز كان ‏الطبيب قد عاده في المساء، ووصف‎ ‎له دواء، أفاده شيئاً حين اطل الصباح، لعل أنفاسه هدأت ‏بعض شئ حين رأيته قلت (الحمد‎ ‎لله) ثم عدت إلى طاحونة الحياة اليومية. في العصر أيضاً جلست ‏وحدي أشاهد الألعاب‎ ‎الأولمبية، تتفجر معها ذكريات لوس انجيلاس عهود الصبا، اخفق الضوء ‏الأصيلي فصار إلى‎ ‎ضوء باهت وأطبق المساء عل روحي، هذا اكثر لحظات اليوم كآبة عندي، وقع ‏أقدام،. ثمة‎ ‎من يصفق، وثب قلبي إلى فمي، أهذا طعم الفجيعة؟ جاء إلي.محمد احمد حمد زميل ‏دراستي،‎ ‎وجار عبدالعزيز، أهناك وقت للتحية؟ نظرت في وجهه، لحظ في وجهي، لا ريب، أثر ‏الفجيعة‎ ‎يوشك هو أن يطلق عنانها خبرا. قال إن عبدالعزيز حالته خطيرة، ذهبنا إلى الطبيب ما‎ ‎وجدناه، وقال لي انهم حملوه إلى المستشفي في بحري، قلت له (انطلق بي) حين وصلنا إلى‎ ‎المستشفي لم يكن على أبوابها جمع حاشد، أوقفنا السيارة قبل أن نسأل، سمعنا رجلاً‎ ‎فقيراً ما ستر ‏الليل فقره يحدث بائساً مثله في أول ليل بحري يقول له (أبو داؤود‎ ‎مات) ! انفجرت السيارة، نحن ‏بداخلها، تبكى ! أعدت الطبيعة عدتها، زمجرت الريح في‎ ‎الأشجار مكتئبة الأغصان، تبكي، صعد ‏الغبار يبكى، قالت الطبيعة: إن هذا نصيبي من‎ ‎الحزن، تكون الفجيعة الرؤية مدببة الأطراف وذات ‏أبعاد، انطلق الأسى على شاشة‎ ‎التليفزيون يبلغ الناس الخبر الذي (جل حتى دق فيه الأجل) لقيت ‏عبدالله العربي أمامي‎ ‎جالساً، يتيم الكمان، على الأرض يبكى، والفاتح الهادي يبكى، وجل أهل ‏الموسيقى، برعي‎ ‎دفع الله كان بعيداً عن ليل الفجيعة في تونس، بشير عباس في جدة، وبقيت ‏وحدي. وجاء‎ ‎كل أهل الموسيقى يبكون، وكل الوتريات تبكى، ورق كرومة يبكى، والخرطوم بحري ‏دخلت‎ (‎بيت الحبس). هل يموت عبدالعزيز، سذاجة سمها أو جهالة فلتكن، كنت أظن أنه لن يموت‎ ‎وأنه دائماً هناك كل مساء قبيل إخفاق ضوء الأصيل في داره بالدناقلة في الخرطوم‎ ‎بحري، وأنه ‏بانتظاري، للونسة أو نخرج لمجاملة الأصدقاء، آه لقد ذهب في نفس الوقت من‎ ‎المساء، يلبي نداء ‏ليس يقدر أن يتمرد عليه أحد. نبهنا الطيب محمد الطيب مرة بمقالة‎ ‎في يوميات الأيام كتبها عن ‏عبدالعزبز، كأنه كان يحس أن هبة الله لهذا الوطن توشك أن‎ ‎تعود إلى من وهبها لنا، وما سمعنا ‏كلام الطيب. وقال لي حسن عطية بعدها (هل قرأت‎ ‎كلمة الطيب؟ ما عجبتنى، بصراحة زي الكتب ‏تأبين لعبدالعزيز) ولم نصدق هذا كله، وفي‎ ‎المساء الموعود، مساء السبت الرابع من أغسطس ‏عام 84 م حمل روحه الرائعة وغناءه‎ ‎العذب، ولم‎ ‎ينتظر‎.

لم يكن عبدالعزيز داؤد يحدث كثيراً عن حياته،‎ ‎نشأته أو صباه أو مدارسه، ولم اكن كثير علم بذلك ‏وبعض ما عرفت كان من أحاديث سجلها‎ ‎للإذاعة يذكر فيها طفولته في بربر، وبعض مراحل تعليمه ‏ويبدر أنه قد درس في مدرسة‎ ‎الخرطوم الابتدائية وقتاً قصيراً، مدرسة ومكانها في قلب السوق، ‏ذكر عبدالعزيز أن‎ ‎نوافذ الفصل كانت تجلب الضوضاء خارج المدرسة، وضجيج المقاهي وغناؤها ‏ينبعث من‎ ‎الفونوغرافات، قال في خضم الجلبة الهائلة، يأتيه صوت كرومة عذباً صافياً، لكأنه‎ ‎خلاصة الخلاصة من ينابيع الفن، وذكر أن إنصاته لتلك الخلاصة ما ترك له بالاً أو‎ ‎عقلاً، فقد عرف ‏إذن طريقه فليس عنه يحيد، وفي تسجيل للإذاعة يروى انه سار على قدميه‎ ‎مسافة بعيدة ليستمع ‏إلى زنقار، ذكر أن الليل كان مظلماً، وحده، وأخطار الطريق،‎ ‎استأسدت عليه الكلاب، مزقت من ‏ملابسه طرفاً، أتمثل العبادى يقول (شق حشا الطريق‎ ‎اتيا من الحلال زفنوا الكلاب، ما نالن الا ‏علال) كلا فكلاب الطريق نالت من‎ ‎عبدالعزيز! من هنا وهناك تأتى أخبار بداياته، ذكر لي مرة انه ‏غنى (زمانك والهوى‎ ‎أوانك) لعلى المساح في نحو عام 1939م، كان عبدالعزيز شديد إعجاب بهذا ‏الشاعر‎ ‎العبقرى، وكان يبحث عن قصائده ويدونها ويغنيها، غنى له (طول يا ليل على الباسل) ‏وهى‎ ‎من بعد كلمة رائعة، أتذكر خاتمتها (جميع من سمى باسمو، حرام النار على جسمو)، وقد‎ ‎خلق بأدائه (غصن الرياض المايد) ثورة في الأداء تتشرف بها مطالع الستينات، وغنى له‎ (‎بالله يا ‏نسيم الصبا)، ولم يتم تسجيلها للإذاعة، وربما كان هذا هو السبب في أن لم‎ ‎يكتب لها ذيوع كثير ‏ومرة ذهب إلى عطبرة فسمع مطرباً مغموراً يغنى أغنية بهره لحنها‎ ‎لم يتذكر منها سوى قول ‏المطرب (مساء الخير يا أمير) ولكن اللحن استقر في حنجرته فلا‎ ‎يبرحها، وحين لحظ المغنى ‏إنصات عبدالعزيز المركز، شعر أن الرجل بسبيل أن يختطفها‎ ‎ويستعمرها فامسك عن الغناء، ولكن ‏قضي الأمر،
استقر اللحن في ذهن عبدالعزيز، بقى‎ ‎النص، ليست هناك مشكلة سافر عبدالعزيز إلى ‏شندي، وحمل قضيته لمؤلف الأغاني على‎ ‎إبراهيم خليل، واسمعه اللحن وكانت الكلمات، بعضها ‏‏(عار الصيد منك عيون، أهدت ليك‎ ‎البانة لون).. مرة جاء من إحدى جولاته الفنية يدندن بلحن ‏فريد، من الحان كرومة،‎ ‎كعادته تعلق صوته الفريد بالمطلع، جن به جنوناً (نسايم الليل زيدينى) ‏قال إنها من‎ ‎كلمات عمر البنا، أين الشيخ عمر؟ قالوا يسكن مدينة الثورة .. وأين؟ ابحثوا عنه،‎ ‎إصرار وفريد، ذاك شأن عبدالعزيز، ذهبنا وصلنا، جلسنا في دار الشيخ، بصر ووهن، وجسد‎ ‎عليه ‏من آثار الأعوام الكثير، بشاشة معهودة فيه، هذا الفارس بالشعر، القوى بالقصيد،‎ ‎الشاب بإحساس ‏القلب الوثاب، الذي شهد النقائض تكون بين شعراء عصره، وكأن العصر‎ ‎الأموي فينا، وكأن ‏الأخطل وجريراً والفرزدق بيننا، ظاهر صالح عبدالسيد، وشارك في‎ ‎المعارك، وظهر الغناء كالذهب ‏النفيس، نحن في حضرة الشيخ الشاعر وهن بصره القوى‎ ‎بالشعر، عمر البنا، لم يمهله عبدالعزيز ‏فيكمل ترحابه لم يلق عليه القصيدة إلقاء، بل‎ ‎غنى ما علق بذاكرته منها غناءً عذباً استبدت بالشيخ ‏القوى بالشعر، هاشمية الطرب،‎ ‎شالته، بسمة رضا، صارت كل وجهه، جعل يهمهم، يدندن بصوت، ‏لا ريب قد عرف الغناء،‎ ‎صباه، بل حياته كلها، أنطقته هاشمية الطرب (آخ يا شافع .. يا سلام عليك ‏يا شافع‎ .. ‎يا شافع) .. نظرت إلى (الشافع)، فإذا هو ذلك الضخم، الطويل، العريض، عبدالعزيز‎ .. ‎فاجأتنا نسايم الليل إذن، انظر يحمل الشاعر سلامه النسيم ليس كمثل غيره من شعراء‎ ‎زمانه، بل ‏هو بمذهب شعراء المدائح ملتزم ومفتون، مثلهم يمزقه الحنين، تختلف الوجهة‎ ‎والمحبوب، لكنه ‏على المذهب مقيم، سلام أولئك الشعراء لا يحصى عدداً، يفوق أعداد‎ ‎الكمون والسمسم، سلام ‏شاعرنا مثل ذاك، لا يقع تحت حصر تأمل: سلامي بعد تجنينى‎.. ‎عليك وليالى سنينى .. في وصفك ‏وعد حنينى.. يغشاك مرفوق مع النسام روحى خلالو‎.. ‎تسلمنا القصيدة، انتشرت على حنجرة ‏الذهب، سخية الوقع والإيقاع واللحون ..

لم يكن‎ ‎عبدالعزيز يتحدث كثيراً عن بداياته الفنية، ذكر ‏مختار عباس - صديق وحميم- انه قبلنا‏‎ ‎جميعاً، استمع إلى صوت عبدالعزيز، كان بهذا يباهى، وبه ‏يفاخر، قلنا كيف؟ قال (كان‎ ‎ذلك في عام 1943. كنا ماشين عرس في القطينة، مجاملة لصديق، ‏أجرنا تاكسى فورد،‎ ‎اتفقنا مع فنان من المشهورين، مشينا ليهو ما لقيناه، قعدنا مسافة ما ظهر، ‏أدانا‎ ‎طبقة زولك، زعلنا جداً اتكسفنا الجماعة هناك منتظرين، العريس والقطينة كلها،‎ ‎وبعدين؟ قام ‏صديقنا عبدالله محمد صالح قال يا جماعة ولا يهمكم، أنا بعرف واحد بغنى‎ ‎كويس، بس ما ‏مشهور، المهم نعدي الحفلة، أنا شخصياً ما كنت مقتنع بي كلامه، لكن‎ ‎قبلت، قلنا ليه يا عبدالله ‏زولك رين؟ قال طوالى بيكون قاعد في قهوة الزيبق، مشينا‎ ‎للقهوة، زولك عبدالله نزل القهوة، جانا ‏راجع معاهو واحد، أزرق زي الكحل، طويل،‎ ‎عريض، لابس طاقية، جلابيتو نص لياقة، ولابس ‏شبشب، ما معقول يكون ده الفنان؟ ما‎ ‎معقول! يا عبدالله، قلت ليه بالراحة .. ده فنان، واللا رباط، ‏المهم زولك ركب معانا‎ ‎ونهضنا على القطينة، ومما ركب كان بغنى، وبغنى أطربني شديد،.قلت ليه ‏يا عبد، الناس‎ ‎حتعرفك بعد عشرين سنة،
في السكة يا زول موية العربية خلصت، زولك عبدالعزبز ‏من يومه‎ ‎دمو خفيف، والدنيا صقيعة والبحر بعيد، كنا ماشين بالطريق الفوق، رمال، رمال، مويا‎ ‎مافي وبعدين قلت ليك زولك عبدالعزيز من يومه دمو خفيف، وبحب يعمل مقالب قال: طيب‎ ‎أحسن ‏بدل نتعطل واحد يبول في اللديتر، واحد فينا سمع كلامو، قام البخار سخن من‎ ‎اللديتر والحصل ‏حصل)! وقد عرف الناس عبدالعزيز داؤد بعد ذلك بزمان لا يقل بحال عن‎ ‎عقد كامل من الزمان، ‏وقد بقى مختار عباس في حياة عبدالعزيز مستمعاً مخلصاً وصديقاً‎ ‎وفياً، وكان مختار زهرة ‏القعدات، وله فيها مواقف مشهودة ومشهورة، وكثيراً ما كان‎ ‎يمزق جلابيته طرباً، وكنت أخشى ‏مثل هذا الموقف، يبلغه مختار دائماً حين يبلغ‎ ‎عبدالعزيز في شدوه (خدام جناين يا نديم، لازلت ‏لامن انعدم) من رائعة الشاعر حدباى‎ (‎زهر الرياض في غصونه ماح). وكان عبدالعزيز يحب هذه ‏الجلسات الصغيرة، لأنها تجمع‎ ‎أصدقاءه ومعجبي فنه، وكانت له بعض أفدنة في الحلفاية، زرعها ‏برسيماً، وأقام عليها‎ ‎حارساً، ولكن عبدالعزيز لم يكن يعرف عن الزراعة أو التجارة كبير شيء، ‏وكسدت بضاعته‎ ‎وصارت المزرعة وبالاً بعد ان اقترض من البنك الزراعي مالاً وجعل البنك ‏يطارده،‎ ‎والفوائد تطارده، وأشباح المحاكم والحجز والبيع وهلم جرا، تغفل الحكومات كل أمر،‎ ‎وتستأسد أحيانا وذاك دين واجب السداد، وقد دفع من دمه ومن قوت عياله ما أسكت‎ ‎الأقساط ‏والفوائد حيناً، ولكن إصرار القوم شديد، فكتب عبدالعزيز خطاباً إلى‎ ‎المسؤولين يلتمس أن يشطب ‏ما تبقى من القرض، كان أهم ما فيه (لقد أنشأت هذه المزرعة‎ ‎أمنى نفسي أن أكون عزيز كافورى، ‏فصرت عزيز قوم ذل !).. ولقد اختفي عبدالعزيز بعد‎ ‎أيام ظهوره الأولي عهدا ليس بقصير، ومن ‏الناس من لم يكن يحب سماعه، وهذه سنة‎ ‎الحياة، ولكنه حين عاد للظهور، جاء بثورة في الفن، ‏ولم يسبق لها مثيل، كان‎ ‎عبدالعزيز صديقاً للسيد الدرديرى عمر كروم، كان الدرديرى مثل مختار ‏عباس يعرف ويثق‎ ‎بكل صدق، أن لعبدالعزيز صوتاً رائعاً وأداءً فريداً، وفي بيت الدرديرى في ‏الموردة؟‎ ‎كانت مجموعة من الأصدقاء تجتمع للسمر وسماع غناء عبدالعزيز، مرة كلم الدرديري، ‏برعي‎ ‎محمد دفع الله، أن يشاركهم في الجلسات، قال برعي (كنت بعزف العود كويس وما بفتكر‎ ‎إني كنت متميز خالص في الزمن داك، ما فكرت كثير في التلحين، جيت لي ناس الدرديرى،‎ ‎سمعت ‏عبدالعزيز بغني الأغاني القديمة، عزفت ليه انسجمنا جداً جداً، غناء عبدالعزيز‎ ‎من الزمن داك كان ‏غناء جميل، أداء سليم جداً، استمرت المقابلات، فهمنا بعض كويس‎)... ‎في عام 1950 سافر فريق ‏المريخ إلى مصر، كان من أعضاء الوفد الفنان إبراهيم الكاشف،‎ ‎كان الكاشف يظاهر فريق المريخ ‏في حماسة مشجعي الترسو، وكانت كرة القدم من صيم‎ ‎اهتمامات حياته، وله ولع بهذا الفريق لا ‏يخفيه، وقد عرف به وهو لا ينكر. كنا نعلم‎ ‎كلما سمعنا صوته الرنان نقول الكاشف مريخابي ومثل ‏هذا الصدق فتشجيع فرق كرة القدم‎ ‎أمر لم يألفه الناس من نجوم الأدب والغناء وغيرها، كثير من ‏هؤلاء خشية أن يفقد‎ ‎طرفاً من جماهيره يدعى الحياد، اذكر فناناً سئل مرة عن أي الفرق يظاهر قال ‏انه‎ ‎محايد وذكر انه يشجع اللعبة الحلوة، وقال آخر إنه يشجع الفريق القومي! على كل في‎ ‎قطار ‏المريخ عام 1950 سافر الكاشف إلى مصر، وكان معه برعي دفع الله، وحسن خواض‏‎ ‎وآخرون، ‏توقف القطار يسعى حثيثاً للشمال، في بربر جاء عبدالعزيز داؤد إلى المحطة،‎ ‎كان ساعتئذٍ يمضي ‏وقتاً في مسقط رأسه، بصر بالقوم قال على الفور(أنا مسافر معكم‎) ‎انطلق للبيت، أحضر متاعه، ‏وانطلق مع القطار المريخي إلى مصر، وهناك سجل بعض أغنيات‎ ‎الحقيبة لركن السودان .. برعي ‏والعود في يده ليس آلة. العود عند برعي إنسان يعشقه‎ ‎تحس أن للرجل علاقة مع ابن مدلل هو ‏العود، علاقة مع معشوقة هي العود، وعزف برعي عزف‎ ‎منفرد لا يطاول سماءه أحد، عود برعي ‏عود سوداني مثل اللون السوداني، ومثل العيون‎ ‎العسلية تكون على وجوهنا جميعاً، أن تفرد برعي ‏بأمر من أمور الموسيقى، فلأن الطبيعة‎ ‎قد منحته السر أن يعزف هذا‎ ‎اللون السوداني، وهذه السمة ‏التي لا نستطيع لها تفسيراً‎ ‎إلا أن نقول إنها شيء سوداني، وحين أذاع برعي في الناس معزوفة ‏‏(لحن الحرية)، عرفنا‎ ‎من بعد، إنه أعلن مولد الموسيقى الآلية، وأعلن مولد المعزوفة السودانية ‏المؤلفة‎ ‎تكون بعد المارش الشعبي، واختصت به، كانت، فرق الموسيقى العسكرية ويعبر عنه ‏بآلات‎ ‎النفخ الخشبية والنحاسية ثم ضروب من الإيقاع تؤديها طبول مختلف أحجامها.

نقل برعي‎ ‎دفع الله إلى الأبيض، واصبح باشكاتب مستشفي الأبيض، وللمدينة في تاريخ الموسيقى، آن‎ ‎يذكر، ‏نصيب. وفيها من أهل شعر الغناء محمد عوض الكريم القرشي، ومحمد على عبدالله‎ ‎الأمي، وقد ‏قدر لقصيدته (أحلام الحب) أن تكون أول عمل يلحنه برعي لعبدالعزيز، جاء‎ ‎عبدالعزيز إلى الأبيض ‏يبحث عن برعي ويعد لثورة في الغناء ليس لها من نظير، قلت لكم‎ ‎إصرار ذلك فريد. من بعد تلك ‏الأغنية جاءت (بالله يا أهل الهوى) واستمرت الألحان‎ ‎تتدفق: هل أنت معي، فينوس، لحن العذارى، ‏أجراس المعبد، عذارى الحي، ومحمد على أحمد،‎ ‎عوض حسن أحمد، عبدالمنعم عبدالحي، حسين ‏عثمان منصور وإسماعيل حسن.. وتدرجت المعزوفة‎ ‎على الزمان يرعاها أب حان، فازت (ملتقى ‏النيلين) التي صنفها برعي بالجائزة الأولى‎ ‎في مسابقة نظمتها إذاعة (الترانسفال) .. قال برعي ‏‏(كان عبدالعزيز لا يغني لحناً لا‎ ‎يقتنع به، أو يحس، إنه لا يلائم صوته، كان يعرف قدرته على ‏ضخامتها). أقول، وكنا حين‎ ‎نجلس في القعدات يجود عبدالعزيز ببعض من الغناء الذي ألفت الآذان ‏والأرواح زمان‎ ‎الثلاثين والأربعين، أغنيات يتسلى بها الناس، كانوا، في المجالس، تبرد عليهم ‏لظى‎ ‎الحرب، تدق الأبواب في الشرق، وفي الصحراء الغربية، ومناسبات آخر، وكنا نسمعها‎ ‎فتبرد ‏لنا لظى زماننا ذاك العصيب، أغنيات تكشف الحجاب عن نساء عاشقات، ما نزع‎ ‎المجتمع عنهن، ‏عصرئذٍ، حجابه الغليظ: يوم لاقيتو راكب بسكليتو.. الشاب الظريف القبل‎ ‎الشاطيء بيتو.. اشر لي ‏بريتو، شقانى وما شقيتو.. شفت الحبيب توب الحد رميتو.. العجب‎ ‎حبييى ما رد لي تحية.. بعض ‏إسفاف، قد يقول بذلك بعض المثقفين، من النوع الكامل من‎ ‎المثقفين والإنصاف أيضاً والأرباع، ‏ولكن أين تخبئون الرؤوس من روح ذاك العصر؟ أكلما‎ ‎تغنت امرأة تتمنى حبيبها، تشتاق، قلتم ذاك ‏هو الإسفاف؟؟ وكنا نستشيره فيمن ندعو‎ ‎للقعدات، إذ أن لها طقوساً ولوائح، وهى بعد محرمة على ‏الثقلاء وهؤلاء كالموت يدركون‎ ‎المرء ولو ألجأ نفسه إلى البروج المشيدة، جاء أحدهم إلى حفل ‏يغني فيه عبدالعزيز ولم‎ ‎يكن عبدالعزيز يود الرجل ويستثقله كثيراً ولكنه صبر عليه حتى لا يفسد ‏الحفل ومضى‎ ‎زمان و عبدالعزيز يشدو، قام الثقيل من مجلسه، جاء إلى عبدالعزيز وقال (يا أستاذ،‎ ‎عليك الله غني لي غصن الرياض لأنها بترجعني عشرين سنة لي ورا) رد عبدالعزيز عليه‎ ‎قال ‏‏(أنت عمرك كم سنة؟) رد الرجل (أربعين سنة) قال له عبدالعزيز (أغني ليك غصن‎ ‎الرياض مرتين، ‏عشان ترجع بطن أمك وتريحنا)!!

كان عبدالعزيز يخضع للآلات الموسيقية‎ ‎مثل هذه الأغنيات التي ‏ذكرنا من أغنيات الدلوكة، أغنيات التم تم، أغنيات البنات،‎ ‎سمها ما شئت، وكانت حرية القعدات ‏الصافيات تبيح للغناء والحديث حرية مطلقة،‎ ‎وأحياناً لا تشارك ليلنا أي آلة موسيقية، إيقاع ‏الكبريتة وحده، يشعل الليل طرباً،‎ ‎رجل لا يخطئ في أدائه قط، مرة جاء عبدالله عربي يبحث عن ‏عبدالعزيز، كنت جالسا بدار‎ ‎اتحاد الفنانين سألني عربى قلت له إن عبدالعزيز سافر إلى عطبرة، ‏قال عربى (لكن أنا‎ ‎شايف برعي موجود وأكرت وخواض وبشير، وأنا برضو مكلمنى، السافر معاه ‏منو؟) قلت له‎ (‎غير ليكم، قال ما عايز عازفين اشترى كروسة كبريت من دكان اليمانى وسافر)!! ‏
من عهد‎ ‎الأربعينات من اكتشاف مختار عباس، إلى اللقاء في بيت الدرديرى عمر كروم، في مطلع‎ ‎الخمسينات من الطريق الفوق يفضى إلى القطينة، ومن أرجاء الموردة ذات الفن والأصالة‎ ‎والجمال، ومن بربر تزفه الكلاب، تمزق أطراف ملابسه، تريد مسامعه تبلغ صوت زنقار،‎ ‎لحين إن ‏صار عبدالعزيز إلى مسامع الوطن كله، وصار جزءاً رائعاً من تراث هذا‎ ‎الوطن.... رأيت عبدالعزيز ‏محمد داؤد، أول مرة، رأى العين، في أخريات الأربعين، أسعى‎ ‎كل يوم من زقاق العصاصير سيراً ‏على الأقدام إلى مدرسة أم درمان الوسطى، وكانوا‎ ‎يسمونها الأميرية، ولا أمير، وكنا نلبس جلاليب ‏الدمورية والصنادل بنية اللون، رأيته‎ ‎ذات صباح باكر، يقف أمام المكان الذي صار إلى سينما ‏أمدرمان الآن، وكان قبلها قد‎ ‎صار دار حزب الأمة، وفي بدايات نشأته كان معروفاً انه بيت تاجر ‏مصري اسمه إبراهيم‎ ‎عامر. لذلك العهد رأيت عبدالعزيز أول مرة، ولم أعرف لحظتئذٍ انه هو، إلا ‏بعد ذلك‎ ‎حين طالعت صورته تلك في صحيفة ما، وتذكرت القبعة التي كانت على رأسه، والتقط بها‎ ‎صورة فريدة تنم عن شباب وفتوة يذكرها أبناء جيلنا، وأهلات ذلك العصر، قبعة وقميص‎ ‎وجاكت ‏سبور، وعلى الفم كدوس، يعتمد آخره على أصابع يده اليمنى، كان واقفاً في‎ ‎الطريق الكبير، شارع ‏الموردة، وحده، يلفت النظر بطوله الفارع، وسواد بشرته النبيل،‎ ‎على أقل تقدير، كان أطول إنسان ‏عرفه ذلك الصباح في ذلك الشارع. في بيتنا راديو‎ ‎كهربائي خشبي، يأتي بالمحطات الإذاعية من ‏قرونها حين عدت إلى أمدرمان من الفاشر،‎ ‎وجدت أن الكهرباء قد دخلت بيتنا في العصاصير، ‏وكان هذا مبعث دهشة ظلت تسيطر عليّ‎ ‎زماناً طويلاً، وكان الراديو مصدر دهشة أكبر، وأول ‏أغنية سمعتها في الإذاعة في حفلة‎ ‎غنائية موسيقية، نقدم لكم أيها السادة أغنية (يا مار عند ‏الأصيل للفنان حسن عطية‎). ‎كانت أيام وادي سيدنا بداية النضوج لأبناء جيلنا، في السياسة، في ‏الرياضة، وغيرها،‎ ‎وكنا نجلس في النادي، الساعات المتاحة لنا بعد الاستذكار نستمع إلى إذاعة أم ‏درمان،‎ ‎راديو ضخم وكهربائي، يستشرف المكان ينظر إلينا، ننظر إليه، يسعدنا، كنا شيعاً نظاهر‎ ‎فناناً أو آخر، أكبر حزبين، حزب احمد المصطفي، وحزب حسن عطية، وعلى بعد يسير جماعة‎ ‎عثمان حسين، وعلى رأس هؤلاء صديقنا ومولانا فيما بعد، الطيب عباس الجيلي، كنت عصرئذ‎ ‎قد ‏صرت، طوعاً، من أنصار عثمان حسين، وعند برنامج ما يطلبه المستمعون كنا نزيد‎ ‎عدداً، ‏ونقوى، كان عبدالحليم عباس، قد فطن إلى صوت عبدالعزيز قبل أن نألفه بزمان‏‎ ‎بعيد، ونبهنا إليه، ‏ما سمعنا كلامه، حين يطل صوت عبدالعزيز من الراديو الكهربائي‎ ‎الضخم، لا يبقى في النادي قريباً ‏من الراديو أحد، إلا عبدالحليم عباس، وكنت أول‎ ‎أمري، أجامله، إذ كنت اسخر من كلمة ‏‏(العرجون) وهى التي تجيء في صدر أغنية أحلام‎ ‎الحب (زرعوك في قلبي يا من كساني شجون، ‏ورووك من دمى يا اللادن العرجون)، أظنها‎ ‎ليست من الشعر في شيء، بعد زمن صرت متعدد ‏الولاء، حينا أكون مع أشياع عثمان حسين،‎ ‎وطوراً أنصت مع عبدالحليم عباس إلى عبدالعزيز ‏محمد داؤد، أحس اليوم أن عبدالحليم‎ ‎كان يعرف أن في الجو بواكير ثورة، يراها هو، تتكشف ‏كنوزها أمامه، دون أن ندرى، ثم‎ ‎زادتنا (هل أنت معي) عدداً كبيراً، وبعد فينوس، كبر حزبنا شيئاً، ‏وعبدالحليم عباس‎ ‎يقوده سراً، ولا يعالن. أما صديقنا محمد توفيق خليل فانه كان ثابتاً على حزب ‏حسن‎ ‎عطية، بل كان يغنى (محبوبي لاقاني) بعذوبة، ورقة لا تنكرها أذن، رغم إنه كان يلعب‎ ‎الكرة ‏بخشونة أفريقية، قبل أن يعلم الناس أمر الخشونة الأفريقية، ولم يكن توفيق‎ ‎خليل يظاهر فريقاً من ‏فرق كرة القدم، ولا يميل لا إلى الهلال ولا إلى المريخ، ولقد‎ ‎سمعت قبل أيام انه صار رئيساً فخرياً ‏لنادى العباسية، والحمد لله انه قد تعصب‎ ‎لفريق. وكان توفيق يضربنا في الدافورى ضرباً شديداً، ‏ثم نستمع إلى غنائه ونغفر له،‎ ‎ثم أن صديقنا حافظ الشاذلى كان على قدر كبير وعظيم من ‏الرومانسية وكثير إعجاب‎ ‎بأغنيات عبدالدافع عثمان. عرفت عبدالعزيز داؤد، أول مرة عام 1958. ‏

ذهبنا إلى داره‎ ‎في الدناقلة شمال، عبدالماجد بشير الاحمدى وأنا، كان الوقت عصراً، وفي اتحاد ‏طلاب‎ ‎جامعة الخرطوم حفل في ذات المساء وللرجل كانت سمعة مدوية في (التعليق) وعدم الظهور‎ ‎في الموعد المضروب، قال الاحمدى انه يثق في بلدياته عبدالعزيز وفي كلمته، الاحمدى‎ ‎من ناس ‏بربر، وكان بمدينته وأهلها يفاخر، كنت في شك من الأمر وكبير، اطل عبدالعزيز‏‎ ‎من الباب، رحب ‏بنا، قال سأحضر، وبر بوعده وغنى، ومنذ ذاك المساء توطدت صلتي به،‎ ‎وصادقته بضعاً وعشرين ‏سنة، لم نكن نفترق أثناءها إلا قليلاً، عرفت زوجه وأبناءه‎ ‎وأهله، وكأني بعض أهله، وحين ماتت ‏‏(فلة) وهى كلبة الأسرة، حزنت عليها زوجه حزناً‎ ‎شديداً، خاصة وان فلة قد الفت دار عبدالعزيز ‏جرواً صغيراً لحين أن أسنت وماتت، وكان‎ ‎عبدالعزيز قد أحس بحزن زوجته، فناداها وقد استبدت ‏به روح الدعابة فقال (يا فوزية‎ ‎شدي حيلك أنا شايف الجيران جايين يعزوك!). وكان مدخل كثير ‏من معجبيه إلى فنه غناءه‏‎ ‎أغنيات الحقيبة وخاصة ما كان منها من التراث المتلالىء، الذي كان قد ‏خلفه كرومه‎ ‎لوطنه وأبناء وطنه، ومن هؤلاء من زملائنا المرحوم اسماعيل بخيت عمر، ‏وعبدالسلام‎ ‎صالح (شلب) وفي الرجلين خفة روح ودماثة خلق لا تخفي، وصارا من بعد من ‏أصدقاء‎ ‎عبدالعزيز، و اذكر للمهندس عبدالسلام صالح إننا كنا أيام الطلب في الجامعة نسعى‎ ‎لإقامة ‏حفل بدار الاتحاد، وكلفنا أن نتصل بالفنان عطا كوكو، وكان عطا، رحمه الله،‎ ‎يعمل حلاقاً، وله ‏دكان صغير في سوق الموردة، وانطلقنا إلى هناك صباح يوم جمعة،‎ ‎لنخبر عطا بأمر الحفل. حين ‏بلغنا مشارف الدكان. توقف عبدالسلام وقال لي (تعرف يا‎ ‎أبو المك في مشكلة، عشان الراجل دي ‏أول ما يشوفنا حيفتكر إننا زباين! أنا اكتشفت‎ ‎انو شعرنا طويل، وما بنشبه ناس جايين يكلموه في ‏حفلة!).

وذات يوم جاء عبدالعزيز إلى‎ ‎الإذاعة، رأى أن سيدتين ضخمتي الجثة تتقدمان نحوه، كانتا ‏مشهورتين بالدعابة ومن‎ ‎المعجبات بفنه، توقف عن السير، ينتظر، بلغت الأولى موقفه، وئيدة ‏الخطى، حيته، كانت‎ ‎الثانية، وهى اضخم جسدا لم تصل إليهما بعد، قالت الأولى (أظنك ما عرفتني ‏يا‎ ‎عبدالعزيز، أنا ما دار النعيم) ثم التفتت كأنها تريد أن تقدم صاحبتها إليه، لم‎ ‎يمهلها عبدالعزيز، ‏قال على الفور (عارف صاحبتك أتذكرتها دى مش دار الرياضة)؟!

بعض‎ ‎المشتغلين بقضايا الشعر ‏السوداني يؤرخون له بأحد كتب الاختيار (شعراء السودان) الذي‎ ‎جمع مادته سعد ميخائيل وهو ‏كتاب له فضل الريادة في جمع مختارات من شعر شعراء ذلك‎ ‎العصر. وينسى هؤلاء فضل رجل هو ‏محمود عزت المفتى والذي جمع المختار من شعر شعراء‎ ‎العامية في ذلك العصر، وهو كتاب نادر ‏ندرة أسنان الدجاج (التعبير مأخوذ من الشاعر‎ ‎لانجستون هيوز): ويحوى الكتاب بين دفتيه قصائد ‏لخليل فرح، يوسف حسب الله، وإبراهيم‎ ‎العبادى وأبو صلاح وغير هؤلاء وكان عبدالعزيز يقتني ‏نسخة منه يحرص عليها حرصاً‎ ‎شديداً، كانت هذه النسخة بعضاً من مصادر فنه وينابيعه، ثم انه قد ‏أنشدني طرفاً مما‎ ‎كان انشأ خليل فرح، وبخاصة ما كان يسمى الخمريات، وكان عبدالعزيز هو أول ‏من تنبه‎ ‎إلى قيمة فن هذا الشاعر، وكان أول من غنى (عزة في هواك) بعد ظهور برنامج الحقيبة،‎ ‎ولا اعرف انه قد سجلها للإذاعة أم غير ذلك. وكان ينشد بعض أبيات الخمريات يصطنعها‎ ‎مطالع ‏لأغنيات الحقيبة، بأسلوب حر هو وسط بين إنشاد الشعر كما علمناه، وأداء‎ ‎المدائح المكتوبة باللغة ‏الفصحى، قر بذهني منها قول الخليل: أنا في بساتين الزهور‎ ‎بين الترايب والنحور اشرب معتقه ‏الدهور نداماى عصافير السحور جمدانه وابريقين وكاس‎ ‎ونديم وساقي خدوده ماس وجنينه سايقه ‏نخيل وآس أنا والحبيب ما معانا ناص ولقد أمد‎ ‎شعر الخليل هذا عبدالعزيز باستنباط طريقة في ‏الإنشاد استخدمها من بعد في قصائد ابن‎ ‎الفارض والبرعي وغيرهما مما سجل ولعل اشهرها ‏الميمية المعروفة (شربنا على ذكر‎ ‎الحبيب مدامة، سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم). ولعل هذه ‏القصيدة هي التي جذبت فن‎ ‎الفنان المصور والمخرج السينمائي حسين مأمون شريف إلى فن ‏عبدالعزيز، فجعلها مقدمة‎ ‎لفيلمه التسجيلي الرائع‎ DISLOCATION OF AMBER ‎ والذي ‏يحكى قصة الناس والبناء وحركة‎ ‎الحياة في ميناء سواكن، بغموضها وسحرها، وتجارة الرقيق. ‏هي كلمة حق يقولها المخرج‎ ‎باللون والحركة والصوت ثم يخلص حسين من ميمية ابن الفارض ‏في فيلمه إلى (انتم فروض‎ ‎ونفلي، انتم حبيبي وأهلي يا قبلتي في صلاتي، إذا وقفت أصلي، الله ‏الله) سنين بعدها‎ ‎ظل فن حسين السينمائي يطارد صوت عبدالعزيز. والتقيا، جاءني عبدالعزيز يوماً ‏في‎ ‎الجامعة كدأبه، وقال لي انه يريد أن يسجل شريط فيديو يقدم فيه بعض أغنياته، كان ذلك‎ ‎في ‏مطالع عام 1984، قال انه يريد أن يعطى للناس شيئاً لم يألفوه إذ هم قد سئموا أن‎ ‎ينظروا إلى ‏التلفزيون يستمعون إلى مغن تعزف خلفه الأوركسترا دونما تعبير أو حركة أو‎ ‎تغيير، حمدت له ‏حماسته، ثم قلت له أن الشخص الوحيد، الذي يقدر على هذا الأمر هو‎ ‎حسين شريف، كان حسين ‏شريف يود عبدالعزيز وداً كثيراً، وحين مرض حسين مرة مرضاً‎ ‎شديداً ألزمه الفراش زماناً، كان ‏عبدالعزيز يصحبني إليه، ويصعد إلى غرفته ويغنى له‎ ‎كل مرة أغنيته المفضلة (أمتى أرجع لأمدر ‏وأعودا)، ويطرب حسين كل حين يتقافز طربه‎ ‎بين آلامه الموجعة. وتحمس حسين للفكرة كأنه كان ‏بنتظرها، وكلفني أن أعد كلاماً، هو‎ ‎بالأساس رأى عبدالعزيز في أمور الفن والغناء، وجاء دور ‏الكاميرا لتسجل له هذا‎ ‎الكلام، حسين إذن (قد خلف العبء علي وولى). أشركني حسين في هذا ‏المجد، ماذا أقول،‎ ‎ماذا اكتب إذن؟ جاء الإلهام مرة واحدة شيدت كلامي كله الذي كتبته للفيلم ‏الموعود من‎ ‎صلتي بعبدالعزيز التي بلغت آنذاك بضعاً وعشرين سنة، لذلك حين بدأنا التصوير، ‏وكان‎ ‎في بيت أهل حسين في ود نوباوى كان عبدالعزيز يحدث الكاميرا والمايكروفون بكلام هو‎ ‎خلاصة أحاديث رواها لي، قد يكون قد نسيها، ولكنها جعلت إليه تعود كلمة، كلمة بصوته‎ ‎الدافئ ‏في الحديث. كان يحدث الكاميرا يقول (تعرف يا حسين اهلك من يوم ما ولدوك‎ ‎خاتين عينهم عليك، ‏عايزنك تبقى حاجة تقوم تطلع فنان؟، بفتكروا الفن عمل صياع لكن‎ ‎تحت، تحت، بطربوا ويرقصوا. ‏
كرومة خلا حياة الناس بهجة، قهاوي السودان كلها تملا‎ ‎وتفضى بى صوتو، السباته في كل بيت ‏عرس مليانة عشان كرومة، الناس كانت تباريه طول‎ ‎الليل من محل لمحل، تعبنا نحن كمان عشان ‏نصل الإذاعة، المنافسة حادة قدامنا كان‎ ‎الكاشف وعبدالحميد يوسف واحمد المصطفي، وحسن ‏عطية والتاج، عثمان حسين والشفيع، عشان‎ ‎تظهر لازم تجتهد، زملاءنا كلهم كافحوا قبلنا كفاح ‏شديد لحد ما وصلوا،
مرة كنت عملت‎ ‎فاصل غنائي في الإذاعة القديمة، وأنا طالع في الباب قابلت ‏واحد يشبهنى جداً، اسود‎ ‎زي الكحل عريض سمين، واهم من ده كله اصلع، كان شايل عود وداخل ‏الإذاعة، لما شفتو‎ ‎ضحكت ضحك شديد. قال لي: مالك ؟ قلت ليه: أوعى تكون جاي تغنى، قال ‏طبعاً! قلت ليه‎ (‎اسمع، أنا لما دخلت الإذاعة كان عندي شعر زي أولاد الهنود، قامت لي صلعة من ‏الغنا،‎ ‎هسع إنت داخل الإذاعة بى صلعة جاهزة؟ شيل شيلتك)!

كان عبدالعزيز ينتظرنى بعد صلاة‎ ‎الفجر لنذهب إلى التصوير، لعله كان يحس دنو اجله، كان يحثنا على العمل، وسجل‎ ‎الأغنيات، ‏وحين انتهى التصوير، اطمأنت نفسه، وسافر حسين إلى واو وإلى كادوقلى‎ ‎بعدها، يعد فيلماً آخر، ‏وفي أمسية السبت الرابع من أغسطس 1984، والمطر يحيط‎ ‎بكادوقلى، ويضرب على سقف ‏الاستراحة وجدرانها، ما علموا ساعتئذٍ أن قطراته تنبئهم‎ ‎أنها دموع تذرف على العزيز الذي مات. ‏

"الكمونية أخت العذارى"‎

كانت اجمل الأغنيات تؤدي في الجلسات أو القعدات‎ ‎تكون في وداع صديق أو استقبال صديق، ‏أغنيات فيها حرية كمثل الحرية في الأمكنة‎ ‎الفساح، بعيداً عن لجان النصوص التي كانت، في أكثر ‏الأحوال، تجتمع وتنفض لترفض كلمة‎ ‎بعينها أو قصيدة كاملة .. وكنت أحضر كثيراً من هذه ‏القعدات بتنظيمها الدقيق، وكأنها‎ ‎ملاذ الفنان عبدالعزيز محمد داؤود، تصير فيه روح الفن ‏الرومانسي فيختلف إلى الغاب‎ ‎من ضجيج المدن والثقلاء ورسميات الأمور، حقا كان عبدالعزيز ‏داؤود، ربما عهد صباه،‎ ‎مولعاً بالطعام، وقد نسج الناس حول هذا الأمر حكايات عدداً، غير أن اكثر ‏هاتيك‎ ‎روايات فيها مبالغة، أو مغالاة، أو إسراف، يقولون انه في قعدة ما في الحتة الفلانية‎ ‎أكل ‏عبدالعزيز خروفاً، اعترف لي مرة، عبدالعزيز، إنه أتى علي صاج كبير من اللحم‎ ‎الشهي في بيت ‏عرس وقد شاركه (بالعزف) علي محتويات الصاج أحد الموسيقيين، هو بالواقع‎ ‎كثير الحديث عن ‏الطعام، يصفه وينتخب أطايبه كل حين يختلف فيه إلى السوق .. وذات يوم‎ ‎وكنا علي أطراف سوق ‏الموردة قطع علينا الطريق قطيع من الخراف، فأوقف السيارة‎ ‎احتراماً للقطيع وأعجبه خروف ‏فتسمرت عليه عيناه وسط القطيع، وكان خروفاً بني اللون،‎ ‎تمعن في ذلك اللون، ونبهني ‏عبدالعزيز إلى انه (خروف كموش)! ضحكت وهو صاحب تشبيهات‏‎ ‎لا تنسى .. اذكرها فيما يخص ‏صنوف الطعام، مثلاً كان يشبه الكستليتة بمضارب البنق‎ ‎بنق، ويقول عن الكمونية (كمونية أخت ‏العذاري)! لا اعلم لم اسماها كذلك، ولم أساله‎ ‎عن ذلك أبدا .. لعلي قد اكتفيت بطرفة التعبير‎!!

كانت القعدات أيضاً مكان‎ ‎تجارب موسيقية وغنائية مدهشة، اعتاد بشير عباس أن يصاحب بعوده ‏عبدالعزيز في أغنيات‎ ‎لمطربين آخرين .. فما من جلسة حضرها بشير عباس إلا وقدم عبدالعزيز ‏فيها رائعة‎ ‎إبراهيم الكاشف‎ ‎(المقرن في الصباح) لخالد أبو الروس‎ ..

الروض بسم‎ ‎والطير غرد‎ ..
والطقس لا حر لا برد‎ ..
الشمس إبان الشروق‎ ..
أنا و الحبيب‎ ‎نجلس نروق‎ ..
وسط الزهور العاملة روق‎ ..

ويشجينا أيضا بأغنية محمد عوض الكريم‎ ‎القرشي وعثمان الشفيع (رب الجمال) وأولها (المالك ‏شعوري، أنا لي فيه آمال، رب‎ ‎الجمال) وكانت رب الجمال هذه ورب السعادة و سائر القرشيات ‏اللائي يسميهن الجمهور‎ ‎عاشق الغناء (الأرباب) قد وجدن من وقف لهن في الإذاعة بالمرصاد ‏فصارت رب الجمال (‎رمز الجمال) وشتان ما بين هذه وتلك، أعلم انه لو عاش هؤلاء القوم في ‏العصر العباسي‎ ‎لقتلوا بشار بن برد انه قال (ربابة ربة البيت) ومن لجان النصوص والمسؤولين ما ‏يقارب‎ ‎أن يشابه محاكم التفتيش‎.

كان عبد العزيز صديقا لعباس بشير والد بشير عباس،‎ ‎ولعبد العزيز حبال صداقة وود مع كثير من ‏أهل حلفاية الملوك، ما تصرمت، وكان كلما‎ ‎سافر إلى بلد في أنحاء السودان وفيها عباس بشير إلا ‏زاره وأقام عنده، وفي 1956 حل‏‎ ‎عبدالعزيز مدينة سنار، وكان عباس بشير يعمل موظفاً بها، ‏وبشير بدأ حياته العملية‎ ‎هناك موظفاً بمصلحة الري، وكان عبدالعزيز قد جاء لحفل يقام في دار ‏السينما، ويعلم‎ ‎أن لبشير بدايات موفقة للعزف علي العود، فطلب إليه عبدالعزيز أن يصاحبه ‏بالعزف،‎ ‎وتلك كانت أول مرة وحدثني بشير عباس فذكر أن أول أغنية عزفها في ذلك الحفل كانت ‏هي‎ ( سمير الروح) من نظم الشاعر الملهم عبدالرحمن الريح‎..

ولم تعد مدينة سنار‎ ‎تفي بأغراض بشير عباس الفنية وأشغاله .. فانطلق إلى الإذاعة بعد ذلك بعام ‏أو عامين،‎ ‎ولعل مصاحبته عبدالعزيز علي العود قد كانت إجازة فنية فتحت له أبواب الإذاعة، عين‎ ‎في مطالع يوليو 959ام سكرتيراً لأوركسترا الإذاعة، وفي واقع الأمر فقد كانت أخريات‎ ‎الخمسينات ‏وبدايات الستين تؤذن بعهد جديد في تطور الموسيقي والموسيقيين في السودان،‎ ‎كانت طريقة ‏بشير عباس في العزف علي العود تنبئ عن تأثر بليغ بالموسيقي العربية‎ ‎والمصرية بوجه خاص، ‏ولكن بشير عباس لم يستسلم لذلك الأثر، بل أفاد منه، ولم يجعل‎ ‎نفسه محل استسلام وخضوع لتلك ‏الموسيقي، فخلط ذلك التأثر بتربية فطرية سودانية‎ ‎صميمة، هي التي نسميها دون كثير حذر ‏طريقة بشير عباس، تحسها في‎ ‎موسيقاه وفي لحون‎ ‎الغناء التي صنفها، وكان عهد ظهور بشير ‏هو عهد جيل الموسيقيين من أمثال عازف الكمان‎ ‎محمدية الذي تأثر أو قل تعرض لذات المؤثرات، ‏وبأسلوب عبدالله حامد العربي أولاً، ثم‎ ‎درس في معهد الموسيقي في مصر وأجاد الأسلوب الشرقي ‏ولم يفقده ذلك موروثات الكمان‎ ‎السوداني من لدن السر عبدالله وحسن الخواض وسائر الذين .. ‏منحوا الكمان سيدة الآلات‎ ‎الموسيقية طراً، جنسيتها السودانية‎ ..

سافر بشير عباس عام 1961م إلى القاهرة‎ ‎بصحبة عبدالعزبز داؤد، كان هناك حسن خواض ‏وبابكر محمد احمد وبرعي محمد دفع الله‎.. ‎ويذكر بشير انه وفي وجود برعي ربما لم تكن هنالك ‏من حاجة كبيرة إلى سفره إلى مصر مع‎ ‎الفرقة، ولكنه يبرر هذا أن عبدالعزيز كان بعيد النظر ولعله ‏عزم علي أن يمنح بشيراً‎ ‎فرصة (للتدريب) علي حد تعبير بشير عباس .. وقال انه حمل معه وعلي ‏استحياء أول لحن‎ ‎له هو أغنية (أشوفك) التي نظمها عبدالله النجيب لتكون بكورة تعاونه مع ‏عبدالعزيز‎.. ‎كان بشير يخشى أن يهمل عبدالعزيز شان أغنيته، ولكن عبدالعزيز تحمس للأغنية ‏وغناها‎ .. ‎ويعتز بشير بذلك كثيراً، إذ كان عبدالعزيز منذ بداياته قد قدم ألحانا رصينة‎ ‎السبك، جليلة ‏الصوغ، مثل هل أنت معي وفينوس وصبابة وغيرهن من ذاك العقد النضيد‎ ‎المتلالىء‎ ..

في الجلسات حيناً بعد حين، تكون النكتة سيدة الموقف، وقد تاخذ‎ ‎مقاماً قريباً من الغناء، وقد تنبثق ‏فجأة رغم كل شىء، وقد يحكي عبدالعزيز لي ملحة‎ ‎أو نكتة انشأها أو سمعها ويريد أن يسردها ‏علي طريقته الفريدة يأتي إلى مكتبي في‎ ‎الصباح البكر يقول (سيد علي أنا جاييك بي واحدة بت ‏كلب) اقول له (طيب نسمع) ينطلق‎ (‎طبعا انت عارف اليومين دي الرعاة بقي عندهم سوق ‏وبيهاجروا كمان، عشان كدة اسعارهم‎ ‎عالية، المهم في واحد كان عنده خمسة غنمايات، قال احسن ‏يوديهم للراعي، قام مشي ليه‎ ‎وقال يا سيادتك تاخذ كم في الشهر وترعي الغنم ديل؟ صاحبنا ‏الراعي قال ليهو والله‎ ‎انت عارف اليومين الحكاية قرصت معانا شوية، يعني حنأخد منك مية جنيه، ‏كل غنماية بي‎ ‎عشرين جنيه! صاحب الغنم ضحك كدة وقال للراعي: عندى سؤال واحد الكتب علينا ‏ولا عليكم‎ ..

حين اتجه عزمنا إلى تسجيل أغنيات الحقيبة، كتبت خطاباً حول هذا الموضوع‎ ‎إلى الاستاذ محجوب ‏عثمان، وكان وزيراً للثقافة والاعلام عصرئذ، فوافق علي الفور‎ ‎وأول أغنية سجلها عبدالعزيز فيما ‏اذكر كانت (عروس الروض‎) ..

سارعي من قبل‎ ‎يشتد الهجير بالنزوح‎
واسبحي ما بين طيات الاثير مثل روحي‎
راذا لاح لك الروض‎ ‎النضير فاستريحي‎

وهي قصيدة للشاعر الياس‎ ‎فرحات، وكان زنقار قد جعلها طرفا من تراث الغناء السوداني ‏فانتشمرت، في زمانه‎ ‎انتشاراً شديداً، وقد كان الفنان الممتاز زنقار من الفنانين الذين يكن ‏عبدالعزيز‎ ‎لهمم وداً شديداً، وكان معجباً به اشد الاعجاب، واذكر انها حين انتشرت بصوت‎ ‎عبدالعزيز وكلما سمعها صديقنا الموسيقي علي ميرغنى، بكي لفرط التأثر بالاداء‎ ‎الجميل، وسجل ‏عبدالعزيز ضمن هذا المشروع أغنيات عدداً، كنا نامل بالطبع أن تزيد‎ ‎ولكن تراكم الاشغال حان ‏دون بلوغنا ما كنا نروم، أما أنا فقد كان من دافعي كمستمع‎ ‎أن ينعم المستمعون كافة بسماعهم ‏غناء عبدالعزيز اغنيةصالح عبدالسيد ابو صلاح وكرومة‎ (‎كم نظرنا هلال) وقد سمعته يغنيها فيما ‏يشبه الاعجاز وكنت كثير الحديث عنها، في‎ ‎واقع الأمر، ما أزال، ويسألني الأصدقاء مداعبين ‏ولماذا كم نظرنا هلال، وانت مفرط في‎ ‎تشجيع المريخ؟ والرد عندي: لله في خلقه شؤون‎ ..

وطرفة أخري، قال عبدالعزيز‎: ‎انه عاش في زمن ما شاب (درويش) يعتقد الناس أن فيه بركة، ‏وكان اذا قال مثلا (خالي‎) ‎يموت خاله في اليوم التالي، واذا قال (عمتي) تموت عمته في اليوم ‏التالي، وهكذا وكان‎ ‎أهله يخشون هذا كثيراً وفي ذات يوم وأهله كلهم في البيت صاح فيهم (ابوي)! ‏وفي اليوم‎ ‎التالي مات جارهم‎!!

اللهم قد اخترت عبدالعزيز إلى جوارك، اجل لكل اجل كتاب،‎ ‎اللهم أن كان مسيئاً فتجاوز عن ‏سيئاته، وما كان عبدالعزيز كذلك، اللهم أن كان‎ ‎محسناً فزد في احسانه، وبالمعنى الذي نعلم فقد ‏كان براً بنا؟ عف اللسان، وعلمت من‎ ‎بعد أن مات انه كان يخرج إلى سور جامع ام درمان الكبير ‏عقب صلاة الفجر كل يوم جمعة،‎ ‎ويوزع علي المعدمين الفقراء عند سور الجامع مئات الارغفة .. ‏حدثني بهذا صديقي حسن‎ ‎يحي الكوارتي‎ ..

كان الغبار مساء السبت الرابع من اغسطس 1984، يشيع معنا‎ ‎اعذب الاصوات في تاريخ هذا ‏الوطن غير مدافع، دونما ضجة، أو ثرثرة في الصحف، هو اعذب‎ ‎الاصوات في تاريخ غناء ‏السودان غير مدافع، اقولها لا ارجو تأييداً من احد، ولا‎ ‎تعضيداً، واري الان بعض اصوات ردىء ‏الغناء تريد لتثري من أغنيات عبدالعزبز، من‎ ‎هؤلاء من حاكي مذهبه في الاداء، يصيبني عمله ذاك ‏بتعاسة غامرة اقول لهذا أن انشاد‎ ‎عبد العزيز‎:

بهديها روحي تقسما‎
بدل الزهور في‎ ‎مواسما‎
مهما النفوس قدرن سما‎
دي الفي القليب ممضي اسما‎

والتي ينشدها باسلوب الرميات الحر، مثل ما عهدنا‎ ‎من أيام سيادة غناء الحقيبة لم تصطنع (رمية) ‏قي واقع الأمر وانما هي أغنية لها لحن‎ ‎معروف وتؤدي به وهي أغنية (لي نيه في قمر السما) ‏لسيد عبدالعزيز، وقد تصرف‎ ‎عبدالعزيز في ادائها وجعلها مطلعاُ ينشده بحرية، وهو أمر لا يقدر ‏عليه إلا صاحبه‎ ‎الذي ابتدعه، والله تعالي اعلم، ثم هل يقلد مذهب في الاداء؟ ثم أن بعض اهل الفن‎ ‎الشعبي اسلموا لحونه (لكركبة) الايقاعات المنفرة، تصور لقد سمعت من يغني بتلك‎ ‎الايقاعات ‏المنفرة أغنية لبرعي وعبدالعزيز تعتمد اساساً علي استهلال موسيقي بارع،‎ ‎وعلي لازمات ‏موسيقية صعبة الاداء، تلك هي أغنية صغيرتي. والشيالون يرددون مع مغنيهم‎ (‎الشوق والاحلام ‏ما زالت تؤرق والسنين، هل كنت تعنين الذي ما تدعين، ما زلت اذكر‎ ‎خصلة عربيدة فوق ‏الجبين‎)..

فوزية محمد حسين زوج الفقيد، خلف العبء، بعضه‎ ‎وهو جله،عليها وولي، عزة وعزام التوأمان ‏يصعدان درج التعليم صعوداً متفوقاً، عمران‎ ‎اكبر الاولاد صار من اهل فنون الطباعة، كان ابوه ‏العظيم طرفاً من حياته، صفيفاً في‎ ‎مطبعة، وداؤد في دبى، وعلاء الدين في شموخه، وعايدة تعمل ‏في الإذاعة، وماجدة تغني‎ ‎لابيها فيما قد علمنا، وشجرة النبق في ذلك البيت تجود بما تقدر عليه، ‏وقد تجادت في‎ ‎صباها بثمر حلو وفير، وقريباً منها غطاء بئر المجاري، وكان المجلس البلدي قد ‏اصدر‎ ‎قراراً بأن تحفر الابار في كل بيت علي نمط هندسة المجاري الحديث، وجاء الحفارون إلى‎ ‎بيت عبدالعزيز وقد استبد بهم الطمع، قالوا له يا استاذ البير بتجيب مويه في البيت‎ ‎ده بعد ما نحفر ‏عمق عشرة رجال، والراجل بكلف ميتين جنيه! ضحك عبدالعزيز ثم قال‎ (‎و..بتحفروه بي كم)؟‎!!

واني مازلت اذكر والاسي بعضي وجلي وكلي والحزن تلك‎ ‎الليلة الرابعة من شهر اغسطس ‏‏1984م، والغبار ينشر الاسي، والمقبرة ذات الظلام واهل‎ ‎الفن قد تركوا الغناء للبكاء، اذكر أن ‏واحدا من المغنين المعروفين كان يغنى علي بعد‎ ‎خطوات من بيت الاسي في حفل عرس ليلة دخلت ‏الأمة (بيت الحبس) من قال أن الفن غير‎ ‎الاخلاق؟‎



التوقيع:
[frame="5 80"]اللهم اغفر لعبدك خالد الحاج و تغمده بواسع رحمتك..

سيبقى رغم سجن الموت
غير محدود الاقامة
[/frame]
imported_فيصل سعد غير متصل