منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 24-11-2008, 01:41 PM   #[16]
عبدالرحمن حمد
:: كــاتب جديـــد ::
 
افتراضي

اخى باسط المكى
تشكراتى على المرور وعلى اهدائى النصح
وعزائى ربما اننى لم اكن احاول اتناول مثالب او مناقب الراحل
وانما هى محاولة لاستقراء الظروف المحيطة بشخصيته فى تلك الفترة
وتاثيراتها على قرار الرحيل..
مع الاخذ فى الاعتبار ان هذا المسلك الذى تناولناه كان فى ذلك الوقت جزء من تكوين الحياة الاجتماعية وليس بعيب او منقصة (طبعا" بعيدا" عن الجانب الدينى فى المسألة)..
..
ويبقى اعتذارى مرفوعا" قائما" للقارىء ولآل شيبون ..
..



التوقيع: يا الله ما يابس سوى حلقى المجرح بالدعا
عبدالرحمن حمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 24-11-2008, 01:44 PM   #[17]
عبدالرحمن حمد
:: كــاتب جديـــد ::
 
افتراضي

..
اختى أمل ..
امتنانى على الترحيب ..
وان شاءالله يكون وجودنا هنا خفيفا" .. لطيفا" ومفيدا" ..
..



التوقيع: يا الله ما يابس سوى حلقى المجرح بالدعا
عبدالرحمن حمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 24-11-2008, 01:46 PM   #[18]
عبدالرحمن حمد
:: كــاتب جديـــد ::
 
افتراضي

..
ذكرى
ودعة مشتتة سبعة ..

..
يا للحنين .. ويا لوسيم الذكرى ..

..
أتوقعك وأتمناك ........التى أعرف ..

..


حقق الله الامانى ..



التوقيع: يا الله ما يابس سوى حلقى المجرح بالدعا
عبدالرحمن حمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 24-11-2008, 02:09 PM   #[19]
منال
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية منال
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالرحمن حمد مشاهدة المشاركة
..
الغرض من هذه المساحة ليست محاولة اعادة تناول سيرة شيبون فيما يخص علاقته مع الحزب الشيوعى .. وانما الفكرة اعادة تفكير بصوت عالى هو لماذا قرر بعض الرموز فى الحياة السودانية مفارقتها بهذه الطريقة الحادة والمؤلمة والمثيرة للتساؤل ..؟؟
..
قصدت التنويه لملاحظتى ان اغلب الردود تركزت حول هذه النقطة وطلبا" لمزيد من التداخل حول ابوذكرى ورحيله وعن مشاهير آخرين اختاروا نفس المصير ..
..
مرحب بيك فى سودانيات اولا

بعدين لذكرى شيبون تعرضت لعلاقته حتى مع زملائه حينها و استشهدت

اقتباس:
تدهور حالته النفسية .... الى درجة تردده على عيادة د.التجانى الماحى

بتوصية من عبدالخالق..

* تبدل حال الشيوعيين له بمجرد تركه للحزب وانشغاله بالتدريس ... وقد بدا هذا

فى احدى مقالاته :

((رفعوا سلاحهم في وجهي وضربني من كنت اعلمه الرماية حتى اشتد منه الساعد وأدار لي آخرون الأكتاف الباردة التي تبينت أنها لم تكن ساخنة في يوم من الأيام."


.. وقد أكدت شهادة د.خالد المبارك ان هذه المعاملة القاسية جاءت باشارة من الحزب ....
و كيف انهم كما استهللت
اقتباس:
وقائمة طويلة من المبعدين بعنف ...

صادق عبدالله عبدالماجد ... جعفر شيخ ادريس وغيرهم ...

عوض عبدالرازق ... الجنيد على عمر ... شيبون ... وغيرهم ..

... هذا المدخل كان مهما" عند التعرض لسيرة شيبون .... مع استصحاب ادبيات

اليسار فى التنكيل المعنوى بالذين يتساقطون ((الشيوعى يسقط عموديا"))

وهو امر تمت مناقشته كثيرا" واخر الذين كتبوا عن هذا على صفحات النت كان

عادل عبدالعاطى .... وربما اتينا فى بوست مختلف لهذا الموضوع
و ذهبت ايضا بقول
اقتباس:
كتابات د.عبدالله على ابراهيم ان محنة شيبون نبعت

من عوامل متداخلة :

* التفرغ الحزبى ... مع رفض رفاهية الوظيفة (حياة الافندية) والتأثير

الواضح لهذا الامر على عائلته فى كردفان والتى كانت تنتظر بفارغ الصبر

سلوك ابنها فى مدارج الوظيفة ,,, وقد بدا هذا واضحا" من تجنب شيبون

نفسه للسفر الى اهله ..

* ادمان تناول الخمور ... وهو امر كان فى ذلك الوقت شائعا" جدا" خاصة فى

اوساط (قعدات) الشيوعيين ....
معروف حتى ان الدكتورين المبعدين و كتاباتهم فى هذا المنحى و الى اين تتجه ... رائى الخاص انهم يملكون وجه واحد لافادات ملؤا بها سواد الصحف ... و لكن اين الوجه الاخر للحقيقة و تداعيات الرحيل و مسباباته ... بربك يا عبد الرحمن لا تمسك العصا ... اتوقع منك الاتيان بافادات كثيرة و تتعمق فى تحليل الجانب الفنى كما اردت ... و دع عنك الطحين



التوقيع: [mark=#050000]
يا خالدا تحت الثرى
[/mark]
منال غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 26-11-2008, 01:58 PM   #[20]
عبدالرحمن حمد
:: كــاتب جديـــد ::
 
افتراضي

..

أختى منال ..
اعذرنى لو طلبت مزيدا" من الافصاح حول تعليقك .. فالاقتباسات التى نشرتها مع التظليل على

بعض المقاطع زادنى حيرة ..

ان لم يخذلنى فهمى يبدو لى انك استنبطتى اتخاذى منحى يشبه منحى الاستاذ صلاح احمد ابراهيم

فى تحميل الحزب الشيوعى المسئولية عن انتحار شيبون .. وهذا لم يكن قصدى فهذا النقاش يصبح اعادة لمجادلات دارت على صفحات عدد من المنتديات السودانية .. ليس من المفيد ولا الجديد اعادتها ..
حرصى على تناول ظاهرة اختيار بعض المبدعين او الرموز الرحيل انتحارا" .. وربما ألحقنا بها يوما" ما اختيار غياهب الجنون خيارا" بديلا" مارسه عدد من رموزنا..

..

وان كنت تقصدين بالدكتورين المبعدين عبدالله على ابراهيم وخالد المبارك فرأيى ان اتجاهما كان مختلفا" تماما" فعبدالله عمد اصلا" من مجموعة مقالاته حول شيبون حنجرة الشعب الى تبرئة الشيوعيين وتحديدا عبدالخالق من شبهة دم شيبون محاولا" تخليص ذكرى شيبون من حب صلاح احمد ابراهيم المنحاز ضد الحزب الشيوعى ..

..

تشكراتى على المرور .. وطمعان فى مزيد المساهمات ..



التوقيع: يا الله ما يابس سوى حلقى المجرح بالدعا
عبدالرحمن حمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 26-11-2008, 02:29 PM   #[21]
منال
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية منال
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالرحمن حمد مشاهدة المشاركة
..

أختى منال ..
اعذرنى لو طلبت مزيدا" من الافصاح حول تعليقك .. فالاقتباسات التى نشرتها مع التظليل على

بعض المقاطع زادنى حيرة ..

ان لم يخذلنى فهمى يبدو لى انك استنبطتى اتخاذى منحى يشبه منحى الاستاذ صلاح احمد ابراهيم

فى تحميل الحزب الشيوعى المسئولية عن انتحار شيبون .. وهذا لم يكن قصدى فهذا النقاش يصبح اعادة لمجادلات دارت على صفحات عدد من المنتديات السودانية .. ليس من المفيد ولا الجديد اعادتها ..
حرصى على تناول ظاهرة اختيار بعض المبدعين او الرموز الرحيل انتحارا" .. وربما ألحقنا بها يوما" ما اختيار غياهب الجنون خيارا" بديلا" مارسه عدد من رموزنا..

..

وان كنت تقصدين بالدكتورين المبعدين عبدالله على ابراهيم وخالد المبارك فرأيى ان اتجاهما كان مختلفا" تماما" فعبدالله عمد اصلا" من مجموعة مقالاته حول شيبون حنجرة الشعب الى تبرئة الشيوعيين وتحديدا عبدالخالق من شبهة دم شيبون محاولا" تخليص ذكرى شيبون من حب صلاح احمد ابراهيم المنحاز ضد الحزب الشيوعى ..

..

تشكراتى على المرور .. وطمعان فى مزيد المساهمات ..
عبد الرحمن تسلم كتيير و انت تطلب لو الله قدرنى ارد... وقفت فقط على الاقتباس الذى اوردته و كان افادات كما ذكرت سابقا... فلم اتخذ منحى صلاح لانى بكل امانة لا املك الحقيقة عن مسيرة حياة الراحلين فقط قرأت لى ابوذكرى و كنت انوهك الى الخيط الذى ابتديت به و انت مشيت فى ذكر تبرئة الحزب الشيوعى فى حين فهمى البسيط لعنوان البوست ( ببساطة هناك خيطين فى موضوعك هذا حسب قراتى من زواية علاقة الراحلين بالحزب الشيوعى و ذكرت انها مادة متدوالة لست براغب ان تعيدها )... اما تداعيات اسباب الرحيل مرة ثانية انت تملك من التحليل والمادة (امكن هذه بداية البوست و لكن المقدمة دائما تقود الى لب الموضوع) ...سوف اكون تواقة لمعرفة المزيد ( واحسب ان لك القدرة على التحليل لكل المادة التى جمعتها و التى يتداخل معك من يملكونها ) كم بالف خير و خليك قريب



التعديل الأخير تم بواسطة منال ; 27-11-2008 الساعة 11:01 AM.
التوقيع: [mark=#050000]
يا خالدا تحت الثرى
[/mark]
منال غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 26-11-2008, 03:32 PM   #[22]
الفاتح
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية الفاتح
 
افتراضي

مرحب بيك يا عبد الرحمن إضافة فاعلة في المنتدى
صديقي الأستاذ/" محمد يحي " -أبساطور- أعد مادًة ثرية عما أنت بصدد تناوله ، تناول سيرة الراحل أبوذكرى ، وقد إجتهد أيما إجتهاد في الحصول على مذكراته ، كان لي شرف الإطلاع على مذكرات كتبت بخط يده وهي عباره عن مد وجذر جوًاني واجه الشاعر قبيل مغادرته الحياة ، سأراسل هذا الصديق عسى ولعل أن أظفر بها.
ودًي.



التوقيع:

There r 3 types of ppl in this world
those who makes things happen, those who watch things happen,
and those who wonder wt happened
الفاتح غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 26-11-2008, 05:27 PM   #[23]
طيبان
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية طيبان
 
افتراضي

صديقي عبدو
مرحبا بك بيننا ..فرحنا يزداد بك كثيرا
عن شيبون ..
ربّما تعرّفت عليه لأوّل مرّة في مقال لعبدالله علي إبراهيم بالرأي العام (إن صدقت ذاكرتي )قبل سنوات ..
صنّفت المقال حينها كأدب مراثي ووفاء الأحياء لمن يحبّون ..رغم أنّه تعرّض لحادثة موته ..ولوصيّته المكتوبة ..ولحال أمّه ..
لا أذكر أنّني وقفت فيه علي بعد آخر .. ربّما لأنني لا أعرف خلفيّة الموضوع كاملة ..
أمّا عن الشاعر الجميل أبوذكري ..فلا أعرف عنه غير جميل كتاباته وموته الفاجع ببلاد قصيّة ..
بلا تفاصيل ..
أهتم بماكتبته هنا ..وأنظر لما أسميته إختيار الرّحيل الفاجع ..بإعجاب خاص ..
وأهتم جدا بالترحيب بك للمرّة الألف
واصل سردك الجميل ..

______

سلامي للوليدات ..

إضافة
تحصلت اليوم علي المقال الذي ذكرته أعلاه من النت ..
اقتباس:
[align=center]شيبون: وهذا الأزرق العاتي [/align]

«إلى الرفيق يونس الدسوقي. كلمنا الدكتور خالد المبارك قال إنك عدت للوطن وعاد الفضل والنبل. جيداً جيت».

كانت رحلة شيبون صباح الجمعة 8-12-1961 بالبنطون من رفاعة إلى الحصاحيصا رحلة بلا عودة. وكان هو يعلم علم اليقين أنه الوحيد بين الراكبين الذى لن يعود إلى رفاعة أبدا. كان قد ربط الأحزمة الناسفة حول نفسه. لقد قضى الأمر وسيفجر الأحزمة يستعجل المحسوبة. وكان أرسل الإشارة تلميحاً لأمه بأن لا تصدق ناقلي الأخبار السيئة عنه وأن تأخذ بالها من أخته الشقيقة ذات الست عشر ربيعاً. وخرج يلوي على الموت.

كان النيل الأزرق، الذي سماه الفنان سيد خليفة بـ ''الأزرق العاتي''، يرقد سمجاً عاتياً كما يحب. ولا أظن أن شيبون في رحلة السفر بلا عودة قد أعاره سوى أنه مسطح مائي يمخره البنطون إلى الشط الآخر. كان النيل الأزرق قد أصبح عنده روتيناً منذ فارق كردفان في آخر الأربعينات. ولا بد أن هناك من اقتحم عليه هذا الروتين مرات ليذكره بـ ''يا كبرة فولاية'' التي صرح بها كردفاني مثله حين رأى النيل أول مرة فاستقل فولة (بحيرات الخريف الموسمية) كردفان وقصد البحر. تقلب شيبون منذ جاء إلى الشمال النيلي على ضفتي النيل الأزرق. كان أول عهده به بضفته الشرقية بمدرسة حنتوب الثانوية عام 1948 وجاء إلى المدرسة على النيل الأزرق بمزاج شاعري يساري لا مهرب منه في تلك الأيام. وكان خالط الشيوعيين في مدينة الأبيض خلال دراسته بمدرستها الوسطي. وكانوا رجالاً شم العرانين صٌع في قول العباسي الشاعر. كانوا في زهادة الرفيق حسن سلامة وحسن ماركسيته. وتعلق خاطر شيبون بالرجل منذ تلك الأيام. وشهد ضفة النيل الأزرق شيبون يختلي مع آخرين لتنعقد منهم أول خلية شيوعية بالمدرسة. قال صلاح أحمد إبراهيم في مرثيته لشيبون في ديوانه ''نحن والردى'' عن هذه الحلقة الحنتوبية:

''أسس الشاعران (صلاح وشيبون) وثالث أولى خلايا العمل الثوري في المدرسة. وكانت تعقد الاجتماعات وسط الحشائش المتعالية وشجيرات العٌشر والطندب حيث تكثر الثعابين وغيرها من الهوام. وقد قتلت الطالب ''جعفر'' بلدغة خلال أحد تلك الاجتماعات. وقد كتب صاحب المجموعة (صلاح) عن ذلك قصة ''م ط'' ونشرتها الصحافة السودانية.''

واستضافت شيبون ضفة النيل الأزرق الغربية بعد قبوله بكلية الخرطوم الجامعية العام 1952 لأشهر معدودات. فقد ساقته فدائيته على عهد ''العشرات والطندب'' ليلقي خطبة في معارضة اتفاقية الحكم الذاتي العام 1953 ثم تفرغ للعمل الشيوعي كما فصلنا وسكن أم درمان. وارتحل إلى حين من النيل الأزرق العاتي إلى بحر أبيض '' اللا موج ولا غرق'' الذي قطعه أول مرة في طريقه من كردفان الغرا إلى مدرسة حنتوب. وعساه شهد معجباً،ككل كردفاني، صنع الله في الماء. وجدد مدده بضفة النيل الأبيض حين نقله الحزب إلى كوستي في منتصف الخمسينات ليعمل بحلقة الكادر المتفرغ بها. ثم استعفى من التفرغ الحزبي في آخر الخمسينات وعاد إلى ضفاف الأزرق العاتي. جاء إلى ضفته الغربية بمدني في 1958 وهاجر منها مضطراً ونعى رحيله في كلمته ''ملاحقات يعوزها المبرر'' التي كتبها قبل شهر من انتحاره ولم تنشرها جريدة (الرأي العام) إلا بعد رحيله. وفيها خلع شيبون عهد ''العشرات والطندب'' الحنتوبي الشيوعي بغير مواربة. وانتهى بعد محنة مدني إلى سجن كوبر لا كما رتب الأمر ولكن بغتة كما جاء في رسالته. وكوبر ضفة غربية للأزرق ولكنها موحشة. ثم حَصل على وظيفة معلم برفاعة في نحو 1960-1961 وهى رجعة للنيل الأزرق على ضفة حنتوب حيث بدأ هذه الرحلة القصيرة الفاجعة من عهد العشرات والطندب والشعر. لم تزد عن إثني عشر عاماً حمله النهر فيها إلى النهر والضفة إلى الضفة والعقيدة إلى نسخها والميلاد عند المياه القليلة، الفولة إلى الانتحار عند المياه الكثيرة، البحر.

لم يحرك هذا النهر القادم من حنتوب ومدني ساكن شيبون وهو يقطعه من رفاعة إلى الحصاحيصا لآخر مرة. كان النهر سمجا. كان مسطحاً مائياً ود لو يسرع به البنطون إلى غايته في ذلك اليوم. لقد أزفت ساعة التلويح بالوداع ولم يبق سوى أن يفتح باب الرحيل بلا عودة.

وظف شيبون خبرته ككادر شيوعي في الإعداد الدقيق لهذا اليوم الخاتم. وكان ذاع بين الشيوعيين كتاب لم يره أحد اسمه ''كيف تعقد اجتماعاً ناجحاً''. وعقد شيبون ليومه ذاك سفراً مطلقاً ناجحاً. فقد ''أَمن'' المنزل الذي سيعقد فيه هذا الطقس الأخير الموحش. وأختار منزل صديقه احمد على جابر المعلم بالحصاحيصا وهو يعلم بخلوه لأن أحمد يقضي عطلة الجمعة بالعاصمة. وسبق هذا الطقس تحضير لا بد أن يسبق كل اجتماع ناجح. فقد رتب بياناً بالواقعة المحدقة به وحشره في مظروف وأخذه إلى الشاويش النبطشي بمركز الحصاحيصا ليسلمه إلى جنابو فاروق هلال ضابط شرطة (وأمن) المدينة. وكان شيبون يغشاه ويتآنس معه كلما جاء إلى الحصاحيصا. وهي أوراق قال فاروق إنها شملت خطاب وزارة الاستعلامات والعمل بنظام عبود الذي عرض فيه على شيبون وظيفة بها ومذكرة من شيبون يرفض العرض جملة وتفصيلا. وبالمظروف قصيدة غنائية جعل لها عنواناً اسم الصبية التي أحبها برفاعة ورغب أن تكون الركن الأخير في استقراره كأفندي كسائر الأفندية. وطلب من فاروق أن يحملها للفنان عثمان حسين ليلحنها ويغنيها.

وقد نتصور انشغال شيبون طوال الطريق من المركز إلى مسرح مصرعه بشاغل إن كان قد قال كل ما يريده عند هذه العتبة الخطرة الخاتمة. لربما تساءل هل بلغت ما انطويت عليه أم هل من مزيد؟ لهذه اللحظة الخاتمة عند بوابة الموت الطوعي إمكانات كما لها محدودية لا تخفى. فهى لحظة آخر ما قال المرحوم. ولما يكتبه المرحوم من عبارات فيها قوة ومضاء. فهى العبارات التي يتحلق حولها الناس يقدحون زناد التحليل وتقصى السبب ووضع اللوم أو الجرم موضعه. لهذه اللحظة سلطان. وبدا لشيبون بعد أن سلم المظروف بالمركز أنه لم يستنفد ذلك السلطان. ولهذا يقال إن فكرة الانتحار مفهوم في طلب القوة أو في استعادتها لا مفهوماً في خور النفس وهوانها عند الإنسان . إنها المقاومة بصورة أخرى. وأراد شيبون في لحظة ''السلطنة'' هذه ان يبرئ أناساً ويذنب أناساً لتكتمل الدائرة. وتناول ورقة من كراس أعلن عليها أن لا دخل لصديقه أحمد جابر في انتحاره. وعلقها قريباً منه على ماسورة الحمام الذي شنق فيه نفسه. ثم عاد لفكرة ربما تجافها نبلاً منه وهي أن يخص بالذكر و بالاسم من آذوه بشكل مباشر وحملوه على الانتحار. وربما كانت القائمة بالرجال الثلاثة الذين تعقبوه وحقروه التي تركها من ورائه هي آخر ما كتبه شيبون وهو الذي ظل ينثر كنانة أوجاعه منذ ليلة الأمس. ربما لم يرد أن يكتب تلك الأسماء أول مرة لأنه لا يريد أن يميزهم بشيء. لا يريد لهم أن يمروا تحت قوس النصر فوق جسده الذبيح. ولربما قال في نفسه: ''تافهين ساكت، سيبك منهم''. ولكنه عاد أخيراً ليطوقهم بجريرة انتحاره من منصة الموت. ربما قال لنفسه: ''لابد أن يعلم الناس بأن التفاهة طاقة وفي ممارستها اخضاع للآخر وسخر منه ولا يصح ان يفلت الممارس من اللعنة. سب فوقكم.'' وسارع إلى علب سجائر فارغة مما يكون مبثوثاً في ميز للعزابة. وأخذ من أجوافها أوراقها البيضاء الناعمة. ووقع بالسلطة المخولة له كمنتحر قائمة بأسماء من قتلوه بالغيبة والافتراء. وهم الثلاثة المعروفون بالاسم. وستحقق معهم شرطة الحصاحيصا بلا طائل. والكتابة على مثل تلك الأوراق مما كنا ندون عليه محضر اجتماعاتنا الشيوعية لأنها مما يسٌهل لوكه تدميراً للدليل متى طرأ طارئ الأمن والمداهمة.

تأخر شيبون في العودة إلى البيت. قال ''ماشي وجاي''. وبدأت أمه فيما يبدو تفكك شفرة قوله لها صباح اليوم: ''ما تصدقو أي كلام يتقال عني أو ينشر. لو نشروليا صورة ما تصدقوها. ولدك عاش راجل ومات راجل. وابقو عشرة على أختي.'' ولو استدبرت الأم من أمرها ظهيرة ذلك اليوم، الذي عثرت على شيبون مشنوقاً من مرق حمام بمنزل السيد احمد جابر بمدينة الحصاحيصا، لأمسكت به ''بأربعاتها'' بيدها البقارية الشديدة وحالت دونه وأن يقطع النيل الأزرق بظلفه لحتفه يرد على حالة العيب التي انتابته بحلاة الروح مسترجعاً قبساً من عهد ''العشر والطندب'' الحنتوبي.

وهذا الأزرق العاتي
المقال ل د/عبدالله علي إبراهيم ..
المصدر http://www.sudaneseonline.com/cgi-bi...64842455&rn=53



التعديل الأخير تم بواسطة طيبان ; 27-11-2008 الساعة 12:45 PM.
طيبان غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 26-11-2008, 11:54 PM   #[24]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي


محمد عبدالرحمن شيبون حنجرة الشعب
متي يغرد خارج سرب صلاح أحمد إبراهيم
أجدني متفقاً جداً مع رفيقنا محمد عبدالله القطي (الصحافة أول أبريل 2005) في دعوته أن يكف بعضنا عن هذا الحب القاسي للمرحوم صلاح أحمد إبراهيم. وأول مظاهر قساوة هذا الحب هو الأخذ بشهادة صلاح عن أستاذنا عبد الخالق محجوب كمسلمات لا يأتيها الباطل. وهذا سوء أدب في عرض خصومة "اصبح أفرادها في ذمة التاريخ." وخشي القطي أن لا يكون هذا الحب لصلاح لوجه الرجل بل نكاية بالحزب الشيوعي. ونبه بذكاء أنه بقدر ما كتب الناس عن صلاح فهم لم يتجاوزوا واقعته عن الحزب الشيوعي. وعلى أهمية هذه الواقعة في حياة صلاح فإنها لم تأت علي حصيلة عمره الحافل السديد القصير. والحق إنك لا تقرأ للمروجين لصلاح الشيوعي المتمرد كتابات عن عوالم الرجل الغناء. بل ليس بالمكتبات سيرة له حتى تناهشت مأثرته ضباع السياسة الحزبية الوخيمة. فهو في صباه منطقة شيوعية وفي شبابه وكهولته الباكرة منطقة لخصوم الشيوعيين وهو في خواتيم كهولته منطقة محررة للإسلاميين وبكوا وفاته بالدمع الثخين من لدن الأستاذ نزار ضو النعيم حتى السيد حسين خوجلي. وهذا فعل العميان بالفيل. وصلاح نهر بطران فائق الدلالات والرموز جري في غابنا وصحرائنا واكتفي كل منا منه بالشليه التي علي "قدر ظرفه."
أما الحب القاسي حقاً فهو حب مناصرى صلاح هؤلاء لصديقه المرحوم الشاعر محمد عبد الرحمن شيبون. فهم يحبونه بالعدوي من صلاح لا عن علم بالرجل وأدبه. التقي صلاح بشيبون في حنتوب الثانوية وكانا ضمن أول وحدة شيوعية بها عام 1950 وثالثهما عبد الوهاب سليمان. وقد وصف صلاح في ديوانه "نحن والردى" ملابسات اجتماعاتهم "وسط الحشائش المتعالية وشجيرات العشب والطندب حيث تكثر الثعابين وغيرها من الهوام وقد قتلت الطالب "جعفر" بلدغة خلال تلك الاجتماعات." وقد رثاه صلاح بقصيدة نشرت علي الصحف. وكان شيبون اكبر من صلاح بعامين وقد وثق بينهما هم الشعر وقراءة ديوان "إصرار" للمرحوم الشاعر المصري الشيوعي كمال عبد الحليم الذي تسلل إلي أفئدة ناشئة اليسار بقصيدة "عيد ميلادي." وقال فيها أنه إن لم يمد يده يلحق شعبه المرهق :
فأنا لست بإنسان له عيد ميلاد، أنا لم أولد
وقد ذكر صلاح أيام شيبون وحنتوب في قصيدته "حنتوب: شاعر وشعب" التي ألقاها في عيد حنتوب الفضي عام 1971 ونشرت له في "نحن والردى" (2000) الذي أهداه إلى شيبون. وقد التحق شيبون بكلية غردون الجامعية عام 1952 وهو دفعة واحدة مع الأستاذ محمد ابراهيم نقد كما حدثني يوماً وهو في غملته الثالثة التي خرج منها مؤخراً. وفصلتهما الكلية معاً إثر نشاط سياسي ما. فأدخلهما الحزب الشيوعى ضمن حلقة الكادر المتفرغ بالأمر الواقع. ثم اكتنفت حياة شيبون المتفرغة لوجه النشاط الشيوعي ملابسات قضت رفع ذلك الالتزام عنه كما سنتطرق إلى ذلك لاحقاً. ثم وقعت الواقعة وهي إنتحاره رحمه الله وأحسن إليه.
بصورة ما صارت سيرة شيبون ومأثرته وانتحاره حكراً لصلاح يروي عنه وتقبل روايته. فأول ما عرفنا شيبون نحن الجيل العاقب لهما في اليسار كان مما رواه صلاح عن شيبون. فقد جاء ذكر شيبون في بيت شعر لصلاح وهامش في قصيدته "أنانسي" من ديوان "غضبة الهبباي." وهي القصيدة التي هجا فيها أستاذنا عبد الخالق محجوب هجاء حامضاً. فقد شبهه بأنانسي العنكبوت الذي تدور حوله الحكايات الشعبية في غرب أفريقيا. ووصف صلاح أنانسي الأحاجي بأنه "واسع الحيلة كثير الدهاء والخبث." وأنانسي ربما شابه "أبو الحصين" في حكاياتنا الشعبية. وهي قصيدة لا تملك إلا أن تعجب بقوة عارضتها الشعرية والشعورية حتى لو كنت من المتيمين بعبد الخالق مثلي. وقد جاء ذكر شيبون في القصيدة في معرض ضحايا أستاذنا عبد الخالق الذي يغتال وبسمة بيريا علي شفتيه، علي حد قول صلاح. وبيريا هو من نسبت إليه فظائع ستالين لأنه كان علي رأس الكي جي بي الاستخباراتي السوفيتي. قال صلاح أنه يغني لأنانسي صاحب الجريمة الكاملة باسم الشعب:
لتقبيله (هل هي تقتيله؟) الشعب، للاغتيال وبسمة بيريا علي شفتيه، لمقتل شيبون
شيبون حنجرة الشعب، صوت بلادي الغني المثير


ثم أردف هذا البيت بهامش علي الصفحة اقتبس فيه من كلمة نشرها شيبون بجريدة الأيام بتاريخ 10- 4-1960. وجاء في المقتبس: "وحتى أصدقاء السلاح رفعوا سلاحهم في وجهي، وضربني من كنت اعلمه الرماية حتى اشتد منه الساعد، وأدار لي آخرون الأكتاف الباردة التي تبينت أنها لم تكن ساخنة في يوم من الأيام. لقد استعمل كل إنسان سلاحه ولن نعدم سلاحاً إذا كنا نحارب عواطف إنسان."
وسأعلق في كلمة قادمة علي كيف أضعنا فتي في وسامة شيبون وعذوبة حنجرته حين اختصرنا حياته الخصيبة إلي مجرد ذكري لصلاح وحاشية لشعره إستصحبهما في خصومته المعروفة للحزب الشيوعي. وشيبون مستحق أن يستقل بسيرة تفض عبق سحره وسره. وحتى نلتقي أترككم مع كلمة شيبون التي اخذ منها صلاح مقطعاً في هامشه فتأملها أيها القاريء حتى نعرض لها.
صندوق
التجربة
يكتبها شيبون
ما أمتع أن يدخل الإنسان في تجربة. فالحياة الرتيبة تحيل الإنسان إلي آلة، إلي ساعة أوتوماتيك لا تخطيء الوقت. وهذا حسن أو هكذا يقولون. ولكنني جئت إلي هذا العالم لكي أحارب طواحين الهواء!
بدأت التجربة سراً وهي ما زالت فكرة، ثم عملاً، وأخذت أرقب تطورها من بعيد، من خلف ستار كثيف من تقاليد هذا المجتمع الجامدة. ولكني لم أصبر. فقد أغراني النجاح المبكر بالظهور علي المسرح وليتني ما ظهرت. إنها تجربة صغيرة ولكنها (؟) بمقياس الإنسان وانفعالاته. لقد بدأ المجتمع يتدخل.
لم أهتم في البداية. ورفعت عالياً شعاري الخالد: " أيها الناس اتركوني لحالي." ولكن الناس رفعوا أعلي شعارهم الأخلد: "تدخلوا، أوقفوا هذا المجنون عند حده، هذا ضد الأمور السائدة، ضد ما وجدنا عليه آباءنا."
وتحرك الجمود. وبدأت التجربة الحقة. كل النماذج من البشر أدلوا بدلائهم. كل واحد من زاويته التي يحكم بها علي الأمور. لقد وجدوا أخيراً ما يملأ الفراغ القطبي في حياتهم القاحلة. حتى أصدقاء السلاح رفعوا سلاحهم في وجهي وضربني من كنت اعلمه الرماية حتى اشتد منه الساعد وأدار لي آخرون الأكتاف الباردة التي تبينت أنها لم تكن ساخنة في يوم من الأيام. لقد استغل كل إنسان سلاحه.
ولن نعدم سلاحاً إذا كنا نحارب عواطف إنسان. ومن بعيد جاء الأهل بدافع من حرصهم وأجبروني علي أمور روضت نفسي علي قبولها. وكما ينحسر ماء النهر في فصل الجفاف تلاشت حماستي وتدثرت بحكمة الجيوش المنهزمة وبدأت أتراجع بانتظام. وتفضل ضابط مباحث فأجهز علي البقية الباقية باسم القانون واجتزت آخر المراحل بعون رجلين فاضلين.
لقد عدت إلي القواعد بسلام، قواعد المجتمع الراكد الذي يرتعش من التجربة وعدت اشتغل أفندياً التزم وأتقيد بثمن بخس دراهم معدودات.
وفي اليوم التالي القي الجميع أسلحتهم وأخذوا يلوحون بالتحية للقب الأفندي. وكنت أحييهم وأنا أردد: " عاشت بلادنا، بلاد الأفندية."
ملحوظة: كتب الذي يساعدني في الأبحاث أن تاريخ هذا المقال هو 25-4-1960 فالرجاء مراعاة فروق الوقت.



[align=center]هنا رابط الموضوع[/align]


ليعذرني الجميع كون هذه المقالات غير مرتبة ترتيباً تأريخياً .. جمعتها من صحيفة الصحافة في فترات متفرقة ، ولا أدري تأريخ نشرها . وسأحاول أن أضيف البقية تباعاً .



التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 29-11-2008, 06:46 AM   #[25]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

اقتباس:
شيبون والأفندي المضاد: دحين أنا هسع فاضي في نائب المأمور

د. عبد الله علي إبرا هيم

سأل الرئيس نميري أستاذنا عبد الخالق محجوب (1927م -1971م) قبل إحالته للمحاكمة المعروفة بعد إخفاق انقلاب 19 يوليو: «لماذا تتقاضى 250 جنيهاً من الحزب وهو أكثر من راتب كبار موظفي الدولة؟ وماذا فعلت للشعب مقابل ذلك؟»
وأجاب أستاذنا قائلاً:
«قدمت الوعي للشعب السوداني بقدر ما استطعت»
ولم تكن هذه المرة الأولى التي اعتقد محقق ما أن سؤال أستاذنا عن طبيعة شغله ومصدر رزقه من الأمور المحرجة . فقد كتب أستاذنا في دفاعه أمام محكمة عسكرية لم تنعقد في 1960م عن سؤال لمحقق في لؤم سؤال نميري . كتب قال: «لقد القى عليَّ المحقق في هذه القضية سؤالاً ظنه فيما اعتقد ، وآمل أن أكون مصيباً ، محرجاً : كيف تعيش كل هذه المدة ولا عمل لك؟ وحق له أن يدهش قليلاً فقد تساءلت أنا نفسي بعد عودتي من الدراسة في القاهرة ماذا أعمل؟ ولم يطل بي التفكير فقررت دون تردد أن أكرس حياتي لما أعددت نفسي مجاهداً في سبيل استقلال الوطن ومن أجل الاشتراكية . أليست هذه قضية تستحق التفرغ وتكريس الجهد من اجلها؟ كم هو رائع ما قاله الكاتب السوفيتي نيكولاي استروفسكي في هذا الصدد: «إن اثمن ما يمتلك الإنسان حياته وهي تعطي له مرة واحدة لا عودة لها، فعليه أن يعيشها حتى لا يشعر بالندم والمرارة وهو مسجى علي فراش الموت ، بل عليه أن يعيشها حتى يقول: لقد قضيت حياتي في سبيل أنبل واعظم قضية ، قضية تحرير البشرية» واليوم، ورغم أنني ما زلت حياً، فإنني أقول عندما أرجع بالبصر عبر السنين إنني قضيت هذه الفترة من أجل قضية نبيلة هي قضية استقلال السودان وسيره في طريق الاشتراكية».
وكان قرار أستاذنا أن يفرغ وقته لأجل قضية الاستقلال والاشتراكية ، هو البذرة الأولى في تخديم مبتكر لمتعلمي البلد وغيرهم لم نألفه قبل . فلأول مرة يظهر بينا الأفندي المضاد بفضل قرار أستاذنا. وهي وظيفة (أو هي لا وظيفة بالأحرى) هزئت بغرض التعليم الحديث أصلاً . فقد كان هدف هذا التعليم أن يتوظف خريجوه في دواوين الدولة كأفندية. والأفندي ثمرة خطة وضعها اللورد كرومر مندوب بريطانيا السامي في مصر عام 1904م ، وفيها قال إننا يجب أن نعلم التلاميذ السودانيين ما يؤهلهم لخدمة الحكومة في الوظائف الكتابية الصغرى بمرتبات تقل عن مرتبات الكتبة الذين يؤتي بهم من الخارج . ولذا كان التعليم في كلية غردون يسمي بـ «التجهيزي» لأنه يعد خريجيها للعمل بخدمة السودان. وقاريء كتاب عبد الله الطيب «من حقيبة الذكريات» سيقف على مشاهد غاية في النفاذ والطرافة عن الخلق السوداني الآخر الذي تفرخه غردون في شكل «أفندية»، فقد سأله قريب له وهو ما يزال بالكلية: «ما رتبوك؟» أي هل وظفوك بعد؟ وأضاف القروي النجيض أن تعليمهم ليس «بعلم» وإنما هو أمر دنيا وأن الأفندية «ناس لحوسات ساكت» أي أنهم ممن يرتشون. فتأمل. ولشذوذهم سماهم المجذوب «الأفندية ولاد الحرام» في رسالة إلى المرحوم علي أبو سن ، وكان من طلبة غردون وغيرها من أدرك بؤس هذا التعليم المغرض الذي ليس هو «علماً» وتطلع دائماً إلى تعليم أحنى بالعقل وأحدق بآفاق المعرفة.
ووطن أستاذنا عبد الخالق، وهو ابن الاثنين وعشرين ربيعاً في 1949م، شغلة الأفندي المضاد ووصفها الوظيفي في البلد، وتنادي إلى نارها شباب في الريعان بفطرة سديدة. وحين تعتني ثقافتنا بسير الرجال والنساء حقاً، سنقف على سخاء وعزائم من هجروا سكة الأفندي المضمونة واختاروا «درب التحرير» كما جاء في أغنية الكابلي المشهورة عن بضة الجزائرية المجاهدة، فستنفتح علينا عندها صفحة مدسوسة عن مآثر صفوة أدمنت الشعب واختارت أن تعلمه وتتعلم منه علماً مباركاً ينفع. وانتشرت في الأرض برومانسية ثورية تخترع الشعب اختراعاً من مادة خام من غمار الناس وسوادهم من الأتباع والرعايا والمستضعفين، كما سبق لي القول وأنا أعرض لكتاب «تلك الأيام، الجزء الأول» للزميل كامل محجوب. وقد ذكر الزميل أحمد عثمان حمري (في ذكرياته التي نشرها في جريدة «الأيام» في 1987م و1988م والتي تستصرخ ناشراً ذا مروءة) كيف أن متفرغ الحزب في مدينة كريمة كان يمتطي حماره إلى قرى البركل ونوري والقرير لأداء شغل الأفندي المضاد. وكان يعينه في ربط شبكة الحزب بالمنطقة بحار شيوعي بالنقل النهري الذي تجري بواخره بين كريمة - كرمة السفري. وكان البحار يحمل الرسائل و«اللواء الأحمر» من فرع لآخر. وذكر حمري أنه نسخ وهو بكورتي خمس نسخ من كتاب لينين المسمى «فقراء الريف» وأرسلها مع البحار لكي يستفيد منها الرفاق بكريمة.
وأضرب بالرفيق المرحوم أحمد شامي مثلاً لهذه الصفوة الرومانسية التي شغفت بالشعب. فقد التحق المرحوم بالحزب في عام 1948م وهو بوادي سيدنا الثانوية ، ثم اشتغل بالمصلحة الطبية ثم بمصلحة الإحصاء عام 1952م حتى 1953م، حين طلب منه الحزب أن يهجر الأفندية إلى الأفندية المضادة. وافق المرحوم وقدم استقالته للباشكاتب المرحوم عوض أبو زيد، والد الرائد (م) مأمون، فرفضها. وقد ظن عوض أن شامي إنما رغب عن الوظيفة لأنه وجد فرصة بالشركات بشروطها المميزة مثل زميله سليمان علي الذي كانت استخدمته شركة شل. وقد تفرغ سليمان نفسه بالحزب لا حقاً لسنوات طويلة. ولكي يفرض عوض الأمر الواقع علي الشامي أنذره قائلاً لقد كتبنا لكل الشركات ألا توظفك. فقال له الشامي: «إن الشركة التي أنا ذاهب للعمل فيها ستتمسك بي أكثر كلما كتبت أنت تقارير ضدي». وهذا تعريف موجز دقيق للأفندي المضاد. ولم يداوم الشامي بدءا من يوم 1-4- 1953م واستدعوه لمجلس تأديب بواسطة خطاب حمله المراسلة له وهو في مقهاه المفضل. ولم يوقع على الخطاب وقال للمراسلة أنه لن يأتي للمجلس. فقد قرر أنه هو الذي سيعقد مجلس تأديب للنظام السياسي والاجتماعي كله.. ومن عروقه.
وذكر الشامي وهو يحكي عن تفرغه للحزب فصلاً طريفاً عن والده. فقد حث خال الشامي، الدكتور أبو شمة، والد الشامي المزارع بأن يسمح لابنه أن يمتحن للمدرسة الوسطي ببربر بعد إكماله المدرسة الأولية بتنقاسي بالشمالية. فقال الوالد: ويبقوا شنو بعد الوسطي؟ فقال الخال: لكي يعينوه نائب مأمور. فرد الوالد بأنفة: «أنا هسع فاضي في نائب المأمور» (الصحافة 23-11-1999م ). ولم «يفض» الشامي أيضاً كوالده... وأصبح المأمور المضاد كما عرفته والزميل عبد الحميد علي في مدينة عطبرة في ستينيات القرن الماضي الأولي ويقوم بخدمتهما عضو الحزب وعاشقه «جبهة كداب» رحمه الله.
ولم تكن وظيفة الأفندي المضاد وحدها هي السكة الخطرة الجديدة بل التزام الحزب أن يمولها من حر ماله ومال الشعب مضطراً إلى حياة كفاف اشتهرت عنه. ولهذا الكفاف وهجه النبيل. فقد كان مما فرضه الحزب على نفسه طوعاً. قد كان بوسع حزب شيوعي مرموق كالحزب الشيوعي السوداني أن يتكفف أحزاباً شقيقة في الحكم وهي في رغد من المال. ولكنه تمسك بالتمويل الوطني لهذه الوظيفة التي ابتكرها. فلم تظهر بعد هذه السنوات الطويلة من انكشاف أرشيف الاتحاد السوفيتي وحزبه الشيوعي فاتورة باستلام الشيوعيين السودانيين فرطاقة من رفاقهم الأثرياء. وغاية ما وجده الباحثون تزكية منهم للسوفيات أن يدعموا حزباً حليفاً كان في ضائقة من أمره. ومن الجهة الأخرى استثمر الحزب العون الرفاقي العيني مثل البعثات الدراسية والعلاجية. وليتهم تحفظوا في هذا الباب، فقد اتسخ الحزب بها كثيراً لأنها فتحت باباً للتحين والتربص والانتهاز. ولم تخدم البعثات الحزب كثيراً في توفير كادر ذرب يوسع مداركه النظرية بواقع السودان والماركسية، وإن تخرج بفضلها أفندية من مصدر تعليم جديد خدموا الوطن في مجالات مهنهم بقدر متفاوت من الكفاءة. وقد بلغ ضيق عبد الخالق بالبعثات حداً هدد أن يحولها لوزارة التربية يتنافس عليها المتنافسون لما رأى انصراف طلاب البعثة في ألمانيا الديمقراطية إلى غير التأهيل الأكاديمي. وقال لهم شعاركم منذ الحين أن نكمل دروسنا بكفاءة والعودة للوطن. و قال لي الدكتور ماجد بوب أنه حين حكي الواقعة لرفيق عراقي تحير الرفيق لأنه لا يمكن له العودة للعراق في ظل دولة صدام الساهرة على الشر متى ما أكمل دروسه. و علق العراقي قائلاً ملتزماً القافية: «أما نحن فشعارنا أن نتأهل ونعود لليمن». وكان اليمن الديمقراطي السعيد يفتح أبوابه للرفاق العراقيين.
وتغلب الحزب على فقره الاختياري باستنان «المقوي» وهو عبارته في فئة الاشتراك وجعله ثالث الشروط للعضوية ومن تأخر عنه ثلاث مرات متتالية سقطت عنه. وكان الواحد من الجيل الأول يدفع خمس دخله للمقوي. وحكى الزميل حمري عن اجتماع لفرع الحزب بالمرحوم الرفيق الجنيد علي عمر في منتصف الخمسينيات. وأدلى كل زميل بمرتبه الشهري لتحديد نصيب الحزب منه. وكان حمري ووكيل البوستة أعلى الحضور ماهية (حمري 36 جنيهاً ووكيل البوستة 40 جنيهاً). والتفت الجنيد، الأفندي الحزبي المضاد، إلى العمال في الاجتماع وقال: «ديل الخامين قروشكم».
راقب الحزب الوطن في نفسه وكسبه، فلم يقف كالحزب الوطني الاتحادي أمام المحكمة متهما، ليس بقبض أموال من مصر قبل انتخابات 1954م فحسب، بل ولسوء تصرفه فيها حتى اضطر الصاغ صلاح سالم لوقف المدد . كما لم يسمع عنه ذائعة تمويل من الخارج مثل حزب الأمة الذي طالبه الإمبراطور هيلا سيلاسي برد مال له عليه كما ذكر المرحوم عبد الرحمن مختار في «خريف الغضب» ناهيك عن فائحات التمويل البريطاني والفرنسي لأحزابنا الكبيرة في منعطفات مساومات سياسية حرجة كما جاء في الوثائق البريطانية التي توالى الكشف عنها. ويبدو من مناقشات الدستور الدائرة حالياً أن هناك من قنع من أن تمول الأحزاب نفسها بنفسها ويريد للدولة أن تنفق عليها. وهذا وجوه من وجوه انفصام هذه الأمساخ السياسية عن هذا الشعب السخي.
ولذا كان للحزب الشيوعي من العزة باستقلاله أن ناطح السوفيات مرتين دفاعاً عن تكتيكاته السياسية التي لم تلائم اجتهادات وخطوط رسمية للحزب والدولة السوفيتية. فلم يرخ الحزب جناح السلم لنظام الفريق عبود أو نميري كما أراد له الرفاق السوفيات. وخلص الحزب في مؤتمره الرابع في 1967م إلى أن المرجع في الموقف من النظم السياسية في السودان هو تحليل الحزب للوضع الطبقي والاجتماعي المحلي والعالمي مهتدياً بماركسية مجتهدة. وقد نبهني حديث شفيف أخير للزميل محمد علي جادين إلى قيمة قرار الشيوعيين ألا يمدوا يدهم لغير الشعب لتمويل أفنديتهم المضادة. فقد اشتكى جادين أن حزب البعث السوداني عديم الخبرة في استقطاب المال من عضويته والعاطفين عليه. وربما خلص إلى هذه النتيجة في محاولته المرموقة المثابرة للاستقلال بمنظمة السودان البعثية عن كل مركز عربي آخر. والواضح من قول جادين أن الجماعات القومية العربية والبعثية لم تتعفف عن مد اليد لرفاق لهم أحزابهم حاكمة.
وكان قرار الحزب الشيوعي أن يراقب الله والناس والوطن في رزقه قراراً اضطر الحزب إلى عيش شظف كريم. وقد تحمل الكادر المتفرغ هذا الفقر الاختياري بشجاعة. ووفق الدكتور خالد المبارك في رد تقاليد الزهادة الشيوعية المشهورة كما تمثلت له في الزميلين المرحومين يوسف عبد المجيد (كمرات) ومصطفى أحمد الشيخ إلى التدين السوداني الصوفي المستهجن للتراتبية الطبقية والمتعالي علي زخرف الحياة، فقد كانت شكوى يوسف من الرفاق الكبار الذين شرابهم ويسكي ولبوسهم موسكي ومدارس أبنائهم كيف وسياراتهم كيف. ولم يكن هذا في تقدير خالد حسداً بل هو مساواتية ترابية. وقد شقي من هذه المساواتية الترابية بالطبع الزميل الدكتور عز الدين علي عامر علي زهادته هو نفسه وإخلاصه منقطع النظير لقضية سواد الناس. وشقي منها بالنتيجة أستاذنا عبد الخالق أيضاً بحكم صداقته الراسخة لعز الدين.
وعلى خطر فكرة الأفندي المضاد لم يولها الحزب منذ اختراعها عناية تترقى بوصفها الوظيفي وشروط خدمتها، حتى لا تصبح الوظيفة الطاردة التي انتهت إلينا. وسنبدأ في النظر في تخلف التفكير في هذه الوظيفة بالنظر إلى أحد ضحاياها وهو المرحوم الشاعر الشيوعي محمد عبد الرحمن شيبون (1930م -1961م) الذي تفرغ للعمل الشيوعي في 1952م وانتحر ضيقاً بالحياة في 1961م . وسنبدأ بمحنته من بيت كائن بحي البوستة بأم درمان.
[align=center]هنا[/align]



التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 29-11-2008, 07:28 AM   #[26]
عبدالرحمن حمد
:: كــاتب جديـــد ::
 
افتراضي

..
ليس ابتعادا" عن طيوف شيبون .. ولكن حتى لاننسى .. ابوذكرى ..
كثيرا" ما يدهشنى لحد الافجاع ابو ذكرى بهذا الشعر العالى السحر والمرارة (معا")

وهاهو يقدم بيانا" ملخصا" لاحوال الدنيا :




يا سمائي

الدخان الدخان

صار سقفاً لنبضي ونبضك

حائطاً خامساً في المكان

جيفة في الرياح تفوح

السماوات والحب ليست هنا

والهواء المعطر ليس هنا

انظري !

كلما نمنح الأرض من قلبنا

تصبح الأرض منفى لنا

ولأشواقنا.....



التوقيع: يا الله ما يابس سوى حلقى المجرح بالدعا
عبدالرحمن حمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 29-11-2008, 07:36 AM   #[27]
عبدالرحمن حمد
:: كــاتب جديـــد ::
 
افتراضي

..
اختى منال .. امتنانى على المرور و التوضيح..
..
شليل07 .. انتظر بتلهف افادات صديقك محمد يحى حول ابوذكرى .. فالمادة المنشورة حوله شحيحة للغاية ..

..
الغرقان .. صديقى واستاذى و (سنيرى)..
فرحت بك أيما فرح..
انتظر اعترافك بجميل قصائدك ونشرك لها قبل ان تحاكم بتهمة اخفاء اثار قيمة واحتكارها..

..
المحسى ان شاءالله يوم شكرك مايجى ..
سعدت بايرادك لبعض مقالات د.عبدالله على ابراهيم وهو عندى أهل ثقة..
وقد انتبهت لنقطة( بعيدا" عن مسألة شيبون) وهى ذكره لكون الحزب الشيوعى تعامل بكفاف زاهد مع الاعانات الخارجية..
انتظر باقى المقالات حتى يتسع الموضوع وننعم بالنقاش..



التوقيع: يا الله ما يابس سوى حلقى المجرح بالدعا
عبدالرحمن حمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 29-11-2008, 07:47 AM   #[28]
عبدالرحمن حمد
:: كــاتب جديـــد ::
 
افتراضي

يا فارس القلم والميدان..دي ما الميتة الكنت دايرا ليك..

..بعض من افادات الضابط فاروق هلال ضابط مركز الحصاحيصا فى ذلك الوقت اوردها وجدى الكردى فى صحيفة الرأى العام ..

..
منتصف نهار الجمعة الثامن من ديسمبر 1961م والملازم اول فاروق هلال يتكئ في داره بحي الموظفين بالحصاحيصا، طرقت الباب سيدة في عينيها جحوظ ولوعة، سألت:
ـ إنت ظابط المركز؟
ـ أيوه.
السيدة قالت لهلال ان ولدها شيبون خرج من منزل الاسرة في رفاعة منذ الصباح الباكر «قال: ماشي الحصاحيصا وراجع.. لكن لغاية هسع ما ماجا».. ثم طفقت تحكي انها في رحلة بحثها عن شيبون، ذهبت لـ «مدرسة ناس نورين وتاوقت بالحيطة ما لقيت اي زول، دخلت جوة لقت شباشب شيبون جنب الحمام المقفول..قلبي أكلني عاينت بالقدة لقيت كرعينو مدلدلات».
الاستاذ فاروق هلال قال: ان والدة شيبون دلقت روايتها على عتبة بابه دون ان يهتز لها طرف..فإصطحبها بالكومر الى مركز البوليس. وعند وصوله أعطاه الشاويش المناوب مظروفاً بني اللون وقال:
ـ شيبون جاني الصباح وقال ادي الظرف لفاروق هلال.
لم يكن المقام ملائماً لأفض المظروف ساعتها..هكذا علق محدثي ثم واصل:
ـ سقت معاي نفرين من البوليس ومشيت مدرسة نورين.. دخلت بيت الناظر وعاينت بالقدة لقيت كرعين شيبون فعلاً معلقات..حاولت أعاين بشباك الحمام لقيتو مقفول القزاز..كسرت الشباك ودخلت عسكري رقيق شوية عشان يفتح لينا الباب من جوة.
ـ لقينا شيبون رابط عمتو في مرينة سقف الحمام والعمة مربوطة في رقبتو.
* وهل شاهدت والدته الجثة متدلية؟
ـ نعم.. وفي صبر عجيب كانت تقول:
يا فارس القلم والميدان..دي ما الميتة الكنت دايرا ليك.
* أين ذهبتم بجثته؟
ـ بعد ان فككنا حبل العمة عن رقبته ، سجيناه في الكومر وذهبنا به الى مستشفى ابو عشر ليتم تشريحه.
من هو الطبيب الذي شرح جثة شيبون؟
ـ هو الدكتور عثمان ابو عكر، خال الاستاذ احمد زين العابدين المحامي.
* ماذا كانت نتيجة التشريح؟
ـ التشريح أكد ان شيبون مات خنقاً وليس شنقاً.
* لكن يقال ان شيبون كان ثملاً؟
ـ ابداً.. دكتور ابو عكر قام بتشريح المعدة ونتيجة الفحص العيني والشم اكدت انه لم تكن هناك أية آثار لخمور او مخدرات وهذا ما كتبه الدكتور ابو عكر في تقريره.
سألت الاستاذ فاروق هلال، ماذا وجد في المظروف الذي تركه شيبون؟
ـ وجدت في المظروف اوراقاً كثيرة تقول في مضمونها انه لم يخن وطنه أو مبادئه وإن زملاءه الشيوعيين في رفاعة يمارسون عليه العزل رغماً عن ذلك.
* هل حدد شيبون اسماءهم؟
ـ ذكر اثنين منهم، أحدهما كان وكيل بوستة والثاني معلماً في نفس المدرسة التي كان يدرس فيها المشنوق اعلاه.
شيبون كتب بالنص:
«ديل كانوا بيسنسروا جواباتي البتجي بالبوستة وتاني يوم بيغمزوا لي بمحتوياتا» وحدد خطاباً جاءه من طرف والده مرفق معه خطاب تعيينه في وزارة الاستعلامات، يطلب منه والده أن:« يخلي الشغلانة دي ويجي يسكن في الخرطوم».
الثنائي الذي كان يفتح الجوابات، يطعن في شيبون بإعتباره باع القضية، فباع شيبون روحه ليشتري منهم الصمت وقد كان..!
* كمتحري في القضية، هل استدعيت المذكورين؟
ـ نعم وحققت معهما لكن الامر تسرب الى صحف الخرطوم التي شككت في حدوث واقعة الانتحار بالكيفية التي ذكرتها لك، وبعض منظري حكومة عبود ارادوا الاصطياد في بركة شيبون لضرب الحزب الشيوعي ودفع الحكومة لتشويه قيادات الحزب وتضييق الخناق عليه.
* الى اين سارت القضية بعدها؟
ـ جاءتني اوامر من قيادة الشرطة لنقل اوراق القضية الى الخرطوم لتبت في امرها.
* وكيف كان القرار؟
ـ رأي ساسة النظام وعلى رأسهم طلعت فريد حفظ القضية، واظن ان تعليمات قد صدرت بعدم تناول الصحف لواقعة الانتحار.
..
نواصل



التوقيع: يا الله ما يابس سوى حلقى المجرح بالدعا
عبدالرحمن حمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 20-12-2008, 09:18 PM   #[29]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

اقتباس:
شيبـــــون
د.عبد الله علي إبراهيم
(2)
شيبون: الأفندي المضاد
إلي روح الزميل الخاتم عدلان. كان أفندياً مضاداً من الطبقة الأولي. قال لي علي التلفون والعمر إلي نفاد: "لقد تبقى الكثير مما لم ينجز يا عبد الله." وصدق. ما زلت أذكرك يوماً في سجن شالا وقد طربت لعبارة "هديل الحمام" وكررتها مراراً. ربما هذا ما تبقى.
يكتنف المرحوم صلاح أحمد إبراهيم حب مما يسمي بالحب القاسي. وهو حب تركز في واقعة خصومته للشيوعيين دون مناهل حياته العذاب الجمة. وبدا هذا الحب يشمل بالعدوى صديقه المرحوم محمد عبد الرحمن شيبون الكاتب الشيوعي الذي مات منتحراً في الستينات الأولى. ومصدر هذه العدوى إن القلائل من الجيل الحدث الذين عرفوا عن شيبون عرفوه عن طريق صلاح في خضم خصومة عاصفة وممتدة مع الشيوعيين. فقد ذكر صلاح المرحوم شيبون في مقطع شعري لقصيدة "أنانسى" من ديوان "غضبة الهبباي" وارتدفه بهامش له عن الرجل. والقصيدة هجاء مر لأستاذنا عبد الخالق محجوب واتهام صريح له بتقتيل الشعب ببسمة معروفة عن قتلة الشعب. وفي سياق هذه الجريمة الكاملة قال صلاح أن أستاذنا حمل شيبون، حنجرة الشعب كما وصفه، على الانتحار. وجاء صلاح بهامش اقتبسه من كلمة كان نشرها شيبون عام 1960 قبيل انتحاره. وصارت الكلمة دليل صلاح الوثيق علي قتل الشيوعيين للرجل. ففي مقتطف صلاح نجد شيبون تحسر على أصدقاء السلاح الذين "رفعوا سلاحهم في وجهي وضربني من كنت أعلمه الرماية حتى اشتد منه الساعد وأدار لي آخرون الأكتاف الباردة التي تبينت أنها لم تكن ساخنة في يوم من الأيام."
لم يكتب صلاح ترجمة وافية لشيبون. و لما كان ما قاله عنه هو كل ما نعرفه عن الرجل صح أن نقول أنه ترجمة لشيبون. ومن جهة نظرية فكلمة صلاح عن شيبون هي من صنف تراجم تتعلق بقوة ب "آخر ما قال المرحوم." ونبه كاتب أن الولع بهذه الكلمات الاخيرة للمرحوم قد يسوقنا إلي اصطناع الأساطير والتحريف. فبمثلها يثقل كاتب السيرة علي حياة صاحب الترجمة إثقالاً يجعلها الأدنى بينما يصبح موت صاحب السيرة هو الأعلى. ويبلغ إهمال حياة صاحب السيرة ذروته إذا مات المرحوم انتحاراً. فلحظة الموت الفاجع هذه هي وحدها التي تبرق أمام عين كاتب الترجمة فتعشيه عن مغزى حياة المترجم له الكلية. وبهذا التركيز المجازف علي لحظة الموت يصبح المترجم مثل صلاح بطلاً للترجمة بدلاً عن صاحبها الأصلي. ويصح بذلك قول القائل إن المترجم له يموت دائماً بما اتفق لكاتب الترجمة. فكاتب الترجمة يشحن كل إشارة أو كلمة أو فعل أخير وقع من أو للمرحوم بدلالاتٍ ومغازٍ اتفقت لذلك الكاتب اتفاقاً. وقال مؤلف لسيرة الكاتبة الإنجليزية فرجينيا وولف أنه قرر أن لا يجعل من انتحارها مناسبة للترويج لسداد أي فكرة أو نظرية ما. فما يقتضيه واجب الترجمة الحق أن نكتب كل معلومة عن المترجم له وكل تفسير لحياته بقدر ما وسعنا من الدقة والشمول. و أضاف أنه مع ذلك لم يرد في ترجمته لولوف أن يصف انتحارها وصفاً يترك الانطباع بخلو ذلك الموت الصعب من دافع غامض أو غريب. وكان غاية قصده أن يصف ما وسعه كيف أنهت حياتها من غير إدعاء منه بأنه أو غيره يجرأ علي القول لماذا أقدمت علي الانتحار.
يبدو من القليل المتناثر من سيرة شيبون أنه عاش حياته القصيرة بمسئولية وشغف وتطلع شيوعي أغر. فهو من أبناء حاضرة أو ديم أبو زبد من كردفان وعملت أسرته، التي تنتسب إلى جوابرة بارا والأبيض، بالتجارة. وهو كاتب وشاعر وكان فاز بجائزة القصة في مسابقة جريدة "الصراحة" لعددها الأدبي الخاص الذي شهد جدل الدكتور النويهي والمرحوم محمد محمد علي وأشرقت علي صفحاته أقلام الجيل اليساري: صلاح أحمد إبراهيم وعلي المك وأبو بكر خالد والطيب زروق ومحجوب عبد المالك ومبارك حسن خليفة وآخرين. وقال الأستاذ جعفر محمد حامد (رجال وتاريخ، 1998) أن شيبون ممن تأثر بالحركة التقدمية المصرية مثل كمال حليم وعبد الرحمن الشرقاوي وإبراهيم عبد الحليم وفتحي الرملي. وقال الدكتور فاروق محمد إبراهيم أن شيبون وصلاح برزا في الجيل اليساري شاعرين في مقام شوقي وحافظ. وأضاف أنه كان يكتب في جريدة "المؤتمر" ، الناطقة باسم مؤتمر الخريجين، كتابة سلسة وناضجة بإمضاء م م ش. وقال أنهم عرفوا فيما بعد حين دخلوا الجامعة أن صاحب التوقيع هو "شيبون".
جاء شيبون إلي حنتوب في دفعة الأستاذ محمد إبراهيم نقد عام 1948. وصار عضواً بالحزب الشيوعي عام 1950م وهو في الثامن عشر ربيعاً في أول خلية شيوعية ضمته والمرحوم صلاح احمد إبراهيم. ومعرفتنا عن فترته القصيرة بكلية الخرطوم الجامعية أميز بفضل ما كتبه الدكتور فاروق محمد إبراهيم (الشيوعي 155-سبتمبر 1988) في باب "صفحات من تاريخ الحزب." جاء شيبون إلي الكلية في 1952م وفصل في نفس العام لعضويته في لجنة اتحاد الطلبة التي نظمت إضراب ومظاهرة 17 نوفمبر 1952. وكان الإضراب احتجاجاً ضد تطورات سياسية بعينها أعقبت الثورة المصرية في يوليو 1952. فلما أطاحت الثورة بالملك فاروق فتحت الباب لمفاوضات مع الإنجليز انتهت بإتفاقية الحكم الذاتي في 1953م . وهي تطورات تشككت فيها جمهرة من السودانيين وعلي رأسهم الشيوعيين لظنهم أنها ستؤدي إلي استقلال شكلي لا روح له. وتمسكت هذه الجمهرة بعقيدة الكفاح المسلح لضمان مجيء الاستقلال بلا شق أو طق. ولذا نظموا احتجاج الكلية لشجب المفاوضات الجارية. ولم يكن الشيوعيين شذاذاً في هذا، فقد وقفت معهم كل الاتجاهات السياسية الأخرى في إضراب نوفمبر 1952. ولكن طامة الشيوعيين المعروفة مع اتفاقية 1953م أنهم ظلوا علي موقف معارضة المفاوضات حتى بعد أن أينعت وحان قطافها بينما قبل الآخرون بالثمرة. وعاني الشيوعيون العزلة من هذا التطرف. وقال فاروق أنه لم يقف معهم سوي 35 طالباً حين عرضت الاتفاقية للتصويت لجمعية الاتحاد العمومية. وكان هذا العدد أقل من عضوية الحزب بالكلية نفسها. وقد راجع الشيوعيون موقفهم المعزول هذا في دورة اللجنة المركزية في مارس 1953م .
وربما لم يطل الفصل شيبون، عضو اللجنة التنفيذية للاتحاد، مثل ما طال نقد، السكرتير التنظيمي لرابطة الطلاب الشيوعيين، الذي قاد المظاهرة، لولا أنه القي خطاباً باسم الاتحاد لم يكن مؤهلاً له كمجرد عضو باللجنة التنفيذية. وحكي فاروق محمد إبراهيم ملابسات الأمر. فقد كان مفروضاً أن يلقي الكلمة جعفر الحسن رئيس الاتحاد. ولأنه طالب نهائي، تقرر أن لا يلقيه ووقع الدور علي نائب رئيس الاتحاد الذي هو فاروق نفسه. فكتب الخطاب وأعد نفسه ليلقيه ولكن لسبب أو آخر، لم يرد عند فاروق، تقرر أن يلقي شيبون الخطاب بينما لم يكن سوى عضو باللجنة التنفيذية للاتحاد. وفصل أيضاً السيد الأمين حاج أبو سكرتير الاتحاد.
ودخل المفصولون الثلاثة، شيبون وأبو ونقد، حلقة المتفرغين لعمل الحزب بعد حادثة الفصل هذه. والتفرغ للسياسة وظيفة مبتكرة لم تطرأ علي بال من وضع فلسفة التعليم والتوظيف في السودان يوم سمى كلية غردون ب "التجهيزي" أي أنها التي تعد الطلاب لخدمة الحكومة لا لمكافحتها. وعليه كان المتفرغ للسياسة هو "الأفندي المضاد" في عبارة للدكتور حسن الترابي. وقد أمسك شيبون نفسه بعصب المسألة في كلمة له نشرناها في حديثنا السابق. فقد قال انه عاني الأمرين في خياره أن يكون أفندياً مضاداً ممن جهزوه لأن يكون أفندياً ومن أصدقاء السلاح الذين أراد أن يتفرغ تفانياً لعقائدهم الجديدة. ووصف كيف تنفس الجميع الصعداء حين اشتغل أفندياً مثل غيره من الناس بثمن بخس دراهم معدودات. وقال: "وفي اليوم التالي ألقى الجميع أسلحتهم وأخذوا يلوحون بالتحية للقب الأفندي. وكنت أحييهم وأنا أردد: " عاشت بلادنا، بلاد الأفندية".
وسنقلب في حديثنا القادم حياة هذا الأفندي المضاد القصيرة وما أثارته من مسائل لحق منها بأستاذنا عبد الخالق محجوب والحزب الشيوعي رشاش كثير.

نقلاً عن جريدة الصحافة السودانية .
تعذر إيجاد الرابط .

ودي وخالص التقدير
المحسي



التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 08:49 PM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.