عرض مشاركة واحدة
قديم 16-10-2012, 03:02 AM   #[3]
الرشيد اسماعيل محمود
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية الرشيد اسماعيل محمود
 
افتراضي

وضعتِ رأسك علي الوسادة، برفقٍ وضعتِه، مددتِ يدك الأخري، وريدك الغض الأخضر الآخر، مسحتُ علي يدك، ارتعشتُ، كنتِ محمومة، ومحموماً أنا كنتُ، بحمّاك، بحمّاي، بكِ، بلونك، بذكري الجانب الأيمن من الصدر المبارك، بشجرة الحنين الاخضر، بالحنين.
كنتِ عيائذاك؛ ريحانة الليالي الصابئة، أغنية أخيرة في آخر حفل قبل القيامة، آخر لوحة ترسمها الألوان قبل بلوغها سن يأسها اللوني، آخر ضوء في عتمة الأيام.
كنت أجلس علي طرف السرير، منتصف العالم وقتها، أعلي من المواساة، أدني من الصبر، قيد (سينٍ) من الهوس. كنتُ بمحاذاة جمالك، لا محِلّ لي من إعراب المكان، هل كنتُ –جمالئذٍ- ممنوعاً من الصرف..؟ الرّاجح أنني كنت (مصروفاً).
والجسد المستلقي يقرِّبني إليه، يباعدني عنه، عني، عن شجر الليل وقطافات الثمر. كان الجسد ضاجاً بالأغنيات، بشهوة الأيّام اللاهثة، برغبة مكبوتة، بظمأ المناخات والمواسم، بعناقات قادمة، برواء آتٍ وبرتقال.
الإبرة الآن في الوريد الأخضر، السائل يمتزج بكِ، بدمك، بحلمك، بي أنا، بؤرة الأحلام وهستيريا الرغبة. المحلول الجلكوزي يطأ حثيثاً نعومة الأوردة، ينتشر في كل الخلايا، ينتشر فيك، يتفسّح في حدائقك، يتمرجح هنا، يتقافز هناك، يعلو ويهبط مثل الأنفاس المضطربة، مثلي، مثل رجل كاذب مرتبك.
أخذتُ قطعة من شريط لاصق كان بالمنضدة، قمت بتثبيت الإبرة علي وريدك جيداً ثمّ شددت قامتي لأعلي. مثلما كنتِ تنظرين إليّ من أدناي، الآن صرتُ أطلُّ عليك من أعلاكِ، ليس كمثلك أنثي مستلقية، ليس أجمل منك شئ.
العرق يتصبّبني، أدخلت يدي في جيبي بحركة معتادة بحثاً عن منديل مفترض، ليس ثمّة منديل بجيبي، يتصاعد ارتباكي، ما زلت أنظر إليك من أعلاك، عيناك مغمضتان حتي نصف جمالهما، عيناي مفتوحتان حتي آخر الفضول، تتنفسين ببطء، صدرك يعلو ويهبط كطائر أنهكه التحليق في فضاء عاري، أنظر إليك، الآن عيناك مغمضتان حتي نصف حنينهما، لا حنين برئٌ منك، وهذا الجسد المستلقي، يجوس في رهافته المطلقة، يبوح، يتفتّح، يقترب من الافصاح.



الرشيد اسماعيل محمود غير متصل   رد مع اقتباس