الموضوع: قهوة الصباح ..
عرض مشاركة واحدة
قديم 10-05-2007, 04:20 PM   #[59]
أحمد يوسف حمد النيل
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أحمد يوسف حمد النيل
 
افتراضي كهوتك لذيذة

تحياتي مع هب النسيم الصديقة /ملاذ
لا أدري ماذا أذكر و ماذا أقول, طقوس القهوة اشتهيناها ونحن تحرق "مصارينا" قهوة العرب المرة المسيخة. وهنا في السودان الناس تعيش نشوة القهوة و قلوة القهوة.
عندما كنا صغار كانت الحبوبة تطردنا "بالنعال" وتقول لينا :"هوي يا أولاد القهوة حقت الكبار"
ولما كبرنا شوية وبقينا صبيان بقت الحبوبة تقول و هي تهمس:"بتخلي الواحد يبقى ما راجل"
ولما الكتوف اتلاحقت :"بقت الحبوبة تنتظرنا بالقهوة حتى ولو كنا بعاد"

فهو طقس .
هل فكر الرجال في كلام الحبوبة من ناحية علمية ام انه تصريف؟
في ساعات المقيل كنا نعود من المدرسة و النفوس قد اصابها التعب و التشتيت
فنأوي لظل الحبوبة .عندما نحمل الفنجان في ايادينا نسافر بعيدا من المكان.
الناس منشغلون يقولون ملخص الحي و يوزعونه عبر المطبعة التقليدية
اما نحن فيداهمنا السكوت و بعد قليل يمطرنا بتنزيل من الشياطين الشعرية و كدائسها
يقول لنا الثرثارون :"القحة و لا صمة الخشم" ولكنهم لا يعرفون قحتنا .فهي غيبية ربما تحتاج لشواطيء و بحار وسهول وجمال و خضار ونساء .
ربما الآخرون يحتاجون لخمرة معتقة او اشعال سيكارة شفيفة معطرة.
و ربما يحتاج الباقون لسحر امراة شفيفة تدغدغ مشاعرهم و تغللهم بفتنة الغواية
فيسبحون في روحها وسحرها و جسدها.
وان كانت صبحية القهوة سحر و جن , و ان كانت صبحية القهوة انجذاب و دروشة.
فصباح الحس و النغم و الشجون و الذكريات متعة لا يدانيها شيء عندما نحمل الفنجان في رواكيبنا او فنادقنا او بلاد العرب او بلاد الفرنجة فهو رمز عتيق.
فهي من ادوات القهوة .نتذوقها وبطوننا تتلوى من الم القرحة او المصران و لكننا نلتهمها كالاطفال.
قهوة متعتها مكانية و زمانية. لونها الاسود الم جسدي ذو اتجاهين .جسد الدم و جسد الحنين اليها. و زمانها يلفح وجوه القلوب و الافئدة الى تجريد الذات .
فالكل في هذه الحياة جميل بنظر الفرد قبيح بكراهية القلب.
ولكننا نحفظ تقليدها فعندما كنا في الجامعة كانت لنا صديقة ست شاي"حمرا" تحنو علينا حنوها على أولادها تسقينا القهوة بيدها تخلطها مع الحليب وسادة. تعلمنا الحب و الصداقة على اياديها و الحنين و الوفاء.
وعندما نذهب بالليل للداخلية نجد ادروب في باب الداخلية و "تقابة قهوته" لا تهمد
يجلس بجنبه سيفه و كان يبيع "التمباك" فيتعذب الشباب عندما يشتمون رائحة التمباك و هم لا يعيرونها اهتمام بقدر ما تسيل لعاباتهم من رائحة قهوة ادروب كثيران قد اصابها هيجان الشبق. فينامون بحسرتهم.
هكذا القهوة ... صباحية كانت ام ظهرية ام مسائية فهي تفعل فعل الجن. وتنسخ في الارواح عشق الحنين . وتكثر فيها الم الشوق .
فقهوة النيل هي قهوة فنادق و حتى ما جاورها من حدائق قهوة حدائق مقبوضة الثمن مشروطة الكيف يكثر حولها الضجيج.
عندما نشربها في بلاد الغربة نجلس لها جلسات خاصة لا تشبه أبداً قهوة الصباح هنا في السودان و ان كانت محفوفة بكل صولجان المال و بهارجه و ارقى الخدمات الفندقية. ولكن في مجتمعات تشبهنا ان كانت على البحر المحيط "البحر الابيض"او بلاد الفرنجة فهي تشاركنا لهب الوجدان فان شربناها في فنادقهم كأنما شربناها في رواكيبنا .
فلنعود مرة من هذه الغربة اللعينة و لنشربها عند وجه النيل و لنشربها بالخارج و لكن بطوعنا .
فالقهوة في الخارج في فترة سياحة او زيادة ليست كالذي يدمنها و هو يسكن الغربة
و يحاول اقناع نفسه قوة انها قهوة.
فدعونا اخواننا ان خبرتم مكان للقهوة تشهدون فيه الحبوبة ..او "حمرا" او ادروب وغيرهم ان نجلس معكم فتتبدل احوالنا من خبث الى طهر بفضل الطقوس الروحية
دعوا هذا السائل الأسود يصنفر اوردتنا فيلهبها الى اوعية نبوية شاعرية
فان علمتم ان مكان ما آمن فلا تنشروا الخبر في الصحف حتى نشربها نحن و أصدقاؤنا بلا تشويش.
و لو انكم تعلمون حاجتنا لها لما تركتونا تكتب هكذا او نقرأ هكذا و لأرسلتم لنا رائحتها او طعمها .
جعلنا هذا السائل الاسود ان نرتد كالمراهقين الذين يوشوشون في سنوات الفكر الاولى ويسهرون بلا هوادة وهم يسبحون في اقبية ملكات الكتابة و الشعر.
جعلنا فقط نحس باننا اوفياء لطقسنا ..واننا نبكي على طقس هو ما يحمل ويتذكر أخطاءنا .. وصوابنا.. وحبنا..وعشقنا.. وصداقتنا.
نحن مفلوتون من زمن مضى لا حاجة لنا به ولكن ان نرجع ما نريد منه .

فدعونا نقرأ هذه الفناجين السود و البنية
لنعرف ما مدى سعادتنا وما مدى حاجتنا لها
دعونا نحملها بنفس حلو جميل
فالجميل الذي يرتضي الجمال
و القبيح الذي يبحث عنه
فأهدونا من جمالكم و كرمكم "فنجان بس"

ارجو ان نجلس على ضفاف النيل ونحن نحملها.

صديقتي/ ملاذ
كم ارجو ان اشربها معك حقيقة .
ولكنني سأدق فيك مقلب و اديك ليها مرة.
فتتذكري الحبوبة التي كانت تشربها مرة عندما ينعدم السكر من بلاد السكر.
و البعض "يربط" رأسه من فراقها و البعض يشربها بالتمر و البعض بحلاوة"دربس"

لك الود .. وانت تذكرينا بالذي مضى.
شكرا,,,,,, الصديقة العزيزة /ملاذ حسين
الى اللقاء مع سائل آخر يتحكم فينا و في طقوسنا.

أخوك / أحمد يوسف



أحمد يوسف حمد النيل غير متصل   رد مع اقتباس