الحلقة التاسعة
طاحونة الحكم بالحديد والنار.. تدور
إبراهيم عبود و17 نوفمبر
عبود يعتمد «قانون دفاع السودان» الدراكوني أساساً للحكم
دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة
لائحة دفاع السودان أداة قهر النظام التي استند عليها طيلة سنواته
د. محمود قلندر
توالت على المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، خلال الأيام الأولى لاستلام السلطة ، الشواهد والدلائل على سلامة الخطوة التي اتخذوها بالموافقة على استلام السلطة ، وإيقاف التدهور السياسي الذي أصاب البلاد بالشلل التام في ذلك الوقت . وقد فوجئ المجلس الأعلى بحجم القبول الجماهيري للحركة للحد الذي أضطرت معها أي أصوات معارضة للتحرك إلى الصمت والتواري .
استسلام الساسة والرضى بالمكتوب
ولاشك أن الفريق عبود ورفاقه وجدوا الدفعة السياسية الأقوى من بياني السيدين عبد الرحمن المهدي وعلى الميرغني ، وذلك لما للسيدين من ثقل سياسي وطائفي ، وما لهما من فاعلية في ساحة السياسة الوطنية .
أما على الصعيد السياسي ، فإن الأحزاب السياسية - ما عدا الحزب الشيوعي - لم تبادر بأي موقف ، إلا أن تصريحات بعض قادتها وشخصياتها المفصلية حول تحرك عبود كان أقرب إلى المباركة والتأييد منه إلى المعارضة ، بالرغم من أن عبود حل تلك الأحزاب واتهم قادتها وشخصياتها الكبرى بالفساد والإفساد .
فقد صرَّح السيد الصديق - بعد عودته من سويسرا : أنه ليس لديه ما يضيفه إلى بيان والدهـ ، وقال إن بيان والدهـ يمثل رأي الحزب في الحركة . أي أن الحزب يباركها ويطلب من الجماهير الالتفاف حولها .
أما السيد على عبد الرحمن - رئيس حزب الشعب الديموقراطي - فإنه تمنى للحركة كل التوفيق كي تحقق الاستقرار وتتحسن الظروف .
أما السيد إسماعيل الأزهري فقد قال إنه يثق في وطنية الضباط وطالب بأن يعطوا فرصة لعلهم «يحققوا ما فشلنا فيه» (كأحزاب)..
وقال السيد محمد نور الدين ، الوزير السابق ، إنه يعتقد أن الحركة أمر جيد حيث وصلت أوضاع البلاد إلى سوء ولم يكن تصحيح الأوضاع دون تدخل الجيش .
أما السيد عبد الله خليل فإنه بالطبع أكد بأنه لم يكن ممكناً تجنب تحرك الجيش لصون وحماية الاستقلال ، وقال بأنه دون تلك الحركة فإن السودان كان على وشك أن يدفع ثمناً باهظاً .
وحدهم الشيوعيون كانوا المغردين خارج السرب السياسي المؤيد لانقلاب إبراهيم عبود .. والواقع أن الشيوعيين ، كانوا قد حددوا موقفهم من الانقلاب حتى قبل أن يقع . فقد أصدر الحزب الشيوعي بيانه المشهور ببيان «اليقظة» في بداية شهر نوفمبر .. قبل اسبوعين من نفاذ الانقلاب وكان عنوان ذلك البيان يتنبأ بما سيحدث ، وهو يصرخ :
«افتحوا عيونكم الأميركان يستعدون لتدبير الانقلاب المقبل في السودان»
كان بيان الحزب الشيوعي يدين حزب الأمة باعتبارهـ اليد التي ستنفذ بها المخابرات الأميركية انقلابها . فقد ذهب البيان ليحلل التكتيك الأميركي الجديد القائم على إسقاط الحكومات الضعيفة والموالية لها - والتي يبدو جلياً أن القوى الوطنية على وشك إسقاطها - بانقلاب يحمل إلى السلطة فئات عسكرية تقليدية تكون مساندة في فكرها وتوجهاتها للفكر الغربي الاستعماري . وذكر البيان أن حزب الأمة فشل في تمرير المشروعات الأميركية وحكومته تترنح أمام ضربات القوى الوطنية ، وليس أمام أميركا إلا أن تجهز على هذه الحكومة بانقلاب شبيه بتلك الانقلابات التي دبرتها أميركا في كل من بورما وسيلان وباكستان ..
ثاني يوم الانقلاب 18 نوفمبر، أصدر الحزب الشيوعي بيانه الدامغ لحركة عبود ، بعنوان «17نوفمبر انقلاب رجعي». وقد فصل البيان في القول بأن الحركة ليست حركة ضباط ثوريين بل هي مجرد تسليم وتسلم بين عبد الله خليل وقادة الجيش . وبذلك البيان وضع الحزب الشيوعي نفسه - وحيداً - في موقع المواجهة بعد أن انفض سامر الحركة السياسية بمباركة السيدين واتخاذ بقية القيادات السياسية موقفاً يصب - في أحسن حالاته - في خانة الرضى بما هو مكتوب .
عبود : سأترك النقابات ما تركوني
حينما التقى شابمان أندروز - سفير بريطانيا بالخرطوم - إبراهيم عبود ذات يوم الانقلاب ، سأل عبود إن كان يعتقد أنه سيكون هناك تحرك مضاد لحركته من قبل القوى السياسية أو العسكرية ..
رد عبود بالقول
«بالرغم من أن الموقف الحالي مطمئن تماماً ، فإنه في خلال أسبوعين أو ثلاثة سيكون هناك - بلا شك - تحرك مضاد».
وحينما استفسر عن اتجاهـ ذلك التحرك وشكله ، لم يرد عبود إلا بالقول «حتى الآن تركت نقابات العمال لوحدها .. إلا لو بدأوا بأي شيء»، ويتضح من سياق هذا الكلام أن عبود كان يعرف أن هبوب المعارضة سيكون من جهة الحزب الشيوعي ونقابات العمال التي يسيطر عليها الحزب الشيوعي . وهو أمر كان لحظتها ينبئ بوضوح باتجاهـ الانقلاب ونواياهـ ..
ولا شك أن بيان الحزب الشيوعي في اليوم التالي ، صب زيتاً على نار شك الفريق عبود في الشيوعيين وحلفائهم في النقابات . وهو شك استبقه عبود ومجلسه الجديد بإصدار قانون دراكوني غير مسبوق تم تعليله بغرض إنهاء الفوضى وفرض النظام والانضباط على ساحة البلاد كلها . كان ذلك القانون هو قانون دفاع السودان..
قانون دفاع السودان : حكم الحديد والنار
قانون دفاع السودان هو القانون الذي تبناهـ نظام عبود لحكم البلاد مثلها مثل أية وحدة عسكرية . فالقانون باسمه وموادهـ قانون عسكري الملامح والقسمات ، وهو لا شك استند على خبرتي المستشار القانوني العسكري العميد عبد الرحمن الفكي ، والمستشار القانوني للمجلس وقتها ، أحمد خير ، الذي حسب قوله - بقي ليومين في القيادة يقدم المشورة ويكتب القوانين والأوامر المتعلقة بالنظام الجديد ، قبل أن يقبل بأن يكون وزيراً للخارجية .
وقد تضمن قانون دفاع السودان المذكور مواداً تعاقب بالإعدام على الآتي :
* تكوين الأحزاب .
* الإضراب أو الدعوة إليه ..
* العمل على إسقاط الحكومة .
* بث الكراهية ضد الحكومة .
ومضى القانون في الشطط فخول - لأول مرة في تاريخ السودان - محاكمة الأفراد المدنيين امام محاكم عسكرية ..
كما تضمن القانون عقوبات أخرى تتصل بالنشر، والإساءة إلى رؤساء الدول الصديقة والشقيقة ، والإساءة إلى موظفي الدولة وأجهزتها .. وأعطى القانون صلاحيات واسعة لقوى الأمن للقبض والتفتيش والاقتحام والمحاكمة ..
لائحة دفاع السودان : وزير الداخلية يد النظام الباطشة
استناداً على القانون المذكور صدرت «لائحة دفاع السودان لعام 1958م» وهي اللائحة التي خولت لوزير الداخلية أوسع السلطات ، وجعلت من وزارة الداخلية سلطة بطش وقمع حقيقية . ومن الواضح أن سمعة نظام 17نوفمبر كنظام ديكتاتوري قمعي استندت في أصلها على هذه اللائحة التي تحول بموجبها وزير الداخلية إلى سجان وجلاد للبلاد كلها وللشعب كله . وكي يدرك القارئ حجم الغلواء في لائحة دفاع السودان نلخص فيما يلي أهم ما خولته من سلطات لوزير الداخلية :
* مراقبة الرسائل البريدية / رقابة الصحف / منع دخول الصحف الأجنبية .
* تفتيش أي منزل أو مبنى أو عربة أو مركب أو طائرة بالقوة في أي وقت .
* إعتقال الناس بدون أمر قبض / إرغام المواطن على الإدلاء بأقواله .
* منع المواكب/حظر التجول/ حظر مغادرة اية مواطن/ التحفظ على أي شخص ولأي وقت دون تقديمه لقاض .
* منع أي شخص من الإقامة في منطقة معينة / تحديد إقامة أي شخص في منطقة معينة .
الشيوعيون والنقابيون أول دقيق في طاحونة القهر
وبذلك فإن قانون دفاع السودان صار هو الأنياب التي كشر بها نظام عبود في وجه أهل السودان ..
وكان أول ضحايا القانون هم الشيوعيون وحلفاؤهم .. فبعد عشرة أيام من الانقلاب قام النظام باعتقال عدد من قيادات الحزب الشيوعي من ضمنهم : حسن الطاهر زروق ، محمد سعيد معروف ، قاسم أمين ، محمد السيد سلام ، شاكر مرسال ، بابكر محمد علي ، عزالدين علي عامر ، عزيز أندراوس ، حنا جورج ، سمير جرجس ، عباس محمد الحسن ، والحاج سليمان موسى ..
وأتبع النظام اعتقال القيادات الشيوعية بحل اتحاد النقابات واعتقال قياداته الشفيع أحمد الشيخ ، ومحمد السيد سلام . ثم قام بتعطيل صحيفة «الطليعة» الناطقة باسم اتحاد النقابات .. وشكل النظام لجاناً لإعادة النظر في قانون اتحاد النقابات بغرض تقليص قوته وتحجيم دورهـ ، وشكل لجنة للنظر في إصدار قانون للعمل الجبري يلزم بموجبه الناس للعمل في مناطق الانتاج الزراعي ..
عبود للصحافة : لا تقولوا أي شئ
واجهت «الصحافة» من نظام نوفمبر عنتاً شديداً نتج في تقديرنا من الدور الذي لعبته «الصحافة» في العهد السابق ، إذ كانت واحداً من المنابر التي دارت فيها المعارك الحزبية ، كما كانت الصحف هي منصات تبادل الاتهامات بين أقطاب السياسة وموضع كشف ونشر سوءاتهم . ولذلك فقد ظن النظام أنه كي يتمكن من وقف الفوضى لابد له من غل يد الصحف وكبح جماحها بالقانون . ويكفي أن نورد هنا ما قاله عبود للصحف في مؤتمرهـ الصحفي الأول :
«لا تكتبوا أي شيء ضد سياسة الحكومة ، ولا تنتقدوا أعمالها في الأمور الداخلية والخارجية ، ولاتعلقوا على هذهـ الأعمال بشئ ، لا تكتبوا عن الأحزاب السابقة أو الطوائف .. لا تكتبوا معلقين أو منتقدين سياسة البلدان الأخرى»
أما وزير الداخلية ، محمد أحمد عروة ، فقد أضاف إلى قائمة عبود ، بنوداً أخرى ، فقد قال للصحافيين إنه :
«لن يتوانى عن قفل أية جريدة أو تقديم محرريها للمحاكمة إذا حاولت أن تثير الشكوك حول أهداف الحكومة ومراميها».
وطالب عروة الصحف بأن :
«تمتنع عن نشر الأنباء والتعليقات الخاصة بسمعة الحكومة ، التي تسئ إلى العهد أو تقوض الثقة فيها وألا تنشر الصحف التعليقات التي تؤثر على علاقات السودان بالدول الأجنبية».
وهكذا كانت الصحف واحدة من ضحايا نظام نوفمبر، فالصحف - التي سمح لمعظمها بالصدور بعد أسبوع من الانقلاب - وجدت نفسها فجأة وهي لا يحق لها أن تنتقد أحداً من أعضاء المجلس العسكري .. ولا تكتب عن السياسيين والطوائف .. ولا أحداً من المسؤوليين الحكوميين الكبار .. ولا أن تعلق أو تنتقد أحداً من رؤساء أو سفراء أو مسؤولي الدول الصديقة والشقيقة ..
وما دون ذلك فلها أن تنتقد كما تشاء ..!
ومن يومها دارت طاحونة القهر والعنف في السودان ..
وهي طاحونة كانت رحاها أجهزة الأمن من فوق وقانون دفاع السودان من تحت ..
أما دقيقها .. فقد كان المعارضون والمناوئون .. سياسيين ونقابيين وصحفيين وطلاباً ..