سودانيات .. تواصل ومحبة

سودانيات .. تواصل ومحبة (http://www.sudanyat.org/vb/index.php)
-   منتـــــــــدى الحـــــوار (http://www.sudanyat.org/vb/forumdisplay.php?f=2)
-   -   فاطنة ومختار (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?t=61670)

imported_عبدالله الشقليني 12-12-2019 10:02 AM

فاطنة ومختار
 
[rams]https://www.youtube.com/watch?v=iKM7CL7ycV8[/rams]


فاطنة ومختار


غنيت أنا للستات
أنا قصدي الانبساط دائماً
يا اخوانا مع البنات
سافرت أجيب فلوس
واختار منهن عروس عاجلاً
سافرت أجيب المال
من جبال تقلي البُعاد لازماً
*
من أغاني صلاح بن البادية

(1)

قال الراوي:

" مختار" ليس( مخاً و طار ) كما كُنا نعتقد في طفولتنا، فهو رجل عرفناه نبيهاً، طيباً. أكمل الثانوية في مطلع سبعينات القرن العشرين، وعمل موظفاً في مصلحة الزراعة الآلية المنتشرة في أرجاء السودان، عندما انهمرت أموال البترول العربي للسودان بديون كبيرة و فوائد قليلة، بعد ارتفاع سعر البترول من ثلاثة دولارات إلى ثمانية عشر دولار بعد حرب 1973. لم تهتم الدولة حينذاك بدراسة الجدوى الاقتصادية، وتمت إزالة الغابات واستبدالها بالزراعة الآلية، في هدم للبيئة بدون علم و ترشيد، كان الهدف إدخال الصناعة بأي وسيلة إلى مجال الزراعة.

(2)

تزوج " مختار "من فتاة من أسرة أحد أقربائه، في قرية حول سنار التقاطع، واسمها " فاطنة". وحضر وزوجته إلى منزل قريبه جوار بيتنا في أم درمان لقضاء العطلة السنوية. كان " مختار" أسمراً يسمونه في عامية وسط السودان ( أخدر)، وزوجته قمحية اللون تميل للصفار. كانت تصغره بخمس أو ست سنوات. كان "مختار" مهذباً وخجولاً وهادئاً. واسع الثقافة على مصاريعها كلها، يقرأ كثيراً ولا تروقه انتماءات الناس السياسية من حوله، لم يكن ينتمي لحزب سوداني. كان واعياً لدور السياسة في تحريك الوعي العام، ولكنه كان متحفظاً ومتردداً بشأن جميع الأحزاب السودانية، له رأي في أنها بدون أهداف معقولة ومتوازنة.
*
كنا نقضي العطلات الجامعية وسط شلة، جلّهم من أقرباء " مختار"، في دار قريبهم المقاول الصغير، نتسلى بلعب الورق. كان نهارنا زاخراً بالسمر، فالأحداث السياسية في سبعينات القرن العشرين كانت مليئة بالمتغيرات والمفاجآت، نصل النهار بالليل، ونقرأ ما تيسر من كتب، ونناقشها أنا وقريبه صديقنا " عبد القادر". كان "عبدالقادر" قد غادر سجن مدني بعد قضاء ما يقارب العامين، إثر قدومه مع مؤيدين في قطار سنار إلى مدني أثناء احتضار حركة 19 يوليو 1971، وتم اعتقالهم في سجن مدني.
كان " مختار " يرقبنا، ولا يشاركنا النقاش إلا بالقليل الزاهد في مسئولية ما يترتب على النقاش، لأننا نهزّ شجر الفكر من جزعها بقراءة مجلدات رأس المال "لكارل ماركس" و" ضد دُهرنق" الذي كتبه "انجلز" وكلاهما بالإنكليزية. وكان "عبد القادر" عامل وفني كهرباء يعمل في الإدارة المركزية بسنار، وهو نقابي ذكي، لم يتيسر لعائلته النفقة ليدرس فوق الأولية رغم تفوقه. ورغم ذلك كان يقرأ ويتفهم ما يقرأ رغم مصطلحات الفلسفة والاقتصاد، ويسأل عما لا يعرفه بيسر وسعة أفق.

(3)

كان في وسع " مختار " مشاركتنا الرأي، إن لم يكن راغباً في القراءة الفكرية العميقة. كان "عبد القادر" صاحب كاريزما ساحرة، يكاد يأسرك عند أول مرة تقابله، ومخيف ما يفكر فيه مقارنة بالآخرين. كان لخروجه من السجن كنقابي متمرس، مرتبط بتصورات البعض عن أنه يساري وربما شيوعي، ولم أتعرف على طبيعة انتمائه حتى تاريخ اليوم. تهيب " مختار" النقاش والمجادلة.

أنا شريك في لعب الورق مع " مختار" وبقية الشلة، أما " عبد القادر" فلم يحب لعب الورق، كان يفضل القراءة والنقاش الحر. ولا يخفى عليك وأنت تقرأ معه بالإنكليزية، أن تلحظ تسارع النطق للكلمات الإنكليزية واختلال النطق، حتى يكاد ينزلق النطق من خط قطاره الطبيعي الذي ينطقه المتمرسين، فتستدرك أنه تعلم الإنكليزية في السجن!. فكوادر الحزب الشيوعي قد افترعت مدارس لغات في ساحة سجن مدني، لتعليم الجميع. كان "عبد القادر " يقرأ ويصحبه القاموس الإنكليزي ليعينه. لدى " عبد القادر " رأي من مشكلاتنا مع التقدم والحداثة هي قضيتنا مع المرأة في المجتمع المحافظ.
حكى لي " عبد القادر " طُرفة: كان للسيد " محمد إبراهيم نقد" في محاضرة عن ( رأس المال ) في منطقة سنار، وبعد انتهاء المحاضرة ، جاء إليه أحد الحضور وقال:
{ أنا عندي تصديق بكشك من البلدية، ولكن مشكلتي هي عدم توفر رأس المال، فأنت منْ يستطيع نُصحي، أليس كذلك؟}.

(4)

نقضي وقتنا مع " مختار " وزوجته " فاطنة "، في عمق البيت في جانبه النسوي، حسب تراتبية البيت التقليدي، وكانت أسرتينا أقرب إلى معرفة بعضهما، فقد كنا نزور بعضنا. وعند محادثة " فاطنة" عن قرب، تتعرف أنت إلى شخصيتها المميزة والصبورة والتي تتمتع بحس اجتماعي باهر، تجتذبك لمؤانستها، ففي عقلها تختبئ تجربة مليئة بخيارات ثرية و متعددة، وذات طبيعة تصالحية، تميل إلى أن يحتفظ الجميع بخصوصياتهم وخياراتهم، فليس لها رأي فيما يحب الناس أو يكرهونه، ولا تسعى للخلاف، تجدها من جهة أخرى تدافع عن خياراتها بحب وتقدير. فقد صرّحت بأنها تحب سماع أغنية " صلاح بن البادية" ( غنيتا للستات) التي وضعنا بعض أبياتها تتصدر القصة. ففيها حس بالفكاهة مختلطة حسب تصورها بتوق ومحبة للجنس اللطيف، ربما يخفيه الناس بسبب العادات والتقاليد في الزمن الغابر، وكُنا أذّاك نفاخر بأننا من عشاق أغنيات " وردي" و " محمد الأمين ".

وقصصت لها قصتي من أحد الذين يحضّرون لرسالة الماجستير في آداب اللغة العربية بالشعبة في جامعة الخرطوم. وكيف فاجأنا الرجل وقال لنا أنه ( حُوَار ) "صلاح ابن البادية"!، وذكر لنا بأن كل قصيدة كتبها " صلاح ابن البادية " أو لحنها أو غناها هي في الأصل مديح صوفي. وتذكرت رفيقي الذي كان في حضرة اللقاء، إذ كان ذلك ( الحُوَار) يرتدي جلباباً أبيض وعمامة وينتعل حذاء أسوداً، ويحمل شنطة ( سامسونايت ) سوداء. فسألناه عن أغنيتي ( غنيتا للستات ) و( خاتمي الجنن البنوت)، فكان رده أن القصد هو ( بنات الحور)!، فقال صديقي وهو في قمة الدهشة:

{ألا تلاحظ أن اليوم صباح الجمعة، وهذا الرجل يذكرني( الطهّار) الذي يأتي يوم الجمعة لختان الأطفال}!.
وانفجرنا بالضحك.

(5)

حاولت مرة وأنا أبحث في أرشيف الصور الضوئية، ووجدت صورة جماعية أسود وأبيض تضم ثلة من الأقرباء، وكان من بينهم " فاطنة " و" مختار"، ولكنني فقدتها، فهي صورة في ماضي ذكريات الشباب والطفولة. فقد انقضت عطلة "مختار" السنوية، وعاد لريفي "الدمازين" حيث مكان عمله وذهبت زوجته للقرية بسنار.
*
تعود الأيام بنا طويلاً لتأتينا بقباب الحزن، عالية من فوق سماواتنا. وحضر" مختار" مرة بعد زمان ملتمع العينين، يكاد يغطي عليهما الدمع، إذ فُجع برحيل " فاطنة" بعد إصابتها بملاريا خبيثة، وكان ذلك في الريف، ولم تمتد الحضارة بالعلاج كما هو معروف في ريفنا السوداني الزاخر بالضحايا، فأجفلت الزهرة من دفئها الحنون وهي في عز الشباب، فقد انتزعتها الأقدار منا ومن أسرتها الصغيرة. تركت " لمختار" طفل وطفلة.

ترك هو العمل بالزراعة الآلية بعد حين، واتجه إلى العمل الحر، كحرفي مجاري. وترك الطفلين لعهدة جدتهما في القرية.

عبدالله الشقليني
19 سبتمبر 2019
*

imported_فيصل سعد 13-12-2019 12:56 PM

سلامات أستاذنا عبد الله،،

انت هنا تحكي عن مختار عباس "مخ" صديق و نديم علي المك و ابوداؤد طيب الله ثراهم ، ام مختار اخر، لهم جميعا واسع الرحمة و المغفرة..

imported_عبدالله الشقليني 17-12-2019 12:07 PM

شكراً صديقي الأكرم فيصل
هو مختاراً آخر

imported_فيصل سعد 17-12-2019 01:11 PM

Acknowledged

هدية لك أستاذنا الفاضل ،، اغنية للراحل
إبن البادية،، قطع شك تثير الشجون..

imported_فيصل سعد 17-12-2019 01:18 PM

https://youtu.be/a16LTZj1WFY

imported_فيصل سعد 17-12-2019 01:36 PM

و اخرى زيادة محبة،، لا أخفيك علما بانني متحسر شديد انني كنت بالامارات 1988-2001 موظفا بشركة الحفر الوطنية بابوظبي، و لم التقيك أو اصادفك.. يديك العافية..

https://youtu.be/SlJXyRXDlA4

imported_عبدالله الشقليني 05-01-2020 02:59 PM

[rams]https://www.youtube.com/watch?v=SlJXyRXDlA4&feature=youtu.be[/rams]

لك محبة ومعزة كبيرة تعدل أن نظل رفاق بعضنا
ولو أن الزمن سيحقق أن نلتقى

بابكر مخير 09-01-2020 12:07 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة فيصل سعد (المشاركة 548736)
لا أخفيك علما بانني متحسر شديد انني كنت بالامارات 1988-2001 موظفا بشركة الحفر الوطنية بابوظبي، و لم التقيك أو اصادفك.. يديك العافية..

الحبان الحسيب النسيب وأخي الصغير
قيض الله ليكم أن تتلاقو هنانا في دار المحبة والتواصل
وسعدنا نحن بيكم إتنينتكم :cool::cool::cool::cool:


الساعة الآن 04:40 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.