سودانيات .. تواصل ومحبة

سودانيات .. تواصل ومحبة (http://www.sudanyat.org/vb/index.php)
-   منتـــــــــدى الحـــــوار (http://www.sudanyat.org/vb/forumdisplay.php?f=2)
-   -   حروب رأس المال (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?t=21413)

حسين أحمد حسين 30-07-2011 09:00 PM

حروب رأس المال
 
[justify][/justify][justify][/justify][justify][/justify][justify]
حروب رأس المال

توطئة:

دعنى أيها القارئ الكريم أنْ أبدأ بهذه التساؤلات: من أين جاءت الحروب ، وكيف تبدأ، وما هى دوافعها، وما هى أنواعها، ومن الذى له القدرة على إشعال حرب، وكيف يديرها، ولمصلحة من، ومن هو المتضرر الرئيس منها؟ كل هذه الأسئلة سنحاول الإجابة عليها بقدر المستطاع، متخذين من السودان محلاَّ لتسليط الضوء.

ستنتهج هذه المداخلات منهج التحليل المادى التاريخى، لا لأنَّه المنهج الأوحد الذى يعول عليه فى مثل هذا الضرب من الإستقراءآت والتحليل، وللمناهج الأخرى ذات القوة والوزن، ولكنه المنهج الأوسع إستقصاءاً للواقع، لأنه لا يعتمد على الدراسات المجتزئة، بل يتجاوزها بمنظوره الكوكبى باحثاً عن الأنساق والبِنى التحتية التى تشكل أُسَّ ومحورَ الظاهرة فى إطارها العالمى.

يتبع ...
[/justify]

حسين أحمد حسين 31-07-2011 10:38 AM

[justify] [/justify][justify][/justify][justify]
منشأُ الحروب:

الحرب، كما تقول العرب، أوَّلُها كلام، ولكن التأريخ يخبرنا أنَّ وراء الحربِ حاجة. فمنذ بدائية الحياة على أيام الأقتصاد البدائى الذى يعتمد على الجمع والصيد قبل عشرة ألف سنة بدأت شرارة الحرب المؤسسية المتعارف عليها الآن. فالنَّاسُ يخرجون للصيد والإلتقاط لضرورة البقاء. وبإزدياد عدد السكان والإختلالات البيئية، تأثر المجموعُ والمصادُ (المخزون الإستراتيجى البدائى) بالنقصانِ واقْتُدِحَ الصراع.

ولمَّا كانت الحاجة أُمُّ الإقتراع، أى لابد من وجود حلٍ لتجنُّبِ الحروب، تم إكتشاف الزراعة لتعويض الإختلال البيئى وتوفير قدر من الغذاء يقابل تزايد عدد السكان المضطرد. وبالفعل حلَّتْ الزراعة محل الصيد والجمع، وشهد العالم بدايات تخصص العمل وولادة جهاز الدولة لحماية الأرض التى تمَّتْ فِلاحتُها والمنتجات الزراعية من المعتدين الخارجيين، وظهرتْ ضرورة المحافظة على نوع من الإستقرار مع إزدياد التعقيد الذى بدأَ يطرأُ على عِلاقاتِ النَّاسِ الإجتماعيةِ والإقتصادية، والتى بدأَ المجتمع الزراعى يتمأسس عليها شيئاً فشيئا (Leys 1996).

ولا شك أنَّ ظهور الزراعة شكَّلَ نقطة تحول مُهِمَّة فى تاريخ الإنسانية، والتى معها إضطردَ تطورُ المجتمع (Social Evolution) بشكل أسرع نسبياً من الوتيرة التى تطور بها منذ نحو مليونى سنة (Ibid). وحتى بعد إقتراع الزراعة مازال ذلك المجتمع الزراعى يتطور ببطء وبعدم إستقرار داخل حيِّزِهِ الزمنى، ولا تكادُ تُلحظُ معه وتيرةُ ذلك التطور. وهنا بدأتْ الحاجة مرة أُخرى إلى إيجاد نظامٍ جديد يمنع الإحتراب بسبب قوانين تناقص الغلَّة فى المجتمع الزراعى.

ومع بزوغ فجر النظام الرأسمالى فى القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وبالأحرى فجر الثورة الصناعية فى القرن الثامن عشر، فإن المجتمعات الزراعية خرجتْ من حيِّزِ التطور إلى حيِّزِ الثورة (From evolution to revolution).

يتبع ...
[/justify]

الرشيد اسماعيل محمود 31-07-2011 10:50 AM

سلام يا حسين..
الموضوع يستحق المتابعة عن قرب..
سأكون من المتابعين وقد أعود ببعض التساؤلات..
شكراً علي هذه النافذة..

حسين أحمد حسين 31-07-2011 11:15 AM

[justify]
سلام على أُستاذنا الرشيد،
وكل ثانية وأنت والجميع هنا بألف خير.

مرحباً بكَ متابعاً ومتسائلاً وناقداً، فَبِكَ تُكتبُ حياةُ المداخلة. فشكراً أنْ شرعتَ فى إحيائها حياةً طيبة.

الود الذى تعلم.
[/justify]

حسين أحمد حسين 05-09-2011 03:04 AM

[justify] [/justify][justify][/justify][justify]
منشأ الحروب (مستمر)
المستعمر وصناعة الصراع:

كثيرون هم الذين نوَّهوا إلى عالمية النظام الرأسمالى وتعولمه، كأمثال الموسوعى (Condorcet) قبل أن يتوفى فى السجن فى 29 مارس 1794، وأيضاً كأمثال (Kant). ولكن يظل هيقل وماركس (خاصة الأخير) الفيلسوفان الإجتماعيان الَّذان إقترعا وبشكلٍ دقيق عالمية التطور التاريخى ومن ثمَّ عالمية النظام الرأسمالى (Rist 2002). ولَإنْ نحا هيقل فى عالمية حركة تطور التاريخ نحو الميتافيزيقيا، إلاَّ أنَّ ماركس ربط ذلك بالتطور المادى للتاريخ (أنماط الإنتاج).

ولعلَّ ما يجعلهما الفيلسوفين الأصليين فى إقتراع نظرية التطور التنموى، هو إدراكهما الواثق للحظات الفارقة (النُّقلات النوعية) فى حركة التاريخ المصاحبة لمعدل التغيير الذى يجلبه التطور (الروحى عند هيقل) والمادى عند كارل ماركس(Op.cit).

إذاً، هذه العجلة وهذا الإزدياد المضطرد فى معدل التغيير الملازم لعملية التطور، نابعٌ من حاجاتِ النَّاس وصراعهم الأزلى ليبقوا أحياءاً على وجه هذه البسيطة، أى أنَّه، وفى نهاية التحليل، ملازمٌ لتحقيق الربح. وما أن يميل هذا الربح نحو النقصان، كما يقول كارل ماركس، إلاَّ ويحتدم الصراع، وقد تنشأ معه الحاجة إلى ولوجِ آفاقٍ جديدةٍ من بينها خيار الحرب.

ومن هذه الحقائق المهمة، ستنحى هذه المداخلة إلى تحقيب التاريخ (وبالتالى التحقيب للحروب) بما يطرأ على تطور قوى الإنتاج، وليس بالتواريخ المرتبطة بحدث فوقى، وذلك لمعرفة الأسباب الحقيقية للحروب، ولمعرفة كيفية محاولة الخطاب اللبرالى التمويه لتلك الأسباب وبشتَّى السبل.

يتبع ...
[/justify]

مبر محمود 07-09-2011 06:22 PM

تحيّاتي يا الحسين، لكَ المحبّة وكل سنه وإنت طيّب.
النظام الراسمالي المتعولم أو إقتصاد السوق المتحرر أو أياً كان إسمه، هو نظام بلا منهجية قيمية، وبلا أسانيد فلسفيه أخلاقية تبرر له حتّى الأن، فهو نظام إنتهازي وفوضوي قابل للتشكلات الحربائية، وقد خرج أول ما خرج من التسويات الجائرة في أرض السياسة و الإقتصاد، أي إنه ينتمي بالاساس لما هو خارج أرض الفكر المضبوطة بالمنهج وبالرؤي ذات الجداوي الأخلاقيه!
وقف جيفارا أمام الجمعية العامة للأمم المتّحدة في أوائل الستينات ليقول:
"سوق حر، أم ثعلب حر وسط دجاج حر"
يا لها من مقولة!


أخي حسين، سأنتظر مع المنتظرين حتى تنهي ما بدأته، ثم سأتيك مجدداً لمطاردة "الثعلب" و "حروبه".

حسين أحمد حسين 09-09-2011 01:31 AM

[justify][/justify][justify][/justify][justify]
الأخ الكريم مبر محمود،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
وكل ثانية وأنت والجميع هنا بألف خير.

كما هو معلوم يا عزيزى، أنَّ الأقتصاد نظريةٌ سلوكية، يُبنى على المشاهدات السلوكية للبشر. وأول من إفترع لنا هذا العلم من تلك المشاهدات من الغربيين هو الإقتصادى المعروف آدم سمث ( 1779-1723م). وهو بالطبع قد دون مشاهداته بتتبع عينة من البشر مضبوطة آنذاك (فى العموم) بالتعاليم المسيحية كمرجعية أخلاقية وقيمية. وإلى أى حد مجتمع تلك العينة منضبط بالتعاليم المسيحية أم لا، فتلك مسألة شائكة. ولكن بالطبع فهى عينة غير متجانسة. والأهم من ذلك، سواء أكانت منضبطة بالقيم والأخلاق المسيحية أم لا، فذلك الأمر ما كان يشغل بال الباحث، أعنى سمث. وإنما الذى كان يشغله هو عشوائية العينة، أى عدم تجانسها لينتج لنا نظرية قابلة للحياة والتعميم. ولعل نظريته، نظرية اليد الخفية تجعله بلا منازع أبَ الإقتصاد الحر.

وإذا إبتعدنا قليلاً عن المسألة القيمية مؤقتاً، نجد أنَّ الإنسان منذ الأزل، تضبطُ سلوكَه بالأساس "الحاجة وضرورة إشباعها"، ومن ثمَّ تأتى (لاحقاً) الضوابط التى تنظم عملية الإشباع تلك. وفى تقديرى المتواضع، فإنَّ تلك الضوابط ذات طابع صراعى وتخضع لموازينَ عدة، أهمها ميزان الحاجة/الإشباع، القوى/الضعف، وعلى ذلك قس (تؤخذ الدنيا غلابا).

وبالعودة للمسيحية كمرجعية قيمية/أخلاقية، فإنَّ رأس المال يدين بالبروتستانتية المنسلخة من الكاثولوكية المقيدة أخلاقياً. بل عالم مثل ماكس فيبر، يعتبر الرأسمالى الذى له القدرة على معظمة الربح فى حالة تديُّن قصوى (رهبانية رأسمالية لم تكتبها عليهم التعاليم المسيحية، لكنهم إبتدعوها بإنسلاخهم عن الكاثولوكية).

فالشاهد هنا، هو أنَّ الرأسمالى من وجهة نظره يرتكز على القيم والأخلاق (البروتستانتية)، ولا أحد يلومه، فى البحث عن التوليفات (وهى صراعية) التى تؤدى إلى إشباع تلك الحاجات المتعاظمة من موارد شحيحة. فالرجل قد أمَّنَ إشباع حاجاته آنياً واستراتيجياً (لقرون آتية) وأبعد عن نفسه، ولو مؤقتاً، شبح الحرب، بل ودحرجها إلى الآخرين ليكتووا بنارها.

فجيفارا رجل ذكى، ولا يخلو العالم الثالث من الأذكياء إذا تحرروا من الخوف ومن رق الإرتهان إلى الأبيض. فها ذى آسيا تنهض من وراء ظهر اليد الخفية (بالحيلة والمكر، أعنى برأسمالية الدولة -Statist Development System) ونحن أصحاب الموارد العظيمة فى أفريقيا والشرق الأوسط نرزحُ تحت نير العجز عن إشباع حاجات مواطنينا، وننتهج النظام الحر اللاأخلاقى ذاته مع بنى جلدتنا. بل وكما سيجئ لاحقاً، أننا أكثر تحرراً إقتصادياً من الغرب نفسه (Overliberalised).

العزيز مبر محمود، مرحباً بك وأنت تثرى هذا النقاش بهذه المداخلات النيرة.

الود الذى تعلم.
[/justify]

حسين أحمد حسين 11-09-2011 11:11 AM

[justify] [/justify][justify][/justify][justify][/justify][justify][/justify][justify][/justify][justify][/justify][justify][/justify][justify]
منشأ الحروب (مستمر)
المستعمر وصناعة الصراع:

لعل الإستقصاء الدقيق لدرجة معدلات التغيير فى المجتمع، بواسطة عالم الإجتماع كارل ماركس، مكَّنته من تشخيص المجتمعات العالمية فى سيرورة تطورها التاريخى إلى عدد من أنماط الإنتاج أهمها (العبودى، الإقطاعى، الرأسمالى). وكما تمت الإشارة سابقاً، فإنَّ ظهور الرأسمالية الصناعية فى نهاية القرن الثامن عشر، كان لحظةً فارقة فى تطور المجتمع البرجوازى فى أُوربا، والذى أحدث ثورة حقيقية، مكَّنت المجتمعات الأُوربية من مضاعفة مداخيلها القومية، خاصةً بريطانيا العظمى. وقد كانت المنافسة فيما بين الدول الأُوربية على أشدِّها فى فترة الرأسمالية الميركانتايلية، التى تولدت منها مفاهيم كالقومية الإقتصادية (Economic Nationalism) والدولة القومية (Economic Nationalist State) القائمة على فكرة التنافس على موارد شحيحة لإشباع حاجات لانهائية (Woo-Cumings,in, Helleiner and Pickel 2005).

ولا شكَّ أنَّ دول القومية الإقتصادية هذه (Economic Nationalist States) هى التى سارعت بتمدد النظام الرأسمالى رأسياً على مستوى المركز، وأُفُقياً على مستوى الأطراف. ولعلَّ ذلك قد تمَّ من جراء العملية التنافسية الحادة فيما بين هذه الدول من أجل إستغلال كافة الموارد المحلية المتاحة فى أُوربا والذى أدى فى نهاية المطاف إلى ميل الأرباح إلى التناقص، مِمَّا حدا بهذه الدول أن تُفكِّر بتطوير العمليات التقنية داخل المركز بهدف الإستغلال الأمثل للموارد، وبتمديد النظام الرأسمالى خارج نطاق المركز، بهدف إبتزاز الموارد الأولية الرخيصة فى الأطراف. وتلك هى اللحظة من الصراع على البقاء (الآنى والإستراتيجى) التى يصوِّبُ فيها رأس المال بندقيته على الآخر.

وما أكثر الأيديولوجيات التى ظهرت آنذاك لتبرر لجوء الإقتصادات القومية (مدعية التنافس الحر) إلى الحماية الإقتصادية والإحتراب على موارد المستعمرات. فدوافع مثل، بناء الدولة، بناء الأُمة، الأمن القومى فى مواجهة التفوق الإقتصادى والعسكرى لبريطانيا، حماية الإقتصادات الناشئة، القضاء على الإقطاع، وتحديث المستعمرات، كانت واسعة السيادة فى فترة الرأسمالية الميركانتايلية (O'Brien and Williams 2007).

إذاً، حين إكتمل تمدد النظام الرأسمالى فى المركز، أى بإنتقاله من مرحلة إعادة الإنتاج البسيط (Simple Reproduction of the Capitalist System) الذى يعتمد على الإستغلال المباشر للعمل وأدواته الإنتاجية البسيطة، إلى مرحلة إعادة الإنتاج المعقد (Extended Reproduction of the Capitalist System) للنظام الرأسمالى مع ظهور الثورة الصناعية الذى يعتمد على تطوير أدوات الإنتاج والإستغلال غير المباشر للعمل، عند هذا الحد، بدأ مؤشر الربح (المتناقص بالطبع) ينذر بالحرب. وقد غزت تلك الدول المتنافسة العالم واستعمرته، وقسَّمته فيما بينها بُناءاً على موازين القوى الإقتصادية و العسكرية آنذاك.

وبالرغم من تمدد النظام الرأسمالى بهذه الكيفية فى المركز، ظل السياسى (فى زمن هيمنة الإقتصادى) مهيمناً لوقتٍ طويل، هيمنة لا تبررها عملية إحلال العناصر كما يقول (Poulantzas 1978)، ولايبررها القضاء على بقايا الإقطاع كما يقول (Anderson 1974) فى مركزٍ جاز إعادة الإنتاج البسيط لنظامه، ولكن يبررها إستكمال دمج المستعمرات/الدول المستقلة حديثاً، فى النظام الرأسمالى. بل وقد إستمرت هيمنة السياسى (السياسى يستبطن العسكرى) فيما بعد القضاء على الأشكال القبل-رأسمالية فى الأطراف (Pre-capitalist forms of production) للقضاء على الأشكال اللارأسمالية (Non-capitalist forms of production) والعليلة الليبرالية (Ill-Liberalist forms of production). كل هذا يحدث لتفادى نقصان الأرباح.

إذاً، فحقيقة التنافس على الموارد الشحيحة لإشباع حاجات لانهائية (التنافس على البقاء آنياً واستراتيجياً) هو الذى يفسر حقيقة الصراع. وبالرغم من تقسيم المستعمرات بين الدول المستعمرة، فإنَّ ذلك الوضع لم يدرأ عن هذه الدول، نشوب حربيين كونيتين الأخيرة منهما وحدها أفنت أعداداً مهولةً من البشر، تُقدر بحوالى أكثر من 56 مليون نسمة (حوالى 17.5 مليون جندى من كل الأطراف، أكثر من 39 مليون مدنى من كل أنحاء العالم. وعدد الجرحى من الجنود 35 مليون جريح، أما عدد الجرحى وسط المدنيين فلا يُحصى) (Smith 2005)، وأثَّرت تسوياتها الصراعية فيما بعد على إقتصادات المستعمرات/الدول الفتية تأثيراً بالغاً.

وعلى أىِّ حال، فإنَّ ذاكرة العالم الجماعية المشحونة بمآسى الحربين الكونيتين، قد إضطرت أُوربا فيما بعد إلى خلق نظام بريتون-ودس (Bretton-Woods) لمعالجة آثار تينك الحربين الكونيتين. إلاَّ أنَّ نظام بريتون ودس ذا التسويات الصراعية، قد نقل الحرب بين الدول الأُوربية من أرض المعارك إلى المجال الإقتصادى (Kapstein and Mastanduno, eds, 1999)، وبين دول الأطراف جعلها بين الناس. والتسويات الصراعية لا تنتج إلاَّ الصراع، ولَكَمْ أزكتْ تلك التسويات الحروبَ بين النَّاس كما سيجئُ ذكره وتفصيله لاحقاً إن شاء الله. وسيتم شرح الكيفية التى إنتهجها الخطاب الليبرالى ونظرياته الإقتصادية، لإخفاء هذه الحقائق.

يتبع ...


[/justify]

حسين أحمد حسين 13-09-2011 11:57 PM

[justify] [/justify][justify][/justify][justify][/justify][justify][/justify][justify]
[justify] [/justify][justify][/justify][justify][/justify][justify][/justify][justify][/justify][justify]
منشأ الحروب (مستمر)
المستعمر وصناعة الصراع:

بعض الأراء تقول بأنَّ الفوضى (Anarchy) التى يخلقها القائمون على مقاليد الأمر فى العالم عن طريق الحروب، عادة ماتغذى تغييراً منشوداً فى مجال الإقتصاد (Cox, in, Middleman (ed) 1997). بل إنَّ مارك دوفيلد يعتبرها محوراً مهماً لإعادة صياغة الشعوب (Duffield 2007). وهناك آراء أُخرى، كما رأينا بعاليه، تقول بأنَّ الحربَ يُسعِّرُها التنافس على الموارد الإقتصادية. إذاً نحن أمام نموذج مُفرغِ الحلقة، يبدأ: بتناقص الأرباح - الحرب - التسوية الإقتصادية - تناقص الأرباح من جديد، وهكذا دواليك.

وكما جاء بعاليه، فإنَّ بريتون ودس نقلت الصراع من ساحة الحرب إلى الإقتصاد فيما بين الدول الغنية (وجعلت المواجهة العسكرية {كما سيجئ بالتفصيل لاحقاً} بين الدول الغنية تتم خارج أراضيها، كما فى الحرب الكورية وحرب فِيَتنام والحرب العراقية الإيرانية). و لعلَّ التسوية الإقتصادية التى تمَّت بموجب بريتون ودس، قد مكَّنتْ هذه الدول الغنية من وضع يدها على الموادِّ الخام للمستعمرات/الدول الفتية. وهو أمرٌ زاد من وتيرة ما يُعرف بإنكشاف الموارد(Resource Vulnerability) خلال فترة الخمسينات - السبعينات. الأمر الذى أصبح مصدراً للصراع العالمى المتعارف عليه بالحرب الباردة الناشئة من المارثون الإقتصادى نحو المصادر الرئيسية للمواد الخام. وقد أخذ هذا السباق المتمحور فى حلفين، أحدهما بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والآخر بقيادة روسيا، عُدة أشكال، منها: السباق عل تسليح الحلفاء، السباق على تخزين المواد الإستراتيجية (Stockpiling of strategic resources)، سباق الدعم الدبلماسى، سباق دعم الشركات المتعددة الجنسيات، سباق الإتفاقيات المواتية للدول الغنية (Billon, in, Billon (ed) 2005). وكما يقول أحد الإقتصاديين السياسيين: "فإنَّ هذه التسويات هى عبارة عن إتفاقيات تعاون إقتصادى تمّت فى ظلِّ الحرب (In the shadow of conflict)، وهى مجرد تحايل على العداء ضد الآخرين، أو ردِّ فعلٍ له. والأُمم تميل نحو الحرب أو التعاون الإقتصادى، بحسب هامش الربح المتوقع من كليهما" (Hirshleifer 2001).


وذلك يعنى فيما يعنى، أنَّ قرار الحرب/ التعاون الإقتصادى لمقابلة الأرباح المتناقصة يعتمد على قانون الفرصة البديلة فى علم الإقتصاد (Comparative Advantage).

وسوف نرى إن شاء الله ما إذا كانت الأدارة الأمريكية قد أخطأت القرار بإتخاذ الحرب بدلاً عن التعاون الإقتصادى فى شأن الحرب الأخيرة على العراق (Stiglitz and Bilmes 2008)، بغرض تفادى نقصان الأرباح فى خزينتها كما يقول بذلك أُوبراين ووليامز بكل الوضوح ("Budget deficits allowed {US} government to pursue war in Iraq and cut taxes ..."O'Brien and Williams 2007).

إذاً، نحن تاريخياً أمام وضع أحكم فيه الإمبرياليون قبضتهم على الموارد الطبيعية للمستعمرات، مستفيدين من عمالتها ومواردها الرخيصتين. وقد عمل نموذج الإستنزاف هذا، طِوال المرحلة الأُولى للإستعمار، أى مرحلة إلحاق الأنماط القبل-رأسمالية بالنظام الرأسمالى وتحت قبضة نظام إدارى فى غاية الصرامة، ولم تُتَحْ معه إى عمليات تصنيع (ولا حتى إى إستثمارات من أى نوع)، وذلك بغرض منع أى نوع من التغيرات التنموية، على الأقل إلى حين (Palma, in, Ayres (ed) 1995). ولقد كانت محصلة إستمرار نموذج الإستنزاف فى الفترة الأُولى من الإستعمار، ولمدة طويلة، إفقار المستعمرات وإعاقة تنميتها، وإعاقة عمليات التصنيع فيها، الأمر الذى جعلها فيما بعد تتخصص فى إنتاج المواد الأولية فقط، وبشروط أملاها المستعمر ضمن تسوياته الصراعية المجحفة (Frank, in, Roberts (ed) 2007).

إذا ما يُعرف بالحروب بين النَّاس، أو الحروب الداخلية ( كما سيجئ مفصَّلاً فيما بعد إنْ شاء الله) قد بُذرت بذرتها جراء إفقار الأطراف، ومنع التنمية الصناعية فيها، الأمر الذى أدَّى إلى فشل التنمية الإقتصادية منذ الفترة الأُولى للإستعمار. ولم يترك المستعمر أىَّ عائدٍ إقتصادىٍّ ليعود على أهل المستعمرات فى هذه الفترة الأولى، فقد كان إستنزافياً فقط، ولم يبدأ بعد فى عمل أىِّ إستثمارات فى الدول التى إستعمرها. وقد بدأ النَّاس يضيقون ذرعاً بالمستعمر، ولكن قبضته الإدارية الصارمة كبتتْ حربهم عليه، فظلَّتْ كامنة لتتفجر (ويا للأسف فيما بينهم) لاحقاً كما يقول أُوبراين (O’Brien 1979).

يتبع ...
[/justify]
[/justify]

حسين أحمد حسين 15-09-2011 03:36 PM

[justify] [/justify][justify][/justify][justify][/justify][justify][/justify][justify]
منشأ الحروب (مستمر)
المستعمر وصناعة الصراع:

أما بالنسبة للمرحلة الثانية من الإستعمار (والتى تتزامن مع توهج الثورة الصناعية) فقد بدأت بعض المستعمرات تنتج بعض المواد الخام فى مقابل توفير بعض الصناعات التحويلية بواسطة المستعمر. وهنا بدأ يطرأ بعض التغيير على قوى الإنتاج، جراء تنوع المحاصيل المنتجة وعمليات التبادل مع دولة المستعمر الأم. وعند هذا الحد، فإنَّ أنماط الإنتاج القبل - رأسمالية بدأت فى التفكك، وجزءٌ من عناصرها (عملها وأدوات إنتاحها) أصبحت تؤدى وظيفةً ودوراً رأسماليين. وبناءاً على هذه الحيثية، فقد "بدأ تقسيم جديد للعمل يُطلُ برأسه، قِوامُهُ صغار المنتجين، شريحة التجار والمرابين، ورأس مال الدولة المستعمرة" (Simoniya 1985).

وتجدر الإشارة هنا إلى حقيقة أنَّ جموع الناس لم تستفد كثيراً من تخصص بلدانهم فى المواد الخام، عدا تلك القلة القليلة من التجار والمرابين الذى دعمهم المستعمر. وظلَّت جموع المهمشين من جيوش العمل الإكراهى خارج نطاق الإنتفاع بهذا النموذج الإستعمارى فى المرحلة الثانية من الإستعمار. الأمر الذى فاقم من حدة نقمة القطاع الأوسع من الناس على المستعمر بسبب إزدياد الفوارق الإقتصادية عمَّا كانت عليه فى المرحلة الأُولى.

وفى المرحلة الثالثة من الإستعمار، التى تتزامن مع دولة القومية الإقتصادية (دولة الحماية) والرأسمالية الإحتكارية، طرأت تغيرات جدُّ ملحوظة على القوى المنتجة فى المستعمرات. فالمستعمر بدأ يرسل رؤوس أموال إلى المستعمرات، بدلاً من أن يُصدِّر إليها منتجاته، مصحوبة بتقنيات صناعية وإدارية غيرت قليلاً من نموذجه الإستنزافى فى المرحلتين السابقتين (Bhagwati 1985). هذا الأمر أدى إلى تغيير وكلاء علاقات الإنتاج الإستعمارية السابقة الذكر. فالدور الذى كان يلعبه صغار المنتجين ، بدأ يقوم به العمل الأجير المرتبط مباشرةً بالمنشئات الأجنبية فى المستعمرات. والدور الذى كا يقوم به التجار والمرابين قد بدأ يتقلَّص فى هذه المرحلة، وحلَّ محلَّه دور الرأسمالييين النَّاشئين (Buyers-up) وبعض الفئات الكومبرادورية. وقد صحِبَ هذه المرحلة أيضاً نظام إدارى مركزى صارم، مهمته حماية النظام الرأسمالى الوليد. وقد سمح المستعمر فى هذه الفترة لبعض الفئات الخاصة بعمل النشاطات التجارية، ووزع عليهم بعض المشاريع الزراعية وملَّكهم الأراضى (فى شان كل الدول الأفريقية أُنظر (Dunn 1974) وفى الشأن السودانى أُنظر (Niblock 1978)).

وموضع الشاهد هنا أنَّ دخول المستعمر مستثمراً (لإول مرة) فى المستعمرات، لم يكن لإحداث تغيير تنموى بالطبع، ولكن كان له هدفاً مُهمَّاً آخراً، ألا وهو التغطية على التناقضات الحادة التى سادت مجتمعات المستعمرات آنئذٍ حتى يتمكن النظام الرأسمالى الجديد من النضج والقدرة على الإستمرار بإعادة إنتاج نفسه (Dunn 1974, P. 93). وبعبارة أُخرى، وبحسب نظرية متلازمة التنمية/الأمن فهو إستثمار يكافح الآثار الناجمة عن الإفقار التنموى (Underdevelopment) ويُخرص الحنق على المستعمر حتى يقوى عود النظام الرأسمالى فى الأطراف (Duffield 2007).

وحين حانت اللحظة، أى حين سادت علاقات الإنتاج الرأسمالى على غيرها من العلاقات الأخرى، حين قويت شوكة فئات الرأسماليين الناشئين والفئات الكومبرادورية، عند هذا الحد، شعر المستعمر بعدم جدوى وجوده الفيزيائى فى المستعمرات. وقد إستأمن هذه الفئات لأخذ سدة الحكم وشغل جهاز الدولة لتمديد نظامه، من ثم كانت بريتون ودس وكان الإستقلال.

ولذلك فأنا أميل للقول بأنَّ المستعمر قد خرج من المستعمرات بالأساس نتيجةً لهذا التطور الذى طرأ على القوى المنتجة، الأمر الذى تنتفى معه جدوى إستمراره فيها. وهذا الزعم يدعمه ما جاء به الإقتصادى السياسى التقدمى الأفريقى جون دَنْ حين قال: "إنَّ منطق وتوقيت إنهاء الإستعمار نفسه قد نُفِّذَ وفقاً للإنتهاء من إنجاز المهام التى كانت تشغل بال المستعمر {سيادة النظام الرأسمالى}، وَوِفقاً لجدوله الزمنى"(The logic and timing of decolonisation itself was determined by metropolitan preoccupations and according to metropolitan timetable - Dunn 1974, P., 71)

وليس مصادفةً، عندى، أن يخرج المستعمر من المستعمرات متزامناً مع ما طرأ من تطور على القوى المنتجة. أما العوامل الأُخرى، فهى عوامل مواكبة ومساعدة. فمثلاً، لا أحد يُنكر دور حركات التحرر فى التخلص من الإستعمار. لا أحد يُنكر أنَّ الليبراليين الأمريكيين كانوا غير متحمسين لإستمرار الإستعمار التقليدى، والذى يعنى لهم إستمرار دولة الحماية الإقتصادية الإحتكارية. ولا أحد يُنكر دور الروس المباشر فى دعم حركات التحرر فى أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، لتنال دولها إستقلالها. ولكن أن يتزامن كل ذلك مع زهد المستعمر فى الإستمرار، ومع ما طرأ على القوى المنتجة من تطور، فذلك بالطبع، ليس مصادفة.

يتبع ...
[/justify]

حسين أحمد حسين 15-09-2011 10:35 PM

[justify] [/justify][justify][/justify][justify][/justify][justify]
منشأ الحروب (مستمر)
المستعمر وصناعة الصراع:

هناك شواهد كثيرة تؤكد ما جاء بعاليه من زعم. فأمريكا لم تقدم أىَّ دعم ملحوظ لتخفيف وطئة الأستعمار المجحف على جموع المهمشين فى دول العالم الثالث، لا من الناحية النظرية/العلمية (نظريات التحديث التنموى خاصة نظرية مراحل النمو لرُسُّو، فقد كان الغرض منها محاربة الشيوعية وفتح أسواق للصناعات الأمريكية(Pieterse 2001)، أُنظر أيضاً ما قاله رسو نفسه عن نفسه ( 1990 Rostow))، ولا من الناحية العملية. فقد كانت مشغولة مع حلفائها الأُوربيين بالقضاء على النازية. وبعد القضاء على النازية، كان الهم الأكبر لأمريكا بالأساس هو إعادة بناء الدول الأُوربية. وهو أمر قامت أمريكا بِجُلِّهِ وحدها من خلال ما يُعرف بخطة مارشال. وقد قامت بذلك لسببين: الأول إيجاد أسواق لفوائض منتجاتها الصناعية والتكنولوجية، والثانى محاربة الشيوعية. ولم تكن المستعمرات على بالها، بالرغم من أنَّ الرئيس ترومان قد أعلن فيما يُعرف "بالنقطة الرابعة" من خطابه الرئآسى عام 1949عن "عصر التنمية" لتخفيف وطئة الإفقار التى حاقت بالمستعمرات. ولكنها كانت كلمةُ تنميةٍ أُريدَ بها شيئاً آخر.

وبالمقارنة، فأنَّ أمريكا قد وفرت 19،3 بليون دولار لإعادة بناء الدول الأوربية بعد الحرب العالمية الثانية عبر خطة مارشال، وكلُّ ما قدمته من أموال لدعم "عصر التنمية" لم يتجاوز 3 مليون دولار (Scobar 1995). وحتى هذا الدعم قد إنهار/توقف بشكل شبه كامل بعد إنهيار الشيوعية (التى إنهارت معها حتى نظريات التنمية(Modernisation Theories))، حتى وصل الأمر بأنْ كان العون المقدم من أسخياء النظام الرأسمالى الأمريكى أكبر من دعم الحكومة الأمريكية لدول العالم الثالث (بِلْ قَيْتسْ مِثالاً).

إذاً، بإنهيار الشيوعية، توقف دعم الغرب لما يعرف برأسمالية الدولة، وكثرت المناداة بالخصخصة. وعند هذا الحد، سقط القناع، قناع إستثمارات المستعمر، قناع إستثمارات الحكومات الوطنية القاضى بتوسيع رقعة إنتشار النظام الرأسمالى (لا حوجة لذلك، فهو يتمدد من تلقاء نفسه الآن).

فالنتيجة إذاً، هى توقف الدعم من الدول الغنية للدول الفقيرة على علاَّتِ شحِّه، إنهيار رأسمالية الدولة التى كانت داعمة للفقراء والمهمشين (خاصة فى أفريقيا)، سوء إدارة وسوء توزيع الثروة والدخل، الأمر الذى أَدَّى إلى إزاحة القناع عن الحروب والصراعات المكبوتة/الكامنة والمؤجلة، فاستعرت من جديد.

ولما كانت الرأسمالية لا ترقبُ فى فقراء العالم إلاًّ ولا ذِمَّة (لاتوجد رأسمالية بلا شرور كما يقول سمير أمين)، فها هى تشعل الحروب، وتسميها حروب داخلية تارةً، وحروب بين الناس تارةً أُخرى، لتسيطر بها على أرصدة حكام دول العالم الثالث العليل الليبرالية وفق التسوية الإقتصادية القادمة الوشيكة. وهى إذ تنعتها بالحروب الداخلية وتختار لها شعاراتها العجيبة المتناقضة (ربيع العرب)، تحاول بذلك نفى صلتها التاريخية بها وأنها أُسُّ أوارها، قبل أن يُكرِّسها أهلُ الدار على بنيهم.

يتبع ...
[/justify]

حسين أحمد حسين 19-09-2011 12:03 AM

[justify] [/justify][justify][/justify][justify][/justify][justify]
منشأ الحروب (مستمر)
المستعمر وصناعة الصراع (المحصلة):

لعلَّ إزدياد عدد السكان والتدهور البيئى المُضطردين، يشكلان عبر التاريخ مِحَكَّاً للإنسانية على هذا الكوكب. ولقد أثّرا، كما رأينا من قبل، على المخزون الإستراتيجى البدائى، مما جعل النَّاسَ شعوباً وقبائلَ يتعاركون على مقوماتِ البقاء (الآنية والإستراتيجية).

لقد فَدَتْ الإنسانية نفسها، كما جاء سالفاً، من الحروب بإقتراع الزراعة قبل عشرة ألف سنة. وامتدَّ بها هذا التعافى من الحروب حيناً من الدهر. ولكن مع مرور الأيام، والفعل الإنسانى يتركُ تراكمَه على هذه الأرض، وصلت معدلات إزدياد السكان والتدهور البيئى مقداراً أثر على التوليفات الإقتصادية التى إتبعها المجتمع الزراعى (وهى تسويات إقتصادية بلغة عصرنا)، مما أدى إلى ظهور ما يُعرف بقانون تناقص الغلّة. وهو قانون إقتصادى كلاسيكى (يقول الإقتصاديون الكلاسيكيون بأنَّه ينطبق على المنتجات الزراعية فقط، ولكن قد وُجدَ حديثاً بأنَّه ينطبق على غيرها) يقضى بأنَّ إزدياد مقدار أحدِ عناصر الإنتاج، مع ثبات مقادير العناصر الأُخرى يؤدى، بعد حين، إلى تناقص الناتج الحدى (أى تناقص الإنتاج الإضافى).

وبمرور الزمن، فإنَّ تراكم فعل هذا القانون قد وضع إنسان المجتمع الزراعى من جديد أمام محكات الإحتراب. ولكن الإنسانية، تلك الخلاقة، ما فتئت تبتدع الحلول لمشاكلها كلما مرَّتْ بها أزمة من الأزمات. فجاءت الرأسمالية التجارية، ومن ثمَّ الرأسمالية الصناعية، لمعالجة آثار قانون تناقص الغلة ذاك. ولكن مع تعقيدات الحياة وتشعبها بعد الثورة الصناعية، أصبح القانون يعمل فى أكثر من مجال: الزراعة، الصناعة، والخدمات. وقد إزداد عدد السكان بشكل مخيف، وتدهورت البيئة بشكل مخيف أيضاً.

ولعلَّ النظام الرأسمالى وهو يستبطن المالتوسية (نمو السكان يتم بموجب متوالية هندسية، وإنتاج الغذاء يتم بموجب متوالية عددية، إلى جانب فعل قانون تناقص الغلة) فهو كذلك يستبطن علاجاتها التى تقترحها، مثل العقم الإختيارى، تخفيض الولادات، وإتباع الوسيلة الناجعة فى ذلك وهى الحروب من أجل تحقيق توازن بين السكان وإنتاج الغذاء (من الصعب زيادة الغذاء مع فعل قانون تناقص الغلة والتدهور البيئى).

وعليك أنْ تنظر أيها القارئ الكريم إلى بشاعة النظام الرأسمالى هذا وهو يُحْدِثُ تسوياته وكيف يُموه خطابه الليبرالى لها. فليس من قبيل المصادفة أن يختار العالم الأول تحديد النسل (العقم الإختيارى، تخفيض الوِلادات)، ولكنه لا يبالى أن يصدِّر إلى العالم الثالث (خاصة أفريقيا) الكروب والحروب، وما أقساها من تسويات.

إذاً، مع تراكم فعل قانون تناقص الغلة المتشعب فى المرحلة الرأسمالية، من المرحلة التجارية إلى الإمبريالية الراهنة، والذى يقضى بميل الأرباح إلى التناقص لا مُحالة، ومع واقع أنَّ نمو السكان يزيد على المنتج من الغذاء (بسبب القانون سالف الذكر وبسبب التدهور البيئى سالف الذكر أيضاً)، ومع واقع أنَّ العالم فى حالة تنافس دائمة على الموارد التى تبقيه حياً، فقد ظلَّ العالم، وبشكلٍ دائبٍ، يمر عبر حلقته المفرغة: تناقص أرباح، حرب، تسوية إقتصادية، تناقص أرباح من جديد. والتاريخ المادى يؤيد هذا النموذج. فآخر تسوية هى بريتون ودس، وقبلها كانت الحرب العالمية الثانية، وقبل الحرب العالمية الثانية كان تناقص الأرباح بفعل ما يعرف بالكساد الكبير، وقبل الكساد الكبير كانت التسوية التى أعقبت الحرب العالمية الأولى، التى هى الأخرى جاءت بعد فترة كساد(O'Brien and Williams 2007). وهكذا هو الحال وصولاً بالقهقرى إلى المجتمع البدائى.

ومنذ بريتون ودس، فإنَّ العالم الرأسمالى يخرج من أزمة ويدخل أُخرى. والآن تتناقص الأرباح منذ منتصف التسعينات من القرن المنصرم، وبشكل حاد منذ عام 2006 (Stiglitz 2006). فالعالم الآن يعيش فترة كساد (ركوض إقتصادى)، قد تتحول إلى فترة كساد حاد (Double - Dip Recetion) فى أىِّ وقتٍ الآن، وكل الحروب السابقة أعقبت فترات الكساد(Op.Cit).

يتبع ...


[/justify]

حسين أحمد حسين 24-09-2011 01:35 AM

[justify] [/justify][justify][/justify][justify][/justify][justify]
منشأ الحروب (مستمر)
المستعمر وصناعة الصراع (المحصلة):


وكما جاء آنفاً، فإنَّ التسويات ذات طابع صراعى، والخيار بين الحرب والتعاون الإقتصادى يعتمد على المتوقع من الربح من كلى الخيارين، أى يعتمد على الفرصة البديلة.

وهكذا أُفقرت المستعمرات، واُعيقتْ تنميتها وتصنيعها، وباتتْ تنتج المواد الأولية بشروط أملاها المستعمر. وقد تسبب هذا الوضع فى إفقار السواد الأعظم من الناس. ومما زاد من الغبن الإجتماعى بينهم، هو تقريب المستعمر لبعض الفئات الكومبرادورية ومنحها المشاريع الزراعية والتجارية وغيرها. وهكذا ظلَّتْ جموع المهمشين من جيوش العمل الإكراهى، خارج نطاق الإنتفاع بالنموذج الإستعمارى إلى المرحلة الثانية.

وحتى عندما دخل المستعمر مستثمراً، لم يكن ذلك بغرض الإفعال التنموى، ولكن كان بغرض التغطية على آثار الإفقار التى خلفها نموذجه، وليغطى على بوادر الثورات الكامنة ضده، حتى إكتمال نضج النظام الرأسمالى والذى تزامن مع حالة الإستقلال.

وليس غريباً إذاً، أنَّ وُظفتْ كلُّ نظريات التنمية والتحديث لمكافحة الشيوعية، وليس غريباً أيضاً أنْ تنحاز أمريكا لِإعادة بناء أوربا بعد الحرب العالمية الثانية، وتتجاهل دول العالم الثالث (19,3 بليون دولار لإوربا فى مقابل أقل من 3 مليون دولار للدول الفقيرة).

وحين هُزِمتْ الشيوعية، توقف دعم الدول الفقيرة، وانهارتْ رأسمالية الدولة التى كانت داعمة للفقراء والمهمشين، وسِيئَ إدارة وتوزيع الثروة والدخل، فكانتْ الحرب، الحرب بين النَّاس.

وهكذا، منذ بريتون ودس ظل العالم المتقدم يلفظ الحرب ويلفظ أسبابها لتكون خارج أراضيه. فكانت الحروب بالوكالة فى أول الأمر، كالحرب الكورية، حرب فِيَاتنام، الحرب العراقية الإيرانية، وحرب يوغسلافيا. والآن جاء دور الحرب بين النَّاس. ولن يسمح العالم الأول بأن يكون الموتى من بنيه. فقد أشبعته الحروب الصليبية، حروب نابليون، والحربين العالميتين موتاً. فالحرب العالمية الثانية كما رأينا، قد أهلكتْ أكثر من 56 مليون فرد جُلُّهم من البيض. وهذا لن يحدث ثانيةً، إذا إستثنينا حماقة الحرب العراقية الأخيرة، وحرب أفغانستان. فالناخب ودافع الضرائب فى الغرب يريد أن يعرف العائد من الخيارات (الحرب أو التعاون الإقتصادى). وحربٌ يموت فيها بنوه مهما كان عائدها، فهى خاسرة بالنسبة لهما. فالمحصلة إذاً، هى عدم السماح بالموت وسط الغربيين ما أمكن إلى ذلك سبيلا.

ولكن لِإحداث تسوية فلابد من حرب، حرب بين النَّاس، خارج العالم الأول. وقد تم إختيارها بعناية هذه المرة لتكون بين الشعوب العربية صاحبة الموارد الإقتصادية والمالية العالية جداً. فانظر حروب ربيع العرب (وامعن النظر فى عقلية الخطاب الليبرالى وأيديولوجيته التى تربط بين الحرب والربيع، يا إلهى) مثلاً. لم يطأ أيما جندى أرض المعركة، فهى حرب من علٍ، وهذه هى الحروب القادمة، يموت فيها النَّاس، ولا يموت فيها العسكر ( ولعلَّ البداية الفعلية لها هى الحرب العالمية الثانية، حيث عدد القتلى المدنيين أكثر من العسكريين، أنظر أعلاه). فالغرب قادر (على فكرة) على القضاء على القذافى وصالح والأسد فى لا زمن، ولكنَّه يدير الحرب بإتجاه معادلة الغذاء/السكان، وبإتجاه مكافحة نُقصان الربح، وبعض المآرب الإستراتيجية الأُخرى (كما ظل يديرها فى السودان). ولم يكن رامسفيلد أبداً فى حالة زلة لسان حين قال: فاليمُتْ ثلاثا العالم، لِيعِشْ الثلث الآخر فى رفاه.

يتبع ...
[/justify]

حسين أحمد حسين 24-09-2011 01:42 AM

[justify] [/justify][justify][/justify][justify][/justify][justify]
منشأ الحروب (مستمر)
الحكومات الوطنية وإعادة إنتاج الإفقار والصراع:

لابد من تذكير القارئ بأنَّ هذه المداخلة تُحَقِّبُ التاريخَ بما يطرأ من تغيُّر على قوى الإنتاج. وبناءاً على هذه الحيثية، فقد رأينا ثلاثاً من المراحل التى مرَّ بها الإستعمار، والتى كانت تهدُف إلى سيادة نمط الإنتاج الرأسمالى على غيره من الأنماط القبل - رأسمالية، والتى تزامن معها خروج المستعمر من المستعمرات.

ففى فترة ما بعد الإستعمار ظهرت نظريات التحديث التنموى ذات الطابع الأمنى والإستراتيجى (كنظرية مراحل النمو لِرُسُّو)، وقويت شوكة الفئات الكومبرادورية المستأمنة على حراسة النظام الرأسمالى، والذى مدَّها بالأموال الطائلة لعمل مشاريع (عامة وخاصة) تساعد على تمدده فى دول الأطراف. ثمَّ جاء ذات النظام الرأسمالى، بعد حين من الوقت يتزامن مع تطور مهم طرأ على قوى الإنتاج، جاء ليستنكه كِبر قطاع الدولة. لِمَ لا، وقد أدى دوره على أكمل وجه، وعليه الآن أن يُفسح المجال لغيره.

بعض الدول الحصيفة (الدول الآسيوية، ومنذ مؤتمر باندونق فى عام 1955) قد إستفادتْ من النظرية الكينزية وعمليات الإنفاق الواسعة التى أعقبتْ الحرب العالمية الثانية لتحقق لنفسها تنمية حقيقية، تنمية من وراء ظهر النظام الليبرالى. وكانت تؤثر التعاون الإقتصادى على الدخول فى حرب مع النظام الرأسمالى، وبالفعل قد أنجزت تنميتها (وبفضلِ عوامل مهمة أُخرى).

يتبع ...
[/justify]

حسين أحمد حسين 28-09-2011 11:14 PM

[justify]منشأ الحروب (مستمر)[/justify][justify]الحكومات الوطنية وإعادة إنتاج الإفقار والصراع:[/justify][justify]
[/justify]
[justify] لنبقى قليلاً مع الفئات المستأمنة على صيانة النظام الرأسمالى بعد الإستقلال السياسى، حيث هذه الفئات قد واجهتْ، أوَّل ما واجهتْ، التناقض الإجتماعى الحاد بين فئات المجتمع، والذى كان يغطى عليه الإستعمار بقبضته الحديدية، وفى أحسن الأحوال بمشاريعَ إقتصاديةٍ مهمتها حفظ الأمن، لا الإفعال التنموى.

إذاً، تنتفى صفة القبل - رأسمالية على أنماط إنتاج ما بعد الإستعمار، ولكن تبقى صفة لا - رأسمالية هذه الأنماط الإنتاجية مستمرة بعض الوقت لحين تجاوزها بما يطرأ من تطور على القوى الإنتاجية. والسؤال المهم، لماذا توجد أنماط لا - رأسمالية جنباً إلى جنب نظام رأسمالى طاغى ومهيمن ومستأمن عليه من قبل الفئات الكومبرادورية؟ والإجابة ببساطة ليست كما تزعم نظريات التحديث التنموى بوجود قطاعين أحدهما رأسمالى حديث والآخر تقليدى (قبل - رأسمالى) يعملان فى تضادٍ يفسر إستمرار التخلف.

والإجابة كما تمت الإشارة سابقاً، أنه لا توجد أنماط قبل - رأسمالية قادرة على إعادة إنتاج نفسها وذلك لسيادة النظام الرأسمالى عليها، ولكنها توجد كعناصر، عمل و أدوات إنتاج، تمَّ إدراجها ضمن العملية الإنتاجية الرأسمالية لتنتج وتعيد إنتاج نفسها رأسمالياً. والذى يجعلها لا - رأسمالية بعد كل هذا، هو أنَّ واقع تشكيلاتها الإجتماعية غير قادر على التناغم مع الدولة الرأسمالية المركزية الوليدة كعلاقة فوقية، وغير قادرة على التناغم مع علاقات الإنتاج الرأسمالية المضمنة فى المشاريع الإقتصادية الموروثة من المستعمر كعلاقة تحتية، وذلك لطبيعة تخلفها وإهمالها وتهميشها التى أرادها لها الإستعمار منذ فترته الأولى والثانية. وهذه التشكيلة الإجتماعية هى التى تشكل جموع المهمشين فى الريف السودانى التى تسميه نظريات التحديث التنموى بالقطاع التقليدى القبل - رأسمالى.

إذاً، هذا الخطأ الشائع عن قبل - رأسمالية القطاع الهامشى التقليدى، هو فى حقيقته مغالطة (تهدف إلى وجود أسواق لفوائض السلع الرأسمالية الصناعية خاصة الأمريكية، والحصول على المواد الخام)، بدليل أنَّ الدولة على مستوى العلاقات الفوقية مكتملة الرأسمالية، وعلى مستوى علاقات الإنتاج مكتملة الرأسمالية، أمَّا على مستوى التشكيلات الإجتماعية فلا، لأنَّها متخلفة عن العمليات الإنتاجية الرأسمالية.

هذا السبب جعل الحكومات الوطنية تستمر فى إتجاه القبضة القوية المركزية، وإنْ جاء ذلك هذه المرة بإسم الوحدة الوطنية والصالح العام. والشاهد فى الأمر، أنَّ هذه الفئات المستأمنة على ورثة النظام الإستعمارى، بدلاً من أنْ توجه خيار التنمية لخلق إقتصاد وطنى متجانس (يُستثنى من ذلك الدول الآسيوية)، فإنَّ شريحة الدولة أنجزتْ إستراتيجيات تنموية أنتجتْ واقعاً أدى إلى الإلتحام النهائى للأنماط اللا - رأسمالية بالنظام الرأسمالى والسوق العالمية، دون أنْ تُحسِّن من أوضاع المهمشين والمُهْملين تنموياً منذ أيام المستعمر(Amin 1974, P.,28). وكان ذلك سبباً آخراً لتأجيج الصراع.

يتبع ...
[/justify]


الساعة الآن 01:02 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.