عرض مشاركة واحدة
قديم 28-01-2018, 10:55 AM   #[5]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

اقتباس:

إبراهيم عبود و17 نوفمبر - الحلقة الخامسة

حـول «الزعـيم العسـگـري»
دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة
قوة دفاع السودان في قلب السياسة

د. محمود قلندر
نود في هذهـ الحلقة أن نستجلي حقيقة المقولة التي ظل يرددها بعض السياسيين والأكاديميين عن أن الجيش في السودان ظل مهنياً صرفاً منذ تكوينه المنفرد عام 1925م باسم قوة دفاع السودان Defense Force Sudan والتي اشتهرت بالمختصر الانجليزي (إس دي إف)، وحتى نوفمبر 1958م . ونود أن نستوثق من حقيقة أن جيل الضباط الأوائل الذين انخرطوا في سلك الجندية بعد أحداث 1924م ، حرصوا على الابتعاد التام عن الصراعات السياسية التي أخذت في التصاعد منذ الثلاثينيات في البلاد ، وأنهم نأوا بأنفسهم عن معارك السياسة في ذلك الوقت.
ويأتي حرصنا على التثبت من هذهـ المقولة في إطار الفرضية التي طرحناها في الحلقة التمهيدية التي قلنا فيها أن الجيش والسياسة في السودان كانا أكثر التصاقاً مما يظن الكثيرين . فقد أوضحت الوقائع التاريخية أن الجنود السودانيين لم يتوانوا عن الانتفاض في وجه الظلم السياسي أو العسكري بدءاً بعام 1900م ، أي بعد عامين من نهاية الثورة المهدية بانتفاضة الأرطتين 11 و14 بأمدرمان ، واتصالاً بحركات وانتفاضات امتدت إلى ملكال في سبتمبر 1924م ، و تلودي في نوفمبر ، ثم الخرطوم في نوفمبر أيضاً من عام 1924م .
هدلستون يخطط لعزل العسكريين من الحركة السياسية
بيد أن قوة دفاع السودان التي تكونت تحت إمرة الجنرال هدلستون منذ عام 1925م سعت إلى إبعاد ضباطها عن تأثيرات التيارات السياسية التي سادت وقتها . فلجأ هدلستون إلى سياسات التفريغ والإحلال وذلك بالتخلص المتدرج من كل الجنود والضباط الذين كانوا على صلة بأحداث 1924م ، كما جرى التقليل من سياسة الاعتماد على ترقية ضباط صف إلى رتب الضباط واعتماد سياسة جديدة يتم بموجبها اختيار الضباط على أسس موضوعية أهمها المستوى التعليمي . ولذلك ثم فقد بدأ منذ ذلك الوقت استيعاب خريجي كلية غردون من مختلف التخصصات كطلبة حربيين .
ثم اتبعت سياسة تدريبية عسكرية صارمة لإفراغ الطلبة المستوعبين من "الروح المدنية" وإكسابهم روحاً عسكريةً صارمة وذلك من خلال العزل التام عن الحياة المدنية والتدريب العسكري الكثيف ، ثم من خلال خطة محكمة لتوزيع الطلبة الحربيين على الوحدات العسكرية البعيدة عن العاصمة والمراكز الكبيرة لعامين ونصف . وتنتهي تلك الخطة بإعادة الطلاب الحربيين للمدرسة الحربية بأمدرمان لينالوا المستويات الأعلى من التأهيل العسكري الإداري والقانوني لستة أشهر، يتم في نهايتها ترقيتهم لرتب الملازم ثاني وتوزيعهم على الوحدات.
وكانت سياسة استيعاب الطلبة الحربيين من خريجي كلية غردون سياسة اقتضتها ظروف الحاجة لقوات مقاتلة تشارك في المعارك المنتظرة في أطراف إفريقيا الشمالية والشرقية .
أما سياسة (تفريغ الطلاب من الروح المدنية) فقد كان هدفها هو ضمان عدم تكرار أحداث 1924م ثورة والتي قدر البريطانيون أنها نتجت عن أمرين أولهما اختلاط الضباط بالمدنيين في العاصمة وخضوعهم للتيارات السياسية التي سادت وقتها ، والثاني هو ضعف الانضباط العسكري نتاجاً لظروف التواجد خارج المعسكرات والعيش المتلاصق مع المدنيين .
ولذلك فقد اتجه الجنرال هدلستون إلى سياسة استيعاب طلبة كلية غردون بكفاءات مختلفة ، وإرسالهم وعلى الفور إلى الوحدات العسكرية خارج الخرطوم لعامين ونصف يتم خلالها تدريبهم تدريباً عسكرياً صارماً يعودوا بعدها إلى المدرسة الحربية برتبة الجاويشية ويبقوا فيها نصف عام قبل تخرجهم برتبة الملازم ثاني .
يمكننا القول إذن أن الضباط الذين كتب لهم أن يقودوا حركة 17 نوفمبر 1958م ، كانوا من هذا الجيل من الضباط .
فقد كانوا جميعهم . وبلا استثناء من خريجي كلية غردون . وإن اختلفت دفعاتهم وتخصصاتهم .
وكلهم عايشوا التطورات والأحداث التي مر بها بالسودان منذ 1924م ، بدءاً بالثورة وتطوراتها ، ثم بما تلاحق من بعد ذلك من تطورات سياسية اتصلت بنمو الوعي السياسي وبداية الحركة السياسية مع ميلاد الفجر والحضارة ومولد الجمعيات الأدبية ، ثم التطورات التي صاحبت اندلاع الحرب العالمية ووجود السودانيين أنفسهم في نصفها . ثم ما صاحب ذلك من تطورات على ساحات الحياة السياسية أدت إلى ميلاد المهدية الجديدة وصعود نجمي ونفوذ الزعيمين الميرغني والمهدي ، وانتهت بقيام مؤتمر الخريجين وتبلور الأحزاب السياسية وانبثاقها من صراعات الخريجين وتنافس الطائفتين المهدية والختمية .
لم يكن ممكناً للضباط إذن أن يكونوا بعيدين عن هذهـ الأحداث والتطورات ، ولم يكن في مقدورهم أن يكونوا بمعزل عن التأثر بها والتفاعل معها وهم جزء من الصفوة المستنيرة في ذلك الوقت. بل يمكننا أن نقرر هنا أن تلك الأحداث كانت بالقطع ذات أثر بالغ في صياغة شخصيات أولئك الضباط وفي بلورة اتجاهاتهم الفكرية وفي تحديد قناعاتهم وتصرفاتهم في المقبل من السنوات.
واعتماداً على ذلك يمكن القول أن الجيش لم يجد بداً من الالتصاق بالسياسة طوال سنوات التكوين الأولى ، شاء أو لم يشأ ، وهناك من القرائن على ذلك الالتصاق ما يمكن أن نحددها على النحو التالي :
القرينة الأولى : -
الضباط والحرب ومستقبل السودان
حينما سألت صحيفة القوات المسلحة في بداية الثمانينات الفريق أحمد محمد - أول قائد عام للجيش - أن يستعرض ذكريات سودنة منصب القائد العام ، أسهب الفريق في الحديث عن دور الضباط في الاستقلال ، فقد قال أنهم كضباطٍ وطنيين في تلك السنوات ، تعاهدوا فيما بينهم على أن يبلوا في الحرب بلاء حسناً ليس خدمة لأهداف انتصار الإمبراطورية البريطانية ، بل لغرض أكثر أهمية ونبلاً .
قال الفريق أحمد محمد ، إن بريطانيا كانت قد أعلنت في ذلك الوقت وعلى لسان قادتها السياسيين انها ستعمل على تطبيق مبادئ ميثاق الأطلنطي (Atlantic Charter) الموقع بين ونستون شيرشل وفرانكلين روزفلت ، وهو الميثاق الذي تضمن من بين بنودهـ التعهد بأن تكافئ جبهة الحلفاء البلدان التي يحارب رجالها إلى صف الإمبراطورية بمنح تلك الدول حق تقرير المصير . وقد أصبح وعد منح الاستقلال هو الوعد الذي قاتل في ظله جنودنا وضباطنا بشرف ومسؤولية على امتداد ساحات المعارك من شمال إفريقيا إلى شرقها .
ويذكر الفريق أحمد محمد - عليه رحمة الله - إن حجج الحركة السياسية السودانية ممثلة في مؤتمر الخريجين - في مطالبتها بالاستقلال استندت - من بين ما استندت إليه - على بلاء ضباط السودان وجنودهـ في الحرب ، وعلى الوعد المقطوع لمن يبلي جنودهـ ويشاركوا في الحرب .
القرينة الثانية :
الضباط وضغوط سودنة منصب القائد العام
في السنوات القليلة السابقة على الاستقلال ، كانت ساحة الحركة السياسية تعج بالأحداث التي كانت توشك على تشكيل فجر الحرية في السودان . وفي تلك الأيام نفسها كانت رئاسة أركان الجيش السوداني تشهد كبار الضباط السودانيين وهم في حالة من التحاور القلق فيما بينهم . فقد طارت في تلك الأيام أنباء خطط السودنة وخطواتها المنتظرة على طريق الحرية . فقد كان شائعاً يومها أن الجنرال سكونز- القائد العام البريطاني الأخير- يرى أن منصب القائد العام ينبغي أن يكون آخر المناصب التي تجري تسليمها للسودانيين ، وكان من بين ما اقترحه الجنرال سكونز أيضاً أن لا تتم سودنة قيادت الحاميات الجنوبية إلا بالتدريج وعلى مراحل تتجاوز اليوم المعين للاستقلال .
وكان مصدر انزعاج الضباط الوطنيين وقلقهم هو انعقاد النية لو تمت الموافقة على رؤية الجنرال سكونز- على منح السودان استقلالاً ناقص السيادة ، فيه يكون الجيش الذي ينبغي عليه أن يحرس الاستقلال ويحميه ، تحت إمرة من يمثل رمز المستعمر .
ومن ثم فقد شكل الضباط يومها جماعة - أو جمعية أو مجموعة ، أخذت تولي أمر سودنة منصب القائد العام همها . وكان من بين أعضاء تلك اللجنة إبراهيم عبود وعبداللطيف الضو وأحمد عبدالوهاب ، وجميعهم من أعلى الرتب الوطنية يومها . وقد قامت تلك اللجنة بانتداب إبراهيم عبود للتحدث أمام لجنة السودنة وطرح رؤية كبار الضباط الوطنيين . فتولى عبود التحدث باسم الضباط وتقديم حججهم بوجوب سودنة منصب القائد العام قبل أن يتم إعلان الاستقلال باعتبار أن استقلالاً يحميه جيش يقودهـ المستعمر ليس استقلالاً كاملا .
القرينة الثالثة : -
الضباط والضغوط على الأزهري لإعلان الاستقلال
الدليل الرابع أساسه واقعتان لم تحظيا بكثير من الإضاءة في أي وقت . ولعلها وقائع لم يرد لها أطرافها أن تكون معلومة للجميع في ذلك الوقت ، فالطرف العسكري في تلك الوقائع ربما سعى إلى إبقاء تلك الأحداث طي الكتمان بحكم انتمائه العسكري وانضباطه ومن ثم رغبته في إبعاد شبهات التدخل في السياسة عن أنفسهم . أما بالنسبة للطرف السياسي فربما كان السبب هو أن الأطراف السياسية سعت إلى إبعاد شبهة التأثر بالضغوط العسكرية عن نفسها .
مهما يكن من أمر مسببات غياب تلك الأحداث عن معرفة شعبنا بها ، نرى من المهم هنا أن نروي تفاصيلها كما وجدناها في بعض المصادر مروية على لسان بعض حضورها ، (الفضل ، 1984م) . ففي الواقعة الأولى وحسبما ذكر عبدالرزاق الفضل ، فإن الرئيس إسماعيل الأزهري التقى عام 1954م بثلاثة من ضباط الجيش في تلك الفترة التي حفلت بانقسام السودانيين والتهاب المشاعر بين الاستقلال أو الاتحاد مع مصر، وأنه استمع إلى ثلاثة من ضباط الجيش هم القائمقام عبدالله الأمير إسماعيل ، والبكباشي محمد أحمد عروة والصاغ عمر الحاج موسى ، وتناقش معهم طويلاً في مآل السودان في تلك الفترة ، وقد أكد الضباط للأزهري أنهم لا يرغبون في التدخل العسكري ، ولكنهم يرون استقلال البلاد أساساً لا بد من الالتزام به .
أما الواقعة الثانية فهي تلك التى ذكرها الأميرلاي محي الدين أحمد عبدالله - العضو اللاحق بمجلس عبود العسكري - عن اجتماعه مع سبعة من الضباط بمنزل البكباشي حسين على كرار، وإعلانهم عزمهم على فرض الاستقلال بالقوة إن لم يقم البرلمان بذلك ، وقد ذكر محي الدين أنهم أخطروا الأزهري بعزمهم ذلك ، دون أن يشير إلى رد فعل الأزهري .
ولا يمكننا بالطبع الجزم بالسبب الحقيقي وراء عدول الأزهري المفاجئ ونكوصه عن بلاتفورم حزبه الذي فاز بموجبه في الانتخابات ، وهو الوحدة مع مصر . ولكننا استناداً على منطق الأشياء يمكننا أن نقول أنه مهما كانت أسباب الأزهري وحساباته ، فلابد أن رأي الضباط الذين عهد بهم حماية الوطن وفي يدهم السلاح كان موضع التقدير والتفكير حينما اتخذ ذلك القرار الصعب .
و لابد أن الأزهري وغيرهـ من الساسة أدركوا يومها أن الجيش ليس بعيداً عن السياسة حتى وإن ادعوا ذلك .
....



التعديل الأخير تم بواسطة elmhasi ; 15-03-2025 الساعة 06:43 PM.
التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس