|
:: كــاتب نشــط::
|
,,,
كانت (زينب) قد بلغت عامها الخامس عندما اجتاح الجراد القرية
فلم يبقى على الأخضر ولا على اليابس..
كان عاما قاسيا ماتت فيه معظم الماشية وفقد المزارعين محاصيلهم
وانتشر الجوع والمرض ,, فقضى الكثير من الأطفال وكبار السن
وكانت مأساة تاريخيه عمت بضع قرى مجاورة
وعندما عاد المطر ,, كان بمثابة الخلاص والأمل المنتظر
ولن ينسى من شهد ذلك العام ,, كل الأحداث التي مرت ,, ولا
الاحتفال الكبير الذي أقيم على شرف المطر,, ولم يتغيب عنه احد ..
يقال أن الجراد توجه إلى غابات البن أعلى الجبل ,, ولم يبقى في أشجارها
على حبة بن واحده..
فخلت الاسواق من تلك الحبوب ,, بعد ان كانت متواجدة بكثرة ,,
حتى ان الثمار الحمراء الصغيرة كانت تباع طازجة في المواسم
كفائض عن الحاجة ,, فيستمتع الاطفال بمذاقها الحلو المتميز ,,
ولم يتصور احد من السكان المحلين كيف يمكن أن تكون الحياة بدون قهوة ..!!
كانت (آمنة) كمن يحتضر دون قهوتها الصباحية ,,
وتدهورت حالتها مجددا ,, فأجتهد (سعيد) ,, وسافر مسيرة أيام محملا
دابته العجوز بكمية مضاعفة من الأواني التي عكف على صنعتها في الأسابيع الأخيرة ,,
ليعود لها بالحبوب الغالية ,,فاستعادت نشاطها فور ارتشافها لفنجانها العزيز ,,
وكما الأشياء الثمينة لفت (آمنة ) حفنة البن في صرة من القماش خبأتها في
وعاء فخاري كبير ,,,وعندما لاحظت وجود الطفلتين تراقبانها حذرتهم بشده
من أن يعبثوا بكنزها أو يطلعوا أحد على مكانه,,
ولم تمض أيام حتى طرق بابهم شيخ كبير
رجل في ثياب رثه ,, وحال مزرية كان يتكئ على الحائط
وقدماه عاجزتان عن حمله,, وقتها كانت الفتاتان قد عادتا لتوهما من
المرعى ,, استقبلته (جميلة ) ومن خلفها (زينب )
فأخافهن مظهره الرث ,, وسألته (جميلة ) ان كان يريد طعاما
فقال بعد جهد أن رائحة القهوة التي فاحت من بيتهم صباحا قادته إليهم
وانه لا يريد إلا بعض البُن ,,!
تبادلت الفتاتان نظرة خوف ,, ثم ما لبثت (جميله) أن قالت بشيء
من التردد
_لا نستطيع مساعدتك فليس لدينا سوى القليل وهو خاص بأمي
وبدونه ستمرض,,!!
زفي تلك اللحظة سالت دماء حمراء من انف الرجل بغزاره مفاجئه
فتشبثت (زينب ) بثياب جميله وشعرت برعشتها وبرودة كفيها
وعرفت أنها كانت خائفة أيضا ,,
والرجل يهمس بصعوبة ,,
_أرجوك يا ابنتي فقط القليل احتاج الى رائحة القهوة ,, وإلا قد أموت ,,
القليل فقط ...القليل..
وتهاوى على ركبتيه فانطلقت من (زينب) شهقة مكتومة
فوضعت (جميلة ) يدها على فمها ونظرت اليها قائلة
_سأعطيه بعض من بن أمي ,,
أطلت نظرة خوف من عيني( زينب) فتابعت (جميله) هامسة
_لا تقلقي هي لن تعلم.... فلن يخبرها احد
واتجهت في حزم إلى المطبخ وبحرص استخرجت الآنية الفخارية
من الخزانة ورفعت عنها الغطاء وأخرجت تلك الصرة البيضاء الصغيرة
وفاحت رائحة البن فخافت أن تحملها الريح إلى انف أمها النائمة في الفناء الخلفي
فهمست مناولة الإناء لـ(زينب),,
_بسرعة !!,,
وفتحت هي الصرة وملأت كفها الصغيرة بحبوب البن
ثم أعدت كل شيء في مكانه,,,
وبطريقه ما ,, زال خوف الفتاتين دفعة واحده عندما غمرهم الرجل
بنظرة ممتنة قبل ان يقرب الحبات السمراء من انفه النازف
ويمرغه في عطرها المتميز ,,ويبتسم لهما ثم يغادر على عجل ,,
يومها لم تتمكن زينب من النوم ,, فقد كان منظر الرجل وانفه النازف يشغل
ذهنها وتنبهت (جميله) لقلقها ,, فهمست لها وسط الظلام الدامس,,
_هل تعرفين يا (زينب) لماذا نزف الرجل من انفه؟
هزت رأسها نافيه فتابعت (جميله) دون أن تنتظر منها جوابا
_ أظن أن انفه أحب رائحة البن واعتاد عليها كثيرا كما احبك يا زينب ,,!!,,
ربما لم تتوصل (زينب) الصغيره لما قصدته اختها لكنها برغم ذلك
شعرت بموجة فرح عارم ازالت كل ما علق بقلبها الصغير من خوف
وعانقت جميله بحراراه دون ان تقول شيئا ونامت الطفلتان بعمق ,,
.........
|