احب هذه الأماكن !!
(الجزء الأول )
طفولتنا بريئة ممزوجة بالشقاوة ككل الأطفال ... في أقاصي غرب ولاية الجزيرة الخضراء ... في سودان الخير وفي قرية صغيرة تُسمي ( ود النورة ) جرت تلكم الأحداث ...
كان الجيران في زمن يُقدس فيه الناس الجار القريب والبعيد حيث تنعدم ( الحيشان ) والفضاء هو مساحة النظر والتلاقي بين الجار وجاره ...
بت الحسن : إمرأة طاعنة في السن ... هي أول من يستلذ بصياح ديوك الحارة معلنة دخول فجر يوم جديد .. يعني لبت الحسن بداية رحلة كفاح تتقوت من ثمارها حيث تبدأ بإيقاد ( صاج اللقيمات ) الصغيرة الحجم الذهبية اللون والتي بسعرها المعقول لا يستطيع صغار الحارة الإستغناء عنها ... فنندفع صوب بيت أم الحسن وفي يدنا ( تعريفة أو أم قرشين ) ( عملات سودانية قديمة ) لنظفر بلقيمات طعمها شهداً ...
وفي الحارة أيضاً ( بشري ) وبشري شاب فنان بسيط من ذوي الإحتياجات الخاصة ( النظر ) وهو درويش بمعني الكلمة ويشاكس بنت عمه ( ريا ) بأنه يريد الزواج منها .. وكانوا وقتذاك صغاراً لم يتجاوز عمرهم العشر سنوات ... ولما ترفض هي يقوم بالسخرية منها بأن عيونها في ( رأسها )
ويضج الجميع بالضحك ...
ولي علي بشري مآخذ منها أنه يشرب ( المريسة ) مشروب من الذرة ولكنه مُسكر فكأنما كان لا يفقه تحريمه ويعتبره وجبة رخيصة الثمن وفي متناول يده قبل ( فطور البيت ) فكان يعب بطنه منها عباً
ولكنها لا تغير في تصرفاته أو كلامه ...
والآن بشري في الثالثة والثلاثين من عمره وقد تاب من أم الكبائر ولكنه في قطار الإنتظار ليظفر ببنت الحلال ..
هنالك أيضاً ( بت الخضر ) المرأة الماشطة الطيبة رحمها الله ولا بد من المرور علي شئ من حياتها فقد أُصيبت بالشلل بسبب جلطة لم يستطع الجميع إدراك ذلك المرض المُسمي بالجلطة في تلكم الأزمنة ..
وبعد مرضها ضرب إبنها (آدم ) أروع أمثلة في البر بوالدته فكان يقوم بكل ما تقوم به ( الإبنة ) لأمها
من غسلها ونظافة غرفتها وملابسها حتي أثار إنتباه نساء الحي فكن يجدن ( بت الخدر ) في كامل زينتها
ورائحة البخور والعطر تفوح من بيتها وجسدها ..
لله درك أيها الآدم ..
ومن طرائف ( آدم ) أنه كان صاحب نُكتة وحاضر البديهة ولأن حوش بيته في الهواء الطلق فكان المارين يحيونه من بعيد والذين لا يُحبهم كان يرد عليهم بصوت خفيض بعبارات ( عفنني ) ( تعبان ) وغيرها رغم أنه يرد التحية عليهم في البداية بأحسن منها ..
وآدم لم يكمل تعليمه وكان ( نقاشاً ) ماهراً في صنعته وجميع أهل القرية والحارة يُحبونه ولا يرضون بغيره في مهنة النقاشة أو الدهان ...
ووالد آدم السيد : احمد محمد صالح كان ( درويشاً ) مُتصوفاً يعتقد في كرامات شيخه ( ود بدر ) وهو أحد المشهورين من مشايخة الصوفية في السودان ويُكني ود ( النضيف ) ..
فكنا نحضر حلقات ذكر ونحنا صغار يُقيمها الشيخ احمد ود صالح وكان يدخل في حالة خاصة حينما يبدأ ( الطار ) والذكر تُسمي عند الصوفية ( شالوا الدين ) ...
وكان مُحباً لحكر أكبر كمية من الأراضي البور والتي لم تصلها يد الدولة في ذلك الوقت فكان كل همه حينما يستيقظ صباحاً أن يقوم بعمل ( ساس ) لما يقوم بإحتكاره من أراضي .. فكان يُسورها وغالباً ما كان يسيطر علي ميدان الكرة الذي كنا نلعب فيه ولكننا لم نستسلم لطموحاته تلك فكنا نُكسر ما بناه ..
أواصل ....
تم النشر بمنتديات رواء الأدب
التعديل الأخير تم بواسطة أبو أروى ; 26-02-2011 الساعة 08:00 PM.
|