سودانيات .. تواصل ومحبة

سودانيات .. تواصل ومحبة (http://www.sudanyat.org/vb/index.php)
-   منتـــــــــدى الحـــــوار (http://www.sudanyat.org/vb/forumdisplay.php?f=2)
-   -   النساء الهَبّابات (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?t=64886)

Abdullahi Gaafar 16-06-2026 07:02 AM

النساء الهَبّابات
 

النساء الهَبّابات… محطات العمر التي لا يتجاوزها قطار الذكريات أبدا

إهداء إلى صديقي الذي مضى قبل أن يكتب عتهن وعن سِتَهُن

(ينتصف الليل وتسكت المدن وتنطفئ الأضواء التي كانت تحتفي بما لا يريد الناس رؤيته وفي تلك اللحظة بالذات تخرج الذكريات من مخابئها عارية لا تستر نفسها ولا تطلب إذناً لتجلس أمامنا وفي مقدمة تلك الذكريات تأتي النساء الهَبّابات)

لم أكن كاتباً ولا كنتُ أظن أنني سأجلس يوماً أمام ورقةٍ بيضاء وأحاول أن أكتب تاريخاً لا يعترف به أحد فالتاريخ الرسمي لا يذكر النساء الهَبّابات ولا يذكر تلك اللحظات التي وقفن فيها في وجه مجتمع كامل دون أن يرفّ لهن جفن. التاريخ الرسمي يكتب الرجال والسلطة والأسماء الكبيرة والحروب التي صنعها الأقوياء.
أما أنا سأكتب التاريخ الموازي تاريخ النساء اللواتي لم يملكهن أحد ولم يحمهن أحد ولم يكتبهن أحد. سأكتب تاريخاً لا يُدرّس في المدارس ولا يُقرأ في الصحف ولا يُذكر في المجالس تاريخاً يبدأ من الهامش وينتهي في القلب. أكتب ستّهُن وأكتب غيرها من النساء الهبابات وأكتب تلك الأصوات التي سمعتها في السمر وأكتب التعب الذي رأيته في العيون وأكتب القوة التي لم يعترف بها أحد
معظم الناس يخجلون من الكتابة عن النساء الهَبّابات ليس لأنهن فضيحة لكن ربما لأنهن مرآة. مرآة تكشف نفاق المجتمع وضعف المجتمع وقسوته وخوفه من المرأة التي لا تنحني ومن الصوت الذي لا يطلب إذناً ليخرج للناس. يخجلون لأن الكتابة عنهن تتطلب شجاعة والشجاعة عملة نادرة في مجتمع يحبّ الحكم ولا يحب العدل
الليل وحده يعرف أن النساء الهَبّابات لم يكنّ فضيحة ولكن كنّ حقيقة يخجل الناس من كتابتها ويخافون من مواجهتها ويهربون منها في النهار لكنها تعود في الليل وتجلس أمامهم عارية كما هي
لم أكن أبحث عن دورٍ في الحكاية فأنا كنت أظن أنني مجرد عابر مجرد رجل يجلس في السمر ويسمع غناء النساء الهَبّابات ويحمل في صدره ما يكفيه من تعب. لكن الحكايات لا تختار دائماً أبطالها ولكن أحياناً تختار شهودها وأنا كنت الشاهد الذي لم يخطط أن يكون شاهداً. وفي النهاية فهمت شيئاً لم أفهمه من قبل وهو أنني لم أكن شاهداً فقط أنا كنت جزءاً من الحكاية. كنت جزءاً من الأغنية ومن الوجع ومن الليل ومن تلك اللحظة التي قالت فيها ستّهُن: (ستحين لحظة هروبك حين تزهر مواسم اللقاء ويهزمني قلبي)
الناس يرون النساء الهَبّابات كظل وربما كصوتٍ في الليل أو كحكاية تُروى بنصف فضيحة وربما أيضا كأسماء تُقال في الغياب ولا تُقال في الحضور. لكنني كنت أراهن كما هنّ نساء يحملن تعباً لا يليق بأعمارهن وقوة لا تليق بفقرهن وجمالاً لا يليق بخوفهن. كنت أرى الحقيقة التي يخجل الناس من رؤيتها. الحقيقة التي لا تُقال في النهار ولا تُكتب في الدفاتر ولا يعترف بها في المجالس. كنت أسمع أصواتهن حين يظنّ الناس أن الليل يبتلع كل شيء وكنت أسمع الارتجاف في الغناء والوجع في الضحكة والخوف في الصمت.
في النهار نكتب ما يناسب الناس لكن في الليل نكتب ما يناسب القلب. نكتب النساء الهَبّابات كما كنّ أغنيات متوحشة اللحن وأحلاماً صغيرة وقوةً لا تعرف كيف تشرح نفسها وجروحاً تمشي على قدمين. نكتبهن في الليل لأن الليل لا يطلب منا أن نكون شجعاناً بقدر أن نكون صادقين.
كنت أعرف أن ما أفعله ليس مجرد تدوين هو مقاومة لصمتٍ طويل ولخجلٍ جماعي ولعرفٍ يدفن الحقيقة تحت طبقات من الكلام الفارغ. وكنت أعرف أن هذا وحده كان كافياً ليجعلني غريباً في مجتمعٍ يخاف الحقيقة حين تأتي من فرد منه.
أحياناً كنت أتوقف عن الكتابة خصوصا حين أشعر أن الكتابة عبء وأحس أنني أحمل أكثر مما أستطيع وأنني أكتب تاريخاً لا يريد أحد أن يقرأه لكنني كنت أعود للكتابة وكأنني لم أعد أملك خياراً آخر.
كنتُ أكتب في الليل حين ينام العالم وحين تتخفف الذاكرة من حيائها وحين تعود الأصوات التي ظننتُ أنها رحلت. أكتب ما لا يجرؤ الناس على قوله أكتب النساء الهَبّابات كما كنّ لا كما يريد المجتمع أن يراهن. كنت أكتب لأن الكتابة كانت الطريقة الوحيدة لأمنع الحقيقة من الضياع. كنت أكتب لأن النساء الهَبّابات لم يكنّ يملكن رفاهية أن يكتبن أنفسهن.
فالتاريخ الذي نكتبه في الليل هو التاريخ الذي نكتبه خوفاً وهو التاريخ الذي نكتبه حباً وهو التاريخ الذي نكتبه دفاعاً عن الضعفاء هو التاريخ الحقيقي. أما التاريخ الرسمي فهو مجرد نسخة نظيفة من عالمٍ قذر. والنساء الهَبّابات كنّ الحقيقة التي حاول العالم أن يخفيها وأنا كنت الشاهد الذي قرر ألا يصمت.
لم أكن أظن أن ما أكتبه في الليل سيصل يوماً إلى النهار. كنت أكتب النساء الهَبّابات كما أعرفهن وكما رأيتهن وكما سمعتهن وكما حملتهن في صدري. كنت أكتب تاريخاً موازياً تاريخاً لا يمر عبر المؤسسات ولا عبر الكتب المدرسية ولا عبر لجان التوثيق. تاريخاً يبدأ من الهامش وينتهي في القلب. تاريخٌ يكتب نفسه حين ينام العالم.
النساء الهَبّابات هن محطات العمر التي لا يتجاوزها قطار الذكريات لا سهواً ولا عمداً. هنّ مثل تلك العلامات التي يتركها الزمن على الجسد لا تُرى دائماً لكنها تُوجع حين نلمسها. لم يكنّ نساءً عابرات ولا وجوهاً تُنسى ولا أصواتاً تُمحى كنّ أحداثاً وكنّ عواصف وكنّ أغنيات لا تُغنّى إلا حين يشتدّ الليل.
هنّ النساء اللواتي لا يكتبن على الدفاتر إلا بنصف فضيحة ليس لأنهن مذنبات بل لأن المجتمع لا يعرف كيف يكتب امرأة إلا إذا وضع فوق اسمها ظلّاً أو شبهة أو حكاية ناقصة. فعادة ما يكتب الناس عن النساء الهَبّابات نصف الحقيقة ويتركون نصفها الآخر في الظلّ حيث لا أحد يراه. لكن الحقيقة الكاملة هي أن النساء الهَبّابات كنّ ناجيات نعم ناجيات من الفقر ومن الرجال ومن المجتمع ومن الخوف ومن أنفسهن أحياناً والنجاة في مجتمعٍ كمجتمعنا فضيحة.
وأحيانا يخجل الناس من الكتابة عنهن أيضا لأن النساء الهَبّابات لا يمكن ترويضهن على الورق ولا يمكن اختصارهن في جملة ولا يمكن تجميلهن ولا يمكن وضعهن في قالب يناسب المجتمع.
فحين يبدأ الناس الكتابة عن النساء الهَبّابات تتحوّل الذاكرة إلى ساحة معركة بين ما حدث فعلاً وما يريد المجتمع أن يصدّقه. فتصبح المرأة الهَبّابة أسطورة ناقصة حكاية مبتورة ظلّاً بلا جسد. لكن في صدور الذين عرفوهن وفي أصوات الذين سمعوا غناءهن وفي عيون الذين رأوا تعبهن تبقى الحقيقة كاملة وواضحة لا تخجل من نفسها.
أنا كنت أكتب عنهن حين ينتصف الليل فحين ينتصف الليل تكتب الذاكرة النساء الهَبّابات بلا حياء لأن الليل في انتصافه لا يخجل من الكتابة عنهن. فالليل لا يعرف العيب ولا يخاف الفضيحة ولا يهمه رأي المجتمع. الليل يكتب الحقيقة كما هي امرأة تغني بصوتٍ مكسور وامرأة تهرب من ماضيها وامرأة تضحك رغم التعب وامرأة تقف في وجه الريح لتقول (أنا هنا ولو انكسرت). الليل يكتبهن كما هنّ قويات ومتعبات وجميلات ومستحيلات النسيان.
النساء الهَبّابات يأتين من الهامش من الفقر ومن التعب لكنهن يحملن في أصواتهن قوة لا تشبه قوة أحد. قوة لا تأتي من السلطة ولا من المال ولا من المكانة ولكن من النجاة. كل واحدة منهن كانت ناجية من شيء ما من رجل أومن بيت أو من فقر أو من خوف أو من مجتمعٍ لا يرحم وكل واحدة منهن تحمل في صدرها حكاية لا تُقال إلا بنصف فضيحة لأن الفضيحة الكاملة لا يملكها إلا المجتمع أما نصفها فهو ما تملكه المرأة لنفسها.
هن أكثر النساء وضوحاً وأكثرهن غموضاً أيضا يمشين وكأنهن يعرفن أن العالم يراقبهن لكنهن لا يتوقفن وإن أحببن يحببن بطريقة تشبه الوقوف على حافة جبل خطوة واحدة تكفي للنجاة وخطوة واحدة تكفي للسقوط.
نحن الرجال نخاف النساء الهَبّابات. ليس لأنهن قويات فقط بل لأنهن واضحات والوضوح في المجتمعٍ الذكوري فضيحة. ولكن الحقيقة أبسط: فالنساء الهَبّابات مرآة يرى فيها الرجال ضعفهم ويرى فيها المجتمع نفاقه ويرى فيها كل شخصٍ ما يخاف أن يعترف به.
النساء الهَبّابات لم يخترن أن يكنّ هكذا لم يخترن الفقر ولا الشراسة ولا الغناء الذي يشبه البكاء ولا القوة التي تأتي من النجاة. لكنهن حملن قدرهن كما يحملن أطفالهن بقوة وبخوف وبحبٍّ لا يعرف كيف يختبئ. ونحن الذين مررن في حياتنا لم نكن أفضل حالا كنا نحمل أقدارنا أيضاً وهي أقدار تتقاطع معهن في لحظة أو في أغنية أو في نظرة أو في جرح أو في هزيمة تترك أثرها فينا إلى آخر العمر ولهذا صار أثر النساء الهَبّابات فينا ليس مجرد ذكرى ولا مجرد حكاية بل جزءاً من تكويننا وجزءاً من الطريقة التي نفهم بها الحب والخوف والقوة والهزيمة والفضيحة والحياة نفسها. الحقيقة تقول إنهن كنّ أقوى مما يجب وأصدق مما يحتمل المجتمع وأكثر حضوراً مما يسمح به العرف.
الناس لا يخجلون من كتابة الأكاذيب ولا من تدوين الحكايات الناقصة ولا من صناعة الفضائح. لكنهم يخجلون من كتابة امرأة حقيقية والنساء الهَبّابات حقيقيات أكثر من اللازم. ولهذا لا يدخلن التاريخ من بابه الرسمي بل من بابه الخلفي من السمر ومن الغناء ومن التعب ومن تلك اللحظات التي لا يراها أحد إلا من عاشها.
قضايا النساء الهَبّابات لم تكن يوماً قضايا اجتماعية فقط ولا قصصاً تُروى في السمر ولا فضائح تُكتب في الدفاتر. كانت وجعاً يوقظ الناس حين ينتصف الليل وتفيض الذكريات عارية دون حياء فتخرج أصواتهن من الذاكرة كما تخرج رائحة الطين بعد المطر وتجلس على الورق بلا خوف وبلا تزييف وبلا تجميل.
النساء الهَبّابات لا يملكن رفاهية الخذلان ولا يملكن الوقت للبكاء ولا المساحة للانكسار ولا الرفاهية للضعف كنّ يقفن في وجه الحياة كما يقف النهر في وجه الجفاف بصمت وبقوة وبإصرارٍ لا يراه إلا من اقترب كثيراً. وأنا اقتربت كثيرا اقتربت حتى رأيت الوجع الذي يخجل الناس من رؤيته والقوة التي يخافون الاعتراف بها والحقيقة التي لا تُقال إلا في الليل.
أعرف جيدا أن العالم سينسى النساء الهَبّابات كما ينسى الفقراء وكما ينسى الهامش وكما ينسى كل شيء لا يخدم صورته النظيفة. وأنا أكتب لأحمي ذاكرتي وأحمي صوتي وأحمي تلك اللحظات التي مرّت كنسمةٍ على خدّ الليل ثم اختفت.
أعرف جيدا أيضا أن النساء الهَبّابات لا يملكن وطناً يعترف بهن ولا يملكن تاريخاً ولا مكاناً في الكتب ولا صوتاً في المجالس. لكنهن كنّ دائماً أكثر صدقاً من المدن وأكثر ثباتاً من الحكومات وأكثر رحمةً من الأوطان.

النساء الهبابات ... سِتَهُن أو حين يختبر الليل شجاعتَه
ينفضّ السامر ويتفرّق الناس وتبقى رائحة الغناء معلّقة في الهواء كأنها لا تريد أن تغادر. ومضى الزمان ولكن النساء الهَبّابات بقين في ذاكرتنا أغنية متوحشة اللحن أغنية لا تُغنّى إلا حين يشتدّ الليل ويبرد القلب
سِتَهُن كانت أكثرهن عذوبة وأكثرهن حزناً وأكثرهن رغبة في السفر إلى مكانٍ لا يعرفها فيه أحد. كانت تحمل أحلامها الصغيرة كما تحمل الأم طفلها الوحيد وتنتظر الثلث الأخير من الليل لتبدأ معركتها ضد المحابس والقيود وضد الفقر وضد الخوف وضد العالم كله.
لم يكن الليل في تلك الأمسية يشبه ليالينا المعتادة كان أثقل وأبطأ وكأنه يجرّ خلفه ذيول حكاياتٍ لم تُحكَ بعد والسامر رغم الضحكات العالية كان يخفي في عمقه شيئاً يشبه الحنين أو الخوف أو تلك المنطقة الرمادية التي لا نسمّيها حتى لا نوقظها.
كنتُ أجلس إلى جوار صديقي حيدر أراقب قوسه المجنون وهو يضرب الهواء بإيقاعٍ خماسي إيقاع لا يشبه شيئاً مما أعرف ولا يشبه شيئاً مما حاولت النساء الهَبّابات أن يعلّمنه لنا في الليالي الهامشية الطويلة.
ثم ظهرت سِتَهُن أو سِتَهُم كما كان يناديها عبدو المايع. لم تدخل المكان ولكن انسكبت فيه وكأنها موجة صغيرة خرجت من صدر البحر المالح لتختبر صلابة الرمل. كانت تمشي بخطى لا تخاف لكنها تخفي خوفاً صغيراً أحسسته في ارتعاشة أصابعها حين سلمت وحين أزاحت خصلة شعرٍ عن جبينها.
عبدُو المايع هو من قدّمها لي بابتسامةٍ يعرفها كل من عاش في ذلك النوع من الهامش ابتسامة من يقدّم لك شيئاً جميلاً وهو يعرف أنه سيُتعبك. قال يومها: دي شرسة… وفقرية… لكن قلبها لا بخون. ضحكت أنا وضحكت هي ولم نكن تعرف أن تلك الجملة ستصبح بعد سنوات تعويذةً صغيرة نستعيد بها ما تبقّى من تلك الليلة ومن ليال أخريات.
جلست ستهن بيننا كانت تسند ظهرها إلى الجدار وترفع ساقاً فوق أخرى بلا مبالاة متعمدة وكأنها تقول للعالم أنا لن أعتذر عن وجودي. فاجأتها نظراتنا فأمسكت طرف التيشيرت المتمرّد وحاولت إعادته إلى مكانه فوق الجينز لكن القماش كان يصرّ على أن يفضح ما لا يستحق الفضيحة. كانت تلك الحركة وحدها كافية لتسجّل نقطة أخرى ضد الجميع ضد الضوء وضد العيون وضد العالم الذي يراقب النساء أكثر مما يسمعهن.
كنت أراقبها بصمت صمت يشبه بداية أغنية لم تُكتب بعد وستهن بعفويتها ظنّت بعد أن اعتادت غرفتي أن ما جمعنا في تلك اللحظة كان هزيمة مشتركة لكنها لم تكن تعرف أن الهزيمة أحياناً هي الطريقة الوحيدة ليتعرّف القلب على نفسه.
في تلك الليلة حين أطفأ السامر آخر أنفاسه كانت ستهن وأنا نقف على حافة شيء لم نعرف اسمه بعد شيء يشبه بداية دفْ أو نهاية هروب أو تلك اللحظة التي يختبر فيها الليل شجاعته.
لم أكن أنوي البقاء تلك الليلة كنتُ متعباً تعب لا علاقة له بالجسد بل بذلك الحمل القديم الذي ظللت أجرّه خلفي كظلٍّ لا يعرف كيف يختفي. لكن شيء ما كان يجرّني إلى الجلوس إلى الاستماع وإلى أن أترك الليل يختبرني مرة أخرى. كنت أراقب السامر من بعيد وأراقب ضحكات الاصدقاء وأحاول أن أجد لنفسي مكاناً لا يضيق بي ولا يبتلعني.
ستهن لم تدخل المكان لكنها اخترقته وكأنها جاءت من جهة لا يعرفها أحد جهة لا يصلها الفقر ولا يصلها الخوف رغم أنها تحمل آثار الاثنين على كتفيها. لم أرَ امرأة تمشي بتلك الطريقة من قبل خطوة فيها شيء من التحدي وشيء من الخجل وشيء ثالث لا اسم له إلا أنه يربك القلب.
عبدُو المايع كان يبتسم ابتسامة من يعرف أنني لن أخرج من هذه الليلة كما دخلتها وحين جلست ستهن بيننا شعرتُ أن الهواء تغيّر وكأن المكان ضاق قليلاً أو كأنني أنا الذي اتسعتُ فجأة لأستوعب كل جمال شرق السودان المتوحش فيها.
كنتُ أراقبها لا كمن يعجب بامرأة بل كمن يرى شيئاً كان يظن أنه فقده منذ زمن. نظرت إليّ فجأة نظرة قصيرة لكنها كانت كافية لتعيد ترتيب فوضاي كلها لم أعرف ماذا أقول ولا ماذا أفعل كل ما عرفته أن قلبي تحرك خطوة إلى الأمام دون إذني. وحين ضحكت تلك الضحكة القصيرة أحسست بأن في ضحكتها شيء من السخرية وشيء من الوجع وشعرت بأن الليل كله انحنى قليلاً ليصغي لها.
انفض السامر وتفرّق الأصدقاء لكنني بقيت معها في تلك الغرفة الضيقة ولم أكن أعرف وقتها أن تلك الليلة ستصبح باباً لا أستطيع إغلاقه. كنتُ فقط أعرف أن شيئاً ما بدأ شيئاً لا يشبه الحب ولا يشبه الهروب شيء يشبه تلك اللحظة التي يختبر فيها الرجل نفسه ليرى إن كان ما يزال قادراً على أن يشعر بالدفء
لم أكن أعرف كيف خرج الجميع بهذه السرعة وكأن السامر كان يعرف أن عليه أن ينسحب وأن يترك المكان فارغاً إلا منّا وكأن الليل نفسه قرر أن يجرّ كرسياً ويجلس ليراقب.
اقتربتُ منها لا بخطوة واضحة ولكن بتلك الحركة الصغيرة التي لا يراها أحد إلا من ينتظرها. ثم ذهبنا إلى ما كانت تحترفه في ليلة أعقبتها ليال من جنون الرغبة وحنين الانصهار وحين مرّ نسيم خفيف من النافذة شعرتُ أن الليل كلّه انحنى قليلاً ليترك لنا الطريق لنمضي إلى حيث لا ندري
لم تكن سِتَهُن من النوع الذي يحكي كثيرا كانت تحفظ حكايتها كما تحفظ النساء الفقيرات ذهبهن الوحيد تحت الثياب وقريباً من الجلد بحيث لا يُرى. لكن ذات ليلة أخرى وبعد أن هدأ ارتباك اللحظة الأولى وهدأت الأجساد رأيت في عينيها شيئاً يشبه الاستسلام لكنه كان استسلاما من تعب وليس من ضعف. جلست عارية قرب النافذة وهي تسند رأسها إلى الجدار وتنظر إلى الخارج كأنها ترى مدينة أخرى غير التي نعيش فيها. قالت بصوتٍ خافت (أنا ما كنت كدا) كانت الجملة الأولى، وكانت كافية لتجعلني أصمت وأنتظر. تنفّست بعمق ثم قالت قبل ما أكبر كنت بفتكر الدنيا بسيطة. بيت صغير يحوي أمي واخواني وأغاني الليل وبعض الأحلام بعدها سكتت قليلاً ثم أضافت لكن البساطة ما بتعيش كتير. حينها لم أعلّق فقد كنت أعرف أن أي كلمة مني قد تُغلق الباب الذي بدأ يفتح. قالت أبوي مات بدري وأمي كانت بتشتغل في البيوت وأنا كنت بساعدها. بعدها رفعت رأسها نحوي ونظرت نظرة قصيرة، لكنها كانت تحمل سنوات كاملة من الانكسار. ثم واصلت بعدها قائلة الناس (ياسيدي لما يشوفوا زول محتاج ما بيساعدوه بيجربوا قوتهم) عليه كانت تقول الجملة وكأنها تتذوق مرارتها من جديد قالت كبرت بدري أكتر من اللازم و اتعلمت أكون شرسة عشان ما أكون ضحية. ضحكت ضحكة قصيرة، ضحكة بلا فرح وقالت عبدُو المايع كان أول زول قال لي إن الشراسة دي ما بتخوفه. لم أعرف أن كانت تلك جملة عتاب أم جملة امتنان أم مجرد ذكرى. ثم واصلت قائلة كنت بحلم بالسفر مش عشان أهرب لكن عشان أبدأ من جديد. أبدأ من نقطة ما فيها زول عارف حكايتي. نظرت إلى يديها وكأنها ترى فيهما آثار الطريق. سكتت طويلاً وطويلاً بما يكفي لأسمع صوت أنفاسها وصوت الليل وصوت شيء في داخلي يتحرك نحوها. ثم قالت الجملة التي لم أنسها (أنا ما بخاف من الماضي… أنا بخاف انو الماضي يطاردني) كانت تلك الجملة أصدق ما قالته في حياتها. اقتربتُ منها لا لأواسيها ولا لأخفف عنها بل لأكون قريباً بما يكفي لأفهم.
لم أفهم الجملة وقتها لكنني أحسست بها وشعرت أن ستّهُن لم تكن تبحث عن رجل ولا عن حب ولا عن خلاص لكنها كانت تبحث عن مكان لا يطاردها فيه الماضي ولا يجرّها إليه أحد. في تلك اللحظة وحين انحنى الليل قليلاً كأنه يستمع عرفتُ أن ماضي وحاضر ستّهُن ليس حكاية تُروى، بل جرحٌ يمشي ويحاول أن يتعلم كيف لا ينزف.
لم أنم تلك الليلة. كنتُ أسمع صوتها في رأسي كما يسمع المرء صدى أغنيةٍ لم يكتمل لحنها. لم تكن كلماتها هي التي بقيت بل الطريقة التي قالتها بها كنت أعرف أن الخوف لا يُقال بهذه السهولة ولا بهذه الشجاعة وحين تقول امرأة مثل ستّهُن جملة كهذه فهي لا تبحث عن تعاطف بقدر ما تبحث عن مكانٍ تضع فيه حقيقتها دون أن تُكسر.
في اليوم التالي، وجدتها تنتظرني عند طرف الشارع، تقف تحت ظلّ شجرةٍ لا ظلّ لها وكأنها تخاف أن تبدو كمن ينتظر أحداً وتخاف أكثر أن تبدو كمن لا ينتظر أحداً وحين رأتني لم تبتسم. لكن عينيها فعلتا.
مشينا معا خطوتان منها وخطوة مني ثم تتساوى الخطوات دون اتفاق. كانت تنظر أمامها لكنني كنت أشعر أنها تراقبني من زاويةٍ صغيرة لا يراها أحد. قالت فجأة (أنا ما كنت بعرف أرتاح في العلاقة لكن الليلة الفاتت حسّيت براحة غريبة في روحي وفي جسمي كلو) ثم رفعت رأسها نحوي ونظرت نظرة طويلة هذه المرة نظرة لا تبحث عن إجابة بل عن أمان.
سكتنا لكن الصمت هذه المرة لم يكن مسافة لكن كان جسراً حين قالت أنا عادة ما بقرب من الناس لكن كل ليلة بحس إني عايزة أقرب منك أكثر كانت تلك الجملة أقرب ما تكون إلى اعترافٍ كامل اعتراف لا يحتاج إلى شرح.
اقتربتُ منها فأغمضت عينيها لحظة كأنها تسمح للكلمات أن تستقرّ في صدرها وحين فتحتهما كانت أقرب مما توقعت، وأقرب مما كنت أجرؤ على تخيّله. في تلك اللحظة لم يكن بيننا شيء إلا الحقيقة بأن الاقتراب ليس رغبة فقط ولا صدفة ولا ضعفاً بل شجاعة. وهكذا بدأت ستّهُن تقترب وبدأتُ أنا أفهم معنى أن يقترب شخص منك دون أن يطلب شيئاً إلا أن تبقى.
لم أكن أعرف متى بدأ الأمر بالضبط هل كان حين قالت لي بعشقك غصبا عني أم حين نظرت إليّ تلك النظرة الطويلة التي لم تكن تبحث عن إجابة بل عن أمان؟ أم حين مشينا جنباً إلى جنب كل ما أعرفه أن الأيام بعدها لم تعد تشبه ما قبلها.
كانت تلك أول مرة تسمح فيها لكلماتها أن تلمسني مباشرة. صرنا نلتقي كثيراً بلا موعد ولا اتفاق ولا وعود. لكن اللقاء كان يحدث وكأنه جزء من جدولٍ لا نراه. كانت تحكي لي أشياء صغيرة عن أمها عن تعبها عن أحلامها التي لا تعرف كيف تبدأ وعن خوفها من أن يبتلعها الماضي. وكنت أحكي لها أشياء لم أحكها لأحد عن تعبي وعن الهروب الذي لم يكتمل وعن الحلم القديم الذي صار حملاً وعن تلك المساحة في صدري التي لم يعرف أحد كيف يصل إليها حتى جاءت هي.
لم تكن تحدد موعداً ولم تكن تعتذر عن حضورها كانت تأتي كما يأتي النسيم بلا إذن وبلا ضجيج وبلا سببٍ واضح لكنها تأتي. وفي كل مرة، كنت أشعر أن شيئاً في داخلي يتحرّك خطوة أخرى نحوها.
في إحدى الأمسيات، وجدتها تجلس على حافة الرصيف أمام البحر ترسم بأصبعها دوائر صغيرة على التراب، ثم تمحوها بقدمها كأنها تتدرّب على نسيان شيءٍ ما. جلستُ إلى جوارها دون أن أقول شيئاً. لم تلتفت إليّ لكنني رأيت ابتسامة صغيرة تتسلل إلى زاوية فمها. مشينا سويا في شارعٍ خافت الإضاءة والمدينة تنام ببطءٍ حولنا. كانت خطواتها هادئة لكن يدها كانت ترتجف قليلاً. قالت فجأة أن بعشقك غصبا عني كانت الجملة بسيطة لكنها وقعت في صدري كأنها حجرٌ في ماءٍ ساكن توقفتُ نظرتُ إليها كانت عيناها تلمعان بذلك اللمعان الذي لا يأتي من الضوء، بل من الصدق ودون قصد قلت وأنا بموت فيك كانت تلك اللحظة أول اعترافٍ حقيقي بيننا اعتراف بلا كلمات كبيرة ولا وعود ولا خطط لكنّه اعتراف. ومن تلك الليلة لم يعد حضور ستّهُن صدفة، ولا عادة، ولا ارتباكاً. صار حضورها علاقة جسدية وروحية. علاقة لا تشبه ما عرفته من قبل ولا ما كانت هي تعرفه. علاقة مبنية على خوفين يلتقيان وعلى تعبٍ يشبه تعب الآخر وعلى صدقٍ لا يحتاج إلى زينة.
تلك هي اللحظة التي تحوّلت فيها العلاقة من رغبة في الجنس إلى اقتراب ومن اقتراب إلى ارتباط لا يمكن فصله. وهكذا صارت ستّهُن جزءاً من حياتي لا تزورني فقط ولكن تسكنني. وصار غيابها ليس فراغاً بل خللاً في العالم من حولي
لم يكن أحد يعرف عنّا شيئاً لا عبدو المايع ولا نساء السامر ولا حتى الشوارع التي اعتادت أن ترى كل شيء ولا تحفظ شيئاً.
في الأيام التي تلت اعترافنا بدأت ستّهُن تظهر في حياتي كما يظهر الصباح في مدينةٍ لا تنتظر الشمس كانت تأتي بلا موعد وتذهب بلا وداع لكن حضورها كان يترك في تلك الغرفة أثراً لا يزول. كانت تضع رأسها على كتفي حين تتعب، وتسكت حين تضيق، وتضحك حين تحاول أن تخفي خوفها. كنت أعرف أنها تتعلّق بي وأعرف أنني أتعلّق أكثر بها . وأعرف أن هذا التعلّق لم يكن مسموحاً لا لها ولا لي ولا للعالم الذي نعيش فيه. لكننا لم نتراجع.
ومن خلال ستهن رأيت النساء الهَبّابات كما لم أرهن من قبل لا كأخطاء ولا كحكايات بل كجزءٍ من تكويني وكجزءٍ من اللغة التي أكتب بها ومن الليل الذي أسكنه ومن الرجل الذي صرتُه.
في إحدى الأمسيات التي لا تشبه أمسياتنا وجدتها تقف أمام الباب، تشدّ على حقيبتها الصغيرة كأنها تخاف أن تسقط منها حياتها كلها. قالت دون مقدّمات اليوم كنت محتاجة أشوفك جلسنا قرب النافذة. كانت المدينة تلمع بضوءٍ أصفر باهت، والليل يمرّ ببطءٍ كأنه يستمع لنا. قالت أنا ما مفروض أكون هنا ولا مفروض أتعلّق بيك ولا مفروض أحسّ بالأمان معاك ثم نظرت إليّ مباشرة وقالت لكن دا الحاصل. لم أجد كلمات كان كل ما وجدته هو ذلك الشعور الثقيل الذي يشبه بداية شيء لا يمكن إيقافه. قلت لها ولو كان الحاصل أحسن من المفروض؟ ابتسمت ابتسامة قصيرة ثم قالت المفروض ما بنفعنا لكن الحاصل بيخوف.
سكتت طويلاً، ثم قالت أنا ما بقدر أكذب عليك ولا على ثم قالت بحسرة أنا ما بقدر أكمل. لم تكن الجملة قاسية بل كانت صادقة والصدق أحياناً أقسى من الكذب. أتذكر كيف كانت تنظر إلى الباب لا إليّ وكأن الباب هو الطريق الوحيد الذي يمكن أن ينقذها من نفسها ومني وأتذكر كيف حين غادرت تركت الباب نصف مفتوح كأنها تقول أنا ما قادرة أبقى لكن ما قادرة أقفل.
ذلك الباب ظلّ مفتوحاً لزمن طويل في رأسي أكثر مما ظلّ مفتوحاً في الغرفة. لم تأخذ شيئاً معها تركت كل شيء خلفها ضحكتها وخوفها وقوتها ووجعها وصوتها الذي كان يخرج من عمق الأرض تركت كل شيء إلا أثرها. أثر امرأة من النساء الهَبّابات مرت في حياتي كما تمرّ الريح على سطح الماء لا تُرى، لكنها تغير شكل الموج إلى الأبد. لم ترحل وحدها. رحلت ومعها جزء من السمر وجزء من الليل وجزء من تلك الأغنية المتوحشة التي كانت النساء الهَبّابات يغنينها حين يشتدّ الحنين إلى الانعتاق من كل أشكال القيود والمحابس. رحلت لكنها بقيت كعلامة على الطريق وكجرحٍ جميل وكفضيحة ناقصة لا يريد القلب أن يكملها ولا يريد أن يمحوها
حين رحلت ستّهُن، لم يرحل معها صوتها فقط بل رحلت معها الحقيقة التي لم يجرؤ أحد على قولها. الناس قالوا عنها ما يناسبهم وما يريح ضمائرهم وأيضا ما يجعلهم ينامون دون أن يشعروا بالذنب.
أما أنا… فحملت الحقيقة وحدي. حملتها كما يحمل المرء جمرةً في يده، لا يستطيع أن يرميها ولا يستطيع أن يمسكها دون أن يحترق. كنت أعرف أنها لم تكن مذنبة ولا ضائعة ولا غلط كانت فقط امرأة تحاول أن تنجو في عالمٍ لا يسمح للنساء بالنجاة.
لم يكن رحيل ستّهُن نهاية القصة. كان بدايتها الحقيقية لأن المجتمع لا يترك امرأة مثلها ترحل بهدوء. لا يتركها تختفي ولا يتركها تنجو، ولا يتركها تنسى. كانوا يتحدثون عنها في الأزقة، في الدكاكين وفي جلسات الشاي وفي تلك الأماكن التي تُصنع فيها الأحكام قبل أن تُصنع الحقائق. في الأيام التي تلت اختفاءها، لم يكن أحد يعرفها لكنهم كانوا يتحدثون عنها كما لو أنهم عاشوا معها عمرين. كنت أمشي في الشوارع وأشعر أن كل كلمة تُقال عنها تسقط على صدري أنا، لا عليها ثم بدأت القصص تكبر لأن الناس لا يحبون الحقيقة القصيرة التي لا تُشبع رغبتهم في الحكم لكن القصص تُشبعهم.
وفي النهاية، حين هدأ كل شيء، وحين صمتت الشوارع وحين توقفت القصص عن التكاثر فهمت الحقيقة وهي أن سِتَهُُن لم تهرب مني ولم تهرب من الحب ولم تهرب من الماضي ستّهُن هربت من المجتمع من الصيّاد ومن الفم الكبير الذي يبتلع النساء ثم يدّعي أنه يحميهن. هربت لأنها كانت تعرف أن المجتمع لا يطارد المذنبات بل يطارد المختلفات وستّهُن كانت مختلفة بما يكفي لتصبح طريدة. هي واحدة من النساء الهبابات اللواتي لا يستطيع المجتمع أن يكتبهن دون أن يختلق لهن ذنباً ولا يستطيع أن ينساهن دون أن يختلق لهن فضيحة.
رحلت سِتَهن وبقيت بعدها الذكريات والتي كانت تسبقني إلى كل مكان تجلس قبلي وتفتح أبواباً لا أريد فتحها. ضحكتها. والتي لا زلت اسمعها في طرقات ومقاهي بورتسودان وفي صمت الليل وحتى في صوت الريح حين تمرّ بين الأشجار.
وفي كل ذكرى، كنت أكتشف شيئاً جديداً أنني لم أحب ستّهُن فقط بل أحببت الطريقة التي كانت تحاول بها أن تحب رغم خوفها وتعبها ورغم ماضيها الذي كان يجرّها من الخلف كما يجرّ البحر قدمي طفلٍ يحاول أن يقف.
وفي النهاية حين هدأ كل شيء وحين صار الصمت جزءاً من يومي فهمت الحقيقة التي تأخرت كثيراً:
ستّهُن لم تكن ذكرى ولكن كانت درساً في الاقتراب وفي الخوف وفي الشجاعة وفي الهروب وفي أن بعض العلاقات لا تُكمل الطريق لكنها تغيّر من يمشي فيه.
وهكذا صار الماضي وطناً مؤقتاً لي وصارت الذكريات كتاباً أفتحه حين يضيق العالم بي لا لأستعيدها ولكن لأتذكر أنني كنت يوماً قريباً من شيء يشبه الحياة. ستّهُن تعود دائماً في منتصف الليل لتجلس على طرف الذاكرة وترسم خطوطاً على ترابها ثم تمحوها بقلبها كما كانت تفعل في الواقع. تعود بلا صوت لكن حضورها يملأ المكان تعود بلا لوم أو عتاب لكنها تترك في صدري سؤالاً لا يهدأ...هل كانت سِتَهُن امرأة عابرة؟ أم كانت درساً؟ أم كانت جرحاً؟ أم كانت نجاة؟ أم كانت كل ذلك معاً؟

ربما تتواصل نصوص سيرة النساء الهبابات وربما لا


الساعة الآن 05:07 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.