مروي الصمود
(٧)
كتب لي الأَخ محمد عبدالرَّحمن عليه رحمة اللَّه خطابًا بتاريخ 23/9/70 ، وحين استلمته بعد وقت طويل من كتابته ، كنتُ قد التحقتُ بمدرسة مروِي الثَّانويَّة :
(أما بخصوص الإعادة فقد طلب منى أن أفصّل المواد التى دخلتها أنت فلم استطع لأنى لااعرف عنها شيئاً . وعلى أى حال فالموقف عندنا بحنتوب بالنسبة لك للاعادة ممكنة إذا كان الطالب من القسم الأدبى ولذلك أرجو الحضور فوراً لأنك من القسم الأدبى لتقديم شهادتك بأسرع مايمكن) .
حين انتابتنىي تلك الحالة من النَّسيان وما رافقها من قلق وحالة نفسيَّة وصلت الحضيض ، كنتُ أَعتقد أَنَّ أَماكن الإِعادة الشَّاغرة بمدرسة حنتوب قد مُلِئَت منذ زمن طويل . ولكن لحسن حظِّي فقد دخلنا في إِجازة انتهاء الفترة الأُولى يوم الثُّلاثاء 15/ديسمبر/1970م وذهبتُ لقضائِها بالبلد . وفي يوم الإِثنين 21/ديسمبر/1970م قَدِمَ الأَخ محمَّد عبدالرَّحمن عليه رحمة اللَّه وعائِلته لقضاء تلك الإِجازة بالبلد أَيضًا . وقد عرفتُ منه أَنَّ الفرصة ما زالت موجودة بالنِّسبة لي للإعادة بمدرسة حنتوب الثَّانويَّة ، واَنَّه قد تكلَّم بهذا الخصوص مع ناظر المدرسة الَّذي لم يُبْدِ أَيَّ اعتراض . وكنتُ قبل ذلك قد تحدَّثتُ مع الوالد عليه رحمة اللَّه في موضوع تفكيري في التَّحوُّل إِلى مدرسة حنتوب الثَّانويَّة ، وذلك في يوم الأَربعاء 16/ديسمبر/1970م . وكما كنتُ أَتوقَّع فقد اعترض بشدَّة ، بل وغضب ووصف تصرُّفاتي بالصِّبيانيَّة وعدم المسؤُوليَّة . وسَّطتُ الأَخ محمَّد عبدالرَّحمن ، لكنَّه عليه رحمة اللَّه لم يتزحزح عن موقفه . في يوم الأَحد 27/ديسمبر/1971م غادرنا الأَخ محمَّد عبدالرَّحمن عليه رحمة اللَّه وعائِلته إِلى مقرِّ عمله . في نفس ذاك اليوم وكنتُ عازمًا على السَّفر إِلى حنتوب ، ناقشتُ الوالد عليه رحمة اللَّه مرَّة أُخرى ؛ فأَفهمني أَنَّه لن يتدخَّل بعد الآن في أَيِّ أَمر يخصَّني ، وأَنَّ عَلَيَّ وحدي تحمُّل نتيجة أَيِّ تصرُّف أُقْدِم عليه . أَفهمني ذلك بنبرة توحي بأَنَّه على ثقة بأَنَّني لن أُخالف رأْيه وأَنَّني سأَستمرُّ بمدرسة مروِي الثَّانويَّة . في يوم السَّبت 02/يناير/1971م ذهبتُ إِلى المدرسة وسلَّمتُ كتبي المدرسيَّة ؛ وأَرسلتُ البرقيَّة التَّالية إِلى الأخ محمَّد عبدالرَّحمن :
( حنتوب
المدرسة الثَّانويَّة العليا
الاستاذ / محمد عبدالرحمن محمدصالح
سأحضر لحنتوب . احتفظ بالخانة
على) .
سلُّمتُ الكتب المدرسيَّة ، لكنَّني بقيتُ بالدَّاخليَّة . وفي يوم الثُّلاثاء 05/يناير/1971م ودَّعتُ مدرسة مروِي الوداع النِّهائِي ؛ وذهبتُ إِلى قريتنا استعدادًا لقيامي إِلي حنتوب .
على الرَّغم من أَنَّ الفترة الَّتي قضيتُها بمدرسة مروِي الثَّانويَّة كانت أَقصر فترة قضيتها بمدرسة ثانويَّة ، إِذ قضيتُ بها 99 يومًا فقط ، إِلَّا أَنَّ ذكرياتها ما زالت شامخة في نفسي حتَّى هذه اللَّحظة . في مدرسة مروِي الثَّانويَّة وجدتُ شيئًا يختلف عن كلِّ الأَشياء الَّتي وجدتُها في المدارس الثَّانويَّة الَّتي درستُ بها . في تلك المدارس تضعف غالبًا العلاقات شيئًا فشيئًا بين الطُّلَّاب عقب تخرُّجهم فيها ، وقد تتلاشى في وقت قريب بعد استلامهم أَمنيَّات الكُتُب . أَمَّا طُلَّاب مدرسة مروِي الثَّانويَّة فيحفظون (العُشْرَة) ، ولا يتخلَّون عنها حتَّى آخِر نَفَس . يسأَلون عن أَخبار بعضهم بعضًا وعن أَوضاعهم ، ويتَّصلون بهم ويزورونهم ، ويقفون إِلى جانبهم ويساعدون مَنْ في حاجة إِلى مساعدة منهم . هناك رابطة تُسَمَّى (رابطة خريجي مدرسة مروِي الثَّانويَّة) ، تجتمع بالخرطوم كلَّ أَوَّل يوم إِثنين من كلِّ شهر ، ويحرص خريجو مروِي الثَّانويَّة الموجودون بالعاصمة كلَّ الحرص على حضور ذاك الاجتماع . والَّذين لا يُوجدون بالعاصمة يتَّصل بهم أَعضاء الرَّابطة تيلفونيًّا من آنٍ لآخَر ويسأَلون عن أَحوالهم ، وينقلون إِليهم أَخبار أَعضاء الرَّابطة بالعاصمة . يتفقَّدون المريض منهم ويُواسون صاحب المصيبة ، ويشاركون في فرح مَن يتجرؤُ عليه الفرح فى هذا الزَّمن المُتَجَّهِم . وكثيرًا ما ينظِّمون رحلات إِلى المزارع الَّتي يملكها بعضهم عند أَطراف العاصمة ، تصحبهم عائِلاتهم كاملة . وهم الآن بصدد المساعدة في إِعادة تأْهيل المدرسة والنُّهوض بمستواها الأَكاديمي .
|