هكذا تغادرنا العصافير ...
و تحلق إلى سماء بعيدة ... لا يعرف كنهها إلا الخالق الواحد الأحد ...
الفرد الصمد ... الذي لم يلد ... و لم يولد ...
هكذا تحلق الأرواح الطاهرة فوق السماوات ...
و ترقد الأجساد الطاهرة تحت الثرى ...
فاضت روحك الطاهرة فبكت السماء مطراً غذيراً ...
سماء الرياض عادةً لا تمطر في أبريل ...
و لكنها أمطرت تبكيك - مصطفى - يوم أن فاضت روحك الطاهرة عبرها إلى حيث مثواها الأخير...
حمل الجميع نعشك الطاهر و هم يتهافتون تحته ...
و غطت سماء الرياض سحابات باكيات في حياء ...
و سماء الرياض عادةً لا تغطيها السحابات في أبريل ...
رحلت عنا ... هكذا دون إنذار و دون أن نقول لك وداعاً ...
ذهبت و ذهبت معك شموس المدارت الدافئة إلى حضن قبرك الطاهر ...
لم يكن غريباً أن تصلي عليك المئات من الناس ربما فاقت الألف ...
نعم كانت هنالك أجساداً طاهرة أخر ... أدى المصلون عليها صلاة الوداع ...
نرجو متضرعين للمولى عز و جل أن يستجيب دعاء المئات في ذلك الموكب الحزين ...
و في تلك الصلاة المهيبة ... و يجعل قبرك روضة من رياض الجنة.
آمين.
أعذرني أخي ، لم نكن نملك غير دموعاً سخية سكبناها على قبرك الطاهر ...
و دعوات حزينة إلى الخالق الذي أعطى و أخذ ...
لم نكن نملك من الدمع ما يكفي لنبكيك ...
و لا من الحزن ما يكفي لنحزن لك ...
فقد رحلت عنا و أخذت معك كل الأحزان ... و كل الدموع ...
و لا نقول إلا ما يرضي الله ... نعم ...
إن العين لتدمع و إن القلب ليحزن ... و إنا لله و إنا إليه راجعون.
مصطفى ... مثلك كان كثيراً على الكثير...
كنت الصبر و الصبار ...
قال لي أخي حمزة السراج : زرته يوم بترت قدمه في المستشفى ... كان لا يزال يمسك بزمام إبتسامته العريضة ... و ضحكته المجلجلة ...
يضحك لك و في داخله حزن دفين ...
كان الألم يتغلغل في كل ذرة من جسده ... في كل خلية من خلاياه ... و كان لا يزال يبتسم ... يضحك ...
لقد فقدناك حقاً ... و نعلم أن قليلون جداً من هم في صبرك ... و جلدك ... و إبتسامتك ...
عبث المرض فيك حتى أفقدك كليتاك ... فلم تيأس و ظلت إبتسامتك هي إبتسامتك ...
و ما برحت ضحكتك هي ضحكتك ...
و ما انفك وجهك البشوش هو ... هو ...
عبث المرض في كل خلاياك ... و لكنه لم يستطع أن يعبث في الوجه الضحوك ...
مثلك يا مصطفى كان كثيراً علينا ...
لم نعرف كيف نبكيك ...
و لم نعرف كيف نفديك ...
كنا نتمسك واهنين أمام قبرك ...
تاهت كل الكلمات ...
و لم تعد تجد العبرات ...
كان مشهداً مهيباً و حزناً مزدوج الألم و نحن ننظر إلى إبنك سر الختم و هو يحملك في المشهد الأخير داخل قبرك الطاهر ...
و ساعة أغلق عليك رمسك ... خرج منه إبنك ... من بين حافتيه ...
سبحان من يخرج الحي من الميت.
ما مت يا مصطفى ... فهذا إبنك البكر (سر الختم ) الذي أسميته بإسم إبيك باراً به ...
هذا إبنك يقف شامخاً كما الجبال الشامخات ... يتلقى العزاء على حافة القبر المهيب ...
ماسكاً بذراع أخيه الأصغر ... و كأنه يقول أبداً ما مت يا أبتي ...
و إذا الحزن الذي غطى المكان ... و الدموع التي غطت أعين الرجال ... تتوارى خجلاً خلف سحابات غطت ساحة المقبرة.
الناس في السعودية يقفون صفاً أمام القبر لتقديم العزاء لأهل المتوفى ...
لم يكن أمام قبر الراحل صفاً ... لم تستطع الناس أن تقف صفاً ... فكل من أمام القبر هم أهلك ... هم أحبتك ...
كان الباكون يعزون بعضهم بعضاً ...
يتماسكون ببعضهم بعضاً ...
فقد فقدنا بعضاً ... منا ...
فقدناك ... ولم يعد لنواميس العزاء إلينا سبيلاً ...
رحلت عنا ... و غابت شمس المدينة باكية ...
و لم يكن هناك من قمر يبكيك ...
و توارت نجوم الرياض خلف السحابات الماطرة الحزينة ...
اللهم إن مصطفى عبدك و إبن عبدك و إبن أمتك ...
اللهم إن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته ...
و إن كان محسناً فزد في حسناته ...
اللهم أدخله الجنة من أي باب يشاء ...
الهم بارك له في ذريته ... و ألهم آله الصبر و السلوان ...
و لكل الأسايطة الذين تدافعوا خلف نعشه أقول: ليس لنا أن نقول إلا ما يرضي الله : إنا لله و إنا إليه راجعون.
|