سودانيات .. تواصل ومحبة

سودانيات .. تواصل ومحبة (http://www.sudanyat.org/vb/index.php)
-   منتـــــــــدى الحـــــوار (http://www.sudanyat.org/vb/forumdisplay.php?f=2)
-   -   "المختار" (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?t=58963)

حسين عبدالجليل 29-03-2020 03:21 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بابكر مخير (المشاركة 550528)
غدرت الكرونا بحبيب لي عزيز عندي وهو حقا من دواعي الإعتزاز دوما أن يربطك مع شخص قامة، رجل قيم، إنسان عظيم، معرفة. ويزيد الإعتزاز كل ما كان الرابط أقوى الي أن يصل قمته حين يكون هذا الشخص أخ لك وصديق قريب عندك وعزيز حبيب لنفسك وأن يكون هو ذآك الرجل الذي كل ممن عرفه عزاهو وحباه وحفظ من عنده له جميلة كبيرة وعزيزة.. إفتخرت دوما بأنهو حين يلاقيني، يحسن الترحاب بي ويعظم من تعابير المعزة لي ومن ناحيتي كنت أعجز أن أجاريهو ذآك التقدير فهو بالنسبة لي أمر صعب وغير ممكن فأنا إنسان بسيط لي مشاعر البشر وأملك خصال الخلق العاديين وهو كان ملاك يعيش بيننا وروحا عبقرية تهيم فوق رؤسنا تبعث في أنفسنا طمئنينة بأن هناك دكتور مرسل نلجئ اليه عند العوز وملك يرعانا حين تفتقر أجسادنا.. كان الطبيب المتمكن في علمه، الناصح في وصفته وللجراح بلسما.. رحمة الله عليك أخي وحبيبي وصديقي عادل رحمة



تحياتي أخ بابكر وأسال الله الرحمة و المغفرة لصديقك عادل رحمة وهذا حال الدنيا الفانية .
جعله الله من سكان الفردوس .

حسين عبدالجليل 05-04-2020 01:31 AM

علامة استفهام (5): هل بلغك سر العزلة؟
أسعد طه
منقول


(1)

توطئة
لي جناحان أطير بهما ليل نهار، لا أترك بلداً إلا وأزوره، ولا قوماً إلا وأحدثهم، ولا جنساً من حيوان ولا طير إلا وأتعرف إليه، لقد منحتني "الخصوصية" سوراً أنصبه حولي وقتما شئت وأرفعه متى شئت، ممتنٌّ لهذا "الخيال" الذي يدعني أفعل ما أريد، بعد أن برهنت لي سنوات عمري الطويلة أن ما من متعة في الحياة كلها تعدل متعة "الحرية".

(2)

الشريك
تتيه مني في الازدحام، في الحشود، في ثرثرة الأصدقاء، في أحاديث العمل، ثم أجدها في العزلة، فهل أحتمل الإنصات إليها؟ هل أطيق البقاء معها؟ هل أطيل البقاء معها؟ هل أكون صريحاً معها؟ هل أعرفها حق المعرفة؟ ثم هل هي على ذات الشاكلة التي تخرج للناس بها، أم إن حقيقتها تختلف؟

أبقى أتحدث إلى نفسي بالساعات، نتفق قليلاً، نختلف كثيراً، نصل إلى حلول وسط أحياناً، مجبر أخوك لا بطل. حنا أرندت تقول إن العيش مع الآخرين يبدأ من العيش مع أنفسنا، إذن لا بد من أن أجيد الحياة مع نفسي حتى أجيد الحياة مع الآخرين.

العيش مع النفس ليس وحدة، العزلة غير الوحدة، جان بول سارتر قال: "إذا شعرت بالوحدة وأنت وحدك فأنت في رفقة سوء"؛ ترى هل أصبت في فهمي لما قاله؟

(3)

الفكرة
في العزلة يزداد نشاط التفكير، يعمل العقل بأقصى طاقته، اللحظات التي كنت أختطفها وأنا محشور في سيارتي، أو في مناسبة عائلية، أو في اجتماعات العمل، أصبحت في العزلة ساعات، كل شيء الآن مهيأ للعقل حتى يحمل الفكرة، ثم يلدها على مهل. أفرح بها، أوليها عنايتي، أطعمها، تكبر، تصبح فتية ناضجة قوية، وتخرج إلى الحياة.


رالف والدو إمرسون نصح المعلمين الحكماء بأن ينصحوا بدورهم طلابهم بقضاء فترات في العزلة والمداومة عليها، لأن ذلك من شأنه -بحسب وجهة نظره- أن يجعل الفكرة التائهة الجادة قابلةً للتحقق.

وعلى كل حال؛ كلما كان العقل أكثر قوة وأصالة، زاد ميله لاعتناق دين العزلة، هذه المرة بحسب ألدوس هكسلي.

(4)

النبي
"ثم حُبِّب إليه الخلاء"، ويشرح الإمام النووي ما تحدثت بشأنه أم المؤمنين عائشة فيقول: "أما الخلاء فهو الخلوة، وهي شأن الصالحين وعباد الله العارفين، لقد حُبِّبَتْ إليه العزلة -صلى الله عليه وسلم- لأن معها فراغ القلب، وهي معينة على التفكر، وبها ينقطع عن مألوفات البشر، ويتخشع قلبه".

وفي "الرحيق المختوم" أن اختيار المعصوم لهذه العزلة إنما هو من تدبير الله له، وليُعِدّه لما ينتظره من الأمر العظيم، ولا بد لأيّ روح -يُراد لها أن تؤثّر في واقع الحياة البشرية فتحوّلها وجهة أخرى- من خلوة وعزلة بعض الوقت، وانقطاع عن شواغل الأرض وضجة الحياة وهموم الناس الصغيرة.

(5)

خلوة
وأحياناً أكون في العزلة، أو هكذا أحاول، كالصوفي في خلوته، كأني فارٌّ إلى الله، كأني أتطهر من كل ذنوبي وحماقاتي، أحاول استعادة قلبي الذي غيبته الضوضاء وشوشت عليه، أبذل جهدي في أن أزيح عنه ما ران عليه، أتذكر ما قاله ابن قيِّم الجوزية: إن في القلب شعثاً لا يلمه إلا الإقبال على الله، وعليه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته.

أنهمك في ذكر الله الذي هو ليس استحضاراً لغائب، كما قال محمد الغزالي، "إنما هو حضورك أنت من غيبة، وإفاقتك أنت من غفلة"، أضع أمام عينيَّ قول ابن عطاء الله السكندري: "ولا يزال الذاكر يوالي الذكر بلسانه، ويتكلف إحضار القلب معه، إذ القلب يحتاج إلى موافقته حتى يحضر مع الذكر، ولو تُرك وطبعه لاسترسل في أودية الأفكار، إلى أن يشارك القلبُ اللسانَ، ويحرق نورُ القلب الشهوات والشياطين".

(6)

الذاكرة
وفي العزلة تُخرِج الذاكرة ما لديها، هكذا فجأة، كأن قفلاً كان يغلق بابها عنوة ثم انكسر، تتذكر كل الأيام الحلوة، وحتى تلك التي كنت تعتبرها عادية، كنت تحمد الله في المناسبات، اليوم نجحت، اليوم رزقت كذا، اليوم اعتليت في وظيفتي منصباً أعلى، وهكذا الحمد في المناسبات.
ي العزلة تتذكر أصغر الأشياء التي كنت تمر بها ولا تعيرها اهتماماً ولا تعتبرها تستوجب أن تقف لتحمد الله عليها، قبضة ابنك الذي كنت تصرخ فيه وأنت تصحبه إلى المدرسة، نداء زوجتك وأنت تغادر البيت أن تشتري كذا وكذا، كوب الشاي الذي كنت تتبرم من حامله في المقهى آخر شارعك، شكوى صديقك وأنتما تسيران في وسط البلد.
الآن في العزلة سنتعلم حمد الله على النعم الصغيرة التي باتت الآن عندنا كبيرة، حتى كوب الماء، حتى استيقاظك معافىً، حتى حذاؤك الذي ترتديه كل صباح، حتى الشجرة التي أمام بيتك، حتى المسكين الذي يسألك لقمة عيش. لقد تأدبنا، لقد تأدبنا يا مولانا.

(7)

المقاومة
أحياناً تكون العزلة إجبارية، كتلك التي يفرضها عليك العدو، فيحاصر السويس، أو سراييفو، أو غزة، أو تعز، أو حلب أو غيرها، أو كحال الأسرى والمعتقلين، إنهم جميعاً معزولون عن العالم الخارجي، مدينة كاملة بملايينها، أو زنزانة بعشراتها، أو قبو يطبق على واحد بمفرده.

ترى كم من هؤلاء جُنَّ، أو انكسر، وكم منهم نجا، وكم منهم وُلد في هذه العزلة من جديد، كم من مبدع أخرجته هذه العزلة الإجبارية، وكم منهم انتهى؟ وي كأن الأمر ليس العزلة فحسب، ولكن كيف كان فعلك في العزلة، كيف تصرفت، كيف قلبت الطاولة، وجعلت البلاء سبباً في أن تخرج إلى الحياة من جديد، لتكون أنت كما كنت تريد أن تكون.

(8)
الحصاد
يدرك أي عاقل أن من المخلّ أن تمرّ العزلة دون إنجاز، أن ينحصر ما يتقنه في فعل الانتظار، ربما أبدأ غداً، أو بعد غد، أو الأسبوع المقبل، أو خلال ثلاثة أسابيع، بحسب ما يعد به أصحاب العلم الذين لا يعلمون، وفي غضون ذلك ينقضي شطر من حياتك دون أي جدوى، دون أي فائدة.

يقول نيتشه في "هكذا تكلم زرادشت": "إن العزلة ضرورية لاتساع الذات وامتلائها، فالعزلة تشفي أدواءها وتشدد عزائمها". أو كما قال توماس مان في "موت في فينيسيا": "تتيح العزلة المجال للأصالة أن تولد فينا، للجمال غير المألوف والمحفوف بالمخاطر، للشعر".

(9)

الختام
بعد أن تنتهي العزلة -بإذن من الله- سأكمل الترحال، سوف أطلق جناحي مرة أخرى وأطير ليل نهار، لا أترك بلداً إلا وأزوره، ولا قوماً إلا وأحدثهم، ولا جنساً من حيوان ولا طير إلا وأتعرف إليه، غير أن ذلك لا يتأتى إلا لشخص أنضجته نار العزلة.

حسين عبدالجليل 25-04-2020 11:05 AM

وباء كورونا يُعَرّي الأُسرة الغربية!
غادة السمان


وسائل الإعلام الغربية بثت العديد من التحقيقات المتلفزة والصحافية حول ارتفاع نسبة الوفيات بعدوى الكورونا في «بيوت المسنين» لقلة الاهتمام بالتزام سبل الوقاية.

«بتلوموني ليه»؟ تقول الممرضة..

في البداية، انصب اللوم على العاملين في «دور رعاية المسنين»، ثم تبين أن عددهم لا يفوق عدد أصابع اليد، وعليهم العناية بأكثر من عشرات المسنين وبعضهم من ذوي الاحتياجات الخاصة جداً ومن المتعذر عليهم المشي حتى إلى الحمام لقضاء حاجاتهم، وبالتالي فالقدرة البشرية للممرضين لا تؤهلهم لمزيد من العناية للمسنين، لقلتهم عددياً. والمسؤولون عن ذلك التقصير هم أولاً الذين يحاولون (التوفير) في تسديد نفقات الأمهات والآباء في «بيوت المسنين». وهكذا، فمدير الدار لا يستطيع تحسين الخدمات.
وجاء وباء الكورونا ليعري ببساطة أن المسن الأوروبي غير الثري يعتبره المجتمع الغربي (بقايا) بشرية تم استهلاكها، وريثما تمضي إلى موتها يتم حفظ المظاهر في بيوت المسنين التي قلما يزورها الأبناء.

عادات عائلية عربية أحبها

حين وصلت إلى باريس ومرت الأيام سألتني إحدى الجارات، بعدما شاهدتني قبل ذلك بيوم برفقة ابني حين كان في العشرين من عمره: «إنه ليس متزوجاً، وبالتالي من الطبيعي أن يقيم في بيت الأسرة».. في دمشق لم يخطر ببال أحد أن على والدي نقل جدتي إلى «بيت المسنين»، بل إن ذلك لم يكن أصلاً موجوداً في دمشق ولم ينهر والدي جدتي يوماً أو يقول لها «أُفّ»، وكان يخفض لها جناح الذل من الرحمة ويردد في نفسه: رب أرحمهما، هي وأبي، كما ربياني صغيراً.
والمقصود مما تقدم رسم صورة للأسرة العربية التي قلما يخطر ببالها التخلص من الآباء والأجداد في «بيوت المسنين» غير الموجودة أصلاً في كثير من بلادنا العربية، إلا ما ندر. وقد زرت في بيروت مرة «دار الكرامة» للمسنين، وهالني أن أرى هناك والدة شخصية سياسية لبنانية معروفة وثرية. وحين التقيته فيما بعد في مناسبة اجتماعية، عاملته باحتقار أدهش زوجي وقلت له إنه أودع أمه «دار المسنين»، ففي بلادنا العربية لم نألف بعد التخلص من الآباء والجدات.

جارتي الفرنسية في المستشفى وحيدة!

ثمة حادثة لم أستطع نسيانها، فقبل أعوام التقيت في المصعد إحدى جاراتي، وكما يحدث في الغرب.. أتبادل معها التحية ريثما يهبط بنا المصعد وهذا كل شيء. (بونجور/أورفوار)! ذلك اليوم كانت تحمل حقيبة صغيرة، سألتها ببساطة: هل أنت ذاهبة في إجازة؟ أجابت: لا، بل إلى المستشفى لجراحة.
دهشت وسألتها: بمفردك، أليس لك أولاد؟
قالت: ابنتي في العمل كما ابني. المرأة الشامية العتيقة التي تقطنني قالت لها: سأرافقك. لن أدعك تذهبين بمفردك.
دهشت، فالشعار في الغرب حتى عائلياً «كل واحد لنفسه»، وذلك لا نجده عندنا في الشرق.
اتصلت بها هاتفياً في اليوم التالي مساء إلى المستشفى، وكانت سعيدة لأن (الخزعة) أثبتت أنها ليست مريضة بالسرطان وستعود إلى البيت في اليوم التالي، فهي قادرة على المشي. في اليوم التالي، اتصلت بي قائلة إنهم لا يسمحون لها بمغادرة المستشفى دون أن يأتي من يصطحبها ويوقع على الأوراق حول ذلك؟
سألتها: أين ابنك أو ابنتك؟
قالت بحسرة: مشغولان بالعمل. وأضافت بما يشبه التوسل: هل بوسعك الحضور؟
وكأي شامية عتيقة، ذهبت لأصطحبها إلى البيت ووقعت الأوراق اللازمة في المستشفى وحزنت، فنحن نحسد الحضارة الغربية ولكن ثمة الكثير الذي تحسدنا هي عليه. وهو التماسك العائلي والارتباط العميق بالأسرة وحتى بالجيران، (والجار قبل الدار) كما يقول المثل الشامي.

الأم شامية والابن غربي العقلية العائلية

لأنني أقيم في ناطحة سحاب باريسية فلي جارات كثيرات.. منهن شامية كانت تقيم في حي «القصاع» ثم في «باب توما»، تعرفتْ على ديبلوماسي فرنسي وتزوجها وانتقلت للحياة معه في باريس، ورحل زوجها، ودرس ابنها في سويسرا واستقر هناك وحمل الجنسية السويسرية، أما هي فظلت في البيت الباريسي. كانت جارتي الأحب رغم فارق السن بيننا، فقد كان ابنها يكبرني سناً. مع الزمن غلبها ضعف الشيخوخة، ولكن ابنها الذي تربى في ظل العادات الغربية لم ينقلها للإقامة معه في بيته على الرغم من أنه غير متزوج، بل أودعها في أحد بيوت المسنين (الفخمة) في سويسرا بالقرب من مدينة جنيف حيث يعمل ويقيم.
كنت اتصل هاتفياً بها كل أسبوع، كانت غاية في التعاسة في (بيت المسنين) كما شعرت من نبرة كلامها، وقلما كان ابنها يزورها. ومرة واحدة قالت لي إنها نادمة لزواجها من غربي، ولم تتخيل أنها ستقيم ذات يوم في أحد (بيوت المسنين) حتى في سويسرا.

الفرنسي مغرّب والعربي له من يرافقه

في باريس، بالضبط في ضاحية نوبي الباريسية الراقية مستشفى (….) لعلاج المرضى بالسرطان بالأشعة.
وكنت أرافق إلى هناك عزيزاً عربياً، ولاحظت أن الذين من أصل عربي يرافقهم شخص ما من أسرتهم أو من الأصدقاء أو الجيران، أما الباريسي فيأتي بمفرده لتلقي العلاج الثقيل.
في قاعة الانتظار، حيث تتم المناداة على المريض، لاحظت أن المرضى القادمين بمفردهم كلهم من الغربيين، وفقط العرب أو الذين من أصل عربي ثمة من يرافقهم لدعمهم معنوياً. من زمان، كتبت ساخرة من (الزفة) التي ترافق في بيروت كل مريض/مريضة تدخل المستشفى لإجراء عملية جراحية.
اليوم، بعد انتشار وباء كورونا أتلو «فعل الندامة»، وأعتقد أن التضامن العائلي أمر عربي جميل علينا أن نفخر به لأنه علامة حضارية إنسانية.
في بلادنا العربية المسن قيمة إنسانية، يحترمها أولاده وجيرانه ومعارفه.
في الغرب، يأتي السيد كورونا ويعري اللامبالاة في الأسرة الغربية بالمسن إذا لم يكن ثرياً ولم يكن ثمة من طامع بالميراث.

النجوم الأثرياء والأمراء يتم لهم الشفاء!

قرأت أن رئيس وزراء بريطانيا، كما أمير موناكو «البير»، أصيبا بمرض فيروس الكورونا، وكما أمير بريطانيا ولي العهد شارلز، وشفوا بفضل العناية الطبية الفائقة التي يحاطون بها ولا تتوافر للناس جميعاً. فيروس كورونا لا يميز بين الفقراء والأغنياء، ولكن الأثرياء يجدون من يعتني بهم للشفاء، لا كما يحدث في «دور المسنين».
وتظل الأسرة العربية الوعاء الأنبل والأفضل للمسنين في مرضهم واحتضارهم، وهم أمراء وأثرياء بمحبة الأبناء حتى ولو كانوا فقراء.
فالأسرة العربية محبة والمحبة مناعة وحماية من الحزن واليأس، وهذا يقوي المناعة ضد المرض.

حسين عبدالجليل 28-04-2020 08:50 PM

صدمة كورونا: نهاية سحر العولمة .. بقلم: أولريش مينزل .. ترجمة فادية فضة ود. حامد فضل الله
http://www.sudanile.com/index.php/%D...84%D9%84%D9%87



أنتشر الطاعون في حوالي العام 1320، في نفس مقاطعة هوبي بوسط الصين، والتي تعتبر اليوم، مع عاصمتها ووهان، منطقة مصدر فيروس كورونا. وعلى الرغم من جميع الاختلافات التاريخية، توجد بالفعل أوجه تشابه مذهلة في مسار وعواقب كلا الوباءين. استغرق انتشار الطاعون في ذلك الوقت، من 25 إلى 30 عامًا قبل وصوله من الساحل الصيني الى موانئ التجارة الخارجية ومحطات نهاية تجارة القوافل في آسيا الوسطى، والطريق التي ربطت الصين بأوروبا عبر طريق الحرير. من هناك توسع انتشاره بسرعة كبيرة: ففي غضون عام، تفشى الطاعون في تانا على بحر أزوف، نقطة النهاية لطريق آسيا الوسطى، وفي حلب، نقطة نهاية الطريق عبر بلاد فارس. لم يستغرق ذلك وقتا طويلا كي يمتد الى الطريق البحري عبر بحر الصين الجنوبي وخليج البنغال وبحر العرب، وكذلك عبر البحر الأحمر إلى دلتا النيل أو من الخليج الفارسي (العربي ــ المترجم) الى الفرات ليصل الى الساحل السوري. هناك ً كانت السفن الإيطالية تنتظر فعلياً، لأخذ البضائع الثمينة من القوافل لنقلها على متنها وتوزيعها في أوروبا. وهكذا ضرب الطاعون إيطاليا بكامل قوته عام 1348. [1]

لقد كانت العواقب على السياسة والمجتمع والاقتصاد كارثية. بالإضافة إلى الموت الجماعي للسكان على طول الطرق ومراكز الشحن العابرة للتجارة البعيدة المدى، أدت الى انهيار أول نظام اقتصادي عالمي، حيث شكل شمال إيطاليا وهولندا الطرف الغربي الأقصى فقط. وكان هذا النظام قد تشكل قبل مائة عام تحت سقف الحماية "للسلام المنغولي"* (Pax Mongolica)، الذي كان على شكل قوس يمتد من حزام السهوب في الصين إلى التايغا الهنغارية. كانت عواقب هذا الانهيار هائلة: ركود اقتصادي طويل الأمد، وذاكرة الموت الأسود التي تتجذر بعمق في الذاكرة الأوروبية الجماعية وما زالت حية حتى اليوم من خلال أعمدة الطاعون (التذكارية) والمسرحيات العاطفية، وانهيار الإمبراطورية المغولية.

العولمة قبل العولمة – لقد انهار النظام العالمي الأول في وقت قصير جداً، قبل بداية السيطرة الأوروبية على العالم –واستبدل بتجزئة طويلة للعالم. استغرق الأمر لغاية بداية القرن الخامس عشر حتى استعادت بعثات أسطول مينغ* الأول النظام من الطرف الشرقي من العالم لما يقارب السبعون عاماً أخرى قبل أن يجد البرتغاليون الطريق البحري إلى الهند „Estado da India“ ويؤسسوا طريق الهند كإطار تنظيمي جديد. إن أول رحلة لفاسكو دا جاما (Vasco da Gamas) إلى كالكتا في الهند عام (1498) وأول رحلة لكولومبوس عام (1492)، والذي أراد منها الوصول إلى الهند على الطريق الغربي واكتشف "العالم الجديد"، تمثلان بداية العولمة من منظور أوروبي. [2]

تقوم العولمة على تكثيف وتسريع المعاملات عبر الحدود (من التجارة والتمويل والأشخاص والمعلومات وحتى الأوبئة)، والتي تتمدد في نفس الوقت مكانيًا. تتكون هذه العملية باختصار، من ضغط المكان والزمان. وبهذا المعنى، فإن كورونا هي تكثيف وتسريع انتشار وباء عابر للحدود مثل الطاعون. والعولمة ليست بلا قيود، مقارنة بفيروس كورونا، فهي لا تتطلب تقدمًا تقنيًا في مجال النقل والاتصالات، مما يجعل هذه المعاملات أسرع وأسرع ومتزايدة باستمرار فحسب، بل تحتاج أيضًا الى أطار مؤسس، يضمن السلع العامة الدولية الرئيسية: الاستقرار الاقتصادي والأمن السياسي. والتي يطلق عليه اليوم الحوكمة العالمية. يمكن توفير هذه السلع من خلال العقود والمنظمات الدولية بطريقة تعاونية أو من خلال توفيرها من قبل القوة الرائدة، التي تجعل الجميع يشارك في خدماتها بشكل مستقل. [3] تم تقديم هذا الإطار المؤسسي لأول مرة من قبل المغول بالاشتراك مع الإيطاليين، ولاحقاً من قبل مينغ، وثم من قبل البرتغاليين والإسبان، حتى تم استبدالهم بالهولنديين والبريطانيين وأخيرًا الولايات المتحدة.
ولكن العولمة هي أكثر من ذلك، فهي سردية كبرى، والتي تشرح، سبب كون هذه العملية معيارية ومفيدة لجميع المشاركين. هذه هي الطريقة الوحيدة التي يكون فيها اللاعبون المعنيون على استعداد لحشد الإرادة السياسية والتكاليف، للحصول على الإطار، ووضع قواعده، وإذا لزم الأمر، لفرضه ايضاً ضد أي معارضة.

كان ديفيد ريكاردو* (David Ricardo) هو النبي الحقيقي للعولمة، الذي طور نظريته الشهيرة التكاليف النسبية في عام 1817. [4] كان استنتاجه ــ لماذا تحدث عموما التجارة الدولية - ولماذا يجب أن تحدث - هو: الكل، الذين يشاركون في التقسيم الدولي للعمل، يستفيدون من هذا، أي توفير في التكاليف. بناء على هذه الحجة، على سبيل المثال، النتيجة هي سلاسل التوريد عبر الحدود اليوم. ولكي يمكن إدراك مزايا هذه التكلفة، يجب أن تسود التجارة الحرة. كما يجب إزالة أي عوائق تجارية، سواء أكانت بسبب الرسوم الجمركية أم غير التعريفية. وهكذا قدم ريكاردو نموذجًا (برادايم) جديدًا في ما يتعلق بالمذهب التجاري السائد حتى ذلك الوقت. فهو لم يعلل سبب وجود شبكة دولية لاتفاقيات التجارة الحرة فحسب، بل شَرعَ، فتح البلدان للتجارة بالعنف. كان لدى ريكاردو رواد بارزون سابقون عملوا على هذه السردية الكبرى، مثل الهولندي هوغو غروتيوس (Hugo Grotius) كبطل لمبدأ حرية البحار. [5]
مع ذلك، ومن أجل أن تكون للسردية الكبرى في تقليد غروتيوس وريكاردو، التي تقوم عليها النيوليبرالية (الليبرالية الجديدة) اليوم، فعالةً، فإنها تحتاج إلى المفسرين والقوى الفاعلة التي تقوم بعمل مقنع، والسياسيين الذين لديهم القوة لفرض فكرة الليبرالية. بهذه الطريقة فقط يمكن للعولمة أن تزيد سرعتها. وقد لعب البريطانيون هذا الدور منذ منتصف القرن التاسع عشر بإبرام نظام مترابط من الاتفاقيات التجارية الثنائية وفتح دول مثل الصين للتجارة والاستثمار باستخدام "سياسة القوارب الحربية" (سياسة القوة) منذ عام 1842. وتلتها اليابان في عام 1854 بالضغط الأمريكي. وهكذا بدأ الانتعاش الاقتصادي في الصين واليابان، الذي كانت قد منعته العزلة الذاتية المفروضة سابقا. وهكذا تسارعت العولمة إلى حد كبير. ومن المفارقات ان بريطانيا نفسها كانت ضحية مبكرة لها، عندما تجاوزتها ألمانيا صناعياً في نهاية القرن، حيث بدأ أول تراجع بريطاني، لكنها بقيت مع التجارة الحرة على الرغم من "الكساد الكبير"، حسب ما جاء في السردية الكبرى.

قبل الحرب العالمية الأولى: العولمة في ذروتها
وصلت العولمة في عشية الحرب العالمية الأولى إلى ذروة جديدة بفضل الملاحة البخارية والسكك الحديدية. ولكن كانت بريطانيا في خضم الفترة ما بين الحربين، ضعيفة للغاية ولم تكن الولايات المتحدة ذات التوجه الانعزالي مستعدة بعد لتولي دور القيادة الليبرالية. لذلك، لم تكن هناك امكانية السيطرة على الكساد الكبير منذ عام 1929. وكان هذا بدوره مرادفًا للتحول الجذري نحو تفكيك العولمة، الذي عززته الحرب العالمية الثانية. مع بداية مؤتمر بريتون وودز (Bretton Woods) في عام 1944+ تولت الولايات المتحدة زمام الأمور. إن إنشاء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي (IMF) ومنظمة التجارة العالمية (WTO) بجولاتها الجديدة الدائمة لتخفيض التعريفات الجمركية وتوسيع نطاق مسؤولياتهم تجاه الخدمات وتحركات رأس المال والاستثمارات الأجنبية، أدى الى ضمان عودة التفكير الريكاردي وانتعشت العولمة مرة أخرى. وعندما أصبحت الليبرالية الجديدة مهيمنة منذ تسعينيات القرن العشرين، مع نهاية نصف الكرة الشيوعي، بات كل أولئك الذين لم يرفضوا العولمة في حد ذاتها، ولكن فقط مغالاة تطرف حركة السوق غير المقيدة، يعتمدون على الحوكمة العالمية. كما يجب احتواء العولمة بمساعدة المنظمات والاتفاقيات والمعايير الدولية. بدا هذا النهج ناجحًا لفترة طويلة، على الأقل في أوروبا، على الرغم من أن الاتحاد الأوروبي مع السوق الداخلية الأوروبية واتفاقية شنغن قاد الى تحول سريع الى عولمة داخل أوروبا.

أن المقابل المحلي للعولمة والحوكمة العالمية هو فكرة الكونية. إنها جذابة لأصحاب الدخل فوق المتوسط، والمتعلمين، والمسافرين بعيداً، والمتعلمين للغات الأجنبية، أي أولئك الذين يدافعون عن حرية الحركة والتجارة الحرة وحركة رأس المال وكذلك التعددية الثقافية والقيم العالمية. لقد قدر ايضاً، المواطن العادي منذ وقت طويل، نعمة العولمة: المنسوجات الرخيصة والإلكترونيات الترفيهية، والفواكه الغريبة على مدار العام، ورحلات العطلات ليس فقط إلى ريميني ومايوركا، ولكن الى جميع أنحاء العالم، وعدم وجود ضوابط في منطقة شنغن، ولاعبو كرة القدم من جميع أنحاء العالم لجعل النادي المحلي مناسبًا لدوري الأبطال، وأخيرًا وليس آخرًا العمال المهاجرين، الذين يقومون بالعمل الصعب جسديًا أو بأجر قليل.

الصدمات الأربع: المنافسة والأزمة والهجرة وتغير المناخ
عرفت السردية الكبرى الغمام الأول عند ظهور منافسة شرق آسيا القوية - اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والصين – كما كشفت عن الجوانب السالبة للعولمة في الغرب. تحولت العولمة أكثر فأكثر إلى لعبة محصلتها صفر: أن تصنيع آسيا، كان له ثمناً باهظاً، وهو تراجع التصنيع في الغرب. تسببت اليابان في الانحدار الامريكي الأول في الثمانينيات – كما تسببت الصين في الانحدار الأمريكي الثاني الحالي - مما يجعل السردية الكبرى موضع تساؤل حتى في الوطن الأم لليبرالية الجديدة، عندما يرفع السياسيون من حزام الصدأ* المطالب الحمائية*.

كان الغمام الثاني لفكرة العولمة، تجنبا لقول الصدمة، ما معنى إفلاس ليمان* (Lehman) في عام 2008 والأزمة المالية العالمية الناتجة عنه، والتي قادت بعض البلدان إلى حافة إفلاس الدولة. والتي لم يكن بالإمكان التعامل معها إلا من خلال تدخل الدولة فعلياً بشكل مركز. كانت الصدمة كبيرة لدرجة أنها لم تؤثر فقط على المضاربين الماليين العالميين، الذين يطلق عليهم بشكل ملطف "المصرفيين الاستثماريين"، ولكن أيضًا على الأشخاص الصغار الذين، بدافع الجشع ومن أجل الفائدة المرتفعة، عرضوا مدخراتهم للخطر. أسعار الفائدة صفر على ودائع الادخار – وفي المقابل، الارتفاع الحاد في أسعار العقارات والإيجارات، لأن رأس المال كان مندفعاً إلى قطاع العقارات بحثًا عن عوائد جديدة وسريعة - ولا يزال السعر الذي يتعين على الناس العاديين دفعه قائماً مقابل عولمة الأسواق المالية.

كان الخرق الثالث في أسطورة نعمة العولمة هو الهجرة الجديدة للشعوب، التي بلغت ذروتها في أوروبا في عام 2015. من منظور الليبرالية الجديدة، فالهجرة جيدة - على الأقل هجرة الأيدي العاملة: في ضوء التغيير الديموغرافي، فهي تزود بلد المهجر بإمدادات إضافية من العمال الذين هي بأمس الحاجة إليهم، مما سيقلل التكاليف. أما في بلد المنشأ فهي تقلل البطالة وتؤدي إلى ارتفاع الأجور هناك. باختصار: أسواق العمل العالمية في حالة توازن، بحسب نظرية الليبرالية الجديدة. على أية حال، لعبت الهجرة دوراً أكبر من المزاحمة التنافسية والأزمة المالية وكذلك العوامل غير الاقتصادية في حصول العواقب التالية: تعزيز الوسط الشعبوي، حيث يقف أعضاءه ضد رؤية عالمية إنسانية نحو الآخر. هذا الوسط الشعبوي يتغذى على الخاسرين من العولمة، أولئك الذين يرون في الغرباء مجرد مرافق فندقية مهجورة يتحملون هم وحدهم العبء الرئيسي من عملية الاندماج. لاسيما وإن أعضاء هذا الوسط الشعبوي يتعرضون لرواية أخرى، لخطاب أخر عن "الاغتراب الثقافي" الذي لا صلة له بمحاججة بناءة، سواء كانت مخاوفهم حقيقية أو يتم تخليها لا غير.

بدأ صعود الشعبوية الحديثة مع بداية التسعينيات. ولكن مع وصول إدارة ترامب، حصلت الشعبوية أخيراً على وجه عالمي. لا يتحدث دونالد ترامب عما يُعتقد في الوسط الشعبوي فحسب، بل ويعد أيضًا بوضع حد للعولمة من خلال النزعة الانعزالية الجديدة وسياسة الحمائية وعزل العولمة، واستعادة الوظائف وصد الأجانب. عندما بدأ حربا تجارية ضد الصين، فإنه أعاد إنعاش ذكرى الترويج لـ"الخطر الأصفر"، الذي تم استدعاؤه لأول مرة في الغرب في نهاية القرن التاسع عشر ويشكل نصًا فرعياً لصموئيل هنتنغتون أيضًا.

خرق رابع عميق في قصة العولمة الإيجابية وهو عكس الاتجاه المعارض للتغير المناخي، وذلك بفضل أيام الجمعة من أجل المستقبل، الذي بدأ في عام 2019، وقد لفت انتباه الجمهور في النهاية، بالإضافة إلى الجفاف وحرائق الغابات والأمطار الغزيرة والفيضانات والعواصف كانت سياسة المناخ ملحوظة منذ فترة طويلة حتى بالنسبة للشخص العادي. هنا لا يتم تحريك الوسط الشعبوي فحسب، بل الوسط العالمي هو الذي يجعل العلاقة بين العولمة وتغير المناخ قضية. يصاغ هذا النوع المختلف في الخطاب النقدي للعولمة بمصطلحات جديدة مثل خجل الطيران (Flugscham)، وانتقاد الرحلات البحرية، والرحلات الجوية الداخلية، وسيارات الدفع الرباعي، ولكن أيضًا القطع والحرق في الغابة الاستوائية من أجل كسب مناطق لزراعة فول الصويا، مما يتيح تربية الحيوانات بكميات كبيرة في هذا البلد، والذي بدورها توضع في السفن المبردة لتصدير لحوم الخنزير إلى الصين. يعتمد البيئيون، منتقدو العولمة في المقابل، على الهيكلة الإقليمية الصارمة من خلال المنتجات العضوية، وعلى الدراجات ووسائل النقل العام، والتجوال مشيا أثناء العطلات في بلادهم.

خطاب ترامب الشعبوي المضاد للعولمة
كان ولا يزال حتى الآن سلوك حكومة الولايات المتحدة باعتبارها أقوى دولة، حاسماً بالنسبة لمستقبل العولمة. وايضا أن سياسة ترامب بالرغم ما تحمله من ملامح مضللة، مبعثرة كثيرة، فأن لها منطقاً أيضاً.. لأن الولايات المتحدة تواجه معضلة الهيمنة الكلاسيكية، بين خسارة المركز وفقدان المكانة: الزعم بتأكيد وضعها كضامن لنظام اقتصادي ليبرالي - وبالتالي في نفس الوقت الاشتراط المسبق لمزيد من العولمة – ما يفقدها موقعها كقوة اقتصادية رائدة بسبب المزاحمة في المنافسة. ثم ستستمر في الوقوع ضحية للعولمة وفي نفس الوقت تفقد الموارد اللازمة للحفاظ على موقعها. ومع ذلك، إذا تفاعلت مع ضغوط العولمة بطريقة الحمائية أو حتى بطريقة انعزالية، فإنها تفقد مكانتها كقوة قائدة للعالم.

يريد ترامب حل هذه المعضلة بسياسته "أمريكا أولاً". حيث يتم استبدال السفينة الحربية الأمريكية في عهد بوش بتسييج أمريكا، بالجدران التي يتم بناؤها عملياً على الحدود مع المكسيك مع ربطها بتخفيف الأعباء العسكرية في الخارج (العراق وأفغانستان). وهكذا يستجيب ترامب الى الوسط الشعبوي للخاسرين من العولمة، والذي وعدهم بإعادة الوظائف الى الحزام الصناعي القديم للولايات المتحدة. كل هذا يسهل له مهمته، وخاصة إن اتجاه مناصرو البيئة الكونية (العالمية) في الولايات المتحدة لم يعد قادرا على الدفاع عن العولمة بقوة، بسبب تغير المناخ. وهكذا أصبح ترامب هو الراوي الجديد الأبرز والأكثر نجاحًا الذي يدير خطاباً مضاداً للعولمة ويستند في أفعاله إلى روايته الخاصة.

والصين على العكس من ذلك، ليست على استعداد لتحل محل الولايات المتحدة كقوة عالمية، حتى لو كان يجب أن يكون لديها في الواقع اهتمام كبير بذلك. فالصين لا تساير رواية الليبرالية الجديدة، لكنها أثبتت أن التصنيع والازدهار ممكنان أيضاً بطرق أخرى. تستخدم الصين الليبرالية الغربية لمتابعة الهجوم في التصدير والاستثمار، لكنها تصر على أن يكون هذا منسق بيروقراطياً وأن تكون لقيادة الحزب الشيوعي الكلمة الأخيرة. وطالما ان الطبقة الوسطى الصينية الجديدة مشاركة، فإنها تقبل في الغالب تقييد الحريات المدنية للعولمة العالمية. تريد الصين حتى عام 2049، أن تكون رائدة عالمية بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية الشعبية. وحتى ذلك الحين، ينطبق هذا الادعاء فقط على البلدان الواقعة على طول طريق الحرير الجديد، والتي يتم إغراؤها بالقروض والبنية التحتية.

لكن قد تغير كل شيء منذ بداية عام 2020. منذ تفشي فيروس الكورونا في ووهان بوسط الصين، اصبحت الصين أقل بعدا مما كان متوقعاً. لم يعد الانتشار العالمي للفيروس اليوم يستغرق من 25 إلى 30 عامًا، وإنما 25 إلى 30 يومًا فقط. لم تتأثر الدول المجاورة للصين فقط، كوريا الجنوبية واليابان، أو إيران كحلقة وصل على طريق الحرير الجديد، ولكن أيضًا أوروبا، وكما هو الحال في وقت الطاعون، تصبح إيطاليا مرة أخرى كبوابة. لكن، وفوق كل شيء ازداد الوعي العام بأن الوباء هو أيضا تعبير عن العولمة. وقد أدى كل ذلك إلى نزع الشرعية عن خطاب العولمة بشكل جذري. لقد أظهرت جائحة كورونا: أن التقسيم الدولي للعمل لا يؤدي فقط إلى زيادة الرخاء، ولكن أيضًا إلى تبعيات هائلة. هكذا أصبح فجأة، واضحاً، عندما انقطعت سلاسل الإنتاج أيضاً بسبب أزمة كورونا العالمية: عندما ترامى بأن أقنعة الوجه والبدلات الواقية لم تعد متاحة حيث يتم إنتاجها في الصين وتوقف الإنتاج أو التصدير هناك بسبب الوباء، وأن الإنتاج الصيدلاني المحلي معرض للخطر لأن 300 مواد أساسية تأتي كمنتجات أولية من الصين - عندها تخلق العولمة الخوف.

وينطبق هذا أيضًا حين لم يعد مجمع الفنادق في ما وراء البحار أو سفينة سياحية عبارة عن عطلة فخمة، وانما تصبح فخاً مميتًا بمجرد الاشتباه بالعدوى. نتيجة هذا الخوف هو الإلغاء الجماعي للعطلات المحجوزة بالفعل، وهو أحد خيارات رد الفعل الفردية القليلة جنباً إلى جنب مع هستيريا الشراء. كان ميدان سان ماركو (Markus-Platz) في البندقية وساحة الكاتدرائية (Piazza del Duomo) في ميلانو مهجورين قبل إعلان الحكومة أن كل إيطاليا منطقة محظورة. بقي السائحون بعيداً باختيارهم وفشلت على وجه الخصوص السياحة الجماعية الصينية - خوفاً من العداء الجماعي. هذا هو الخوف من خوف الآخرين.

الصين في موقف دفاعي
إن الصين، بصفتها الدولة الأكثر تأثراً حتى الآن وتقف قيادتها في هذه الفترة في موقف دفاعي مضاعف: من الناحية الاقتصادية، يتعين على الجمهورية الشعبية أن تقبل الانهيار الصارخ، الذي لا يمكن للعالم بأسره توقع مدته ومداه. إن فشل الصين كمورد - ليس فقط للمنتجات النهائية، ولكن أيضًا للسلع الوسيطة - أو كعميل (كزبون)، على سبيل المثال في أسواق النفط، سيكون له قيمة خاصة بسبب حجمها. حتى المزارع الضخمة لتربية الماشية المحلية تعتمد الآن على الطلب الصيني للحم الخنزير، ناهيك عن صناعة السيارات. ما لم يحققه ترامب بتعريفاته الجمركية العقابية، تحققه كورونا في لمح البصر: حيث سوف تفكر العديد من الشركات فيما إذا كان من المنطقي حقًا وضروريًا، بالنظر إلى التبعية التي أصبحت واضحة الآن - وتحت ضغط حجة المناخ – الإبقاء على تخزين كل شيء إلى الصين بسبب مزايا التكلفة المنخفضة. يستعد البعض لاحتمال استرداد انتاج بعض أجزاء من الإنتاج مرة أخرى. وينطبق هذا بالتأكيد على صناعة الأدوية، خاصة وأن المتطلبات السياسية يمكن توقعها هنا والتي يمكن تبريرها بحالة طوارئ وطنية.

وتتعرض القيادة الصينية أيضًا لضغوط شعبها: بسبب الرقابة والصحافة الموجهة، فهو لا يثق في سياسة المعلومات الخاصة بالحزب الشيوعي بل القاء اللوم على كوادر الحزب المحلية في إبقاء تفشي الفيروس طي الكتمان لفترة طويلة وتجاهل تحذيرات الأطباء المبكرة. كما انه من منظور السياسة الخارجية، من المحتمل أيضاً أن يمر وقت طويل قبل أن تعود الصين إلى الهجوم بعد أن أصبحت في وضع دفاعي نتيجة للتقارير حول معسكرات الأويغور في شينجيانغ والاحتجاجات في هونغ كونغ. من المرجح أن تظل الصين كذلك حتى إشعار آخر، فاشلة كلاعب عالمي، التي ستعيد إطلاق عجلة التوازن للعولمة - وهو الأمر الذي تخلى عنه ترامب - حتى أصبح طريق الحرير الجديد مهدداً ويمكن ان يصبح يتيماً في الوقت الراهن.

إن الفيروس التاجي كورونا - أو بالأحرى الخوف من كورونا – هو القطرة التي جعلت برميل نقد العولمة يفيض. إنها الحلقة الأخيرة فقط في سلسلة كاملة من الأحداث التي تشكك جذريًا في السردية الكبرى لبركات العولمة: المزاحمة التنافسية عبر شرق آسيا، والأزمة المالية وعواقبها، التي لم تتغلب عليها بعض البلدان حتى الآن، العدد الكبير من المهاجرين، الذين تتحصن الدول الغربية الآن في مواجهتهم، الكارثة المناخية المتصاعدة، والآن يندمج الوباء كلغم تتحمل فيه العولمة المسؤولية من جميع جوانبها. يتم شرح الأمر من خلال صور تظهر اللاجئين بأقنعة الوجه - خوفًا من كورونا. وبالمناسبة، فإن اغلاق الحدود ليس فقط لوقف الفيروسات، ولكن أيضا لرفض اللاجئين. ربما لن تعود حرية الحركة وفق اتفاقية شنغن في أقرب وقت ممكن.
ومن المفارقات، أن الرواية العظيمة للعولمة سيتم التشكيك بها بشكل كبير حاليًا من قبل الفائزين المفترضين والخاسرين من العولمة: من خلال انتقاد الوسط العالمي لعواقب العولمة على البيئة ومن خلال انتقاد الوسط الشعبوي بتراجع التصنيع والهجرة والتغيير الثقافي. ويصبح هذا واضحًا من خلال كورونا، لأن الفيروس يغير الحياة اليومية بعدة طرق: فهو يستحضر خطر الركود، وربما أزمة اقتصادية عالمية مع بطالة هائلة، ويعيد إحياء الأفكار القديمة، وصولاً إلى "الخطر الأصفر" الذي يقال إنه يهدد الغرب.
وهكذا يأتي أبطال نموذج الليبرالية الجديدة من الجانبين في موقف دفاعي - ويميلون إلى أن يصبحوا أقلية. ومع ذلك، إذا استمر الخطاب النقدي للعولمة من الجانب العالمي والشعبوي في اكتساب شعبية، فإن رغبة السياسيين في الحفاظ على الوسائل والقواعد والمؤسسات التي تحدد إطار العولمة ستنخفض أيضًا. لذا فإن ترامب والأشخاص ذوي التفكير المماثل لديهم حاليًا لعبة سهلة. لأنه بدون الحوكمة العالمية، تفقد العولمة ذاتها تأثيرها.

لذلك، يجب أن يدخل الأسبوع الأول من آذار/مارس 2020 التاريخ، ليس فقط كبداية للركود الاقتصادي العميق، ولكن أيضًا كنقطة تحولت فيها عجلة العولمة إلى الوراء قليلاً. لن يكون الانهيار حادًا كما كان في عام 1350 عندما كان للطاعون قبضة قوية على أوروبا، كما انه لن يكون مجرد دُمل على الاقتصاد العالمي. ولن يكون التقسيم الدولي للعمل قادرًا على التراجع تمامًا، ولكن بالتأكيد نتوءاته كما هو الحال في صناعة الأدوية. ولن يستغرق الأمر طويلا كما في القرن الرابع عشر حتى يتعافى الاقتصاد العالمي. ولكن طالما أنه لا يوجد ضامن جديد لنظام عالمي ليبرالي في الأفق، حيث أن القديم يرفض الاستمرار في لعب هذا الدور، ولأن أوروبا ضعيفة للغاية ومنقسمة، والصين لديها تصور بيروقراطي وليس ليبرالي عن النظام العالمي سوف يتواصل صرير العولمة. إذ أن الوضع الحالي يؤكد بأن كل واحد يعمل لنفسه. وتنتشر الإشارات في جميع انحاء العالم حول الشعبوية والقومية والسلطوية والعزلة - وبمعنى شامل وأساسي للغاية للحمائية، وهو ما لا يعني الاقتصاد فقط. وهذا ما نشهده حاليًا "بفضل" كورونا: ليس على المرء دفع كل ثمن تتطلبه العولمة. هناك عودة - مهما كان ذلك يعني.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*Ulrich Menzel, der Corona – Schock, die finale Entzauberung der Globalisierung, Blätter für deutsche und internationale Politik, 4 / 2020).
**أولريش مينزيل (Ulrich Menzel) مولود 1947 في دوسلدورف، المانيا، دكتوراه في الفلسفة وأستاذ سابق للعلوم السياسية في الجامعة التقنية في بروانشفايغ المانيا.
+ انعقد مؤتمر بريتون وودز وكلك إنشاء البنك الدولي وصندوق النقد الولي في عام 1944، لكن النص يشير الى عام 1947، ربما يكون هنا اشتباه في التاريخ.
1. عن الطرق والتواريخ، انظر جانيت أبو لغد (Janet L. Abu-Lughod) قبل الهيمنة الأوروبية: النظام العالمي م. 1250-1350 (Before European Hegemony: The World System A.D. 1250-1350)، نيويورك 1989، ص 170 وما بعدها.
2. على الأقل هذا ما يجادل به منظري النظام العالمي على أثر إيمانويل فالرشتاين (Immanuel Wallerstein) وأندريه غوندر فرانك (André Gunder Frank).
3. انظر أولريش مينزيل، ترتيب العالم (Die Ordnung der Welt)، برلين 2015.
4. ديفيد ريكاردو (David Ricardo) ، مبادئ الاقتصاد السياسي والضرائب (Grundsätze der politischen Ökonomie und Besteuerung)، الناشر، فريتز نيومارك (Fritz Neumark) ، فرانكفورت، 1972.
5. هوغو غروتيوس (Hugo Grotius)، حول حرية البحر (Von der Freiheit des Meeres). لايبزيغ 1919.
السلام المنغولي (The Pax Mongolica)، ويعرف أيضاً ب "السلام التتري" هو تعبير صاغه مؤلفون غربيون، لوصف الظروف الاجتماعية والثقافية والاقتصادية المستقرة نسبياً في المناطق الداخلية من الإمبراطورية المنغولية. غطت هذه الإمبراطورية، التي غزاها جنكيز خان وورثته، أجزاء كبيرة من آسيا وأوروبا من أواخر القرن الثاني عشر إلى القرن السادس عشر. يستخدم هذا المصطلح لوصف سهولة الاتصال والتجارة التي ساعدت الإدارة الموحدة على إنشائها وفترة السلام النسبي التي أعقبت الفتوحات المغولية الشاسعة.
السلام الروماني (Pax Romana) يطلق على الفترة الطويلة من السلام والاستقرار النسبيين التي حدثت في الإمبراطورية الرومانية بين انضمام قيصر أغسطس، مؤسس الزعامة الرومانية، وموت ماركوس أوريليوس، آخر "الأباطرة الصالحين منذ أن تم تطبيقه من قبل أغسطس مع نهاية الحرب الأخيرة للجمهورية الرومانية (Final War of the Roman Republic)، يطلق عليه أحيانا باكس أوغوستا. خلال هذه الفترة من حوالي 206 سنوات (27 ق.م إلى 180 م)، حققت الإمبراطورية الرومانية أكبر نطاق إقليمي، ووصل عدد سكانها إلى حد أقصى يصل إلى 70 مليون شخص - ثلث سكان العالم.
مينغ، أو أسرة مينغ سلالة الأباطرة الذين حكموا الصين 1368-1644.تعود سلالة أسرة مينغ لسلالة الأباطرة الصينيين القدامى
التكاليف المقارنة (الأفضلية المقارنة أو الأفضلية النسبية أو الميزة النسبية) قانون التجارة الدولية أن على كل دولة أن تتخصص في إنتاج وتصدير السلع التي يمكنها أن تنتجها بتكلفة نسبية أقل. وأن عليها أن تستورد السلع التي تنتجها بتكلفة عالية نسبيا. وبالتالي، فإن الميزة النسبية وليس المطلقة هي ما يجب أن يفرض أنماط التجارة. ترجع هذه النظرية الى دافيد ريكاردو عام 1817. وتختص النظرية بالتجارة الدولية، وتقول بأن الدول تقوم بتصدير المنتوجات التي تستطيع إنتاجها بشكل كفؤ نسبيا مقارنة بدول أخرى. مقياس الكفاءة النسبية يتم من خلال مقارنة تكاليف الإنتاج لمنتج بين الدول المعنية، والتكلفة المعنية في هذه الحالة هي تكلفة الفرصة البديلة.
حزام الصدأ هو مصطلح يطلق على المنطقة المتداخلة العليا شمال شرق الولايات المتحدة، البحيرات الكبرى وولايات الغرب الأوسط، يشير إلى التدهور الاقتصادي واضمحلال المناطق الحضرية بسبب تقلص قوة القطاع الصناعي الذي كان قويا سابقا.
الحمائية هي سياسة تجارية تهدف إلى حماية الإنتاج الوطني من المنافسة الأجنبية، وتستند إلى مجموعة من الأدوات التي تحد من الاستيراد وتُعيق ولوج السلع الأجنبية إلى الأسواق الداخلية.
برلين ــــ 27 أبريل 2020

حسين عبدالجليل 04-06-2020 01:20 AM

ديمقراطي أسود ومسلم.. هذا هو المدعي المكلف بملف مقتل فلويد

قال الكاتب جان بابتيست فرانسوا، في تقرير بصحيفة "لاكروا" الفرنسية، إنه في الولايات المتحدة التي هزنها حادثة قتل المواطن من أصول أفريقية جورج فلويد على يد شرطي، يجد شخص من الجناح اليساري للحزب الديمقراطي نفسه في دائرة الضوء.

إنه النائب العام في ولاية مينيسوتا كيث إليسون، وهو ديمقراطي معروف بأنه أول نائب اتحادي يؤدي اليمين الدستورية على القرآن، كما أنه أدان ضابط الشرطة ديريك تشوفين المتورط في قتل الأميركي الأفريقي جورج فلويد.

يتحمل كيث إليسون (56 عاما) العبء الأكبر لمقاضاة ديريك تشوفين ضابط الشرطة المتهم بخنق الضحية حتى الموت. وقد أوكل له حاكم الولاية الديمقراطي تيم فالز هذه المسؤولية بعد التشاور مع عائلة جورج فلويد.

وأورد الكاتب أن كيث إليسون قبِل هذه المهمة "بتواضع وجدية كبيرين". وعلق على تويتر قائلا "سنوظف كل الموارد اللازمة لتحقيق العدالة في هذه القضية".

وللإشارة فإنه في الولايات المتحدة، يتم تعيين مدعي عام في كل ولاية من الولايات الخمسين، حيث يعد صاحب هذا المنصب المستشار القانوني الرئيسي للحكومة، وهو أيضا من الجهات المسؤولة عن تطبيق القوانين.

ويتم تعيين البعض منهم مباشرة، في حين يكون البعض الآخر منتخبين على غرار كيث إليسون، الذي تقلد هذا المنصب بعد عدة انتدابات اتحادية. عندما دخل مجلس النواب عام 2003، اعتبر الجمهوريون المحافظون ذلك بمثابة "فضيحة" خاصة حين أصبح أول عضو يحلف على القرآن بدلا من الكتاب المقدس. في المقابل، لم يمنعه ذلك قط من إعادة انتخابه في عام 2007 في ولاية ريفية ذات أغلبية كبيرة من البيض.

وأكد الكاتب أن قرار حاكم الولاية تيم والز بأن يكون إليسون على رأس هذه القضية دليل يعكس أخذه بعين الاعتبار رأي المتظاهرين الذين خرجوا إلى الشوارع تنديدا بعنف الشرطة المدفوع بالعنصرية. وفي حديثه عن عدم الثقة في النظام القضائي، أوضح إليسون أنه "يجب أن نبدأ بالتأكد من استعادة الثقة". وفي الحقيقة، يتعلق هذا الأمر أيضا بعدم خسارة مينيسوتا، في منطقة البحيرات العظمى التي كانت مسرحا لهزيمة هيلاري كلينتون أمام دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة عام 2016.

رفع المعنويات
يمكن لسيرة المدعي العام إليسون أن تطمئن بعض المتظاهرين. فقد ولد في عائلة كاثوليكية، واعتنق الإسلام في سن التاسعة عشرة عندما كان يدرس القانون، وقضى شبابه بين مجموعة "المسلمين السود"، وهي مجموعة سياسية دينية تدعو إلى القومية الأميركية الأفريقية.

كما أن إيلسون شخصية يسارية في الحزب الديمقراطي، ودعم بيل ساندرز خلال الترشيح الديمقراطي. وفي عام 2018، ترشح كيث إليسون لمنصب المدعي العام، وتعهد بأن يسعى للتصدي لبعض الإجراءات التي اتخذتها إدارة ترامب، بما في ذلك "حظر السفر"، بموجب مرسوم يناير/كانون الثاني 2017 الذي يحظر برنامج استقبال اللاجئين.

من جهتها، رحّبت عائلة جورج فلويد باعتقال الشرطي كخطوة أولى نحو "تحقيق العدالة"، لكنها قالت إنها "متأخرة" وغير كافية. وقالت في بيان لها "نريد أن توجه له تهمة القتل العمد مع سبق الإصرار، نريد أن يعتقل الوكلاء الآخرون المتورطون".

وحتى الآن، رفعت شكوى جنائية من قبل المدعي العام في مقاطعة هينيبين ضد ضابط الشرطة المتهم بارتكاب "القتل من الدرجة الثالثة" و"القتل غير العمد"، وسيعود الأمر إلى كيث إليسون، إذا لزم الأمر بعد التحقيق، إعادة تكييف الحقائق.

المصدر : لاكروا

حسين عبدالجليل 01-06-2021 10:54 PM

قراءة في كتاب.."نظام التفاهة".
https://www.aleshraq.tv/all-detal.aspx?jimare=52904

الاشراق | متابعة.

برغم أهمية كتاب "ثقافة التفاهة" للفيلسوف الكندي اَلان دونو، الصادر عن دار سؤال للنشر في بيروت، إلا أن مقدمة مترجمته الكويتية الدكتورة مشاعل الهاجري لا تقل قيمة عنه. فقد أعطت مقدمتها الطويلة التي هي بمثابة قراءة وتفكيك لأفكار اَلان دونو، قوة وزخماً له.

عندما يبدأ القارئ بقراءة الكتاب والبحث عمن كتب عنه أو عن مؤلفه الفيلسوف، سيكتشف أن هذا الكتاب الذي يناقش "التفاهة" التي كانت سبب الإنحدار الذي تعاني منه أغلب المجتمعات البشرية، هو من نمط الكتب التي ما زلنا نضطر للعودة إليها كمرجع في هذا المنحى: "تدهور الحضارة الغربية" للفيلسوف أوزوالد إشبنغلر، "حضارة الفرجة" لصاحب نوبل الأديب فارغاس يوسا، و"مجتمع الفرجة: الإنسان المعاصر في مجتمع الاستعراض" للفرنسي جي ديبور"، "الإنسان العاري" لمؤلفيه "مارك دوغان" و"كريستوف لابي" وغيرها من الكتب المهمة والاساسية.

تقول الدكتورة المهاجري إن أطروحة هذا الكتاب تكمن في لفت الأنظار إلى ما صار يحيط بنا من تسيّد للتفاهة والتافهين.

ولهذا فإن المؤلف اَلان دونو يذكرنا بما قاله صاحب كتاب "حضارة الفرجة" المفكر الفرنسي "جي ديبور": "في العالم المقلوب بشكل واقعي رأساً على عقب، يكون ما هو حقيقي وواقعي لحظة مِن لحظات ما هو وهمي وزائف".

عام 2017 أصدر المؤلف دونو كتابه "ثقافة التفاهة"، وقد أحدث الكتاب صداً هائلاً ورواجاً في كل انحاء العالم، كما أحدث كتاب المفكر الفرنسي "جي ديبور": "حضارة الفرجة"، الذي نُشر عام 1967، عندما وصف هذا المجتمع بمجتمع الفرجة أو مجتمع العرض أو الاستعراض، وحاول فيه جدلًا تحليل الثقافة الاستهلاكية التي تطغى على مجتمعات العصر الحديث بتحريك من الرأسمالية، والإعلان، والتلفزيون، والأفلام، والمشاهير.

ففي "مجتمع الاستعراض" استُبدل الوجود بالظهور، وبكلمات أخرى، بات الكثيرون يقيسون وجودهم ودورهم في الحياة ونجاحهم في عملهم أو علاقاتهم أو زواجهم أو في تربية أبنائهم بعدد مرات ظهورهم وظهور صورهم أو منشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وعدد الإعجابات التي يحصدونها من متابعيهم، لذلك تراهم يتبعون أي موجة تحدث، فتجد لهم في كلّ "trend" اسماً ورأياً ونقاشاً.

معروف عن اَلان دونو تصدية للرأسمالية المتوحشة، وقد كانت مساعية موجعة للأطراف التي تصدى لها، لدرجة أنه لوحق قضائياً من قبل بعض أقطاب صناعة التعدين عام 2008، بعد أن أصدر في العام نفسه كتابه الذي اختار له عنواناً مثيراً : "كندا السوداء: النهب والإفساد والإجرام في أفريقيا".

يدور موضوع كتاب "ثقافة التفاهة" حول فكرة خطيرة يجب البدء بمناقشتها ومقاومتها: "نحن نعيش مرحلة تاريخية غير مسبوقة، تتعلق بسيادة نظام أدى تدريجياً، إلى سيطرة التافهين على جميع مفاصل نموذج الدولة الحديثة".

ويضيف المؤلف: "يلحظ المرء صعوداً غريباً لقواعد تتسم بالرداءة والإنحطاط المعياريين: فتدهورت متطلبات الجودة العالية، وغُيّب الأداء الرفيع، وهُمّشت منظومات القيم، وبرزت الأذواق المنحطة، وأُبعد الأكفاء، وخلت الساحة من التحديات، فتسيدت إثر ذلك شريحة كاملة من التافهين والجاهلين ذوي البساطة الفكرية".

يفكك آلان دونو فكرته ببساطة متناهية ويبدأ كما يقال "من الأخير" مباشرة من دون لف أو دوران: "ضع كتبك المعقّدة جانباً، فكتب المُحاسبة صارت الآن أكثر فائدة. لا تكن فخوراً، و لا روحانياً، و لا حتى مرتاحاً، لأن ذلك يمكن أن يُظهرك بمظهر المغرور. هذه النظرة الثاقبة فى عينيك مقلقة: وسّع من حدقة عينيك، و أرْخِ من شفاهك. ينبغي أن تكون للمرء أفكار رخوة، و ينبغي أن يُظهر ذلك. عندما تَتَحدّث عن نفسك، قلّل من إحساسِكَ بذاتك إلى شيئ لا معنى له: يجب أن نكون قادرين على تصنيفك".

ويكمل دونو مصارحته الصادمة: لقد تغير الزمان، فلم يعُد هناك اقتحامٌ للباستيل Bastille و لا شيء يُقارن بحريق الرايخستاغ l’incendie de Reicshtag، كما أن البارِجة الروسيّة "أورورا" l’Aurore لم تُطلِق طلقةً واحدةً باتّجاه اليابان. و مع ذلك، فقد تم شنّ الهجوم بنجاح: لقد تبوأ التافهون موقِع السّلطة.

يتساءل اَلان دونو ما هو جوهر كفاءة الشخص التافه؟ فيجيب: إنه القدرة على التعرف على شخصٍ تافهٍ آخر. معاً، يدعم التافهون بعضهم البعض، فيرفع كلٍ منهم الآخر، لتقع السلطة بيد جماعةٍ تكبُر باستمرار، لأن الطيور على أشكالها تقع.

هنا يبدأ دونو بالحديث عن "عدة النصب" التي توصل الشخص التافه في إلى أعلى المناصب: "ما يهم هنا لا يتعلق بتجنب الغباء، و إنما بالحرص على إحاطته بصور السلطة. إذا كان المظهر الخارجي للغباء لا يشبه التقدم، المهارة، الأمل، أو الرغبة الدائمة في التعديل، فإن أحداً لن يرغب في أن يكون غبياً، كما لاحظ الروائي النمساوي روبرت موسل. كُن مرتاحاً في إخفاء أوجه قُصورك في سلوكِك المعتاد، ادّعِ دائماً أنك شخصٌ براغماتي، و كن مستعداً للتطوير من نفسك؛ فالتفاهة لا تعاني من نقصٍ لا بالقدرة و لا بالكفاءة".

ولا يكتفي دونو بذلك بل يدخلنا إلى الأتيكات أو المظاهر التي يتبعها الشخص التافه لكي يشعرك أنه مهم أو مميز: "ينبغي أن يكون المرء قادراً على تشغيل تطبيقات الحاسب الآلي، ملء استمارة ما من دون شكوى، ترديد عباراتِ مثل "المعايير العُليا لحوكمة الشركات" و "مقترحٌ قيّم" مع توجيه التحية في الوقت ذاته للأشخاص المناسبين. ولكن – و هذا أمر مهم – لا ينبغي القيام بما هو أكثر من ذلك".

يؤكد الفيلسوف دونو أن تقسيم العمل وتصنيعه ساهما إلى حد كبير في ظهور السلطة التفاهة. ويعطي أمثلة جميلة على التطور التدريجي للتفاهة:

كان لورنس ج. بيتر Laurence J. Peter و ريموند هال Raymond Hull من أوائل الذين لاحظوا التطور التدريجيّ للتفاهة، إلى أن أصبحت نظاماً متكاملاً. كان جوهر أطروحتهما يتمثل في "مبدأ بيتر" المشهور، الذي طوراه بعد الحرب العالمية الثانية، والجليّ في وضوحه: يتمثل هذا المبدأ فى أن العمليات النظامية تساعد الموظفين من فئة ذوي الكفاءة الاعتيادية على الترقي حتى يصلوا إلى شَغل مواقع السلطة، مزيحين بذلك كل من المُنتمين لفئة ذوي الكفاءة العالية و فئة غير الأكفاء، معاً".

يكمل دونو توغله في تفكيك الشخصية التافهة، وهنا يستند إلى رأي الشاعر الألماني الكبير هانز ماغنوس إنتسنسبرغر الذي تحدث عن "الأمي ثانوياً" كما يلي:

"إنه يعتبر نفسه عالماً بالأمور، يستطيع أن يتعامل مع التعليمات و الرسومات التخطيطية و الشبكات. أما الوسط الذي يتحرك بداخله، فهو يحميه – مثل سورٍ عازل – من كل ما قد يخترق وعيه مع ذلك، فالرقابة الذاتية هي أمر لازم و ينبغي أن تقدم وكأنها دليل على المكر".

يعطي دونو نموذج عن التفاهة التي وصلت إليها الجامعات ، فيقول دونو: إن "الخبير"، الذي يتعرف عليه غالبية أكاديميي الجامعات اليوم على أنفسهم فيه، يمثل النموذج المركزي للتفاهة، المستعد لبيع عقله لها. في مقابل "المثقف" الذي يحمل الالتزام بالقيم والمثل. ويرى دونو أن جامعات اليوم، التي تموّلها الشركات، صارت مصنعاً للخبراء، لا للمثقفين.

ويستند دونو في رؤيته عن الجامعات بما أصر عليه الصحافي الأميركي الحائز على جائزة "بوليتزر" والأستاذ الجامعي كريس هيدجيز أن هناك سبباً جدياً للقلق لأن جامعات النخبة قد قامت بنبذ كل نقد ذاتي.

وقد سبق لهيدجيز أن شرح مطولاً في كتابه "إمبراطورية الخيال"، ما أسماه "موت الثقافة وانتصار الاستعراض".

وحسب هيدجيز، فإننا نعيش اليوم في مجتمعين: مجتمع أقلية يعيش في عالم يعرف القراءة والكتابة وقادر على التعاطي مع التعقيدات وتمييز الوهم من الحقيقة، ومجتمع آخر يمثل أغلبية متزايدة من الناس ينسحب من عالم يقوم على الواقع إلى عالم من اليقين الزائف والوهم.

إن علاقة الخضوع هذه، التي تربط الجامعة بعملائها الذين يشترون عقولها المنتجة بشكل دوري هي من طبيعة ما كان ماكس فيبر ليتخيلها، رغم أنه كان يرفض منذ 100 عام، التفاهة التي كانت الجامعة تغرق فيها من خلال تسليم نفسها لإغراء العلاقات التجارية.

ينقل دونو عن رئيس جامعة كبرى قوله إن "على العقول أن تتناسب مع حاجات الشركات". أو كما قال رئيس إحدى الشبكات الإعلامية الغربية الضخمة، من أن وظيفته هي أن يبيع للمعلن، الجزء المتوفر من عقول مشاهديه المستهلكين. صار كل شيء، والأهم أن الإنسان صار للاكتفاء، أو حتى لإرضاء حاجات "السوق".
-------------------

قمت بانزال النسخة الصوتية لهذا الكتاب المترجم بقسم المكتبة الالكترونية بسودانيات/المكتبة المسموعة .
كما و يمكن الحصول علي نسخة بي دي اف للكتاب المترجم من الانترنت .

حسين عبدالجليل 04-06-2021 02:22 PM

تايلند… بين خطايا الشياطين وفضائل الملائكة
آية الأتاسي
https://www.alquds.co.uk/%d8%aa%d8%a...4%d9%85%d9%84/
الدخول إلى تايلند في زمن كورونا هو عمل شاق. في المطار تستقبلك مخلوقات ببدلات فضائية، وعندما تحييك بتحية نامستا، تبتسم لك عيونها الآسيوية. بعدها تدخل الحجر الصحي في فنادق مخصصة لهذا الغرض، وفي غرفتك نافذة واسعة تمنح المكان أبعاداً إضافية، وتوهمك بالخارج، لكن تبقيه وهماً، وتشعر بأنك سمكة عالقة في أكواريوم. ولا شيء يكسر الصمت من حولك، إلا الموسيقى المنبعثة من المذياع، وكأنك ترى العالم عبر أذنيك، فتدور حول نفسك كالصوفي، محاولاً تذكر رقصة البجع الأخيرة.
لكن الزمن يمر ثقيلاً، وكأنك في لعبة الكراسي، وكلما تناقص عدد الكراسي في الممر الطويل قرب غرفتك، قل عدد النزلاء وزادت وحشة المكان. وعندما يأتي دورك لتغادر، تطأ الأرض بقدميك بحذر شديد، فالأشخاص الطيبون في تايلند يمشون على رؤوس أصابعهم، كي لا يزعجوا الآخرين. وأول ما ستقوم به بعد ذلك هو خلع حذائك على عتبة البيت، فالأقدام التي تلمس وسخ الشارع تزدرى، بينما الرأس يقدس، فخير الأعضاء الرؤوس. وستكتشف مع أول تجربة لك مع المساج التايلندي، أن قدمك تغسل بعناية قبل أن تدخل غرفة التدليك، بينما تغسل المدلكة يديها بعناية قبل أن تلمس رأسك. فاستعد بكل ما تمتلك من حواس فأنت الآن في بلد الحواس.

تايلند الحواس
تقنية التدليك التايلندي تتبع مواطن الألم وتسكنها، وهي تقنية قديمة تحولت مع قدوم السياح إلى دعارة مستترة بنهاية سعيدة، فلا حدود للأعضاء المدلكة تحت لافتة التدليك. وتعتبر الأصابع الطويلة لمدلك أعمى، الأغلى ثمناً، ففي أطراف الأصابع الخمسة، تجتمع الحواس الخمسة كلها. أما حاسة التذوق فهي الأشهر في تايلند، ويعتبر المطبخ التايلندي منتجاً ثقافياً بامتياز، بل إن الثقافة بمجملها تدور حول الطعام، الذي هو متعة التايلنديين الأولى. فهم يأكلون على مدار الساعة، وأرصفة الشوارع مليئة بعربات الباعة الجوالين، الذين يطهون أطباقهم المميزة على الرصيف، وكأنهم طهاة خمسة نجوم، وقد استطاعت الطاهية العجوز سيبينيا الفوز بشوكة ميشلين الذهبية، من دون أن يمنعها هذا من مغادرة الشارع والطاولات الأربع المرصوصة بعناية للمحظوظين من المارة، الذين سيحصلون على طعام فاخر بأسعار الرصيف. ومع أن لا سكاكين على موائد التايلنديين، إلا أن المعارك تخاض في المطابخ لا في ساحات الوغى. ويكثر الطلب على دروس تعلم الطبخ، في حين تبقى دروس تعلم اللغات الأجنبية شبه فارغة.
تايلند المقدسة

«أهلاً بكم في بلاد بوذا» هكذا ترحب تايلند بزوارها في المطار. وعلى الطريق ستحييك تماثيل بوذا بوضعيات مختلفة، فاليد المفتوحة لمنح الطاقة الإيجابية، والمرفوعة لطرد الطاقة السلبية، والمتشابكة للتأمل والسمو، أما عندما تلامس اليد اليمنى الأرض فهي كناية على التنوير، والأرض على هذا شاهدة. والحكاية تقول إن بوذا بلغ التنوير تحت ظل شجرة التين، ولهذه تعتبر شجرة التين مقدسة في البوذية، حالها كحال زهرة اللوتس التي تزهر من الطين، لترمز إلى الخلق، وكثيراً ما تراها معلقة في المعابد، أو طافية فوق المياه كتعبير عن السلام الروحي. وتتبع البوذية في تايلند المنهج السلفي «تيرافادا» وتعاليمها تشبه تعاليم الأديان السماوية في تحريمها للقتل والسرقة والكذب والزنى، إلا أن بوذا ليس نبياً، بل معلم، وفلسفته تتلخص في الانتصار على المعاناة البشرية من خلال الزهد بالمتع. لكن على أرض الواقع خطايا التايلنديين حاضرة في كل مكان، وحتى الرهبان الذين يعيشون التقشف، لا يتنازلون عن الهواتف المحمولة، ويتذوقون ألذ الأطعمة التي يحضرها لهم المؤمنون في ساعات الفجر الأولى، قبل أن يدخلوا عند الظهيرة في صيامهم الطويل. واختلاف البوذية عن الأديان السماوية يكمن في مفهوم الموت، الذي هو استمرارية وليس نهاية، فدائرة الحياة تكتمل بالموت، ويبعث الإنسان من جديد في عالم البشر أو الأشباح أو الحيوان. وعبر الكارما تبعث الروح العاصية على هيئة حيوان، وربما هذا يفسر تعلق التايلنديين بالحيوانات، ففي أرواحها تعيش أرواح السلف. ويبلغ دلال التايلنديين للحيوانات أحياناً حد الجنون، فليس غريباً أن يوضع الكلب في عربة الأطفال، وتطعم قطط الشارع حد التخمة، بل حتى الجرذان تبدو حيوانات أليفة وهي تعبر الشارع بلا ضجيج.

ويختلط الدين في تايلند كثيراً بالغيبيات، حيث توضع على مداخل العمارات، بيوت خشبية صغيرة للأشباح التي تحرس المكان، ويستعاض عن دم الأضاحي بزجاجة مياه غازية حمراء، كما تقدم الأزهار وسلال الفاكهة، فأشباح التايلنديين مثلهم تعشق الطعام. كذلك تحضر الكثير من الآلهة الهندوسية في المعتقدات الدينية للتايلنديين، مثل إله الجهات الأربع الذي يحرس البيوت، وإله الشجر الذي قد يقود غضبه المرء نحو حتفه، لهذا تزين الأشجار بمناديل ملونة طلباً للرحمة. وتصنع قوارب صغيرة من أوراق الموز وتزين بالورود، لتقدم لإله الماء في احتفال سنوي، طلباً للمغفرة عن تلويث الأنهار والبحار. أما الاحتفال بالسنة الجديدة حسب التقويم القمري، فيكون عبر رش الماء على تماثيل الآلهة، وعلى الأجساد لغسلها من الذنوب. وفي بلاد الأمطار الموسمية كل شيء يبدو سائلاً حتى الوقت، الذي لا يوقف جريانه سوى النشيد الوطني الذي يعزف ثلاث مرات يومياً، ويجبر التايلنديين على الوقوف احتراماً له، أما الوقت الفائض فيجزى بالمرح، وما لا يستطيع المرء إنجازه اليوم، قد ينجزه في صباح حياته المقبلة.

تايلند الخطيئة

يزور تايلند سنوياً 40 مليون سائح، وكثير منهم بدافع السياحة الجنسية، ففي ليل تايلند تعود المياه إلى سكونها، ويسكب الخمر بوفرة في الملاهي والبارات. وبينما يخلد الرهبان باكراً إلى النوم، يخرج الليبيدو من مخبئه، ويصبح كل شيء مباح خلف الأبواب الموصدة. وعلى الرغم من منع أحد المعاجم الإنكليزية بسبب ربطه بين الدعارة وتايلند، إلا أن حضور الدعارة لا تخطئه العين، ولها أكثر من شارع ومكان، بالإضافة إلى أن المثلية الجنسية لا يحرمها دين أو عرف في تايلند، وهناك تسامح كبير مع عابري الجنس، الذين يلقبون «بالجنس الثالث» ويعملون في جميع مجالات الحياة. ولا حدود واضحة بين الجنسين في تايلند، فليست الأسماء وحدها تصلح للجنسين، بل حتى أجساد النساء والرجال تتشابه إلى حد بعيد، وكثيراً ما تجد رجالاً يعملون في مجال التجميل، ونساء يعملن في ورشات البناء، ومع كل هذا التشويش الجنسي، يصبح سؤال بسيط عن الهوية الجنسية في غاية التعقيد. وتستقطب السياحة الجنسية الرجال الأوروبيين من جميع الميول الجنسية، وحتى الكهول منهم يعثرون بسهولة على صبية تايلندية صغيرة في العمر. ففي تايلند يحترم كبار العمر، ويزيد الاحترام إذا امتلأت الجيوب باليورو أو الدولار، أضف لهذا أن التايلنديين بشكل عام مولعون بالعرق الأوروبي الأبيض، ويحاولون تمثله عبر صباغة الشعر بالأشقر ورفع العيون وتصغير الأنف، وكأنهم يمسحون أي أثر للعرق الأصفر. فكلما كنت أكثر بياضاً، كنت أجمل في تايلند، ولهذا تزدهر عمليات التجميل، وهناك نوع من السياحة الطبية مرتبط بها، حيث تزدحم في بانكوك المستشفيات العالمية الأشبه بمراكز تسوق، وأغلبها يقع بالقرب من شارع نانا الشهير بملاهيه الليلية، ليس بعيداً أيضاً عن شارع العرب، بمطاعمه ومحلاته الحلال، وكأن لسان حال المدينة يقول، بعد ارتكاب الحرام عليك بالحلال. هذا ويلقب العرب كما الهنود في تايلند بالضيوف، والضيف في المخيلة هنا حكماً من ذوي البشرة السمراء، لذلك يصيبهم «العربي الأبيض» بالحيرة.
وبين العنصرية المستترة والتسامح الظاهر، هناك، نوع من الشوفينية التايلندية، المرتبطة بشعور التايلنديين بأنهم أبناء أرض لم تعرف الاحتلال في تاريخها، ولهذا سميت تايلند أي بلاد الأحرار. والواقع أن لا حرية سياسية في بلد الأحرار، حيث يربى الشعب على الطاعة، ولا وجود لنظم تعليمية تحرض على السؤال والتفكير، لكن الجميل أنه بعد انقلاب 2014 والاحتجاجات الطلابية الأخيرة، أطلق الناشطون اسماً مرادفاً لتايلند، إنها كالا لاند، أي بلاد قشرة جوز الهند، حيث الداخل معتم والقشرة يستحيل كسرها.
في مدينة الملائكة

بانكوك هي مدينة لا تنام، وتسمى مدينة الملائكة، وواقع الحال أن الملائكة تنام في الليل بينما تستيقظ الشياطين. وليس هذا التناقض الوحيد في سيرة المدينة البرمائية، فالمدينة الملقبة بفينيسيا الشرق، تطفو فوق مياه آسنة، تختلط فيها رائحة المطر بالبول، ما يجعل صورة البطاقات البريدية أجمل بكثير من الواقع. وهي على أي حال مدينة الصور، كما أن تايلند تعتبر الأولى عالمياً في تطبيق أنستغرام، فكل شيء يصور كي يعاش، ولا يكتفي الناس بالابتسام للآخرين في بلد الابتسامة، بل هم يبتسمون لأنفسهم طوال الوقت في لقطات «السيلفي» لتعدل الصور في ما بعد بتقنية الفلتر، تماماً كما تعدل الوجوه بعمليات التجميل. وذاكرة التايلنديين الرقمية ليست طويلة كذاكرة الفيلة التي تقدس، لكنها أيضاً ليست قصيرة كذاكرة الأسماك التي تسبح في السواقي الملوثة، وتؤكل بدافع العوز.
ومع أنه من النادر أن تجد شخصاً بلا هاتف جوال في يده، لكن من النادر أيضاً أن تعثر على كتاب في أيدي التايلنديين، حيث يقرأ التايلنديون بمعدل ثمانية أسطر في السنة، مقابل 24 نسخة كتاب في أوروبا، ورغم أن بانكوك مدينة شابة، ولا يتجاوز عمرها 250 عاماً، لكنها تبدو متعبة وفوضوية، وكأنها شيدت على عجل، ورغم الخضرة الفائضة تبدو المدينة وكأنها مصنوعة من البلاستيك، حيث الزهور البلاستيكية تختلط بالزهور الطبيعية، والأكياس البلاستيكية تحمل كل ما تقع عليه أيدي التايلنديين، بل إن البلاستيك وصل حتى إلى الوجوه المجملة. وتبدو المدينة الآسيوية شاهقة رغم قصر قامة سكانها، وكل ما فيها يناطح السماء من المباني إلى ممرات المشاة المعلقة في الهواء.
كبيرة في تايلند

في الشرق الأقصى البعيد، أبدو أنا القادمة من الشرق الأوسط أشبه بكائن غرائبي، فتقاسيمي لا تترك مجالاً للالتباس بأنني لست آسيوية، وامتلاء جسدي أوصلني بين ليلة وضحاها إلى محلات المقاسات الكبيرة. وأجدني أدندن الأغنية الإنكليزية الشهيرة «كبير في اليابان» بعد أن أعدلها إلى «كبيرة في تايلند» وأنا أمشي تحت المطر من دون أن تتلون دموعي بالسواد، فالماسكارا مقاومة للماء هنا، والمظلة في اليد كي تحمي من الشمس لا من الأمطار. في الطريق يقابلني الكثير من المعابد والأضرحة، ما يوحي بورع المدينة، رغم أن كل ما حرمه الإسلام من عبادة الأصنام وقمار وكحول، مباح هنا. وكل ما يدور حولي يؤكد أنني في منفى، ولست في غربة كما في أوروبا، التي على الرغم من اختلافها، يجمعنا بها حوض البحر المتوسط والتاريخ. أنا هنا في ثقافة غريبة كطفلة متروكة بلا أم ترعاها، فعندما تستعصي على اللسان اللغة الحادة والذائقة الحارة، لا يبقى سوى مذاق الغربة المر. وعليّ أن أعود لساني رويداً رويداً على مذاق ورق الموز عوضاً عن ورق العنب، ونبيذ الأرز بديلاً لنبيذ العنب، وزيت جوز الهند عوضاً عن زيت الزيتون، فأنا في بلاد الأوكيديا ولست في دمشق الياسمين. وبلا أي التفاتة إلى الوراء، عليَ الآن أن أتابع سيري في الشارع الأشبه بمطعم كبير مفتوح، ولا أحد يزعجني، ولو حتى بنظرة إعجاب، وتأخذني قدماي في النهاية إلى تمثال فيل ايرافان، بثلاثة وثلاثين رأساً، وكل رأس بسبعة خراطيم، وفي داخل كل منها سبعة أزهار لوتس. ليست أحجية تلك، بل هي البلاد بغرابتها، وربما كل ما كتبته حتى اللحظة، لا يعدو أن يكون سوى وجه واحد لبلاد بمئة وجه ووجه.

حسين عبدالجليل 27-06-2021 01:10 PM

[youtube]http://www.youtube.com/watch?v=mi7S2Ys7urM[/youtube]

حسين عبدالجليل 27-06-2021 01:24 PM

الفيديو أعلاه ل "أنطونيو غوتيريس" الامين العام للأمم المتحدة , و هو حسب علمي مسيحي الديانة ولكنه هنا قدم لنا أجمل شرح للاية الكريمة " وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ" .

هو هنا شرح آية كريمة من القرأن احترت في فهمها ولم اقتنع بالشروحات الكلاسيكية لابن كثير و الطبري ...الخ . لم أفهم ماحكمة وجود الآية في سورة التوبة , وهي السورة الوحيدة التي تخلو من البسملة وتأمر الرسول عليه أفضل الصلاة و السلام بقتال المشركين , اي أن الحرب هو موضوعها الاول ! و سبحان الله , فكل حرب يننتج عنها لاجئين فارين , فاذن الآية الكريمة تقنن لحماية اللأجئين , كل اللاجئين بما فيهم المشركين و الكفار !

هذا لعمري فهم متقدم جدا , شامل , و صحيح للآية الكريمة

imported_أبو جعفر 27-06-2021 11:06 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حسين عبدالجليل (المشاركة 555707)
فاذن الآية الكريمة تقنن لحماية اللأجئين , كل اللاجئين بما فيهم المشركين و الكفار !

هذا لعمري فهم متقدم جدا , شامل , و صحيح للآية الكريمة


السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته أخي حسين ومفترع موفق.

فالكثير من المفردات السياسية في القرآن الكريم تمت التغطية عليها وذلك لغرض واضح وهو طمس النظام السياسي في القرآن الكريم كلياً ... فقبل ثلاثة أسابيع بدات بحثاً حول مفردة (القبلة) ... وساقني البحث إلى مفردات (التوجه) و(التولي) و(المسجد الحرام) ... وأكتشفت بأنها جميعاً لا تشير إلى أتجاه أو مكان جغرافي بعينه. وأنها كلها مفرادات سياسية في المقام الأول.

فقد بدأت البحث وعقلي أبيض تماماً إلا من أن القرآن الكريم خالي تماماً من الطقوس الثابتة ... فهو أحسن الحديث أي أحسن المتجدد الدلالة والذي يقدم علماً حديثاً مع تطور الزمن ... الشيء الذي ينفي الطقوسية في معطياته.


حسين عبدالجليل 28-06-2021 04:26 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو جعفر (المشاركة 555711)

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته أخي حسين ومفترع موفق.

فالكثير من المفردات السياسية في القرآن الكريم تمت التغطية عليها وذلك لغرض واضح وهو طمس النظام السياسي في القرآن الكريم كلياً ... فقبل ثلاثة أسابيع بدات بحثاً حول مفردة (القبلة) ... وساقني البحث إلى مفردات (التوجه) و(التولي) و(المسجد الحرام) ... وأكتشفت بأنها جميعاً لا تشير إلى أتجاه أو مكان جغرافي بعينه. وأنها كلها مفرادات سياسية في المقام الأول.

فقد بدأت البحث وعقلي أبيض تماماً إلا من أن القرآن الكريم خالي تماماً من الطقوس الثابتة ... فهو أحسن الحديث أي أحسن المتجدد الدلالة والذي يقدم علماً حديثاً مع تطور الزمن ... الشيء الذي ينفي الطقوسية في معطياته.


الأخ أباجعفر
و عليكم السلام ورحمة الله و بركاته:
مصداقا لقولك بحدوث تغطية للمفردات السياسية في القرآن الكريم, كنت قد كتبت فيما مضي بوست مقال بعنوان/تطوير الخطاب الديني: نحو فهم مغاير لمبدأ الامر بالمعروف و النهي عن المنكر. أدعو فيه للخروج بالمصطلح القرآني "الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر" لفضاء أوسع و أرحب بدلا من الفهم الكرتوني الضيق الذي حجر فيه المفسرون المصطلح .

هذا هو نص المقال/البوست :

تطوير الخطاب الديني: نحو فهم مغاير لمبدأ الامر بالمعروف و النهي عن المنكر

عندما أفكر في المبدأ الاسلامي ب “ألامر بالمعروف و النهي عن المنكر” دوما ماتقفز لذهني الصورة الكاركتيرية لرجال هيئة ألامر بالمعروف و النهي عن المنكر بالسعودية وهم يتجولون في الاسواق بعصيهم و مساويكهم و وجوههم المتجهمة . ربما يكون الحال قد تغير الآن ولكن هذا مابقي في الذاكرة من سنين مضت.

هل هذا هو ماعناه القرآن الكريم في الايات :
“ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك هم الصالحين”
“كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر”
“الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر”
“وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”
“وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” ؟

لا أعتقد ذلك .

ربما يتسأل المرء ويقول ان الدعوة للخير والامر بالمعروف ” خشم بيوت” – كما نقول في ثقافتنا السودانية فما أراه انا معروفا ربما لايوافقني عليه آخرون , ولكنني بعد تمعن شديد أصبحت مقتنعا بأن ماعناه القرآن “بالدعوة للخير و ألامر بالمعروف” هو مايسميه المفكر المسيحي سي أس لويس ب”القانون ألاخلاقي ” أو ماكانت تسميه العرب (قبل الاسلام) ب “مكارم ألاخلاق”.

يقول سي أس لويس في كتابه Mere Christianity بأن القانون الاخلاقي “Moral Law ” تعرفه و تدعو له كل الاديان السماوية و غير السماوية بما فيها أديان الهنود الحمر وسكان استراليا الاصليون وقدماء المصريين . فهذا القانون العالمي يدعو للعدل و نصرة المظلوم و رعاية المستضعفين من الارامل و الايتام و يحترم الصدق و الامانة و يحتقر الكذب و الخيانة ? و أن هذا القانون هو قبس من روح الله في قلب الانسان .

وللأسف نجد أن أصحاب الصوت العالي في الخطاب الديني الأسلامي حاليا قد أبتعدوا كثيرا عن الدعوة لمكارم ألاخلاق و ماينفع الناس و محاربة الفساد في الارض . فمثلا فلو تجولت في بعض اسواق عاصمتنا لوجدت بعض من يسمون أنفسهم بالدعاة يضيعون وقتا وجهدا كبيرا في تبيان مايرونه ضلالات لبعض أئمة الصوفية . يخطب ذلك الداعية و حوله في السوق أكوام من القمامة و الذباب و البعوض و المياه الراكدة , وهو لايري اي منكر في تلك القاذورات التي تتسبب في كثير من الامراض و لا يوجه أي أنتقاد لمنكر المحليات و الحكومة التي تجبي من التجار رسوم النفايات ولا تقوم بعملها .

يمكننا استنتاج التالي من آيات الامر بالمعروف و النهي عن المنكر :
– رغم أن كل العبادات في الاسلام هي عبادات فردية و مسئولية الحساب يوم القيامة هي مسئؤلية فردية الا أن الامر بالمعروف و النهي عن المنكر هو مسئولية لاتقع علي عاتق الفرد ? بالنص القرآني ? ولكنها مسئولية جماعة من أفراد المجتمع/الامة ? يقومون بها سويا . أي انها عمل جماعي منظم .
– هذا التكليف ليس قاصرا علي جماعة الرجال ولكنه بالنص القرآني واجب علي جماعة من الرجال و النساء من المؤمنيين (و يشمل ذلك المسلمين و أهل الكتاب)

لن أكون مغاليا ان فهمت بان الآيات القرانية أعلاه تدعو لقيام مجموعة من النشطاء و النشيطات activists لانشاء نوعين من التنظيمات الطوعية:
– تنظيمات تحض (تأمر) علي فعل الخير(المعروف) . يمكن أن يركز كل تنظيم طوعي علي نوع واحد أعمال المعروف كرعاية الايتام ?أو مساعدة المعاقين ? أو كفالة الطلبة و الطالبات الفقراء …الخ .
– تنظيمات تناهض (تنهي عن) أنواع محددة من الظلم و الباطل(المنكر) ? قولا و فعلا. ويخطر لذهني هنا تنظيم طوعي أمريكي يسمي “مشروع البراءة” سأتناوله لاحقا بالتفصيل .

كما و يمكنني فهم كون أن “ألامر” و “النهي” يشملا “الفعل” و الدعوة للفعل- العمل علي تشكيل رأي عام يساند الامر بالمعروف و ينهي عن المنكر” . (كقوله تعالي “وأمر أهلك بالصلاة و اصطبر عليها ” – فانت ان لم تكن تؤدي (فعل) صلواتك لما أمكنك أمر(دعوة) اهلك لها .
ربما يشكك متشكك ويقول لو كان هذا هو الفهم الصحيح لمبدأ الامر بالمعروف و النهي عن المنكر , فلماذا لم يعمل به الرعيل الاول من صحابة المصطفي عليه السلام . ولهؤلاء أقول بانه لم توجد آنذاك آلية لتنظيم المشاركة الجماعية الطوعية في مثل هذا الفعل .

ثم أن القرآن الكريم هو نص ثابت ذو فهم متجدد- متطور . ففهمنا بعد أكتشاف أن بصمة الاصبع/البنان هي متفردة لكل انسان منذ خلق آدم وحتي قيام الساعة يجعلنا ننبهر بالآية القرانية “أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ؟ بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ” ونفهمها فهما أدق واصح من فهم صحابة المصطفي لنفس الآية , فمن باب أولي اذن أن يتطور الفهم لهذا المبدأ الاسلامي ? بالامر بالمعروف و النهي عن المنكر- و ان يستصحب في معيته المقدرة الانسانية المعاصرة ? في زمن الانترنت والهاتف الجوال والحريات المتزايدة – علي التنظيم و الحشد والمشاركة في صنع القرار وتشكيل الراي العام.

لنأخذ مثالا لتنظيم أمريكي يقاوم المنكر حسب فهمي المعاصر لكيفية مقاومة المنكر . هذا التنظيم ا اسمه “مشروع البراءة” Innocence Project وموقعه علي الانترنت هو http://www.innocenceproject.org/ هذا التنظيم الطوعي غير الحكومي هدفه هو “العمل علي انقاذ الابرياء الذين يقبعون في السجون الامريكية لسنين طويلة وذلك بتحمل تكلفة أجراء فحص البصمات الوراثية DNA الباهظ التكاليف لهم وتخصيص محامين ? دون اي تكلفة مالية للمساجين الذين هم في الغالب من الفقراء السود – وذلك بغرض اعادة محاكمتهم وتبرئتهم وفق ادلة جديدة يتحصل عليها بعد فحص البصمة الوراثية التي كانت متواجدة في مكان الجريمة ذلك لأن البوليس الآمريكي يجمع من مواقع الجرائم ادلة كثيرة تحتوي علي البصمة الوراثية DNA للجاني كعينات من شعره-دمه-سائله المنوي …الح , ويحتفظ بها لفترات طويلة . ويستخدم مشروع البراءة هذه العينات لاخراج الابرياء من السجون .

وقد نجح “مشروع البراءة” في أخراج مساجين سجنوا ظلما لعشرات السنين . ويمكن قراءة قصص بعضهم المأسوية علي موقع المشروع المذكور أعلا. هؤلاء النشطاء الذين يعملون في هذا المشروع النبيل يقومون باداء فريضة النهي بالفعل و القول معا عن منكر ظلم الابرياء وادنتهم في جرائم بشعة لم يرتكبوها . أشد انواع المنكر هي ظلم الابرياء والحالة الوحيدة التي أجاز فيها القرآن “الجهر بالسوء من القول” هي للمظلوم “لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما ”

الدعوة للخير دوما ماتكون أسهل من مقاومة الشر فالنهي عن المنكر أشد وطاءة للنفس من ألامر بالمعروف و ربما يفقد المرء حياته بسبب ذلك ( روي أن الخليفة الاموي عبدالملك بن مرون خطب يوما وقال: الله لايأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه) .
لذا فقد جاء حديث المصطفي ليفسر “للفرد” كيفية المشاركة “الجماعية” في النهي عن المنكر:
“من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ”
والتغيير “باليد” لايعني بالضرورة الاستخدام الحرفي لليد اليمني أو اليسري ولكنه يعني “المشاركة العملية في النهي عن المنكر” ربما تكون هذه المشاركة في شكل مساهمة مالية سنوية لتنظيم يقاوم نوع من أنواع المنكر أو الظلم أو بالانخراط في عضوية هذا التنظيم بالجهد و طباعة المنشورات ….الخ .
والمساهمة في أزالة المنكر باللسان تشمل فيما تشمل الكتابة و المدافعة عن مثل هذه التنظيمات . اما مناهضة المنكر بالقلب فهي عدم الخضوع و القبول له حتي و لو كان ذا سطوة جماهيرية وكان ذلك المنكر هو موضة العصر .

مما يثلج الصدر , أن هنالك طلائع للفهم الصحيح لهذا المبدأ الاسلامي الهام بدأت في الظهور مؤخرا في سوداننا الحبيب: كشباب شارع الحوداث , و آخرون يقدمون وجبات أفطار مجانية لبض التلاميذ من الاسر الفقيرة و آخرون يستخدمون مواقع الانترنت لتنظيم حملات لكفالة الايتام .

مااهدف لقوله في هذه الورقة هو الدعوة لاعادة فهم هذا المبدأ الاسلامي الهام وفق التطور الهائل في سبل الاتصال والتنظيم الجماهيري وعدم تركه للسلطات الحاكمة . كل فرد يمكنه أن ينحاز لمجموعة تفعل مايلائم طبعه من ” ألامر-الفعل للمعروف/الخير” او مايلائم طبعه و ذوقه وامكانياته من “مناهضة-نهي بالقول والفعل و المال” لنوع من انواع المنكر او الظلم .
هي دعوة للعمل الجماهيري المنظم (الدؤوب والمستمر مدي الحياة) والموجه نحو هدف دقيق (نوع واحد من انواع المعروف او المنكر) .

و بالله التوفيق و السداد .

imported_أبو جعفر 29-06-2021 05:50 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حسين عبدالجليل (المشاركة 555722)
ثم أن القرآن الكريم هو نص ثابت ذو فهم متجدد- متطور . ففهمنا بعد أكتشاف أن بصمة الاصبع/البنان هي متفردة لكل انسان منذ خلق آدم وحتي قيام الساعة يجعلنا ننبهر بالآية القرانية “أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ؟ بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ” ونفهمها فهما أدق واصح من فهم صحابة المصطفي لنفس الآية , فمن باب أولي اذن أن يتطور الفهم لهذا المبدأ الاسلامي ? بالامر بالمعروف و النهي عن المنكر- و ان يستصحب في معيته المقدرة الانسانية المعاصرة ? في زمن الانترنت والهاتف الجوال والحريات المتزايدة – علي التنظيم و الحشد والمشاركة في صنع القرار وتشكيل الراي العام.

و بالله التوفيق و السداد .
[/COLOR][/SIZE]


تحياتي حسين
وشكراً على هذه اللبنة الطيبة من لبنات البناء القرآني ... والذي لم ولن يخرج عن قيام الناس بالقسط ... وبما أن قيام الناس بالقسط يقتضي منهج سياسي راشد ... أفرد القرآن الكريم للسياسة الكثير من المفردات والعبادات الخاصة بها ... واقرب مثل نجد أن قوله تعالى: {أجعلوا بيوتكم قبلة} يعني: أجعلوا بيوتكم مفضلة يؤمها الناس قبل غيرها لما تقدمه من حكمة وكرم ضيافة ونصرة للضعيف مثل الغرب اليوم والذي أصبح قبلة المهاجرين لنظامه السياسي القائم على (شورى الشعب) والتي فرضها القرآن الكريم قبل عشرة قرون من إشارة فلاسفة الغرب لها.

وها أنت الآن تضيف إلى منظومة السياسة في القرآن الكريم مصطلحي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الشيء الذي يفتح باباً كبيراً للخير ... فالمعروف قبل أن يصبح معروفاً يحتاج إلى أن يكون فكرة يلتف حولها الناس لتكون ثقافة عامة في المجتمع. عليه يصبح التفكير فضيلة لتحقيق المعروف في المجتمع.

هذا علماً بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من ضمن الصلاة التي فرضها الله على عباده وتعني ملاحقة تعاليم الدين بالتدبر والتطبيق. وبالتأكيد أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ضمن تعاليم الدين المفتوحة على خير عميم.




الساعة الآن 10:57 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.