الموضوع: تأريخ المحنة
عرض مشاركة واحدة
قديم 25-08-2016, 12:47 PM   #[4]
imported_سماح محمد
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي تأريخ المحنة - 2-

هأنا أجلس مرة أخرى فاغرةً فاهي ومملؤة بالحكي الجميل المحمول على ذاكرة إحدى أجمل النساء اللائي عرفتهن في حياتي ؛المرأة الواضحة ذات (الشلوخ العُراض) أمي (خجيجة) بت عبدالهادي- كما كان يناديها جدي رحمه الله - وما أجمل الحديث على لسانها وحنانها ، حيث تفيض عيناها بالمحنة وببعض الدموع..

أخذتني في رحلة إلى مطلع الخمسينيات من القرن الماضي؛ زمن رخي و(ماهل) حيث كان جدي الموظف البسيط التابع لمؤسسة الري والذي تلقى تدريبه وعمل فيها تحت إشراف الإنجليز، كان من الميسورين من ابناء منطقته..تزوج ابنة عمه المتوفي وتنقل بها في مدن السودان تبعاً لظروف عمله. رزقه الله منها وهي في بداية صِباها البنين والبنات، كانت حسناء وديعة تربت على ستر الحال والبر بالزوج..حتى اذا وهي حُبلى بطفلها الرابع أرسلها زوجها لتكون في رفقة أمها وعنايتها بعد ان جهزها بكل مستلزمات الطفل وما تحتاجه النساء من كسوة وزينة وعطر، حينها كان قد عقد العزم على زواج ثاني فلما نوى على اتمامه اشترى لزوجته الأولى كما عروسه حتى الذهب وأرسله لها مع احدى النسوة وأبرق الى والده يخبره بزواجه الجديد.

جُن جنون الأب وغضب أن كيف تُساق الى ابنة اخيه اليتيمة ضرة وهي فيما هي فيه من حمل ومشقة، ولما علمت أمنا (أم الحسن)بنبأ الزوجة الثانية اكتفت بالصمت والحزن حتى وضعت حملها وانتشر الخبر في (البلد) فغضبت أمها وأخواتها وطلبن منها الخروج من دار عمها والتخلي عن زوجها، الا انها وعلى صغر سنها أخذت والدتها من يدها وأطلعتها على مخزون مؤنتها وأطفالها من طعام وشراب وملبس لا ينقصها منهم شئ وأبت أن تفارق دار زوجها دون تقصير منه في شأنها وأطفالها، حينها انقطع اخواتها ووالدتها عن زيارتها حتى ترضخ لمطلبهن الغاضب.

وفي شأن محنّتهم الامومية كانت أمها تأتي إلى دارها خلسة كل صباح؛ تتلصص أخبارها وأطفالها عبر نافذة خلفية في الدار دون أن تشعر بها ابنتها..ظلت على تلك الحال لأيام عديدة حتى سمعت ابنتها ذات صباح تهدهد طفلتها الرضيعة بأغنية من نظمها..أغنية كما البكاء..تقول فيها :

(( يا أمي أنا شن لومي؟!..

ما القسّام قسَم.. ما بابى كومي..))

وتردد: (أنا ام محمد يزيد كومي)

هكذا تغنت التومة أم محمد..بكامل اليقين والرضا بما قسمه الله لها.. واكتفت ب(كومها) ورفضت ان تلفظه وتيمنت كل الخير من أبناءها..

سمعتها أمها فبكت ودخلت عليها و احتضنتها قائلةً لها : (يابنيتي .. لا تابي كومك)..

عادت المياه الى مجاريها..واتى الزوج العريس بعروسه الى دار أبيه فأبى ان تعتبها زوجة غير التومة، تلك التي سمّى وليدتها (عزيزة) وظلّ يردد انها (المُعززة) في دار جدها لأن أمها ابنة عم ابيها كما يُقاس الفخر بالنسب حينها..

كان جدنا (حاج أحمد) منصفاً على حساب ابنه..ولا كلمة ترد لكبير في تلك البلاد..

ذلك العام تبرعت التومة بجهاز العروس الذي أُرسل إليها - حرصاً على الانصاف- لتتزوج به احدى فتيات العائلة.. مملؤة نفسه ابالرضا..قنوعة كريمة..

تلك هي المرأة التي وثقت بالله فزاد الله (كومها) فأنجبت صبيين وأربعة بنات أصغرهن أمي..زاد كومها وماتت وزوجها يبكي طالباً العفو منها وليس على ذمته غيرها..ماتت وهي ترانا نملأ دارها الرحيب بأناشيد طفولتنا وألعابنا وأسرتنا المتراصة في(الحوش) الوسيع..

أُناس اتسعت حياتهم بمقدار اتساع قلوبهم فما تركوا خلفهم غير كل سيرة طيبة...فليرحمهم الله برحمته الواسعة..


أبريل 2015



التوقيع: دنيـــا لا يملكها من يملكها..
أغنى أهليها سادتها الفقراء..
الخاسر من لم يأخذ منها ما تعطيه على إستحياء..
والغافل من ظن الأشياء هي الأشياء...
الفيتوري
imported_سماح محمد غير متصل   رد مع اقتباس