إنسانية!
لا أحب إستخدام التعابير المحفوظة اومايسميه الانجليز بال cliché ولكن الضرورات تبيح لنا مالانحب . التعبير المحفوظ الذي أعنيه هو قول الامام الشافعي :
نعيب زماننا والعيب فينا* و ما لزماننا عيب سوانا و نهجوا ذا الزمان بغير ذنب* و لو نطق الزمان لنا هجانا . في هذا الزمان العجيب , الذي لم أهجوه بعد, إن أنت دققت النظر ستجد أن الله - من حين لآخر - يرسل لك أناسا بسطاء يقومون بأداء عمل إنساني كبير يعيد لك ثقتك المهزوزه بالجنس البشري و خاصة ب بنو سودان . "و مايعلم جنود ربك إلا هو " . كلكم تقاطعت دروب حياته مع بعض اولائك الجميلين و الجميلات , لذا فعشمي أن يكون كتابة هذا البوست مشاعا بيني و بينك عزيزي القارئ لنحكي فيه عن أعمالا إنسانية رائعه فعلها بعض اؤلائك الخيريين . عند إفتراعي لهذا البوست كان في ذهني شخصين و ربما ثلاثة أشخاص أنوي الكتابة عنهم بأختصار , إن شاء الله. أبدأ بكِلمنت , وهو شاب من جنوب السودان (بالقديم) و بالتحديد من منطقة الإستوائية . |
أبو علي
ما حأقاطعك، لمن تخلص الكتابة عن الإتنين أو تلاتة الفي ذهنك. وبعد ما أغوص في طلاسم سردك بمرق وبستناك.. تكتب ليا عنك. فأنا تلميذ معجب ومحب يريد أن يعرف عن معلمه البعض إن ما إتوفر الكتير؟! :cool::cool: |
متابعة أ. حسين عبد الجليل
|
اقتباس:
ياخ أخجلتني! فما تعرفه انت نتيجة تجاربك الثرة في الحياة , مقارنة مع تجاربي التي معظمها قراءة كتب, يجعلك أنت معلما لي و ليس العكس . أنا من اسرة من منطقة ناوا , التي تبعد أميال قليلة شمال مدينة دنقلا العجوز و ب ناوا يوجد أطلال مسجد عبدالله بن ابي السرح , أول مسجد بافريقيا جنوب الصحراء . نشأت بالديوم الشرقية/الخرطوم وهي تشبه أم درمان في تنوع أثنيات ساكنيها و تعلمت بالديوم الكثير, و هناك تكونت شخصيتي . سافرت بعد اكمالي الثانوي للسعودية و منها لأمريكا . بالتأكيد سيكون عندك نماذج كثيره تشبه من سأتحدث عنهما فلا تبخل علي هذا البوست بمشاركاتك . مودتي . |
اقتباس:
مودتي . |
السالك بن عبدالجليل..
الفكرة بديعة ياخ. عندي حكايتين محيرات راسي بجيك بيهن. ولكن ليس قبل سماعك ياصديقي |
اقتباس:
سعيد جدا بتشريفك للبوست . جهز قصصك التي انا متيقن تماما بأنها ستكون ممتعة السرد , لأن كلامي سيكمل قريبا . مودتي . |
كلمنت هو شاب من منطقة الاستوائية يعمل في وظيفة مؤقتة بمسمي ساع (ساعي) بأحد أقسام البنك الدولي بواشنطون , محبوب جدا من أقرانه و ممن يرأسونه كما أخبرتني زوجتي التي تعمل معهم في نفس القسم . عندما أقترب موعد تقاعد رئيسة قسمه الامريكية طلبت الاجتماع بكلمنت , ربما تكون تلك السيدة الفاضلة قد شعرت ببعض الذنب و التقصير لكون كلمنت يعمل بهمة في قسمها لعدة سنوات ورغم ذلك لم يتم تثبيته في وظيفة دائمة .
أخبرته بأنها معجبة جدا بنشاطه و أتقانه لعمله ثم سألته "ماذا يمكنني أن أفعل لك – أو أخدمك بشنو؟ كما نقول بالسوداني – وانا بصدد التقاعد " . الاجابة المنطقية التي توقعتها الخواجية هي طلب كلمنت بزيادة راتبه أو تثبيته في وظيفه دائمة , أو كليهما معا. الا أنه فاجأها بطلب آخر تماما ! حدثها عن قريته بالاستوائية وكيف أن طلاب المدرسة الوحيدة بها يدرسون في ظل الاشجار أذ أن تلك المدرسة لامباني لها , وكيف أنهم يعانون ويفقدون كثيرا من أيام دراستهم عند هطول الامطار التي تسقط كثيرا بالاستوائية , وأنه حين هطول المطر يهرب الطلاب والاستاذة ويأوي كل منهم لداره التي تعصمه من الماء . قال لها بأنه يحلم ببناء مدرسة بالطوب لهم ولكنه لايملك مالا وهو يتمني أن يساعده البنك الدولي في تحقيق حلمه ببناء تلك المدرسة . هذا كل مايريد منها فعله له . غني عن القول بأن مديرة كلمنت ذهلت تماما من طلبه , و لكنها أنهت اللقاء بأن أخبرته بأنها ستري ماذا يمكنها فعله! |
بحثت المديرة شمال يمين في مايمكنها فعله و أخيرا اهتدت لاحد البنود في ميزانية قسمها و التي تسمح لها بالتصديق علي مبلغ بحد أقصي عشرة الف دولار لاأي عمل خيري . نأدت كليمنت , أخبرته بأنه ستوقع التصديق بصرف العشرة ألف دولار لحلمه رغم أن تكاليف بناء المدرسة تزيد عن ذلك بكثير .
عرفت زميلات و زملاء كليمنت بالقسم , من اميركان , أفارقة , عرب , فرنسيس و جنوب أمريكيين بما يحلم به و كيف أن تحقيق حلمه يحتاج لاضعاف المبلغ الذي نجحت المديرة في تدبيره . أجتمعوا وتشاروا وبدأوا حملة جمع تبرعات له . ثم أقاموا عدة أسواق خيرية كبيرة لجمع المال . شهدت أحد تلك الاسواق التي أقاموها في قاعة ضخمة حيث اشتملت المعروضات علي اشياء متنوعة تبرع بها الزملاء و الزميلات بغرض بيعها في ذلك السوق . باعوا هناك القهوة , الشاي , الطعمية , الباسطة , الكعك , لوحات فنية , كتب , مجوهرات غير ذهبية , تماثيل فنية وأشياء أحري كثيرة. بدأ المال يتجمع وبدأ كليمنت في بناء المدرسة التي أكتملت بعد حوالي العامين من عرضه الفكرة لمديرته . أحيانا أقابل كليمنت عندما أتوقف بسيارتي أمام مكان عمله وأنا في أنتظار زوجتي . أشاهده وهو يدخن أمام المبني , يهرع نحوي عندما يراني , و أهرع نحوه عندما لايراني . "كيفك يازول؟ " يقول لي . "أخبار المدرسة شنو؟ " أسأله . مرة أجاب عن سؤالي المعتاد بأن أخبرني بحزن شديد , أن الطلبة و المعلمين هربوا من القرية وتركوها بمدرستها الجديدة عندما وصلت الحرب العبثية بين فريقي سلفاكير و ريك مشار لديارهم . آخر مرة قابلته أخبرني بأنه سعيد جدا لاتفاق الخرطوم الذي أنهي الحرب الاهلية بالجنوب و أن الطلاب و المعلمين قد عادوا لمدرسته أخيرا . |
2
هنالك تناسق عكسي غريب بين كليمنت و فعله الانساني وبين الشخصية الثانية التي سأحكي عنها و سأرمز لاسمه ب "دد" وذلك للحفاظ علي خصوصيته و خصوصية أسرته أذ أن ماسأكتبه سيلمس بعضا من أفراد أسرته لمسا أيجابيا . بينما كليمنت ينتمي لاقصي جنوب السودان فأن دد ينتمي لمنطقة في أقصي شمال السودان , بل هي شمال الشمال السوداني اذ أن خط العرض 22 الذي يفصل بين مصر و السودان يفصل أيضا بين أفراد أسرة دد الممتدة , اذ يجعل من يسكن جنوبه و هو منهم سودانيون ومن يسكن شماله من أهله مصريون . بينما أثّر فعل كليمنت الأيجابي علي مئات التلاميذ و سيظل يؤثر لعدة سنوات علي الالوف منهم فأن فعل دد الايجابي لم يؤثر الا علي شقيقه و شقيقاته . أيضا عمل الخير الذي قام به كليمنت أعانه عليه قوم آخرون بينما قام دد بفعله الايجابي مثل السيف و حده . و أخيرا و آخرا فقد أنجز كليمنت مشروعه الانساني في عامين بينما بدأ دد فعله الانساني قبل ثلاثين عاما و مازال مواصلا فيه . |
3 بعد تخرجه من جامعة الخرطوم في الثمانينيات كان المستقبل, بمقاييس الدنيا المادية, واعدا أمام دد .فتخصصه , كمهندس مدني كان مرغوبا جدا في دول الخليج التي كانت تشهد آنذاك بداية طفرتها العمرانية . سافر كثير من أبناء دفعته الي هناك و أغترفوا من البترودولار و تطاولوا في البنيان بأحياء الخرطوم الجديدة التي أصبح بعضها يحمل أسماء خليجية كالرياض و الطائف ...الخ. لتميزه الشديد أثناء دراسته الجامعية و بعد عمله باحدي المصالح الحكومية بالسودان , فقد أنهالت عليه عروض العمل بالخليج الا أنه رفضها كلها و فضل استمرار العمل بالسودان . سبب ذلك كان أحساسه بالمسئولية تجاه شقيقاته الثلاث الأصغر منه و شقيقه الكبير الذي يعاني من أعاقة ذهنية , خاصة وأن والديه قد توفيا أثناء فترة دراسته الجامعية . عند مقابلتي لأصدقاء مشتركين , أثناء أجازاتي المتباعدة بالسودان كنت دوما ماأسأل عنه دون أن أتمكن من مقابلته . علمت أنه لم يتزوج أبدا, لعدم ثقته في أن زوجة المستقبل ستتحمل تصرفات أخيه المعاق . تزوجت أخواته الثلاث وغادرن منزل العائلة وبقي هو يشرف وحيدا علي أخيه . في أجازتي الاخيرة صممت علي مقابلته . تحصلت علي رقم هاتفه من صديق مشترك . تحدثت معه طويلا ثم عاتبته علي عدم أشتراكه في قروب واتساب تضم كثير من الاصدقاء الذين نعرفهم . رد علي بأنه لايملك هاتف ذكي فجهاز تلفونه من النوع العادي القديم الذي لايصلح للواتساب , شعرت حينها بخجل شديدو وكرهت نفسي ! أتفقنا علي أن نلتقي يوم جمعة في منزله الذي وصف لي موقعه . قابلت دد في منزله المتواضع الكائن بحي طرفي بامدرمان . رحب بي بحرارة شديدة و تجاذبنا أطراف الحديث لمدة طويلة . مالفت انتباهي هو الطمأنينة الشديدة التي كانت تغمر وجه صديقي , أيضا لاحظت تعامله باحترام شديد مع أخيه الأكبر المعاق ذهنيا . أخذني لحيث يجلس شقيقه في غرفة أخري وقدمني له ثم طلب منه الجلوس معنا و شرب الشاي . النظرة السطحية لما فعله دد ربما تري في ذلك شيئا عاديا ولكن أرجاع البصر كرة سينبئك بغير ذلك . فأن تتنازل طوعا عن طموحاتك الشخصية المشروعة بغرض ألأهتمام باخوات و أخ معاق سنة وراء أخري ولمدة تجاوزت الثلاثين عاما وربما تمتد لمدي حياة أخيه فلعمري فأن ذلك هو قمة التضحية و نكران الذات . ا |
(4)
من آيات القرآن الكريم التي يقشعر لها بدني , لتصريحها بعظم مانحن مشؤولون عنه , هي قوله تعالي (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم) و مثلها تماما هنالك آية بأنجيل لوقا (12:48) تقول(فَكُلُّ مَنْ أُعْطِيَ كَثِيرًا يُطْلَبُ مِنْهُ كَثِير)ٌ ماتعلمته من كلمنت و دد هو أن العطاء المطلوب ليس بالضرورة أن يكون نقدا- ومن جيبك , فان تعذر ذلك فهناك الكثير مما يمكننا فعله لمساعدة بعض من نعرفهم في تحمل نوائب الدهر ,أو رسم بسمة في شفاهم ,أو أقالة عثرة لهم أو جعل يومهم يوما سعيدا . |
أنتهي ماأريد قوله , وفي أنتظار مشاركاتكم ولكم الشكر .
|
الحكمة في:
لا يؤمن أحدكم، حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه... لكن هل الحكاية دي من طبيعة النفس البشرية.. :rolleyes::rolleyes: تعرف يا أبو علي.. كم وكم هائل من البشر يملء الدنيا ضجيجاً. إن لنفسه أو لغيره بالعمل الخير الذي قدم للأخرين.. ولكن إن هو ولا ديكآ.. ما في واحد فيهم. حب لأخيه البحبه لنفسه.. وإتنينك ديل "كليمنت ودد" من القديسين. ربنا يبقينا ذيهم... |
رجعت ليك يا أبو علي في زولن برضك ووالله ما لأمر في نفس يعقوب أو كما يقال. لكن برضك من قديسي زمانه...
أحيّ يا رِقَيدة في ضُل القبة: كيف تحاب بابكر بدري وأمه في الله.. http://sudanile.com/index.php/%D9%85...87%D9%8A%D9%85 |
| الساعة الآن 03:16 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.