الـــــسر الغميــــــــس !!! النور يوسف محمد

حكــاوى الغيـــاب الطويـــــل !!! طارق صديق كانديــك

من الســودان وما بين سودانيــات سودانييــن !!! elmhasi

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > نــــــوافــــــــــــــذ

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-02-2013, 06:04 AM   #[1]
مشرف منتدى نوافذ
Guest
 
افتراضي نصوص مسابقة القصة القصيرة 4 فبراير - 31 مارس 2013

تحية طيبة وبعد ،
هذا البوست فقط لتلقي الأعمال القصصية ، أي مشاركة خارج هذا السياق سأقوم بتحويلها إلى بوست المسابقة.
سيكون هذا البوست مفتوحاً منذ اليوم 4 فبراير إلى 31 مارس
يرجى التكرم بقراءة شروط المسابقة

1- يتقدم المتسابق بعمل واحد فقط، على ألا يكون قد سبق وتم نشره في أي مكان
2- أن لا يقل العمل عن 800 كلمة ولايزيد عن 2500 كلمة .
3- لا ترد الأعمال المشاركة إلى أصحابها.
4- يسجل المتسابق بياناته على النحو التالى:
أ‌- اسم المتسابق الثلاثى ب ـ العنوان كاملا ، خاصة - رقم الهاتف البريد الإلكترونى.
5- على أن تكون المسابقة مفتوحة لجميع المبدعين بالداخل والخارج دون التقيد بالسن أو النوع/ الجنس.
6- تنشر الاعمال الاعمال المميزه – والفائزة في مجلة سودانيات .

الإخلال بأي بند من البنود أعلاه سيحرم صاحبه من فرصة المنافسة.

وبالتوفيق.



 
قديم 07-02-2013, 06:42 PM   #[2]
imported_مها عبدالمنعم
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي ااااااااخ .. لو صححت الكراسات بعد جمعتهن!!!!

آاااااااخ .. لو صحَّحتَ الكراسات بعد جَمَعْتَهِنْ!!!!


استوقفتني الورقة مطوية بين أوراق دفتر الطالبة التي أقوم بتدريسها مادة التاريخ. فضولٌ قادني أو استوقفني لاقرأ ما بها. هل قصدتْ أنْ توصلها لي أم أنه السهو؟

أرسلت إحدي الطالبات إليها: عفراء اذهبي إلى الصفِّ الأول، تجدين طالبةً اسمها عيشه أحمد ناديها.

وقفتْ البنتُ ولم تنطقْ؛ لأنتهرها ما بك؟
- لا لا بَسْ يا أستاذه، عيشه دي ماتت أمس.

سمعتُ ما قالتْ إلا إنني طلبتُ منها أن تعيدَ لأسمع مرةً أخرى.

- نعم ماتت لقوها غرقانة في الترعة الوراء بيتُهم.
- وشنو السبب ؟
ماعارف بس قالو انتحرت.
- ليه؟
- ما بعرف والله بس انتحرت.

عدت لمكتبي وأنا أتأفف. لو أننى قمتُ بتصحيح هذه الكراسات قبل أسبوع، لربما عرفت بمعاناتها و من الذي تتحدث عنه؟ من قصدت؟ أم أنها مجرد زفرات مراهقة.

حملتُ فضولي لمكتب المديرة وسألتُ - وأنا أحرص أنْ لا تدخل إلى قلبي لتعرف سِرَّ سؤالي - إنْ كانت تريد الذهاب لبيت البكاء؛ إلا أنها أجابت بكلِّ هدوءٍ:

- آآي والله مشيت بس بكيت، بتعرفيهم ؟
- لا لا بس مُش بِتَّنا المفروض أمشي أعزي أمها والله ..
- مشينا أمس إنتي كنتي ما شغالة، والله الحريم ديل بعملنْ في عمل لا حولا الحياة تمسخ عليك. البت صغيرة أبوها مات يوم ولدوها. أمها دخلتها المدرسة صغيرونة والشافعة شاطره بَسْ سكوووته، مرات لامِنْ أنا أنهرها حتى تنضم. والله وجعتني جنس وجع. امتحان الفتره كانت الأولى وكاتبه أحسن تعبير في العربي، بَسْ تقولي شنو الله يرحمها.

وذهبنا بنهاية اليوم الدراسي. أول دخولي رأيت الأم صغيرةً جداً لا يبدو عليها إلا الحزن الكبير. كيف لأمٍّ أن تحتمل مصيبة فقد ابنتها الوحيدة لأبٍ متوفِ يوم مولدها؟

جلستُ إليها لأسال بحياءٍ مصطنعٍ ماذا بها؟ ألم تلاحظين عليها شيئاً غريباً ؟

- لا فقد كانت تصمت ولا تتحدث إلا إذا طلب منها الغريب. غرقت ليه ما بعرف. فحصوا جنازتها ما لِقوا عليها شىء. يا رب ماعرفتَ حافظتَ عليها ؟ شنو خلاها تقع في الترعه؟ يمكن زول دفرها، يمكن اتزلقت، بس شنو الودَّاها؟

عرفتُ أنها مُجنى عليها إلا أنَّي صمتُّ على أمل أنْ أتعرَّفَ إلى مَنْ كانت تخاطبه بكلماتها.

بعد مجهود قليل تعرَّفتُ إلى صديقتها التي بلا وعيٍ منها لهدف مصادقتي لها، أخبرتني عن عيشه.

- كانت تحب واحد من ولاد جيرانن بس كان بسكر، قام يوم قال ليها أرَحْ معاي بيتنا فاضي، قامتْ زعلتْ وقالت لي عاوزه أنتحر أنا خنت أمي وأبوي في قبره.
- مشت معاه هي؟
- لا لا أبَتْ بَسْ حكت لي الكلام دا الصباح ، العصر سمعت قالو ماتت.

اندهشت، البتْ مراهقه دا شنو التفكير الوداها الترعه انتحرت دا!!

وأنا أرتشفُ شاي البكاء تمرُّ كلماتُها في مخيلتي وكأنها سوط!!

" ليتني مِتُّ قبل أنْ أعرفك "




مها عبدالمنعم عوض
ملحوظة: الهاتف والعنوان في الخاص.



imported_مها عبدالمنعم غير متصل  
قديم 12-02-2013, 01:23 PM   #[3]
imported_أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_أبو جعفر
 
افتراضي مدن فاصلة

الاسم: فلان .. اسم الأب: علان .. السكن دار من الدور .. صفوف طويلة من البشر تعج بهم إدارته .. وتمور دواخلهم بمختلف الأفكار والصور الحياتية، ولكنهم بالنسبة إليه اسم وعنوان بلا أي ملامح تواصل .. ليت تلك المسنوحة التي سلبت عقله منذ ما يزيد على خمسة عشر عاماً، وتمخضت عن أبناء وبنات بضجة كونية تتحول كما هؤلاء إلى اسم وعنوان فيفتك منها ما دام بعيداً عنها.. ولكن هيهات وهي متلبسة بأفكاره كما الماء والهواء ..

هو لا ينكر لحظات سعادة عديدة أمدته بها .. ولكنه لا ينسى ذلك السجن الذي حبسته بين جدرانه .. هو سجن المودة والأولاد الذي تقوم بكل شيء داخله .. وهو شيء يريحه .. ولكنه ذو نزعة تواقة إلى التحرر والعودة لقريته المجاورة للنيل بلا خضرة .. صحراء تحتضن ماء عذب في لوحة قل أن يجود الزمان بمثلها .. حيث ينطلق النظر حراً بلا عوائق أو حدود .. ولكنها أرض غير مثمرة مما جعل الهجرة للعمل هي طابع أهل قريته ... فهم قد امتدوا جنوباً حتى ملكال، ولكن شمالاً حبستهم العاصمة كرش الفيل.

حسن ود الصعيد وصل ملكال صبياً بلا مال .. واليوم هو سر التجار في كوستي بعد أن اغتنى من تجارته السابقة في ملكال، وهو كثيراً ما يحكي بأن حكاوي شراء الديك وبيع ريشه بضعف الثمن، هي محض مفارقة يمضي بها الجلابة أوقاتهم في الشمال .. تماماً كمن يحكي عن الأسود والفيلة التي تتمشى في شوارع العاصمة لمن لا يعرف السودان .. ثم يمضي ود الصعيد في الحديث ذاكراً بأن التجار الشماليين اغتنوا بسبب تلك العدوى من المستعمر في التكالب على متاع الدنيا .. وإن الجنوبيين لم تصيبهم تلك العدوى بعد .. وإن كانوا في الطريق إلى ذلك.

والده هاجر للضفة الغربية ليطور مهنة آباءه، فأتجه إلى الزراعة المروية ونجح إلى درجة ركوبه وتشرشل نفس ماركة السيارة .. وأشترى منزلاً بالحجر والطوب الأحمر في العاصمة حيث يسكن الزعيم الذي طالما أعجب بخطبه المتقدمة على الزمن .. وكان يقول أنا قلب مثلث رأسه مشتعل .. وكان يقصد بزوايا المثلث الأزهري والإمام الهادي، وبالرأس المشتعل عبد الخالق محجوب.. وصدق حدسه فقد قتل عبد الخالق الأزهري والإمام الهادي ودمر القلب الزراعي .. ثم أنتحر بعدها وهو يقول الإنقلاب يحمل داخله أنقلاب .. طيب، لم قلبتها وأنت تعلم بأنها ستنقلب عليك!.. عالم محن.

يحسده الآخرون لأن والده ترك له منزلاً في المدينة .. وهو صاحب منصب حكومي - رغم بساطته - يعيش وأسرته من ريعه .. ولكنهم لا يدرون مدى الشعور بالوحدة الذي يكتنفه في ذلك المنزل، فكل شيء حوله فاقد للتناغم والمنطق، والدوامة قد لفت كل الأشياء وغلفتها بقيود مادية صارمة ... أجساد تسير في الحياة بلا منطق أو فكر أو بعد روحي يخفف عنها ... حالة من الاستلاب هو فيها كما قال شاعر العُرب تميم:

أظننت حقاً أن عينك سوف تخطئهم، وتبصر غيرهم
ها هم أمامك، مَتْنُ نص أنتَ حاشيةٌ عليه وهامش

هي الغزالة في المدى، حكم الزمان ببيْنِها
ما زلت تركض إثرها مذ ودعتك بعينها
رفقاً بنفسك ساعة إني أراك وهنت


إني أراك وهنت، فدوام الحال من المحال ... وأنى له بتلك الأيام العطرة حين كان حراً من قيود الزمان والمكان، وتلك الرحلات الصباحية لشاطئ أبو روف وخضرته الوريفة .. حين كان الزمان زمان والشاطئ يعج بصناعة المراكب، ولم يتحول بعد إلى بيع مستلزمات ليل النساء .. ليل ذلك المخلوق الذي أحتكر كل الشعر والنثر والجغرافيا في حياتنا ... نعشقه وندنيه ونحميه .. ويحمينا إن جارت على أفراحنا الأزمان.

صباح اليوم لفتت نظره ابنته وهي تطلب من أمها تغيير حقيبتها المدرسية .. وفكر في حيرة.. ما الذنب الذي ارتكبته الحقيبة حتى يتم تغيرها .. هذه البنت مشروع حبس وتدمير لإنسانية أحدهم .. آه لو يدرون قيمة الحرية .. وقيمة الانطلاق تجاه أسهم الجغرافيا .. ولكن من أين له بقطار أينشتين وسرعته الضوئية حتى يحلق في الزمان بلا عداد يسارع به نحو النهاية ..

لولا النساء من حوله – زوجته وبناته - لما علم غرابة كيف تفكر المرأة .. إذ هي مشروع دراسة يستحق سبر أعماقه .. فتلك كانت تسليته منذ أول كلمة سمعها منها، ومن حينها بدأ في تفكير جدي كيف يحمل هذا المخلوق نفس اسم النوع .. هي بشر وهو بشر .. هي إنسان وهو إنسان .. هذا لا يجوز فهي مشروع تدمير للبشري والإنسان داخلنا .. ولا علاقة بين الإنسان والطاؤوس الماثل أمامه .. الإسم فلانة السكن دار من الدور، تقول ذلك وهي تعدل في وضع خصلة نفرت من شدة ما عانت من الشد والجذب لتطول وتطول وتطول.

هل كان هتلر سيجد الوقت الكافي ليكتب كفاحي إن كانت له خصل مثل تلك الماثلة أمامه .. أم كان موسليني سيعلم أن هناك علم لبلاده يجب أن يرفع إلى النجوم، لو حمل مشقة تلوين وجهه بألف لون ولون كل يوم.. ليت أولئك الطغاة ولدوا نساءً .. ليوفروا على العالم بحور من الدم والخراب خاضوا فيها دون وازع من أخلاق أو ضمير.

يقولون وراء كل عظيم امرأة.. فما باله لم يرتقي نحو أي مجد ... ووراءه كومة من الحريم يفقن أتخن خنساء في رص القول كمتريليوز فقد أداة تحكمه .. وتذكر صف طويل من الذين خلدتهم النساء .. فسرح فكره مع المجنون .. يخشى الفراق والحيان مؤتلفان .. واقتحام عبلة لفؤاد عنترة ببرق السيوف والرماح نواهل .. وكثير عزة حيتك بعد الهجر وأنصرفت .. وجميل بثينة وريعان الشباب جديد .. اصطفافة طويلة من فطاحل الشعر والفروسية أدارت النساء رؤوسهم فأبدعوا ونسبوا إليهن .

لعله هو المختلف في شعوره السلبي نحو المرأة .. لا يدري فهو لا يستطيع بالبوح بسره إلى غيره .. وإلا لانقلبت حياته إلى جحيم واتهموه بالجنون .. مسكين أيها الرجل فقد غابت مدن فاصلة كان محرم على المرأة دخولها.. ولكنها الآن هي التي تدير أمثال هذه المدن.. وليت الزمان يعود إلى مقاهي يوسف الفكي، وجورج مشرقي، وود الأغا، وليت الزمان يعود إلى صبا نادي الخرجين، ودور الرياضة .. انتبه من تفكيره وعاد يسأل الماثل أمامه، الاسم السكن العنوان.



imported_أبو جعفر غير متصل  
قديم 13-02-2013, 05:10 PM   #[4]
مشرف منتدى نوافذ
Guest
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو جعفر مشاهدة المشاركة
الأسم: فلان .. اسم الأب: علان .. السكن دار من الدور .. صف طويل من البشر تمور دواخلهم بمختلف الأفكار والصور الحياتية، ولكنهم بالنسبة إليه اسم وعنوان بلا أي ملامح تواصل .. ليت تلك المسنوحة التي سلبت عقله منذ ما يزيد على خمسة عشر سنة وتمخضت عن أبناء وبنات بضجة كونية تتحول كما هؤلاء إلى اسم وعنوان فيفتك منها ما دام بعيداً عنها.. ولكن هيهات وهي متلبسة بأفكاره كما الماء والهواء ..

هو لا ينكر لحظات سعادة عديدة أمدته بها .. ولكنه لا ينسى ذلك السجن الذي حبسته بين جدرانه .. هو سجن المودة والأولاد .. تقوم بكل شيء داخله نعم .. ولكنه ذو نزعة تواقة إلى التحرر والعودة لقريته المجاورة للنيل بلا خضرة .. صحراء تحتضن ماء عذب في لوحة قل أن يجود بها الزمان.. ولكنها غير مثمرة ولعل هذا ما جعل الهجرة للعمل هي طابع أهل قريته... فهم قد امتدوا جنوباً حتى ملكال، ولكن شمالاً حبستهم العاصمة كرش الفيل.

يحسده الآخرون لأن والده ترك له منزلاً في المدينة .. وهو صاحب منصب حكومي - رغم بساطته - يعيش من ريعه .. ولكنهم لا يدرون مدى الشعور بالوحدة الذي يعيشه رغم الضجيج الصاروخي الذي يكتنف منزله طالما هناك عين لم تغمض في المنزل.

صباح اليوم لفتت نظره ابنته وهي تطلب من أمها تغيير حقيبتها المدرسية .. وفكر في حيرة ما الذي ارتكبته الحقيبة حتى يتم تغيرها .. هذه البنت مشروع حبس وتدمير لإنسانية أحدهم .. آه لو يدرون قيمة الحرية .. قيمة الانطلاق تجاه أسهم الجغرافيا ..

لولا النساء من حوله – زوجته وبناته - لما علم غرابة كيف تفكر المرأة .. هن مشروع دراسة يستحق سبر أعماقه .. فتلك كانت تسليته منذ أول كلمة سمعها منها، ومن حينها بدأ في تفكير جدي كيف يحمل هذا المخلوق نفس اسم النوع .. هي بشر وهو بشر .. هي إنسان وهو إنسان .. هذا لا يجوز فهي مشروع تدمير للبشري والإنسان داخلنا .. فلا علاقة بين الإنسان والطاؤوس الماثل أمامه .. الإسم فلانة السكن دار من الدور تقول ذلك وهي تعدل في وضع خصلة نفرت من شدة ما عانت من الشد والجذب لتطول وتطول وتطول.

لعله هو المختلف .. لا يدري فهو لا يستطيع بالبوح بسره إلى غيره .. وإلا لحولوا حياته إلى جحيم واتهموه بالجنون .. مسكين أيها الرجل فقد غابت مدن فاصلة كان محرم على المرأة دخولها .. ولكنها الآن هي التي تدير أمثال هذه المدن .. وليت الزمان يعود إلى مقاهي يوسف الفكي، وجورج مشرقي، وود الأغا، وليت الزمان يعود إلى صبا نادي الخرجين، ودور الرياضة .. انتبه من تفكيره وعاد يسأل الماثل أمامه الإسم السكن العنوان.
العزيز أبو جعفر ،
تحية طيبة وبعد
جزيل شكري لمساهمتك في مسابقة القصة القصيرة .. إلا أن هذه المساهمتك لم تستوفي الشرط الثاني في المسابقة والمتعلق بعدد الكلمات . أرجو مشكوراً إضافة بعض الكلمات لتكتمل ال 800 كلمة.
ولك مني الشكر أجزله. .
---
ملحوظة : تستثنى مشاركة مها كما أسلفت من شرط ال 800 كلمة ، لأنه حين إشتركت بمساهمتها لم يكن هذا الشرط مدرجاً.



 
قديم 14-02-2013, 08:05 AM   #[5]
imported_هبة الله محمد
:: كــاتب جديـــد ::
 
افتراضي

رفيق طريق
جميلة هي المدينة عندما يقترب المساء..جمال قاس وحشي يستعد للانقضاض، وقلب قد من صخر كمبانيها الأسمنتية..كانت خيوط الظلام ألعنكبوتي قد وجدت طريقها إلى داخل الجراج؛ بين صفوف السيارات، ونسمات من حزن شفيف تسللت مع نسمات الهواء أو ربما.. مع الخطوات الصامتة الكئيبة لشخص قادم..
كان ثمة رجل يجلس هناك لا تعرف سبب وجوده أبدا..يحرس المكان ربما أو ينظفه أو هو موجود هنا فقط لأنه لا يوجد مكان آخر يذهب إليه.. يسلي نفسه بإغماض عينيه والاستماع إلى أصوات أقدام المارة ويحاول أن يخمن إن كان القادم رجلا أم امرأة..شابا أم عجوزا؛ الخطوات المرهقة التي تشعر بأن صاحبها يعرج في مشيته- حتى ولو لم يكن كذلك- هي لعجوز حتما.. أما الخطوات المتعجلة دائما حتى ولو لم يكن هناك ما يشغل صاحبها حقيقة؛ تلك الخطوات التي تبدو وكأنها تريد اختراق الأرض هي لشاب بالتأكيد..لكنه لم يشعر بخطوات القادم هذه المرة..خطوات خفيفة رشيقة كأن صاحبها لا يمشي على الأرض بل يطير؛ حتى صوت احتكاك الرمال بحذائه لا وقع له تقريبا..لم ينبهه سوى صوت دوران المحرك فالتفت لحظة بنظرة لا مبالية ثم عاد يغمض عينيه ليحاول النوم هذه المرة ويرى أشياء لا يستطيع أن يراها وهو مستيقظ..

خرج هو بالسيارة من هناك بحركة متهورة كاد معها أن يصطدم بأخرى ساكنة في مكانها..كان هناك ولم يكن هناك..عقله متلاش ينقب في متاهات بعيدة عن شيء ما لا يعرفه بينما تتولى أطرافه القيادة وحدها..لم يكن يعرف إلى أين ينوي أن يذهب بالضبط..فقط شعر بذلك الاختناق في صدره وأنه يريد أن يبتعد عن هنا..يريد أن يذهب خارج المدينة إلى أي مكان آخر..يتنسم بعض الهواء النقي ويبحث عن هدوء روحي يفتقده فيها..
تحكم في أعصابه حتى خرج من المدينة وعندها ترك لنفسه العنان..ضغط دواسة الوقود بقوة أشد..الأشياء تهرب في ذعر مجنون إلى الخلف بعيدا عن طريق سيارته..هذا الرجل لا يأبه لحياته ذاتها أتراه يهتم لها..القمر فحسب امتلك الشجاعة ليطارده كأنه يريد إيقافه ولكن من يستطيع إيقاف رجل مختنق الروح إلى هذا الحد مثله..بالنسبة له لم تكن هناك مشكلة؛ أليست حياته ذاتها سيارة مسرعة وعندما تحين النهاية ستنحرف عن الطريق وتنزلق إلى الهاوية..ضَغط على زر تشغيل المسجل لعل الصوت الصاخب يغطي على ضجيج أفكاره..وانطلقت الأغنية:
أنا جني في زجاجة يا حبيبي...
تعال...تعال وحررني..

آه..هذه الكلمات تصف شعوره تماما؛ انه كجني يمتلك طاقات هائلة لكنه محبوس في قمقم كبير هو العالم الذي يحس انه ضاق به الآن..ولكن من يا ترى يستطيع أن يحرره؟:
تعال...تعال وحررني..

تبا..لم تساعده الأغنية على الاسترخاء ولم توقف ضجيج أفكاره بل يبدو وكأنه ازداد..أغلق المسجل بضربة واحدة من يده وعاد يجذب أسطوانة أخرى عليها سورة مريم..هدأت روحه قليلا وتكومت دمعة رقيقة في عينه، عبر تلك الدمعة الهلامية التي ارتعشت محاولة التسلل إلى خده استطاع أن يلمح شبح شخص يحمل إطار سيارة، ويلوح بيده للسيارات العابرة..سيتوقف له..نعم لأن الرجل يحتاج مساعدته أو لأنه هو من يحتاج إليه..أي شخص يتحدث معه حتى لو لم يكن يعرفه بل من الأفضل أن يكون لا يعرفه فهذا يعطيه راحة أكثر فلن يرى الرجل ثانية ولن يرى في عينيه تلكما النظرة التي تذكره بأنه كان هشا في لحظة ما.. نعم..لمَ لا يفعل؟..
هدأ قليلا من سرعته لكنه مع ذلك لم يستطع التوقف سوى على بعد أمتار قليلة منه فتراجع بالسيارة حتى أصبح في مواجهته تماما..ضغط على زر إزاحة الزجاج وأطل من نافذة السيارة قائلا:
- "ما المشكلة هنا؟"
- "كما ترى.."
قالها الرجل رافعا يده بالإطار ثم أتجه دونما دعوة إلى المقعد المجاور..على أضواء السيارة استطاع أن يميز ملامحه وهيئته؛ وسيم إلى حد ما..شعر طويل ناعم مصفف إلى الخلف مع بعض الخصلات المتهدلة على جبينه، وقد ارتدى ملابس صيفية خفيفة لا تتفق مع لسعة البرودة التي بدأت تتسلل عبر ذرات الهواء..قال الرجل بعدما استقر في المقعد إلى جواره:
- "لقد كنت عائدا من عمل خارج القاهرة عندما فقدت زوج من الإطارات..تخيل هذا!!..تبدل واحدا لتجد الآخر لم يعد صالحا أيضا..ما فائدة السيارات الحديثة إذن ما دامت تفقد إطاراتها بتلك السهولة..لقد ظللت واقفا هنا أكثر من نصف ساعة دون أن تمر سوى سيارة واحدة وقد رفض سائقها التوقف..كان حظي حسنا جدا كما ترى..أشكرك كثيرا لأنك توقفت..آه..آسف..لقد انخرطت في الشكوى و نسيت أن أقدم لك نفسي؛ أحمد منير"
- "حاتم سالم.."
أشعرته طريقة الرجل المنطقة في الحديث بالألفة؛ كأنه صديق قديم، ووجد نفسه بلا وعي يبتسم:
- "آسف لأنني عطلتك معي..ولكن إلى أين كنت ذاهبا في الأصل؟"
شعر هو بالارتباك للحظة أمام السؤال المفاجئ..ماذا سيقول له؟..لكن الرجل يبدو لطيفا..حسنا ليقل:
- "في الحقيقة..لم أكن ذاهبا إلى مكان محدد..أعني.....أنني كنت أشعر ب...... ببعض الضيق..كنت أريد أن أسير بعيدا عن الزحام..أعني......الهواء هنا أنقى بكثير.. أنت تفهم أليس كذلك؟...."
"نعم..أستطيع أن أفهمك..أنا مثلك عندما أشعر بالاختناق أتجول بسيارتي بلا هدف..وأحيانا كذلك أحب أن أغني؛
وســرت وحـــدي شريدا محطم الخطوات
تهزني أنفاسي..تيرررا..تخيفني لفتاتي..تيرررا"
لم يستطع أن يملك نفسه من الابتسام ثانية؛ خاصة الطريقة المسرحية التي كان يحرك بها ذراعيه مع الأغنية..هذا الرجل قادر على تحويل أي مشكلة إلى مهزلة حقيقة:
- "ولكن ها هي نتيجة سيري وحيدا شريدا؛ لقد وجدتك.."
- "لقد أرسلتك السماء إذن..يبدو.......أووووووووووووووووع...............! !!!!"
ارتبكت يد حاتم على المقود، وهو يلتفت إليه..يا الهي..ما الذي حدث له؟..رآه يضع كفه على فمه..يبدو أنه سيتقيأ؟..ضغط الفرامل بسرعة؛ فاندفع جسداهما إلى الأمام..واستطاع هو على ضوء السيارة الخافت أن يرى الدم يغرق كف رفيقه وقميصه الأبيض..سمع شهقته الأخيرة ثم رأى الجسد يستكين في مقعده بلا حراك..
***
الظلام..وعواء حزين يتردد في الصحراء الموحشة..أغنية الصمت الكئيبة تأكل نغماتها في أعصابه بضراوة..والجسد الملقى بجواره يأبى الحركة..همسة فقط تدل على الحياة؛ وعندها سيرتاح..لكن الجسد ساكن سكون الطريق والصحراء وكل شيء هنا عدا نفسه المضطربة..تبا..ليته ما خرج من بيته الليلة..ليته ما جاء هنا ..ليته لم ير هذا الرجل..ليته ما توقف له..ليته.....ليته.....ليته...عض على يديه في حنق..ما الذي حدث بالضبط؟..لقد كان الرجل يتكلم بطريقة عادية ثم.................وما هذا الدم الذي يغرق ملابسه..يا لها من ليلة!!..إنها ليلة نحسه بالتأكيد..لقد كان هذا واضحا منذ بدايتها..
مال نحوه بأطراف مرتعشة؛ محاولا أن يجعل جسده يعتدل على المقعد..أما زال حيا؟..لا يعرف..لا يستطيع أن يحدد..وجهه شاحب تماما..لكن جسده ما زال دافئا..يا الهي..كيف سيتصرف؟..لم يعرف أبدا كيفية التصرف في مثل هذه الحالات؟..ألا توجد إحدى المستشفيات القريبة مثلا؟..نعم لابد من وجود واحدة..إنها تتواجد دائما..ولكن أين؟..لا يعرف..تبا..إنه لا يعرف أي شيء على الإطلاق..ربما من الأفضل أن يعود به إلى المدينة..ولكن هل سيظل حيا حتى يصل به إلى هناك..هذا إن كان ما زال حيا من الأصل..وماذا عن موقفه هو في حالة وفاة الرجل؟..سيكون هناك تحقيقا بالطبع، وأسئلة كثيرة عن وجود رجل لا يعرفه معه بالسيارة..وسيرتبك هو كالعادة.. كالعادة سيرتبك وعندها............يا له من طفل صغير أحمق..ولكن لابد وان يتصرف..حسنا سيعود.. سيعود إلى المدينة وليحدث ما يحدث..لن يخاطر أبدا بالتوغل في طريق لا يعرف إن كان سيجد فيه مساعدة أم لا..ولكن بالله ما الذي حدث له؟..لقد كان ممتلئا بالحياة فكيف تجرد منها هكذا فجأة..

أدار السيارة في الاتجاه الآخر؛ عائدا صوب المدينة..غمرت أضواء سيارته أسفلت الطريق البارد الجامد..لمَ لا تمر ولا سيارة عبر هذا الطريق؟..وكأنه لم يخلق سوى لهما؛ وكأن الأرض بأكملها أقفرت..نقل عينيه بين الجسد الهامد والظلام على الجانبين وأرتجف..إنه وحيد.. وحيد تماما..لو ينهض رفيقه ويعود كما كان..
"أفق.. بالله عليك أفق.."
لكنه يأبى الحياة من جديد.. شعر بعضلات صدره تنقبض وتنفسه يضيق، ومن بعيد لاحت له السيارة المرتكنة على جانب الطريق؛ سيارة بقايا الرجل الذي بجواره..سيارته..نعم..سيارته هي الحل..ضغط الفرامل بلا وعي ونزل..لا أحد يعرف أن هذا الرجل كان معه..ليس مضطرا للتورط في الأمر..فعلا..لمَ لا يعيد الرجل حيث كان في سيارته؟..لن يعرف أحد بهذا أبدا..تلفت حوله كأنه يخشى وجود شخص وهمي، ثم اتجه إلى الباب المجاور لرفيقه، وفتحه..أيفعلها؟..ولكن........وقف مترددا للحظات..ثم مد جذعه عبر فتحة الباب ليجذب الجسد إلى الخارج..إنه ثقيل.. ثقيل كالكارثة التي ورطه فيها..ولكن هذا الألم في صدره يشتد..الرؤية تغيم أمام عينيه..أصابعه تتراخى على الجسد و....... وسقط بجواره بلا حراك..
***
الجسد الميت ينهض من مكانه حيا من جديد؛ رهيبا؛ كأنه العنقاء تبعث من رمادها..ملامحه مشوهة.. ممسوحة..مغلفة بالدماء..
- "لم أقصد..صدقني..لم أقصد.."
يقولها هو بلا صوت ضارعا..لكن الآخر لا يهتم..يتجه نحوه..بخطوات ثابتة ثقيلة كدقات المطرقة..يلتفت هو حوله..يحاول أن يهرب..لكن قدميه مثبتتان في الأرض بقوة غير عادية..كأنهما قدما تمثال حجري..الوجه الجامد يقترب منه أكثر وأكثر..يمد يديه الملوثة بالدماء نحوه و.................................أفاق أخيرا..لكنه انتفض ثانية إذ وجد الوجه ذاته يحدق فيه؛ بابتسامة مرهقة هذه المرة!!!
- "هل أنت بخير الآن؟"
وصله الصوت بعيدا.. بعيدا.. كأنه من غور سحيق..لم يستطع أن يرد..كان يحاول أن يفهم طبيعة وجوده في هذا المكان..وكيف.. كيف يجلس هذا الرجل أمامه سليما بينما هو ممد على الفراش..أكان يحلم؟..مستحيل... أم أن هذه بقية الحلم...ولكن.....تجمد المشهد أمام عينيه للحظات..وعندما استطاع أن يحرك شفتيه أخيرا خرجت الكلمات باهتة مبعثرة؛ بلا معنى:
- "لقد...كنت........................................ ..................."
ابتسم الجالس أمامه ثم هز رأسه في بطء قائلا:
- "نعم..لقد كان مغشيا عليّ..لقد صار هذا يحدث لي كثيرا هذه الأيام..إن حالتي تزداد سوءا..أعلم هذا..لكنني بدأت اعتاد هذا على أية حال..لم يعد الأمر يزعجني كالسابق..لحسن الحظ لم يكن النزف شديدا هذه المرة..المهم هو هل أنت بخير الآن؟"
عبرت الكلمات حدود ذهنه المكدود؛ بالكاد استطاع أن يكون منها ما يفهمه..لذا عاد يقول في وهن:
- "ولكن......كيف؟"
- "حسنا..ما دمت مصرا على السؤال..لقد أفقت لأجدك ملقى على الأرض..كنت متعبا ومشوشا تماما..لكنني استطعت أن أخمن ما حدث لك..بحثت في جيبك عن أقراص علاجية أو ما شابه، حتى عثرت على علبة..دسست في فمك قرصا منها..ثم حملتك إلى السيارة..واتيت بك إلى هنا..لا أعرف إلى الآن كيف فعلت هذا كله..لقد كنت أترنح تقريبا..و بالكاد كنت أرى الطريق أمامي..لابد وأن الله ساعدني لإنقاذك..و......."
ثم هز كتفيه، وابتسم ابتسامته الشفافة ثانية..وللحظة شردت عيناه، وغاضت الابتسامة على وجهه ثم التفت يسأله:
- "ولكن كان وضعك غريبا..أقصد..ما الذي كنت تفعله خارج السيارة؟"
برغم كل شيء أحمر وجهه بشدة..وحرك يده بصعوبة كأنه يدفع عن نفسه شيء خفي قائلا:
- "لا شيء..لا شيء..لقد كنت أحاول إفاقتك فحسب.."
تمت بحمد الله

هبة الله محمد حسن



imported_هبة الله محمد غير متصل  
قديم 19-02-2013, 06:54 AM   #[6]
imported_ماجد تاج
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_ماجد تاج
 
افتراضي المطر يعاود الهطول

ـ

( المطر يعاود الهطول )

حين عاد عِبيد كنت نائماً .. تلك هي الحقيقة ، فصباح ذلك اليوم كان لا يختلف عن صباحات القرية الرتيبة المعتادة ، صباح يخلو من بادرة أمل في زوال المحل الذي تربع طوال سنين على الأرض ، تلاه نهار امتد حتى حسبته لن ينتهي ، نهار ممل مسكون بالسموم والحر خلفني منهكاً للغاية بعد أن انقضى ، فقد جبت أطراف القرية وحواريها ، وحتى بيوتها الخلفية بحثاً عن جديد أو حي ، ثم نفضت فكرة البحث عن خاطري وعدت إلى المنزل قبيل مغيب الشمس بقليل .. الحر حينها كان ما يزال جاسماً ، والسموم استوطنت .. سحب بيضاء رهيفة تتجمع على الحواف البعيدة للسماء جهة الشرق بدت مناقضة للحال ، حتى أكثر المسنين خبرة من أهل القرية لم يكن يرى فيها أية ذرة ماء يمكن أن تهطل .. دلفت إلى الحجرة ونزعت أسمالي واستلقيت شارداً بلا أفكار ، عقلي مفرغ من أي معنى ، والشعور بالخواء بداخلي مستقر لكنه ساكن لا يعصف ، لامست حواسي رائحة دخان الطلح فجالت بخاطري عزَّة ، دفعتني فكرة أنها ما زالت تدخن جسدها لرجل لن يتسنى له أن يعود للتبسم بحزن ، عبق الدخان قوي ومستكن لسكون الهواء ما جعله يسيطر على أفكاري ، تخيلتها بجسدها الناحل تتجرد وتلتف بشملتها بعد أن ضمخت جسدها بالدهون .. تحركت مخيلتي الجنسية قليلاً لكن وازع خيِّر أعاد إلى سطح أفكاري رقة تعاملها ، وطيبتها ، وثقتها فيّ .. عزَّة .. لكم أشفق على شبابك الذي تمتص رحيقه لفحات السموم الخالية من الرحمة والوداد ، أرضك التي لا تروى ، وأنت تصرين على انتظار عبيد العام تلو العام بجهد الأنبياء وإيمانهم بحسن الخواتيم ، تعيدين إشعال الطلح كلما لاحت لأمنياتك بارقة تظنين أنها إشارة لعودة عِبيد .. نهضت متكاسلاً ووقفت على سور بيتها وسألتها :
ـ العازة .. ما الجديد اليوم ؟
ـ عِبيد سيعود اليوم .. صوتها مترع بالثقة بصورة لم أعهدها من قبل
ـ من قال لك ؟
ـ ضحكت .. ألا ترى السماء التي أبرزت أثدائها الآن للعطاء ؟ .. هل تظن أنها لن تجود عليّ بعودة العِبيد ؟
ـ رفعت رأسي ودهشت أخيراً .. السحب البيضاء غرقت في السواد وغطت الأفق من أقصاه إلى أقصاه ، تقدمها نحو سماء القرية بطئ لكنه مؤكد ، ضحكت وانطلقت في أنحاء القرية أحمل البشارة بعودة المطر .. من بيت إلى بيت .. أهتف ( المطر سيعاود الهطول .. المطر سيعاود الهطول ) تجمع أهل القرية في الساحة التي تتوسط البيوت ـ كل أهل القرية بلا استثناء .. صغارهم .. كبارهم .. نساءهم .. أطفالهم .. أحرارهم وعبيدهم ـ ودارت حوارات صاخبة ومتصاعدة .. في أنفاسهم تكاد ترى الغبار المنتفض من أرواحهم التي أنهكها المحل ، وأنا كنت سعيداً كطفل عادت أمه بعد غياب ، أنتقل من جمع إلى جمع ، ألتقط خيوط الأمل القوية التي بدأت تنسرب من التحليلات والقناعات التي تترسخ بلا حذر ، كثيرون في تلك اللحظة كانوا على يقين أن المطر سيعاود الهطول أخيراً بينما أبدى معارضون ـ مخمورون ـ اعتراضات تقوم على تحليلات غير منطقية مستندة على أن السحب رغم تراكمها البادي للعيان ليست قِبلية ، وأنا أتنقل كفراشة ، ألبث قليلاً ريثما أجد فرجة في الحديث حتى أنشر يقينيتي وتأكدي ، كقديس يتلو صلوات آخر الليل أقول لهم :
ـ المطر سيعاود الهطول الليلة ..
والناس في جدالهم وصخبهم وغبطتهم مرت رائحة الطلح على أطراف الساحة ، خبيثات من نساء القرية افتقدن عزَّة في تلك اللحظة ، تهامسن وسُمِعت ضحكاتهن المكتومة وهن يخضن في اشتهاءاتها الموؤدة باستمرار .. ثم انهمرت السماء كأفواه القرب بغتة ، حاسمةً كل الجدال والصخب الذي كان يملأ ساحة القرية التي تتوسط البيوت .. بلا مقدمات .. ذرات من المطر كحبات الحصى تساقطت بعنف وتتالي على القرية .. سكن الجمع برهة كأنما ألجمت الحقيقة ألسنتهم .. هاهي السماء أخيراً جادت بعد ثلاثاً وعشرين عاماً من المحل المُمِض المنهك .. هاهو المطر يعاود الهطول .. دمعات حزن خالطت دمعات الفرح واندفع الجمع مرة واحدة في صراخ هستيري .. بكاء .. ضحك .. صرخات .. كأنما ألف مجنون هبطوا على ساحة القرية وأطلقوا لجنونهم العنان فيها ، تقافز الناس ورقصوا ذلك المساء طويلاً تحت المطر المنهمر بعنف لا مثيل له ، مطر قاسي غضوب يضرب الأرض بسياط من الماء تُلهِب ظهرها ، وكلما تصاعد غبارها أعاده إليها مرة أخرى بقوة .. رقصنا تحت المطر ذلك المساء زهاء الثلاث ساعات حتى انهدت القوى ، وتعبت الأقدام ..
فرح مكتوم منذ ثلاثاً وعشرين سنةً عجاف تدفق بغتة تلك الليلة مع انهمار المطر وفاض حتى ملأ كل بيوت القرية ، فرح عارم ومتقد أنهك الأجساد بعد أن عبأ الأرواح بسعادة طال انتظارها ، فرح روّى كل شتلات الأمل التي يبست في هذه الأنفس التي أنهكها المحل الطويل حتى اخضرت في ليلة واحدة .. رويداً رويداً تسرب الناس صوب البيوت وخلت الساحة إلا من قلة .. وفي طريقي إلى البيت مررت ببيت عزّة وهتفت فيها :
ـ مبارك عليك المطر يا عازه .. الجابو يجيب العبيد ..
ضحكت بتغنج من داخل بيتها وأكدت أن العبيد سيعود الليلة لا محالة ، دخلت بيتي وغرقت في نوم عميق ، نمت كقتيل ، نمت عن ثلاثٍ وعشرين سنةٍ كاملة كان نومي فيها منتقصاً بفعل الحر والسموم ، والقلق ، ورائحة الأرض الجافة وبقايا الآمال التي تموت .. لكن في نومي هذه عاد عبيد .. نعم يا سادة .. يحزنني أن العبيد عاد وأنا نائم ..
قليلون من أبناء القرية ورجالها لم يعودوا إلى بيوتهم في تلك الليلة ، خرجوا صوب الحقول وجلسوا تحت أشجار النيم الصامدة سنوات المَحَل يسترقون النظر إلى الحقول التي تجمعت فيها المياه بين كل لمعة برق وانطفاءه ، إمتلأت الأرض وتغطت بالماء من أقصاها إلى أقصاها ، مد البصر كانت المياه تشكل بحيرة عملاقة كأنما ملأها ألف ألف جني من رعايا سليمان ، مطر لم تبين له نهاية في تلك الليلة كان يواصل إغداقه على الحقول حتى استحال اليباس بتمامه إلى بحر بلا ساحل ، حكوا فيما بعد أن العربة التي جلبت عِبيد بدت لهم أضواءها كسفينة نوح وهي تتحرك على صفحة الماء ، وهم محتمون بأشجار النيم تساءلوا : منذا الذي سيأتي للقرية في ليلة كهذه .. أقسموا فيما بعد أن العربة كانت تغرق في الماء ثم تعود لتطفو من جديد وتسير فوقه .. وحكى عقلاء منهم أنها استمرت في سيرها المترنح والمتقطع في الماء ساعة أو تزيد ، وحين اقتربت منهم جاءهم منها صوت ينادي الأمين ود السارة الجالس بينهم .. صوت ضاحك ، ماجن ، معربد ، عالي حد الفجاجة .. نادى الأمين ود السارة حين ميّزه من بين الجالسين تحت النيم :
ـ اللمين ود الخادم ؟
قفز الأمين ود السارة كمن مسه جان ، صرخ وجرى صوب العربة ، ثم جرى صوب البيوت ، ثم عاد وهو يصرخ كالمجنون :
ـ العبيد عاد .. العبيد عاد .. يا ناس .. العبيد ..
صراخه الذي مازج ضحكه وبكاه في آن أعاد إيقاظ القرية التي نامت منذ قليل مرة أخرى ، ضجت البيوت من جديد ولمعت من نوافذها أضواء الفوانيس والمصابيح المتحركة ، تدفقت الحياة في الساحة من جديد وساد هرج ومرج وبكاء لا ينقطع تتخلله ضحكات العبيد الطيبة العالية .. يربت على الأكتاف والظهور ويتنقل من حضن إلى حضن والناس غارقون في دموعهم وفي مياه المطر .. ليلة لن تنسى تلك الليلة التي عاد فيها العبيد وأنا نائم ..
عزَّة لم تكن قد نامت لما عاد العِبيد ، حين ضجت القرية وبلغت أسماعها حقيقة عودة عِبيد قامت بهدوء نبي صوب خزانتها .. دموعها لا تنقطع ، ونهنهاتها مسموعة خارج سور بيتها .. تطيبت كعروس .. وأغرقت جسدها في خُمرتها المعتقة من سنين ، وأعادت تكحيل عينيها مرات ومرات ، مارست تطيُّبها بتركيز وتريث كمجوسي يؤدي طقوسه ، لم تترك جزءاً قد يمسه العبيد إلا وأغرقته خُمرةً ومسكاً وعطراً .. لبثت في بيتها تبكي بصمت تنتظر دخول العبيد عليها .. جارتها أسرت إليها أن عِبيد ينوي النوم في ديوان القرية حتى يدخل بيته صباحاً كعادته حين يعود من سفره ليلاً .. بكت عزّة وأرسلت إليه أن يأتيها .. سارت القرية مع العبيد إلى بيته كأنها تزفه إلى عروسه لأول مرة ، وحين دخل كثيرون لم يبرحوا .. حكوا أن العبيد احتضن العازة بقوة ، وحملها كأنه ينتزع جزع شجرة من الأرض ، وأن تأوهاتها قد أحيت فحولة عديدين من رجال القرية ، حتى العمدة حُكِى في روايات أسطورية أنه طاف على ثلاث من نساءه بسبب صراخ العازة وتأوهاتها ، وضحكاتها الماجنة المائعة التي غطت على صوت المطر ، وأن غرف عديدة في القرية فاحت منها رائحة البخور والصندل والصندلية والمسك والخُمرة .. وأنواع لا تحصى من العطور ، وأقسم أُسطوريون أن رائحة المطر نفسها كانت مضمخة بذات الروائح .. نامت القرية ليلتها تلك تاركة للمطر ساحاتها وحقولها ليفعل فيها أفاعيل الشوق حين ارتواءه ، وتاركةً لعزّة العبيد بمجونه وصخبه ومرحه .. فقد عاد العبيد ، والمطر قد عاود الهطول .

ماجد تاج


ـ



imported_ماجد تاج غير متصل  
قديم 24-02-2013, 12:32 PM   #[7]
imported_علاءالدين عبدالله الاحمر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_علاءالدين عبدالله الاحمر
 
افتراضي غربال

لم اعرها اهتمامي في أي يوم وهي بذلت مابوسها لانتبه لجمالها الفاجر ، في المكتب اللذي نشغله سويا دائما أحس بأنها ترمقني بتالم صامت ولكني مشغول دوما ويرفض قلبي النساء لعدم مقدرتي علي مايريدنه دوما من الرجال .
عندما باغتتني بسؤالها :
- ليه ماعجبتك
: ...
- انا ناقصني شنو عشان تشوفني ؟
: انتي حلوة وماف زو...
- ماتحور الكلام وتحولني من سؤالي !
: انا ماقصدت حاجة كل الموضوع انا مابنفع مع أي واحدة لأني مليان مشاكل وقلبي مافيه غير مشاكلي والحياة صعبة لو قلت أعيش معاك علاقة حب مفترض اعرسك وانا ياداب دخلي بكفي بيتنا حب يعني التزام وأنا ماقدر التزامات مع أي واحدة مفهوم واصلا ال ..
- واصلا انت اجبن من تعترف بمشاعرك لنفسك
: أنا ماكده
- انت كده ونص لأنك مفتري وأنا بستحمل افتراك
: بحاول احميك
- من شنو ؟
: ماحتفهمي
- جربني
: مابقدر أعمل معاك حاجة
- ماطلبت منك غير قلبك
: والنهاية
- نتزوج
: كده فهمتي ليه ماعايزك تتعزبي
- قصدك شنو
: ماحاقدر علي زواج
- وانا اعمل شنو ؟
: وافقي علي اول واحد يجيك
- انا عايزاك انت ( كان من القسوة التعامل مع إمرأة تقدم نفسها مبادرة بحبها متنازلة عن كبريائها كانثي وتطلب قلب رجل كل زنبها انها تحبه ، وأنا انظر اليها كنت لا أسمع غير طنين روحي الفارغة من أي احساس يشتمل علي امرأة أري حركة شفتيها ولا أسمع صوتها )
- أتكلم رد علي
: قلبي غربال مابشيلك ولا الغيرك
- حيشيلني !
: إلا بالحرام
- وأنا موافقة أجيك متين ؟



التوقيع: هل لي غير هذا الوجه
لأعرف وجهك من جديد
وطنا تقاسمه الحنين
غاب في ابد الرحال
ولم يعد لنا وطنا جديد
imported_علاءالدين عبدالله الاحمر غير متصل  
قديم 25-02-2013, 06:25 AM   #[8]
مشرف منتدى نوافذ
Guest
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة علاء الدين عبدالله الاحمر مشاهدة المشاركة
لم اعرها اهتمامي في أي يوم وهي بذلت مابوسها لانتبه لجمالها الفاجر ، في المكتب اللذي نشغله سويا دائما أحس بأنها ترمقني بتالم صامت ولكني مشغول دوما ويرفض قلبي النساء لعدم مقدرتي علي مايريدنه دوما من الرجال .
عندما باغتتني بسؤالها :
- ليه ماعجبتك
: ...
- انا ناقصني شنو عشان تشوفني ؟
: انتي حلوة وماف زو...
- ماتحور الكلام وتحولني من سؤالي !
: انا ماقصدت حاجة كل الموضوع انا مابنفع مع أي واحدة لأني مليان مشاكل وقلبي مافيه غير مشاكلي والحياة صعبة لو قلت أعيش معاك علاقة حب مفترض اعرسك وانا ياداب دخلي بكفي بيتنا حب يعني التزام وأنا ماقدر التزامات مع أي واحدة مفهوم واصلا ال ..
- واصلا انت اجبن من تعترف بمشاعرك لنفسك
: أنا ماكده
- انت كده ونص لأنك مفتري وأنا بستحمل افتراك
: بحاول احميك
- من شنو ؟
: ماحتفهمي
- جربني
: مابقدر أعمل معاك حاجة
- ماطلبت منك غير قلبك
: والنهاية
- نتزوج
: كده فهمتي ليه ماعايزك تتعزبي
- قصدك شنو
: ماحاقدر علي زواج
- وانا اعمل شنو ؟
: وافقي علي اول واحد يجيك
- انا عايزاك انت ( كان من القسوة التعامل مع إمرأة تقدم نفسها مبادرة بحبها متنازلة عن كبريائها كانثي وتطلب قلب رجل كل زنبها انها تحبه ، وأنا انظر اليها كنت لا أسمع غير طنين روحي الفارغة من أي احساس يشتمل علي امرأة أري حركة شفتيها ولا أسمع صوتها )
- أتكلم رد علي
: قلبي غربال مابشيلك ولا الغيرك
- حيشيلني !
: إلا بالحرام
- وأنا موافقة أجيك متين ؟
العزيز علاء
جزيل شكري لمشاركتك في مسابقة القصة القصيرة
أو أن أخطرك بأن هذا النص لم يستوفي الشرط الثاني من المسابقة والمتعلق بالحد الأدنى من الكلمات ، يرجى العمل على إستيفاء هذا الشرط ليتسنى للإخوة أعضاء اللجنة الفنية تقييم النص
ولك مني الشكر أجزله



 
 

تعليقات الفيسبوك

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 11:55 AM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2024, vBulletin Solutions, Inc.