عرض مشاركة واحدة
قديم 14-10-2016, 06:18 PM   #[18]
عكــود
Administrator
الصورة الرمزية عكــود
 
افتراضي

مروي الصمود

(٣)

م تحوَّل المدرسة إِلى مبانيها الحالية إِلَّا في سنة 1964م . وظلَّت تحافظ منذ إِنشائِها على مستواها الأَكاديمي المُشِرِّف ؛ فلم تخرج من المدارس العشر الأَوائِل ، ونافس طُلَّابها طُلَّاب أَعرق المدارس الثَّانويَّة في السُّودان في امتحانات الدُّخول للجامعات . بل إِنِّ أَوَّل امتحان الشَّهادة السودانيَّة الثَّانويَّة في سنة 1970م كان أَحد طلبتها ، وهو الأَخ جعفر محمَّد مالك ، والثَّالث في نفس تلك الشَّهادة في نفس ذاك العام ، من مدرسة مروِي الثَّانويَّة أَيضًا وهو الأَخ عثمان عبدالمجيد سليمان . لكنَّ المدرسة استسلمت في السَّنوات الأَخيرة للأَوضاع الكارثيَّة الَّتي حاقت بكلِّ المرافق في السُّودان عامَّة ، وبالتَّعليميَّة منها خاصَّة . وهناك سبب غير هذا الَّذي ذكرتُه يردِّده بعض خريجي مروِي الثَّانويَّة . فهذا البعض يعتقد أَنَّ المدرسة قد أُسْتُهْدِفَت من جهة سلطة مايو . فبعد إِبعاد هاشم العطا ورفاقه من مجلس قيادة الثَّورة ومن كلِّ المناصب الَّتي كانوا يشغلونها ، زار مروِي كلٌّ من أَبوالقاسم محمَّد إِبراهيم وزين العابدين محمَّداحمد عبدالقادر عليه رحمة اللَّه ومبارك سنادة ؛ لتنوير النَّاس بالملابسات الَّتي أَدَّت إِلى إِقصاء العطا ومجموعته . في ذاك الوقت كان يسيطر على اتِّحاد مدرسة مروِي الثَّانويَّة الشُّيوعييُّون ، الَّذين قررَّوا إِسماع صوتهم المعارِض من الفم الواسِع وبالصَّوت العالي إِلى أَقطاب مايو . أَقام أَبوالقاسم محمَّد إِبراهيم ومن معه ندوة في النَّادي الأَهلي بمدينة مروِي ، ولم يشعروا إِلَّا بالهتافات المدويَّة ضدِّ سلطة مايو ، وإِلَّا بالكراسي تتطاير في الهواء من طلبة مروِي الثَّانويَّة ، الَّذين نظمُّوا أَنفسهم داخل النَّادي الأَهلي بحيث يفسدون النَّدوة وينسحبون بطريقة مدروسة إِلى مدرستهم . هكذا فشلت النَّدوة ؛ وأُغلقت المدرسة بأَوامر من أَبوالقاسم محمَّد إِبراهيم وزين العابدين محمَّداحمد عبدالقادر لمدَّة طويلة . هذا الإِغلاق لهذه المدَّة الطَّويلة ؛ كانت له عواقبه العاجلة واللَّاحقة . وقد تكرَّر موقف شبيه من هذا في عيدالعِلْم في فبراير1971م . فقد كانت هناك معارض مقامة بمدرسة مروِي الوسطى بمناسبة عيدالعِلْم ، فقرَّر اتِّحاد مدرسة مروِي الثَّانويَّة أَن تكون هذه مناسبة أُخرى ليهتفوا في وجه مسؤُولِيِّ وإِداريِّ مايو . خرجت المدرسة في طريقها إِلى حضور تلك المعارض ، وانضمَّت إِلى موكب مدارس مدينة مروِي الأُخرى ، الَّذي كان يسير فيه المحافظ ومُفَتِّش التَّعليم وبقيَّة المسؤُولين . عندما وصل الموكب إِلى حديقة البلديَّة القريبة من المجلس الرِّيفي ، تعالت فجأَة هتافات طلبة مروِي الثَّانويَّة ضدِّ مايو وضدِّ الرَّجعيَّة وضدَّ الدِّكتاتوريَّة . التحم رجال الأَمن والشُّرطة بجموع طلبة مروِي الثَّانويَّة واعتقلوا عددًا منهم ؛ وأُغلقت المدرسة ولم تُفتح إِلَّا وامتحانات الشَّهادة الثَّانويَّة العليا قاب قوسين ، بل أَدنى . هنا تنبَّهت سلطة مايو ــ والحديث لبعض خريجى مدرسة مروِي ــ لهذه الشَّرارة الَّتي تنطلق من مدرسة مروِي الثَّانويَّة ؛ وتكاد تشعل بقيَّة المدارس . تنبَّهت إِلى أَنَّ هؤُلاء الطُّلَّاب إِن انتقلوا إِلى الجامعات فسينقلون معهم إِليها عداءَهم المكشوف لمايو ؛ ويبثُّون روحهم التَّصادميَّة في أَرواح طلبة الجامعات ؛ فيلهبون العاصمة الَّتي ما كانت تحتاج إِلَّا لمثل هذه الشَّرارة . تنبَّهت سلطة مايو إِلى كلِّ ذلك فعملت على تقويض المستوى الأَكاديمي للمدرسة ؛ فنقلت أَميز مدرسي المدرسة ، وأَغلبهم من اليساريِّين ، وجاءَت بمدرِّسين ــ يقول بعض خريجي المدرسة ــ مستواهم الأَكاديمي منخفض للغاية . ثمَّ التفتت إِلى المناهج؛ فعملت على أَن تكون شُعَبٌ كاملة تعمل بنصف أَو رُبع طاقتها أَو غير موجودة أَصلاً؛ وذلك بعدم نقل مدرِّسين إِلى المدرسة يدرِّسون تلك المواد ، يواكبه نقص شديد في الكتب الدِّراسيَّة . وقد ركَّزت على الشُّعَب العلميَّة خاصَّة ؛ وهي الَّتي كانت فيما مضى سبب تفوُّق المدرسة . إِضافة إِلى كلِّ ذلك ــ يقول بعض خريجي المدرسة ــ أَخذت السُّلطة تتحرَّش بالطُّلَّاب باعتقال قادتهم ؛ ممَّا يدفع الطُّلَّاب إِلى المواجهة وإِلى الإِضرابات ؛ فتُغْلَق المدرسة لفترات طويلة . كلُّ ذلك أَدَّى إِلى عدم الاستقرارِ الأَكاديمي أَساس التَّفوُّق وإِلى الزَّعزعة والقلاقل ؛ ممَّا انعكس سلبًا على نتيجة المدرسة وسمعتها الأَكاديميَّة اللَّتين كانت تتمتَّع بهما .



التوقيع:
ما زاد النزل من دمع عن سرسار ..
وما زال سقف الحُزُن محقون؛
لا كبّت سباليقو ..
ولا اتقدّت ضلاّلة الوجع من جوّه،
واتفشّت سماواتو.
عكــود غير متصل   رد مع اقتباس