عرض مشاركة واحدة
قديم 11-01-2010, 09:31 AM   #[3]
عبدالدين سلامه
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

عند عودتي الأخيرة من البلاد وجدت إسمي لازال موجودا في قوائم المطار وأن دخولي أو خروجي يصبح مستحيلا فمن المقرر قانونا أن يتم القبض عليَ ,
ما أن وصلت الامارات بسلام حتى كتبت رسالة لمجلس الوزراء بواسطة الوزير / كمال عبداللطيف وفاءا مني بما تمخض عنه المؤتمر لفهمي أن المؤتمرات تصدر توصيات أو قرارات نابعة من قناعات المشاركين والتي تبدأ التنفيذ فورا كل حسب رؤاه وإمكاناته وتخصصه ومقدراته فالقرارات ليست أعمالا إدارية بقدرما هي أعمالا إجتماعية تهتم بالفرد والمكان .
عموما كتبت تلك الرسالة بادئا باستناكاري ورفضي لحالة أن يكون إسمي بالقائمة السوداء فإن كنت متهما بشيء واجهوني به وأنا على استعداد للمثول أمام أي محكمة ولو كان غير ذلك فاعطوني الأسباب التي تخول لي التصرف بما أراه مناسبا ؛ ثم بعد ذلك قدمت رؤيتي لمشاهداتي في الفترة القصيرة من مشاكل وحلول وقدمت الرسالة بطريقة رسمية عبر الملحق الاعلامي للقنصلية السودانية في دبي الصحفي محمد محمد خير غير أنني لم أجد ردا .
بعدها زارنا الدكتور كرار التهامي أمين عام جهاز شؤون المغتربين والتقى بأفراد الجالية بقاعة قنصلية دبي وكان اللقاء رغم حميميته مخيبا للآمال فالأمين العام لم يلتزم بأي إلتزام ولم يتقدم بمشروع جديد ولا حتى مجرد فكرة تشكل حلا لواحدة من معضلات الغربة فالآمال في الأمين الجديد كانت تراود أذهان المهاجرين لأسباب مختلفة منها أنه كان مهاجرا إكتوى بنيران الهجرة وخبر خباياها ويملك كامل القدرة على رؤية مشاكلها بوضوح واقتلاعها من جذورها ؛ ومنها أنه كان من الناشطين في مجال العمل العام وقد أثبت فاعليته وقدرته على إدارة جهاز أشبه بمنظمات العمل المدني في حقيقة توجهه المفترضة بجانب غطاءه الرسمي الذي من المفترض أن يشكل مجرد هيكلا يغطي طبيعة العمل ويتكامل معها .
ثورة في مفهوم وتوجه وطبيعة عمل الجهاز كان يتوقعها المهاجرون الذين قام هذا الجهاز باسمهم وانحرف عن أهدافه بسبب مختلف السياسات التي مارسها كل من ركب كابينة القيادة غير أن الرجل الثوري في مضامير العمل الاجتماعي وصاحب القدرات الفائقة المشهودة والمتواصل مع طبقات المثقفين والتكنوقراط في عالم الاسفير والصيدلي الذي درس الصيدلة يوم أن كان دخول كليتها في جامعة الخرطوم ضربا من المعجزات وذلك الصحفي الذي داوم على تنثير الأعمدة كالفراشات بين الصحف وذلك الأديب الأريب الذي يتمتع بإجادة الأسلوب الرصين في حدّة مهذبة تتنازعها أحيانا روح شخصية جده عبدالفضيل الماظ لم يتمكن من مجرد التبشير بقدوم عهد جديد .
ربما تكون للرجل أعذاره بسبب قصر المدة التي تولى فيها زمام الأمور أو لأسباب خارجة عن الارادة فهو في النهاية فردا في مؤسسة حزبية منظمة تملك سياساتها التي قررت إدارة هذا الجهاز العام بروح الحزب ؛ وغير ذلك من الأسباب التي تختفي وراء الأنظار العامة .

الرجل إلتقيته لأول مرة في قاعة الصداقة بالخرطوم ... حيينا بعضنا وعرّفني بنفسه وقال لي هامسا أنه سمع عني الكثير ومن المعجبين بشخصيتي .
إلتقيته عدة مرات أثناء المؤتمر وكانت لقاءاتنا مغتضبة نتبادل التحايا وينصرف كل لمن معه أو مشاغله بالملتقى غير أن إعلاميو السعودية كادوا يجمعون على قناعتهم بدماثة خلقه وسعة أفقه وقدراته التطويرية والادارية وحبه النزول بنفسه إلى العمل القاعدي .
حقيقة وللأمانة كان كرار التهامي من خلال مشاهدتي المجردة له وحكمي عليه كان متواجدا بشدة في المؤتمر ولم يحاول إصطياد الأضواء كما فعل غيره وذادت هذه الصفة من إحترامي له رغم تحفظي على وجود ودور جهاز شؤون المغتربين في مؤتمر للاعلاميين المغتربين .

المرة الثانية التي التقيته فيها كانت في تلك الليلة التي أقام فيها ندوة بقاعة القنصلية السودانية في دبي وقال فيها أنه يرحب بأي مشروع يأتي من جانب المغتربين ... تحدثت معه بعد نهاية الندوة عن مشروع فقال لي أنه سيسافر في اليوم التالي وطلب مني إرساله له عبر البريد الإلكتروني وسيطلع عليه بمجرد وصوله .
بالفعل كان المشروع مكتوبا فأجريت عليه بعض التعديلات وأرسلته عبر البريد الالكتروني كما طلب .
ظل الدكتور كرار متابعا معي بالتلفون حتى ركوبه الطائرة وإقلاعها وانقطاع الارسال .





المشروع كان عبارة عن سلسلة من الحلقات التلفزيونية المصورة عن مجتمعات المغتربين وبيعها لقنوات التلفزة وطباعة مجموعة منها على أقراص الدي في دي وطرحها للمغتربين وغيرهم بأسعار خيرية بهدف حملة تجمع مبلغا من المال يستخدم لصالح دعم الأسر التي تعاني من العيش في معسكرات النزوح بدارفور وتعليم أولادهم والمشاركة في تحسين الظروف الصحية وأن يكون إنتاج العمل تحت مظلة الجهاز لأنه عمل خاص بالمغتربين .
لم يتصل بي كرار التهامي منذ أن وصل السودان ولارد على هاتفي سوى مرة واحدة قال فيها بأنه ذهب الى بروكسل لاحياء مهرجان الثقافة السودانية البلجيكية وبعدها لارد على الهاتف ...
خاطبته عبر منبر سودانيز أونلاين الذي يدمن التواجد به ويرشق الردود والمداخلات من حين لآخر ولكنه أيضا لم يرد أبدا .
توجهت رسميا في تلك الفترة لضابط الجوازات بالقنصلية العقيد الخلوق علي عبدالرحمن وللحقيقة فالرجل من الكوادر الدبلوماسية القليلة التي أجمعت الجالية على إحترامها وتهذبها وحسن التعامل والعلاقة ووجدته على وشك التوجه للخرطوم في إجازة قصيرة وقال لي أنه سيحاول حل مشكلة إزالتي من القائمة بصفته الشخصية وإن عجز عن ذلك سيدلني على الطريق الرسمية ... وبالفعل إتصل بي من الخرطوم عدة مرات مؤكدا إهتمامه بالموضوع ثم انقطعت الاتصالات حتى عودته حيث أعلمني بأنه عجز عدة مرات في لقاء الشخصيات التي ترتبط بموضوعي وطلب مني أن آتي إلى مكتبه لمناقشة تفاصيل الجانب الرسمي كخيار بديل .
في تلك الأثناء وصلتني دعوة من القنصلية تفيد بلقاء سياسي يتحدث فيه وزير الخارجية الدكتور مطرف صديق عن نتائج لقاء موسكو ورؤاها في حل مشكلة دارفور وذلك إنتهازا لفترة توقفه في دبي قادما من موسكو .
حضرت إلى الندوة متأخرا بسبب بعض ارتباطات العمل المسبقة وشهدت الكثير منها ثم في خاتمة المطاف وبعد نهاية اللقاء إلتقيت العقيد علي عبدالرحمن وسألته رأيه في أن أطرح الموضوع على وزير الخارجية باعتباره مسؤولا عن النطاق الخارجي للبلاد والذي أنا جزء منه كمواطن مغترب فأشار علي بأخذ رأي القنصل .
القنصل كان قريبا من وزير الخارجية الذي اتجه كثير من الحاضرين لمصافحته واتجهت مباشرة للقنصل فاستغرب جدا وقال أنها المرة الأولى التي يسمع فيها عن هذا الموضوع وطلب مني لقاؤه بالمكتب يوم غد أو بعد غد .
لم أذهب إليه في اليوم التالي وانتظرت حتى اليوم الثالث وذهبت إلى القنصلية والتقيت في البداية بالعقيد علي عبدالرحمن حيث أبديت له تخوفي من التعامل مع السفير خاصة أنني لا أعرف شخصيته ولا أريد الدخول في مساومات تختص بحقوقي لأنني لست طرفا ضعيفا يحتاج الوساطة ولأن سجل كبار المسؤولين الدبلوماسيين في السفارات والقنصليات لايبعث على الثقة في كثير من المعضلات التي تواجه المهاجر ولكنه طمأنني بمدحه الرجل الذي يضع في أولويات أولوياته خدمة أفراد الجالية بغض النظر عن رؤاهم وانتماءاتهم وأن له مواقف مشهودة في هذا المجال وبأنني لن أخسر شيئا لو تعاملت معه .
بالفعل كنت متخوفا من أن يتحول الحق إلى جميل أو من أن يتعامل معي الرجل بفوقية فأخسره وربما أزيد موضوعي تأزما لأن رغبتي الأولى كانت تكمن في حل القضية بدون ضوضاء وفي حال استعصاؤها أبدأ التعامل معها إعلاميا وهو جانب تمنيت من الله كثيرا أن لاتدفعني الحاجة إليه لما يحمله من نتائج قد تتضرر الدولة منها بطرق مباشرة أو غير مباشرة .
أخيرا إتصلت على سكرتيرة مكتبه بواسطة سكرتيرة القاعة ( العامة ) فعرفت أنه منشغل في إجتماع إنتظرت بعده قليلا ومن ثم دخلت على السفير عصام متولي .
السفير عصام متولي قنصل عام جمهورية السودان بدبي كانت علاقتي به علاقة سطحية فنحن نعرف بعضنا بالاسم والشكل ونتبادل التحايا عندما يجمعنا المكان .
كنت ألتقيه كثيرا في المناسبات الاجتماعية ومعظم المناسبات التي كانت تقيمها الجالية في دبي والامارات الشمالية غير أننا لم نحتك مع بعضنا في موقف يؤدي لتعارفنا .
بأدب جم حيتني سكرتيرته التي أفسحت المجال للدخول إلى مكتبه الفاره ... قام من على كرسيه مستقبلا وجلسنا بعد أن حيينا بعضنا وسألني عن شيء أشربه وكان العامل قد أتى في تلك اللحظات .
لفت نظري أن العامل ينتمي للجنسية الهندية ... تذكرت موقفي مع أحد سفراءنا في السفارة السودانية بأبوظبي وكنا قد ذهبنا إلى مكتبه كوفد رسمي في قضية تهم الشأن الكردفاني بصفتي أمينا عاما لرابطتها وكانت كردفان وقتها تمر بنكبة طبيعية وقد نسَقت السفارة مع دولة الامارات العربية المتحدة بأن المعونات يجب أن تمر بمعرفة والتنسيق بين كلاهما .. جاءنا عامل هندي يحمل أكواب الشاي فرفضت الشرب وقلت له أنني في السفارة في أرضيوأن بالأرض بطالة لاحد لها فكيف أشرب من يد كان عدم وجودها يشكل حلا ولو لجزء يسير من مشكلة البطالة .
إنتهى الاجتماع وانصرفنا ولم يعلّق السفير الذي جلس صامتا ... واستدعاني بعد أقل من شهر ولما دخلت مكتبه جاءنا عامل سوداني يرتدي ثيابا بيضاء حاملا الشاي ... إبتسمت وقلت له بالحرف ( أشكرك .. الحمدلله .. وصلت الرسالة )
كرر العامل الهندي بمكتب السفير عصام متولي سؤال السفير بلكنة هندية تحاول تقليد اللهجة السودانية :-
- تشرب شنو يا أستاذ ؟؟؟
- فقلت له :- أيّ شيء سوداني
حاول السفير الاعتذار عن وجود المشروبات السودانية كالكركدي والقنقليس والعرديب وغيره من المشروبات السودانية التي تصلح أن تقدم ساخنة أو باردة فقلت له أنه أمر يؤسف له أن لا يوجد مشروب وطني سيادي .
وقلت في نفسي ما أشبه الليلة بالبارحة وكيف سمحت الادارة بوجود شخصية أجنبية في هذا الموقع السيادي وفي وظيفة العامل التي تعتبر من أخطر الوظائف المعلوماتية .
ومنذ بداية النقاش بدأت أقرأ شخصية السفير


بدأ الحديث عاما عن هموم البلد ... وجدت السفير عصام متولي من النوع الذي يملك مقدرة دبلوماسية خارقة في إغلغاء الحواجز والحديث كابن بلد يتقبل النقد بروح رحبة ويحسن الحديث والاصغاء .
قال أنه لم يعرف بكامل المشكلة قبل أن أحدثه عنها ونادى على الملحف الاعلامي الاستاذ / محمد محمد خير وسأله عن السبب الذي منعه من عدم رفع تقراير بما حدث لي بصفتي أحد الاعلاميين المسؤولة عنهم بعثة الامارات المنطلقة من قنصلية دبي والتي يشغل قنصلها العام وقائد دفتها .
إتصل بضابط الجوازات العقيد علي عبدالرحمن وسأله عن المشكلة وطرق الحلول وكلف الأستاذ / محمد محمد خير الملحق الاعلامي الذي كان يتأهب للسفر إلى السودان في ذات اليوم بصحبة مبعوث من الإم بي سي – كلفه بمتابعة موضوعي وفي ذات الوقت أجرى مجموعة إتصالات مع المطار وتأكد من وجود الاسم بلائحة الكمبيوتر واتصل بمجلس الوزراء والجوازات وعدد من الهيئات المختصة أثناء وجودي معه .كان مافعله بالنسبة لي كافيا لاثبات جدية الرجل حتى ولو لم تكن هناك نتائج ... فالسفر قررته وليكن مايكون ... وقمت بـأخذ إحتياطاتي من خلال بعض الزملاء اللصيقين وعدد من زملائي وتلامذتي العاملين في مجالات الحريات العامة وحقوق الانسان .
بعد يوم من ذلك اللقاء إتصل بي السفير عصام متولي وقال لي بأن مجلس الوزراء قد أرسل رسالة لادارة القوائم يأمر بإزالة الاسم من القائمة وقال لي ( يمكنك منذ الآن السفر دون أدنى قيود ) .
حتى تلك اللحظة وحتى لحظة وصولي المطار كنت متوجسا

ونواصل ....



عبدالدين سلامه غير متصل   رد مع اقتباس