اقتباس:
إبراهيم عبود و17 نوفمبر - الحلقة الثانية
الأمير الاي بين الساسة والسادة .
دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة
عبدالله خليل لسليد بيكر: أعطيت أوامري للجيش بعمل انقلاب
بقلم د. محمود قلندر
كان عبدالله بيه خليل ، رئيس وزراء الحكومة الإئتلافية الثالثة منذ الاستقلال ، يجلس - صباح يوم من بدايات نوفمبر عام 1958م - إلى مكتبه المطل على النيل على مسافة قريبة من القصر الجمهوري (مبنى المراجع العام) مثقل النفس بالهم ، والعين بالنعاس .
وكان يبدو عليه الإعياء من ليلة البارحة الطويلة التي امتد فيها اللقاء التفاكري مع بعض أركان حزبه : المحجوب ومأمون حسين شريف ، والأمير نقد الله . وكان أمر الإئتلاف المهتز ومصيرهـ هما عظمة ذلك الاجتماع . وقد استقر رأي الملتقين ليلتها في وجوب الاتصال بالسيد مبارك زروق ، في محاولة لإنقاذ سفينة الإئتلاف المترنحة (والتي كان أركانها مع حزب الأمة هما حزب الشعب الديمقراطي وحزب الأحرار الجنوبي) بضم حزب الوطني الاتحادي إليها .
ولم يكن ذلك الأمر سهلاً بالطبع ، فالاتحادي هو الند والخصم ، والأزهري هو المنافس ، وما بين أقطاب الحزبين بعضٌ من عطر منشم .
لهذا فقد بدأ البيه الأميرالاي صباحها بادئ الإعياء وهو يتأهب لقاء السير شابمان أندروز ، السفير البريطاني بالخرطوم والذي كان قد طلب اللقاء بإلحاح . فحين وصل السير أندروز إلى المكتب حياهـ البيه بكلمات ترحيب مقتضبة ثم قادهـ مسرعاً إلى حيث اعتاد اللقاء بكبار زوارهـ . ثم جلس ينتظر السفير ليبدأ الحديث .
جاء السفير بما يشغل باله وبال وزارة الخارجية البريطانية ، في الوقت الذي كان فيه عبدالله خليل يستعجل انتهاء اللقاء لأن هم الحكومة المترنحة أثقل عليه من التحدث إلى أهم سفير في ذلك الوقت ، وذلك لما لبريطانيا من بقايا نفوذ ووصاية علي البلاد .
واعتماداً على ذلك النفوذ فإن سير أندروز لم يتردد في التعبير عن قلق بلادهـ ووزارة الخارجية البريطانية على الأوضاع الداخلية في السودان . وقد جرت كلمات السفير البريطاني على نحو قريب من التالي : -
"إنني قلق جداً ، وحكومة بلادي أيضاً قلقة ، من الأوضاع الداخلية هنا (الخرطوم). وفي اعتقادي أن الحكومة الحالية لن تتمكن من الاستمرار بأي حال من الأحوال وعلي عبدالرحمن فيها ، وإنني أود أن أبدي قلقي على أية محاولة لحزبكم للحكم منفرداً بالتعاون مع مجموعة الجنوب"
ثم اعتدل سير أندروز في جلسته قبل أن يبدي موضع قلقه الأهم ، والذي طلب من أجله اللقاء العاجل ، و قال :
"الأمر الثاني هو موضوع قيام الجيش بانقلاب في الوقت الذي يتمتع فيه الجيش بثقة جميع الأوساط السياسية . و لايمكن لأحد أن يتوقع نتائج مثل هذهـ الخطوة بالإضافة إلى أن أي تصرف غير دستوري سيخلق مصاعب جمة"
سكت السفير برهة متأملاً وقع كلماته على البيه الذي بدا شارد الذهن . ثم سأل .
"ما رأي السيد رئيس الوزراء في ذلك؟"
كان قلق السفير البريطاني والحكومة البريطانية مردهما هو ذلك التردي المريع في الأوضاع السياسية ي البلاد ، وما أصبحت ترددهـ المنتديات السياسية والاجتماعية في المدينة عن قرب وقوع انقلاب عسكري . وكان تساؤل السفير أندروز فيما يبدو محاولة لقراءة أفكار عبدالله خليل . حول الأمر .
اتكأ عبدالله خليل إلى الوراء قليلاً محاولاً ترتيب أفكارهـ المشتتة ، ومن ثم رد علي السفير بانجليزية طليقة .
"لقد أصبح من الصعب التعاون مع حزب الشعب الديمقراطي (الشريك في الإئتلاف) وأرجو أن تؤكد لحكومتك أن الفشل والأخطاء التي ارتكبتها حكومتي ليست أخطائي.."
وحين طلب منه السفير توضيحاً ، قال البيه :
"إنها أخطاء السيدين فاتفقاهما أرغمني على الاحتفاظ بعلي عبدالرحمن"
ثم أردف .
"أعترف معك بأن من الخطورة بمكان الاعتماد على دعم الجنوب وحدهـ في الحكم ، إلا أنني أرى من المهم كسبهم في المرحلة المقبلة"
وهنا أسر عبدالله خليل للسفير البريطاني :
"لقد بعثت بالأمس وفداً يضم محجوب ونقد الله ومأمون شريف ليبحثوا مع مبارك زروق شروط انضمام الوطني الاتحادي للحكومة"
ولما كانت تلك معلومات جديدة ، فإن سير أندروز استفسر إن كانت تلك اتجاهاً جديداً في سياسة حزب الأمة ، فأجاب البيه بالإيجاب .
ثم استطرد يشكو من تصرفات الأزهري وتصريحاته في مصر والتي شن فيها هجوماً شديداً على حكومة الخليل وأعلن فيها "عن نية حزبه إبرام ميثاق دفاعي مع مصر"
ثم سأل خليل السفير أندروز عن رأيه في مثل زعيم سياسي يصرح بنيته عقد ميثاق دفاعي مع مصر، فتعمد السفير التهرب من الإجابة على السؤال المباشر . بالرد غير المباشر عن تصريح الأزهري بقبوله شروط التفاوض مع الأمة لقيام حكومة إئتلاف.
واستغل البيه الحديث عن مصر . ليذكر السفير بموقف عبدالناصر فقال : -
"لقد تسلمت رسالة من جمال عبدالناصر عبر سفيرهـ في أديس ابابا ، كما تسلم السيد عبدالرحمن المهدي رسالة مماثلة يعلن فيهما عبدالناصر عن استعدادهـ للقائي لإزالة أية خلافات (مسألة حلايب) . إلا أنني لا أثق فيه . إذ أن هدفه إضعاف حزب الأمة وتشكيل حكومة موالية لمصر . "
ثم تطلع إلى السفير ملياً واستطرد .
"إن مثل تلك الحكومة يمكن أن تطلب التدخل العسكري المصري في حالة الأزمات السياسية"...
كان واضحاً ان البيه والسفير يحاولان سبر غور بعضهما البعض . السفير جاء يحاول الحصول على رد شاف حول الانقلاب الذي تطايرت به الشائعات من كل حدب وصوب . والبيه وهو يتحاشى الحديث المباشر ويلمح إلى مآلات البلاد إذا ما سيطر المصريون عليها عبر الحزب الوطني الاتحادي..
كان عبدالله خليل يحاول أن يرسم للسفيرالبريطاني صورة لمآلات السودان لو قدر للحزب الوطني أن يقود الحكومة ، وأن يحقق الأزهري ما صرح به في مصر من عزم على توقيع ميثاق دفاع مع مصر . وكأنه بالمواربة يبيع فكرة الانقلاب حتى للبريطانيين .
لم تكن مسببات مجيء سير أندروز لملاقاة عبدالله خليل وليد خيال جامح ، فقد تواترت عدة معلومات حول الانقلاب المحتمل صبت في مواعين المخابرات البريطانية والأمريكية في الخرطوم . وكانت مصادر هذهـ المعلومات متنوعة . منها الصحافة اليومية ، وبعض الصحفيين القريبين من السفارتين البريطانية والأمريكية ، وبعض السياسين المقربين للسفارتين أيضاً ، بل وبعض السفارات (غير البريطانية والأمريكية) القريبة من بعض الشخصيات السياسية النافذة .
ورغم أن أخبار الصحف السودانية المنقولة من قبل مكاتب المخارات في الخرطوم كانت متواترة إلا أن هناك مصدادر أخرى كالسفارات ذات الصلة . كالسفارة الإثيوبية في الخرطوم .
فقد نقلت المخارات البريطانية في واحد من تقاريرها أن السفير الإثيوبي ملس عندوم نقل للسفير البريطاني قوله أن الإمبراطور هيلاسلاسي التقي في أواخر أكتوبر بعبدالله خليل في أديس ابابا ، وظل على مدى ساعات يحذر خليل من مغبة التورط في انقلاب عسكري .
وجاء في تقرير السفارة البريطانية : إن الإمبراطور ذكر لخليل أنه لايريد ديكتاتورية عسكرية شبيهة بعبدالناصر على حدودهـ . وقال السفير الإثيوبي إن خليل بدأ متفهماً لقلق الإمبراطور يومها"
على صعيد آخر كان هناك تقرير آخر من مكتب المخابرات البريطانية في الخرطوم يقول أن الصحفي البريطاني سليد بيكر من صحيفة الصنداي تايم كان قد أبلغ السفير البريطاني أن عبدالله خليل أخبرهـ بأنه أصدر أوامرهـ إلى الجيش السوداني للقيام بانقلاب عسكري قبل شهرين ، إذ كان يري أن ذلك الإجراء هو البديل الوحيد للمناورة المصرية والتي كانت ستؤدي إلى فقدان السودان لاستقلاله .
ويشير ذلك التقرير إلى أن السفير البريطاني رجى مندوب الصنداي تايم يومها بعدم نشر ذلك الخبر، وقد استجابت الصندي تايم والصحفي لرجائه .
بالرغم من أن السفير أندروز لم يخرج من ذلك الاجتماع بما يشفي الغليل من خليل ، إلا أنه لم يتوانى في الالتقاء برصيفه الأمريكي الذي كان مهتما بمجريات الأحداث في السودان لما كانت تحتويه من عنصر مصري في الأحداث . وقد جرى لقاء تقييم بين السفيرين لأحداث السودان يمكن تلخيصه بالقول أنه رأى أن الحل للأزمة هو ائتلاف عريض يضم الأحزاب الرئيسية الثلاث مع الجنوبيين .
ولخص اللقاء الموقف في حزب الأمة بأنه رهن صحة الإمام عبدالرحمن المهدي التي كانت تتدهور باستمرار . وقد رأي الاجتماع أن وفاة المهدي ستعود بالخسران على عبدالله خليل إذ أن صعود نجم السيد الصديق كإمام لا يصب في مصلحة الأميرآلاي الذي لم تكن العلاقة بينه وبين الصديق على ما يرام .
وفيما يتعلق بالإنقلاب العسكري فقد رأى اجتماع السفيرين أنه ممكن فقط بموافقة عبدالله خليل ودعوته .
وما يلفت النظر في لقاء التقييم بين السفيرين البريطاني والأمريكي أنهما لم يتطرقا إلى الخطر المصري" الذي بدأ عبدالله خليل مشغولاً به جداً .
كما أن السفيرين لم يعتبرا تصريحات الأزهري حول ميثاق دفاعي مع مصر، ومناداته برفض المعونة الأمريكية والبريطانية ، إلا جزء من ميكافيلية الأزهري أكثر منها مؤامرة لتنحية حزب الأمة وفرض الوصاية المصرية .
ومن ثم فإن بانارويا الأميرآلاي لم تكن موضع اهتمام السفيرين الأخطر في الخرطوم .
بل كان همهما فهم موقف الأميرآلاي ، ذي التاريخ العسكري الطويل ، من مماحكات الساسة والسياسة . وقراءة ما يمكن أن يكون عليه رد فعله إذا ما ضيقوا عليه الخناق .
فما هي وقائع ذلك الحال السياسي الذي ضاق به - على البيه الخليل - الخناق .؟
نواصل في الحلقة التالية
|
....
التعديل الأخير تم بواسطة elmhasi ; 15-03-2025 الساعة 04:56 PM.
|