عرض مشاركة واحدة
قديم 15-10-2016, 05:55 PM   #[30]
عكــود
Administrator
الصورة الرمزية عكــود
 
افتراضي

مروي الصمود
(٩)

وكان الأَخوان محمَّد خليفة خلف اللَّه وإِبراهيم بابكر ، وهما أَيضًا من خريجي مدرسة مروِي الثَّانويَّة ، قد قاما بالاتِّصال بإدارة السَّد لترتيب هذه الزِّيارة ، وحجزا لنا باستراحةِ السَّدِّ بـ (الحَامْداب) . بِتنا بالاستراحة بعد أَن أَمضينا معظم اللَّيل في اجترار الذِّكريات ؛ فكنتَ تسمع ضحكنا بلا انقطاع نروي أَيَّام الدِّراسة يومًا يومًا .. نتذكَّر أَساتذتنا واحدًا واحدًا .. نسأَل عن زملائنا واحدًا واحدًا . لم نكن من بلدٍ واحد وإِن كنَّا بشعورٍ واحد وحبٍّ واحد .. أَبنعوف نور الدِّين : المَقَل .. معتصم بشير بخيت : أَبودوم قوشابي .. عوض عَلَى اللَّه : تنقاسي السُّوق .. عمر الخضر خليفة : الكُرُو .. هاشم عبداللَّه (Abdulla) جبريل : كَرِيْمَة .. محمَّد عبدالحليم محمَّد موسى : كورتي .. عمر علي المَكِّى : قَتَّتِي .. هاشم عبدالحي محمَّد : كُوْرِي .. عبدالباري عثمان : جِرَا غرب .. محمَّد عثمان محمَّد سليمان (الرَّاقِي كما كانوا يطلقون عليه بالمدرسة) : جزيرة مُسَّاوِي .. يحيى عثمان كَمْبَلاوِي : دِوِيْم وَدْ حاج .. علي أَحمد الرُّفاعي : القرير . وهم جميعًا من خريجي مدرسة مروِي الثانويَّة عام 1971م ، ماعدا الأَخ محمَّد عثمان الرَّاَقي فمن خريجي عام 1972م ، وماعدا الأَخ عبدالباري عثمان فمن خريجي عام 1973م .
في ذاك اللَّيل شهدنا بقاعة الاجتماعات الكبرى ، وهي قاعة فخمة لا تناديها إِلَّا قاعات قلائِل بالعاصمة ، شهدنا تعريفًا مفصَّلًا للسَّد يصاحبه عرض بالڤيديو لكلِّ جزء من أَجزاء السَّد . تحدَّث أَحد المهندسين السُّودانييِّن المنفِّذين للسَّد عن كلُّ كبيرة وصغيرة فيه .. طاقته .. تكلفته .. الشَّركات المتفِّذة له .. العائِد الاقتصادي المُتَوقَّع منه .. سبب اختيار موقعه .. المواد المُسْتَعْمَلَة في بنائِه.. التَّعويضات للمتأَثِّرين منه.. مراحل بنائِه .. سعته التَّخزينيَّة .. المؤَسَّسات الواجب مصاحبتها له كمطار وكُبْرِى مروِي .. تأْهيل طريق شريان الشَّمال لأَهميَّته في نقل مواد البناء .. الخ الخ . بعد ذلك أَجاب المهندس عن جميع الأَسئلة الَّتي وُجِّهَت له ، ومن بينها سؤَال عن سبب تسمية السَّد بسد مروِي ؛ وليس سدَّ (الحَامْدَاب) . من إِجابة المهندس عرفتُ حقيقة أَظنُّ أَنَّ الكثيرين يجهلونها . فالسَّدُّ مقامٌ في منطقة اسمها (جزيرة مِرْوِي) ؛ بكسر الميم وتسكين الرَّاء وكسر الواو ، وقد حرُّفَ الاسم أَو قُلْ خُفِّفَ حتى أَصبح (مروِي) بفتح الميم والرَّاء وكسر الواو .
في الصَّباح وكان يرافقنا لتسهيل الزِّيارة الأَخ محمَّد علي يوسف ، وهو من إِدارة المدينة السَّكنيَّة التَّابعة لوحدة تنفيذ السُّدود ، قمنا بزيارة السِّد جزءًا جزءًا ؛ وتحدَّث إِلينا المهندسون عن كلِّ جزء بالتَّفصيل على الطَّبيعة . مهما اختلف النَّاس حول نظام الحكم القائِم ؛ إِلَّا أَنَّ سدَّ مروِي وبكلِّ المعايير ، واحد من أَضخم الإِنجازات فى كلِّ عهود مابعد الاستقلال ، إِن لم يكن أَضخمها على الإِطلاق . في جزيرة مِرْوِي قهرَ الإِنسان ممالكَ الجبال وهزمَ جحافلَ المياه وحيَّرَ نفسَه وأَدهشها . التقط الأَخ عوض عَلَى اللَّه والتقط شخصي الكثير من الصُّوَر للسَّد وللمنطقة الَّتي حوله . الطَّبيعة في هذه المنطقة لا يمكن وصفها لمَن لم يرها . لا أَعتقد أَنَّ هناك منطقة في شمال السُّودان يمكن أَن تكون منطقة سياحيَّة عالميَّة ، كالمنطقة المُقام عليها سدُّ مروِي . ولأَنَّني لا أَملك أَدوات الوصف الَّتي تعطى تلك المنطقة الوصفَ الحيَّ الحقيقيَّ ، وخوف أَن أُفسد بوصفي القاصر متعة مَن يفكِّرون في زيارة منطقة السَّد ؛ فمن الخير أَن أَحتفظ بوصفي القاصر هذا لنفسي ، وليس مَنْ رأَى كمَنْ سمِع . وقد رأَينا أَن تشمل زيارتنا المشآت المصاحِبة للسَّد ؛ فزرنا الكُبْرِي الَّذي اكتمل إِلَّا قليلًا والَّذي سيربط ضفَّتيِ النِّيْل ، واستمعنا إِلى شرحٍ وافٍ من المهندس المسؤُول عن تنفيذ هذا المشروع ؛ وقد تأَكَّد عندي أَنَّ النِّيْل قد دخل بإِقامة السَّد والكُبْرِي عليه ، تجربة جديدة تستدعي منه الصَّبر على الخير الَّذي ينتظر أَهل ضفَّتيه ، إِن سلِمت النَّوايا . من ثَمَّ اختتمنا رحلتنا بزيارة مطار مروِي الجديد تحت التَّشييد الَّذي يبعدعن المطار القديم في اتِّجاه الصَّحراء بنحو 4 كيلومترات. وقد ذكر لنا المهندس الَّذي يقوم بتنفيذه أَنَّه سيكون ثاني مطار في البلاد بعد مطار الخرطوم الجديد الَّذي سيُنْشأُ بمدينة أُم درمان ، من حيث الأَهميَّة والقدرة على استقبال الطَّائِرات والمراقبة الجوَّيِّة وصيانة الطَّائِرات والشَّحن الجوِّي ، وأَنَّ أَبناء الاقليم المغتربين لن يكونوا بحاجة للسَّفر من الخرطوم أَو إِليها .. من نيويورك رأْسًا إِلى مروِي .. من الخليج إِلى مروِي دون النُّزول في الخرطوم .. من جُزُرِ الجنِّ نفسِها إِلى مروِي مُطَوِّعَة الإِنسِ والجنِّ . مروِي تنمو بما يفوق الخيال وبمعدل لم تسبقها إِليه مدينة في السُّودان . وبتخطيط دقيق محسوب ونظرة ثاقبة تنفذ إِلى المستقبل القريب والبعيد ويدٍ أَمينة نظيفة ؛ يمكن أَن يبرز وجه السُّودان الحديث الَّذي لن يهمَّ أَجياله حينذاك مَنْ يحكمه ، ولكن يهمُّها كيف يُحْكَم؟ وماذا أَنجزَ مَنْ يحكمه؟



التوقيع:
ما زاد النزل من دمع عن سرسار ..
وما زال سقف الحُزُن محقون؛
لا كبّت سباليقو ..
ولا اتقدّت ضلاّلة الوجع من جوّه،
واتفشّت سماواتو.
عكــود غير متصل   رد مع اقتباس