اقتباس:
|
يتميز المديح النبوي بصدق المشاعر ونبل الأحاسيس ورقة الوجدان وحب الرسول (صلعم) طمعا في شفاعته ووساطته يوم الحساب. وما حب الرسول في القصيدة المدحية إلا مسلك للتعبير عن حب الأماكن المقدسة والشوق العارم إلى زيارة قبر الرسول (صلعم) والوقوف على جبل عرفات والانتشاء بكل الأفضية التي زارها الحبيب أثناء مواسم العمرة والحج.
|
كان من أوئل من نظم شعر المديح النبوي في حياته ما قاله عمّه العباس بن عبد المطلب، لما قال: يا رسول الله؟ أريد أن أمتدحك. فقال رسول الله: قل لا يفضض الله فاك. فأنشأ يقول:
من قبلها طبت في الظلال وفي مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشـر أنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد ألجم نسرا وأهله الغرق
تنقل من صالب إلى رحم إذا مضى عالم بدا طبق
حتى احتوى بيتك المهيمن من خندف علياء تحتها النطق
وأنت لما ولدت أشرقت الـ أرض وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي النور وسبل الرشاد نخترق
وكذا عمّه أبو طالب، إذ مدحه قائلاً :
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
ومدحه الصحبي كعب بن زهير في قصيدة مشهورة عرفت بـ "البردة"، لأن النبي محمد بن عبد الله كساه بردته عندما أنشدها، والتي أوّلها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم أثرها لم يفد مكبول
ولما أنشد كعب قصيدته هذه وبلغ قوله:
إن الرسول لسيف يستضاء به وصارم من سيوف الله مسلول
أشار صلى الله عليه وآله بكمه إلى الخلق ليسمعوا منه .
وتقول عائشة بنت أبي بكر: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يخصف نعله وكنت جالسة أغزل فنظرت إليه فجعل جبينه يعرق وعرقه يتولد نوراً، فبهت، فنظر إلي فقال: مالك بهت؟ فقلت: يا رسول الله، نظرت إليك فجعل جبينك يعرق وعرقك يتولد نوراً، ولو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره، قال: وما يقول أبو كبير؟ قلت: يقول:
ومبرئ من كل غبر حيضة وفساد مرضعة وداء معضل
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه برقت كبرق العارض المتهلل
قالت: فوضع رسول الله صلى الله عليه وآله ما كان بيده وقام وقبل ما بين عيني وقال: جزاك الله خيرا يا عائشة، ما سررت مني كسروري منك .
بعد وفاة النبي محمد بن عبد الله
من أهم شعراء المديح النبوي في العصر الأموي بعد وفاة النبي محمد بن عبد الله هو الفرزدق ولا سيما في قصيدته الميمية، التي أولها:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيـت يعرفه والحل والحـرم
وللشاعر العباسي مهيار الديلمي عشرات من القصائد الشعرية في مدح أهل البيت والإشادة بخلال الرسول وصفاته الحميدة. ولكن يبقى البوصيري بحسب كثير من المؤرخين الذي عاش في القرن السابع الهجري من أهم شعراء المديح النبوي كما في قصيدته الميمية المسمى بـ "البردة" أو "الكواكب الدريَّة في مدح خير البرية"، والتي مطلعها:
أمن تذكر جيران بذي سلم مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
أم هبت الريح من تلقاء كاظمة وأومض البرق في الظلماء من إضم
وقد عورضت هذه القصيدة من قبل الكثير من الشعراء القدامى والمحدثين والمعاصرين، ومن أهم هؤلاء الشعراء ابن جابر الأندلس في ميميته التي استعمل فيها المحسنات البديعية بكثرة في معارضته الشعرية التي مطلعها:
بطيبة انزل ويمم سيـد الأمم وانشر له المدح وانثر أطيب الكلم
ومن شعراء المديح النبوي المتأخرين الذين عارضوا ميمية البوصيري عبد الله الحموي الذي عاش في القرن التاسع وكان مشهورا بميميته:
شدت بكم العشاق لما ترنموا فغنوا وقد طاب المقام وزمزم
[align=center]
من نماذج المدائح النبوية :
أم كلثوم : نهج البرده
الشاعر : أحمد شوقي [/align]
[align=center][flash=http://www.youtube.com/v/-qKoC3dcgj0?fs=1]WIDTH=550 HEIGHT=450[/flash][/align]
[align=center]
نهج البرده
ريمٌ علــى القـــاع بيـن البــانِ والعلم ِ *** أحـلّ سفك دمي فــي الأشهــر الحُرُم ِ
رمى القضــاء بعيني جُـــؤذَر أســداً *** يا ساكـن القــاع ، أدرك ساكن الأجـم ِ
لمـــا رنــا حدثتــني النفـــــس قائلـــــةً *** يا ويـح جنبك ، بالسهم المصيب رُمي
جحدتها وكتمــت السهم فــــي كبــدي *** جـــرحُ الأحبــة عنــدي غيرُ ذي ألم ِ
رزقتَ أسمح ما فــي الناس مــن خُلق *** إذا رزقــت التماس العـــذر في الشيم
يا لائمي فــي هـــواه –والهوى قدرٌ-*** لـــو شفّك الوجدُ لـــم تعــذل ولــم تلم
لقـــد أنلتـــــك أُذناً غيــــر واعيــــــــةٍ *** وربَّ منتصتٍ والقلـــبُ فـــي صمــم
يا ناعس الطرف لا ذقت الهوى أبـداً *** أسهرت مضناك في حفظ الهوى فنم ِ
أَفديك إلـــفــاً ، ولا آلو الخيال فِــدىً *** أغـــراك بالبخــل من أغـــراه بالكـرم
ســرى، فصــــادف جرحاً دامياً فأسا *** وربَّ فضـل ٍ علــى العشــاق للحُلــم
من الموائـسُ باناً بالربــى وقــَـنـَاً *** اللاعبـاتُ بروحي ، السافحـات دمي ؟
السافـــــراتُ كأمثال البـــدور ضحىً *** يُغرن شمس الضحى بالحلى والعصم
القاتـــلات بأجفــــان ٍ بهــــا سقـــــمٌ *** وللمنـــيـــة أسبـــابٌ مـــن السقــــَم
العــاثـــراتُ بألبابِ الرجـــال ،ومــــا *** أُقــلـــن مـــن عثراتِ الدلِّ في الرسم
المضرمـــات خـــدوداً أسفرت وجلت *** عــن فـتـنـة ، تسلــم الأكبــاد للضرم
الحاملات لـــواءَ الحســن ِ مختلـفـــاً *** أشكالُــه ، وهــو فـــردٌ غيــر منقسم
مــن كــل بــيــضاءَ أو سمراءَ زُيِّينتا *** للعينِ ، والحسنُ في الآرامِ كالعُصم
حتى بلغت سماء لايطار لها علـــى *** جناح ولا يسعى على قـــــــــــــــــدم
وقيل كل نبي عند رتبتـــــــــــــــــــه *** ويامحمد هذا العرش فااستلـــــــــــــم[/align]
______
المصادر
وكبيدا