عرض مشاركة واحدة
قديم 12-01-2015, 10:54 AM   #[5]
فيصل سعد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية فيصل سعد
 
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

عودة الهارب .. بقلم الشريف حسين الهندي - يوم 11 مايو1958 ردّه على مقال جريدة "الأمة": "الهارب"



"بالخط العريض" وفى صدر الصحيفة الأولى وبالمانشيت البارز، أبرزت صحافة الحكومة إكتشافها الأثري، عن سلفيتي الزراعية، كأنها أطلقت قمراً صناعيا ثالثاً، ثم تخيلت أني قد هربت، وخالت أنها قد انتصرت، وعاشت على هذه النشوة أسبوعا كاملا. ولو كانت الديون تحمل الناس على الهروب، لارتحنا من وجوه كثيرة كانت ولا تزال.. مصدرا لشقاء الكثيرين، ولرحل عن هذه البلاد سادة و لبيعت سرايات وتهدمت دوائر؛ فإن حياة بعض الناس سلسلة متلاحقة من الديون، من عهد فليبيدس وكونتيمخالوس، إلى عهد الكريدي ليونيه..

و لو كان هؤلاء يستدينون من الحكومات و البنوك و الشركات فحسب، لسكتنا .. ولكنهم يخطفون اللقمة من الجائع .. لأنه جاهل، ويحوِّلون حبات عرق الكادحين إلى سلاسل من الذهب يكنزونها، و يتنعمون على حساب حقوق المزارعين المتراكمة، ويأكلون أموال الأيامى واليتامى ظلما، ويملأون بطونهم المستكرشة سُحتا و طعاما ذا غُصَّة، و سيصلون بعد ذلك سعيرا وعذابا أليما .. وها هم أولا لم يهربوا للآن.. يصبحون على معونة ويمسون على قرض .. و يبيتون على مؤامرة يخفُّون عند الطمع و يثقلون عند الفزع، يتعاظمون كما تتعاظم القياصرة، و يتفاخرون كما تتفاخر الأكاسرة، و أفقر الفقراء فى هذا البلد أريح ضميرا، وأحسن عند الله مآبا..

نعم إنني مدين لجمهورية السودان و ليس في هذا ما أخجل منه .. وعندما كتبت ما كتبت، و سلكت فى حياتي السياسية ما سلكت، لم أكن أجهل هذه الحقيقة، و لم أكن أعتقد أنكم لن تشهروا هذا السلاح عليَّ؛ فإن التهديد، خاصة من أخص خصائصكم .. و لم أكن أعش في المريخ، حتى أن هذه حكومتكم، و وزير ماليتها وزير ماليتكم، وأن أمورها تدبر بليل في سراياكم.. وحتى لو كان فى إمكانكم أن تبيعوا البيوت و الممتلكات، فلن تستطيعوا سد منافذ الهواء؛ كما لن تستطيعوا كبح جماح هذا القلم.. فلقد قررت أن أقف بجانب الشعب السوداني، لا أتزحزح ولا أتحـول، ولا أساوم حتى لو أمسك جميع سادتكم، بأطراف هذا القميص المتسخ، الذى يعلوه غبار السفر، يريدون انتزاعه مني..

إن أزهري لم يمنحني سلفية، و لو كان أزهري يمنح الأصدقاء و يمنع الخصوم، لما كنتم الآن في مثل هذا الموقف، الذي ترهبون فيه و تستَعْدون أدواتكم على الناس.. ثم إنني لم أكن في الحزب الوطني الاتحادي، عندما كان الأزهري في الحكم.. فلقد دخلت الحزب الوطني الاتحادي صبيحة إسقاطكم لحكومته القومية.. ومن يومها وضعت يدي في يده.. ولئن تقطع يدي فلن أسحبها من يده، ومهما بطشتم أو نكلتم فستبقى يدي في يده، تشد من أزره وتعاون في أمره، حتى تبلغ ملتقي البحرين، أو نلبث حقبا.. فاذهبوا إذن و ابحثوا عن رجل آخر تهددونه أو بضاعة تشترونها، أو نخاسة تقيمونها بدراهمكم البخسة ، وأسلحتكم الصدئة..

لو كنت أنشد الثراء لسلكت طريقا يحذقها بعض الناس، حتى اغتنوا مظهرا و افتقروا مخبرا، و لكنت قد سعيت وراء سراي الشريف يوسف الهندي بوابور المياه، و وراء هبة الثواب المهداة إليه من أخيه؛ وهذه طلاسم تعرفونها جيدا، و يعرفها معكم فضيلة مولانا الشيخ /حسن مدثر، قاضى القضاة السابق.. وأرجو الاّ تضطرني الظروف لفك رموزها، حتى لا تخِف موازين بعض الناس..

إذا فبيعوا ما تشاؤون و نكِّلوا بمن تشاؤون؛ فقط.. نفِّذوا كل ذلك في صمت و اسكتوا صبيانكم، حتى لا تحملونا على ارتياد مسالك تعففنا منها زمنا طويلا، و إبقاء على صلات لا أظن أن صبيانكم يعرفونها؛ وإلاّ.. فلن يكون وقود هذه النار التى تشعلونها إلا صحائفهم البائرة؛ بل سيكون وقودها الناس والحجارة.. ولن تسكتنا يؤمئذ قوة؛ فما أكثر ما نعرف، وما أكثر ما نكتم..

ثم أنني لن أهرب ! وأنتم تعرفون ذلك جيدا؛ فلم يهرب عمي.. يوم استشهد في مشارف سنار مقبلا لا مدبرا.. ولم يهرب أبي، عندما قذف بحصانه فى وابورالإنجليز بكرري، عندما ثبت من ثبت، وهرب من يعرفه كبراؤكم ‍و مما سجله التاريخ .. و أخيرا.. فإنني ما زلت محررا بجريدة "العلم"، وهى صفة أعتز بها، وأحرص عليها، ولن أبدلها بملئ خزائنكم ذهبا، أو حشو ثيابكم حطباً..



التوقيع: اللهم اغفر لعبدك خالد الحاج و
تغمده بواسع رحمتك..

سيبقى رغم سجن الموت
غير محدود الاقامة
فيصل سعد غير متصل   رد مع اقتباس