(3)
والأسطورة السَّنَسْكِرتية تقول إنّ السمكة ماتسيا قتلت الديمون، أو الروح الحارسة، لأجل تخليص مانيو، آدم البشر أو جدهم الذي تحدّروا منه، وملك الأرض الأوّل.
ولكن الأسطورة الهندية تربط مانيو هذا بالفيضان، ليعادل النبي نوح لدى ما عُرِف بالكتب السماوية. والمصادفة الطريفة هي أنَّ الفتى الذي أدَّى دور الأفاتار في الفيلم اسمه الحقيقي "نوح رينقر" يُبادد ذلك الاسم، رُغم الاختلاف القليل في النطق. أي هو الاسم عينه الذي تدفع به الكتب السماوية كاسم لنبي الفيضان. أمَّا قصته في القرآن التي تقول إنَّ السفينة قد رست على "الجودي" ما فسّره العاملون على القرآن بأنّه اسمٌ لجبل. فنجد أنَّ الأسطورة السنسكريتية تقول في المقابل إنَّ السفينة قد رَسَت على جبال الملايا.
وتضيف الأسطورة، بما يُبادِد نصّ القرآن تماماً، إنَّ مانيو كان بأسفل الجبل وجاءت المياه حتى ارتفعت به إلى القمّة.
وبقتل الكوماندور في الفيلم للسمكة، روح القمر، نلمح بالخارج انطفاء معالم الحياة. بالضبط، كما رأينا في فيلم أفاتار الآخر، أنَّ معالم الحياة أيضاً تنطفئ حينما تقوم الجيوش باقتلاع الشجرة التي ترتبط بها منابع النورانية المؤسّسة للضياء، الذي يأتي عن نظام داخلي، روحاني، أهم وأعقد من نظام الخارج الذي ينبني على علاقات الكلوروفيل والضياء الملموس. هذا، غالباً، تحت زعم القصص القديمة التي تربط الحياة ببعضها بعضاً، وهنا بقلب فيلم الأيربندر تسطع الإسكرين في احمرار باهت، جَرَّاء الفعلة الشنعاء لأمة النار هذه. وهي فعلة سيتأذى منها الجميع كما قال الأمير.
وفي هذا تحضير لأجواء الفيلم ذاتها وللمشاهد، لأجل تجلي الإله في الأفاتار نفسه، ولذلك المشهد المهيب والعظيم الذي يقوم فيه الصبي رينقر بتحريك المحيط لما فوق سفن أمّة النار، ونلاحظ أيضاً أنَّه لا يؤذيهم أو يقضي عليهم، كما جاء في كلمات التنين له، من كون الأفاتار لا يكره، ويقوم بدوره تجاه الناس أجمعين. التحضير هذا كان ضرورياً بقتل السمكة-روح القمر، وانطفاء شيءٍ من روح العالم، وبلوغ العالم بذلك ذروة كُبرى من اليأس والفساد، ولنقرأ متى يظهر الأفاتار من النص الفعلي لـ"الغيتا":
Whenever righteousness wanes and unrighteousness increases I send myself forth.
For the protection of the good and for the destruction of evil,
and for the establishment of righteousness,
I come into being age after age. ”
(Gita:4.7–8)
فهذا النزول للإله، والتجلّي، أو التجسّد وبزوغ الأفاتار، يحدث بناء على نص الغيتا عندما تتضعضع الاستقامة ويعم الفجور. لأجل حماية الخير ومكافحة الشرور، ولتشييد الفضيلة من جديد -لذلك فالإله يخبرنا- بمجيئه للوجود حيناً بعد حين.
وكما أسلفت، فالأسطورة ترد هذا القدوم الأوّل، أو تزعم بأنَّ الأفاتار الأوّل تحقّق عبر سمكة، هي السمكة "ماتسيا". وهي سمكة صالحة، حسب مفهوم ثقافتها، ومقدّسة مثل الأسماك ليبتوس وفاغروس وأكسورنيشوس عند الفراعنة. أمّا سمكة الكانومي Mormyrus kannume فيقال إنّها هي التي أكلت الأعضاء التناسلية لأوزيريس في الأسطورة الشهيرة عن موته وتقطيع جسده ورميه في النيل وبحث زوجته بعد ذلك عنه.
كما هنالك الإلهة "حات محيت" وهي إلهة السمك التي تُصوَّر في شكل سمكة، أو امرأة تحمل تمثالاً لسمكة على رأسها. وفي الفيلم نلاحظ أنَّ معبد رهبان الهواء مُزَيَّن بنحوت لأسماك كذلك. من المؤكّد لاستنهاض أسطورة ماتسيا في الأذهان، بوصفها الأفاتار الأوضح للإله فيشنو. أمّا بربط القمر والأسماك معاً، من الأسطورة الفرعونية فتدلنا على بداية الصراع مع الديمون من أسطورة أوزيريس، وإن كان فيها القمر يتضح جلياً ولا يموت كما في الفيلم.
والفيلم، باختصار، ينبني من ممالكٍ أربعٍ، هي مملكة الماء، ومملكة النار، ومملكة التراب "الأرض"، ومملكة الهواء. ونجد هذه الرباعية متجسِّدة في شكل أممٍ حقيقية منفصلة عن بعضها بعضاً، وفي ذات الوقت متداخلة. وتعاني من فوضى شديدة وحروب عالمية استطاعت أمّة النار أن تكسبها وتفرض سيطرتها على باقي الأمم وتستعبدها. مع فرضية أنَّ أية أمّة من هذه الأمم تستطيع أن تتحكّم في العنصر الذي خُلقت منه فقط، أي لها هؤلاء البيندرز، ما يشبهون الكهنة، أو المتحكمين بشكل أكبر في مادة وجودهم. أمّة النار تستطيع أن تتحكم في النار وتستخدمها على النحو الذي تشاءه، وكذلك أمّة التراب أو الأرض تتحكّم في التراب، وأمّة الماء تتحكّم في الماء وحده. باستثناء أمّة الهواء، فالفرضية التي يطرحها الفيلم أنّ هذه الأمّة هي الوحيدة التي بوسعها أن تتحكّم في العناصر الأربعة مجتمعة. وكل فرد من هذه الأمم يعرف بالبندر حسب أمّته. الفَيَرَبندر، الناري، بالنسبة لأمّة النار. والأيرثبندر، الأرضي، بالنسبة لأمّة الأرض أو التراب. والوتربيندر، المائي، بالنسبة لأمّة الماء. والأيربندر، الهوائي، الذي يمثّله هنا الطفل، بطل الفيلم، بالنسبة لأمّة الهواء. التي كانت قد تعرّضت لإبادة ولم يتبقَّ منها سوى هذا الطفل، الذي يعرف بالأيربندر، وكذلك بـأفاتار Avatar، لندخل بذلك في مستوحياتٍ لتراكيب وتعقيدات حضارية ثانية مستمدَّة من الكتاب المقدّس.
فهذا الإيربندر الذي نراه في الفيلم، هو في الحقيقة كاهن، ويرتدي زي الكهان في الثقافات الشرقية ونظراً لصغر سنّه فهو لا يجيد بشكل كامل الاستفادة من قدراته وقد كان يتدرب في ما يشبه الأديار الشرقية الهندية والصينية وغيرها، لفنون الروح المرتبطة بالجسد. وتقوم أمّة النار بقتل أساتذته في الدير وزملائه الصغار. ويبدو أنَّ ذلك قد تمَّ بمساعدة خائن ما، ففي الأحداث المتقدمة جدا من الفيلم يتم القبض للمرة الثانية على الإيربندر بمساعدة كاهن هواء، بينما الأيربندر كان يحسب أنّ الجميع قد مات، مع زملائه وأستاذه الذي يظهر معه في الكثير من اللقطات الصامتة، فيما يشبه أن تكون تلك العلاقة بينهما على درجة كبيرة من الحب، والود، والترابط الشديد. هذا الكاهن هو الخائن إذن، من بقي حيّاً، والذي أوقع بالدير الذي تفوق إمكانات كهنته بقية الأمم. فالخيانة هي ما يفسّر كيفية تمكّن أمّة النار من السيطرة على أمّة الهواء أيضاً، التي تفوقها من ناحية القدرات.
والكاهن يقول له بعد أن يستدرجه لجوف المعبد، كي يُلقى القبض عليه هناك، لقد عشت في فقر بسبب غيابك يا أفاتار، ولذا ستغفر لي ما حدث اليوم! ثم يدس أحد الضباط بعدها مبلغاً من المال في يد الرجل، كثمن له ومكافأة لقاء استدراجه الأفاتار إلى باطن المعبد كي يقبضوه، فهو ما يزال صغيراً ولم تكتمل تدريباته بعد.
وبسؤالنا عن لماذا هو صغيرٌ بالأساس، وكيف أصبح كاهناً؟ وهل هنالك دوال من ثقافات أخرى بوسعها ربط الطفولة بالنار والتجسُّد والقرابين؟