دراسة نقدية في كتاب (الإرهاق الخلاق) للكاتب عبدالله على إبراهيم
[justify] لما القطار صفر وقف ..
حينها تتبادر للذهن هذه المدينة ذات الإيقاع الخاص .. تقاطع السكك لحديدية – النكهة العمالية – أفواج العجلات التي تخترق الشوارع – الصافرة التي تعلن بداية اليوم ونهايته – وتنوع الحياة ما بينهما.
هذه الخصوصية شكلت ملامح رجال مدينة عطبرة الذين وضعوا بصماتهم على دفتر النسيج السوداني، من هذا المزيج جاء صديقي عبدالخالق السر يحمل أدوات كتابته خصوصاً وأنه خريج الدراسات النقدية.... في أجواء قاهرية معطونة بنكهة القاهرة الخاصة، ألتقيته في إحدى المقاهي كان برفقتي الصديق هيثم الشريف والحبيب جبير بولاد، وكان السودان حاضراً كهم الغلابة.
ورغم أن صديقي عبد الخالق السر استقر به المقام في استراليا مؤسساً ومفلسفاً لحياته الجديدة وفق رؤية متكاملة إلا أنه لم يستطع فكاكاً من هذا الوطن الذي يسكننا حتى تفاصيل التفاصيل، وفي تناول صديقنا عبدالخالق السر لأزمة الثقافة والمثقف السوداني أطلعنا على دراسته النقدية لكتاب (الإرهاق الخلاق) تأليف الأستاذ المثقف عبدالله على إبراهيم، ولأهمية الدراسة رأيت أن اتناولها هنا تعميماً للفائدة وأشير هنا أن الطرح لا يحدد إتفاقي أو اختلافي مع رأي الكاتب.
أدناه أجزاء من الدراسة:
في نقد "الإرهاق الخلاّق" لعبد الله علي إبراهيم "1-3"
تمهيد:
اكثر من 18 عاما على مقالة "...الإنقاذ تطفئ شمعة والمعارضة تلعن الظلام" وأكثر من 7 سنوات منذ صدور كتاب "الإرهاق الخلاّق"* الذي ضم المقالة المذكورة والجدل المصحوب ،غالبا، بصراخ عالي وادانات لا تنتهي في حق الكاتب هو المشهد السائد. مشهد أهدر فيه الكثير من الحبر الغاضب الذي قد "يغني" الحانقين إلى حين، ولكنه بالتأكيد لا يثمن في حقل الفكر والتثاقف ولا أظنه سيضفي فائدة تنتفع بها الممارسة السياسية أو الثقافية.
أدناه محاولة متواضعة من جانبنا لمقاربة الكتاب نقديا كمفاهيم ورؤى قابلة للفحص والتشكيك، آمل أن تكون إضافة إلى القليل جدا الذي تم في هذا الصدد ولم يكن أصحابه مهمومين بمسايرة مظاهرات الشتم والإدانة بقدر حرصهم على مجابهة الراجل فكريا. فالدكتور عبد الله مهما أختلف رأي الناس في مواقفه الأخيرة، ومهما تباينت تفسيراتهم، يظل واحدا من ألمع المفكرين والمثقفين السياسيين في السودان.
مدخل:
لا يمكن للمرء أن ينخرط في نقد هذا الكتاب دون أن يولي عناية واعتبار كبيرين للتيمة الأساسية التي بنى عليها الدكتور عبد الله علي إبراهيم ،مؤلف كتاب الإرهاق الخلاّق، رؤيته أو فكرته "الطموحة" والمتمثلة في مبادرة للخلاص أو المصالحة الوطنيين. (ص39) ، والتي يعتقد أن أوانها قد أزف بمجيء الإنقاذ كتأكيد لعصر (انتهاء السياسة) في ثوبها القديم بعد أن ألمّ بها الإنهاك.
ويمثل "الإنهاك" في تقدير الكاتب نقطة التحول الكبرى في خارطة الممارسة السياسية متى ما تحولت إلى "إنهاك خلاّق" (ص39) تصطلح من خلاله القوى السياسية على رؤى وشروط جديدة مغايرة لما كان سائد حتى يخرج الوطن من هذه المحنة وينفد من تلاشي وشيك.
تلك هي خلاصة الكتاب في التحليل الأخير. أما الكيفية أو الآلية التي يتوسلها الكاتب لتحقيق هذه الغاية وتجسيدها واقعا فهي محط مقاربتنا النقدية لهذا الكتاب.
الإرهاق الخلاّق أو "المساومة" كمنهج للخلاص الوطني:
المساومة -على ما يبدو- تمثل مفهوما أصيلا في فكر الكاتب السياسي، والاقتراب من هذا المفهوم سيمنحنا قدرة على الاقتراب ابستمولجيا لمقاربة أفكاره نقديا. ولا أعرف في هذا الصدد أحدا افضل من الدكتور حسن موسى** في تناوله للمساومة في أدب عبد الله السياسي:
"أقول أن انخراط عبد الله في خيار المصانعة و المساومة قديم و سابق بسنين لمساومته و مصانعته مع نظام الإنقاذ.. .... فالمصانعة في الأصل موقف دفاعي.بل هي ـ في تجربة الحزب الشيوعي السوداني مكيدة استراتيجية أصيلة ، بدونها ما كان لهذا لحزب " الطليعي"(اقرأ : الصفوي) الصغير عدديا أن يبقى و يقيم على كل هذا البأس الرمزي الذي يتمتع به، " حدّادي مدّادي"، وسط قطاعات واسعة من السودانيين المتعاطفين مع أطروحاته دون ان يجرهم التعاطف للانخراط في الحزب كعضوية منظمة. و ضمن استراتيجية الدفاع تمكن الشيوعيون السودانيون في أكثر من مناسبة ،من استثمار قوة خصومهم المهاجمين و تحريف اتجاهها و تملكها كوسيلة في رد الأذى السياسي عن جسم الحزب المعنوي و المادي....... قلت أن عبد الله سياسي، وبحكمة السياسي الواعي بقدر نفسه و العارف بسعة ماعونه توصّل لموقف المصانع المساوم كخيار سياسي، و هو موقف غير مريح فداحته ووعورته تملك أن تثني أشجع أبطال المسرح السياسي السوداني، إلا أن عبد الله الذي لا ينشد الراحة زاهد في منصب "أشجع أبطال المسرح السياسي"، و لو شئت الدقة لقلت بأنه الأشجع بين ذلك النفر الذي يعرّف في التقليد المسرحي بعبارة "ضد البطل"( "آنتي هيرو") Anti heroعلى صورة الشيخ أبو القاسم أحمد هاشم، مؤسس معهد أمدرمان العلمي، الذي وقع عبد الله في سحر شخصيته الوطنية المغايرة و انتفع به ، كـ " ضد البطل" ، في التأسيس لمفهوم " نقد الذهن المعارض" ضد الصورة الأيقونية البسيطة للبطل الوطني التي لا تستغني عن صورة " الخائن الوطني".و اختصار التاريخ لمجرد " إذاعة ذكر الأبطال و تحقير الخونة" هو عند عبد الله زوغان عن " الشوف الشامل" في الظاهرة التاريخية.و " إدراك " الشوف الشامل"( و الحقوق محفوظة للشاعرة عائشة بت الملازمي) لا يكون بغير " ذكرى المصانعين" من نوع" ضد البطل" " ممن لن تكتمل معرفتنا بالأبطال بغيرهم، فضلا عن عدم جواز التاريخ ـ كعلم ـ إلا بهم" ( جريدة الصحافة 5 ـ 4 ـ 1980 أنظر " عبير الأمكنة " دار النسق 1988)... (حسن موسى: أشغال العمالقة – www.sudan-forall.org).
[/justify]
التعديل الأخير تم بواسطة اسامة عبدالماجد ; 21-05-2012 الساعة 11:51 PM.
|