عرض مشاركة واحدة
قديم 28-01-2018, 02:03 PM   #[13]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

الحلقة الحادية عشر
إبراهيم عبود و17 نوفمبر
المقاومة العسكرية لنظام عبود

دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة
انقلاب 22 مايو!
انقلاب للضباط الأحرار واجهته محيي الدين وشنان
د. محمود قلندر
أكثر من ثلاثين من الضباط الأحرار شاركوا في التخطيط والتنفيذ
يذكر المقربون من الفريق عبود في عام 1959م ، أنه صرخ حينما علم بضلوع محي الدين وشنان في ثالث محاولة للانقلاب على حكمه :
"هي إيه الحكاية ، نحن مش حنخلص من حدوتة عمرو والنمر دي؟". والإشارة هنا إلى تلك القصة الشعبية التي تقول بأن عمرو كان يضحك على أهل قريته المتحمسين للمواجهة كل مرة حينما يصيح كذباً أن نمراً يهاجم القرية ، حتى هاجم النمر القرية حقاً دون أن يحرك أهل القرية ساكناً .. فقد رأى عبود في محي الدين وشنان عمرو آخر يهدد - دون أن ينفذ - بالانقضاض على نظامه كل مرة .
ولا يمكن الجزم بأن تحركات العميدين المتمردين ، محي الدين وشنان ، ومحاولة انقلابهما المتكرر على نظام إبراهيم عبود ، هو صراع جنرالات بحت . فقد كانت هناك كثير من المؤشرات على أن تحرك 22 مايو 1959م كان من تدبير وتنفيذ تنظيم الضباط الأحرار، بل وهناك دلائل على أن الضباط الأحرار استعملوا محي الدين وشنان كواجهة وساتر فحسب ، إذ كانت أعلى رتب أعضاء التنظيم لا تتجاوز البكباشي في ذلك الوقت ، وهي رتبة ليست قيادية بما يتيح تحريك قيادة كاملة كالقيادة الشرقية في القضارف و القيادة الشمالية في شندي . ومن ثم فقد عمد التنظيم إلى تحريك سواكن الغيرة المهنية في نفس العميدين ، وإقناعهما بوجوب تصحيح الأوضاع بما يعيد للأقدمية العسكرية عدالتها .
ويمكننا هنا أن نعيد القول بأن تنظيم الضباط الأحرار كان هو المساند لتحرك محي الدين وشنان في 2 و 4 مارس الذي سردناهـ في الحلقة الماضية . ويمكن معرفة حجم ضلوع التنظيم في ذلك التحرك بالنظر إلى قائمة الضباط الذين تحركوا من القيادتين الشمالية والشرقية ، وبالتعرف على أسماء أعضاء التنظيم في الخرطوم الذين لعبوا أدواراً مهمة في تعطيل تحريك الدبابات ضد القوة القادمة لاحتلال الخرطوم .
نحدد من بين الأسماء التي شاركت في ذلك الوقت المبكر الصاغ محمد أحمد أبو الدهب ، والصاغ بشير محمد على ، والصاغ عبد البديع كرار، والنقيب أبوطيارة ، والنقيب عباس الإمام ..
وكما هو معروف ، فإن عبد البديع كرار لعب - كما سنرى دوراً مهما في انقلاب مايو الذي نحن بصددهـ وأعدم بعد انقلاب نوفمبر 1959م . بينما طرد بشير محمد علي وعاد بعد مايو 1969م قائداً عاما ووزيراً للدفاع . أما أبو الدهب فقد دخل التاريخ العسكري الوطني باعتبارهـ ، وصديقه اللدود جعفر نميري (ضباط انقلابيين)
انقلاب 22 مايو 1959م
لم يسعد ذلك التحول الذي حدث في مراكز القوى بدخول محي الدين وشنان نتيجة انقلابي 2 و4 مارس 1959م ، بقية أعضاء المجلس ، الذين رأوا ضابطاً متواضع الرتبة مثل القائمقام المقبول الأمين الحاج يحتل موقعاً سيادياً وسطهم . كمالم تعجبهم تلك الضغوط التي أخذ يمارسها شنان ومحي الدين داخل المجلس ، ولكنهم أحنوا رؤوسهم للعاصفة التي أثارتها مصفحات وناقلات الجنود القادمة براً من القضارف وشندي .
ومن ثم فإن روح التوافق لم تسد إلا لزمان قصير داخل مجلس عبود ، إذ أن شنان ومحي الدين ، لم يكونا سعيدين بما حققا من خلال تحركهما المشترك في مارس ، كما أنهما - حسبما قالا فيما بعد - شعرا بأن سياسات مهادنة الغرب ، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية كانت مستمرة . كما أن نائب القائد العام الجديد ، حسن بشير نصر، لم يكن مختلفاً كثيراً في تصرفاته ومحاولاته للانفراد بالسلطة عن سابقه اللواء أحمد عبد الوهاب .
وكان تنظيم الضباط الأحرار قد أقر هو الآخر خطة استلام السلطة بعد أن يئس من الإصلاح من داخل المجلس . ومن ثم فقد تم وضع الخطة بحيث تشارك فيها نفس القيادتان الشرقية والشمالية ، معتمدين في ذلك على نفوذ عضوي المجلس الأعلى محي الدين وشنان على تلك الوحدتين ، ووجود عدد كبير من شباب الضباط الموالين للتنظيم في القضارف وشندي .
وبذلك التقت رغبة العميدين بنوايا تنظيم الضباط الأحرار، ليعود أبطال تحرك مارس 1959م ليقودوا تحركاً جديداً في مايو من نفس العام ..
ولكن لم تسلم الجرة هذه المرة ...
فقد كان بعض أعضاء المجلس العسكري لعبود يتحسبون ويتوقعون تحركاً مثل هذا من شنان ورفيقه . ومن ثم فقد جرى تسليط أجهزة الأمن عليهم لترصد وتتابع تحركاتهما وترصد تبادل الرسائل المشفرة بين الخرطوم وكل من القضارف وشندي .
وفي يوم الحادي والعشرين من مايو، اليوم المضروب لتنفيذ الانقلاب ، تحركت قوات حامية القضارف بقيادة الصاغ أحمد محمد أبوالدهب واليوزباشي عبد الله الطاهر بكر لتنفذ دورها المتفق عليه حسب خطة مسبقة . وقد تمكنت تلك القوة من الوصول إلى مشارف الخرطوم ، بيد أن انكشاف أمر المؤامرة المرصودة من قبل أجهزة الأمن أفشلتها ، ووجد محي الدين قواته في وضع حرج ، حاول بعدها أن يعيد تلك القوات إلى رئاستها بالقضارف .
أما قوات شندي فإنها لم تتحرك بسبب فشل المقدم عبد الحفيظ شنان - الذي أوكل إليه الضباط الأحرار قيادة قوة شندي نحو الخرطوم ، فشل في إقناع ضباط شندي بتحريك قواتهم صوب الخرطوم ، ومن ثم فقد علمت قائد قيادة شندي - ألأميرألاي أبودقن - بما حدث وتم اعتقال الضباط .
فشل ومحاكمة وسجون
وبفشل محاولة مايو 1959م ، وجد أعضاء مجلس عبود العسكري الفرصة سانحة للتخلص من محي الدين وشنان وأفكارهما الراديكالية - بالمقارنة -. وبالرغم من أن عدة محاولات قد جرت لإقناع إبراهيم عبود بتطبيق مبدئه الأثير " عفا الله عما سلف" - للمرة الثالثة - والعفو عن الضالعين في محاولة الانقلاب ، فقد برز تيار قوي داخل المجلس الأعلى اعترض على لين عبود تجاهـ الانقلابيين ، وقام المجلس الأعلى - بالتصويت - على محاكمة جميع الضالعين . فقبل عبود مكرهاً بذلك . ومن ثم فقد تشكلت عدة محاكم عسكرية لمحاكمة عضوي المجلس والضباط الضالعين في (مؤامرة مايو 1959م) بما فيهم أعضاء المجلس الثلاثة أحمد عبد الله حامد ، ومحي الدين وشنان .
وقامت أجهزة الإعلام بمتابعة وتقديم وقائع محاكمة عضوي المجلس اللذين لم يتوانيا في انتهاز فرصة الإعلام ليعبرا عن رؤاهما ويعلنا أسباب تذمرهما من سياسات المجلس العسكري غير الوطنية (أو كما قالا). وقد شدت تلك المحاكمات الجمهور واستحوذت على إهتمامه لما كشفته من صراع داخلي في المجلس الأعلى لنوفمبر، في الوقت الذي أراد المجلس العسكري من إذاعته لتلك المحاكمات أن تكون وسيلة من وسائل إكساب الحكم نوعاً من الشرعية في عيون المواطنين .
وصدرت أحكام تلك المحاكم في سبتمبر من عام 1959م متضمنة الإعدام لقادة الحركة ، بما فيهم عضوي المجلس ، إلا أن حكم الإعدام خفض إلى السجن المؤبد بعد ذلك .
وبذلك حكم بالمؤبد على كل من محي الدين أحمد عبد الله ، عبد الرحيم شنان ، عبد الحفيظ شنان ، حسن إدريس ، محمد علي السيد وأحمد أبوالدهب بدلا من الإعدام .
وقد بلغ مجموع الضباط المحاكمين في انقلاب مايو 1959م إثنين وثلاثين ضابطاً كانت من بينهم أسماء لامعة مثل الصادق محمد حسين وعبد البديع كرار ، الطاهر إبراهيم ، محمود كيلة علي صالح سوار الدهب ، عبد السلام أحمد صالح ، عبد الله الطاهر بكر وكمال بحيري .
أما اللواء احمد عبدالله حامد ، عضو المجلس الأعلى الثالث ، فقد تمت محاكمته بالطرد من القوات المسلحة لما أفادت به التحقيقات عن علمه بالمحاولة وتقاعسه عن التبليغ عنها . وقد ثبت من خلال التحقيق أن محي الدين وشنان اتفقا على توليه رئاسة مجلس الثورة حسماً للخلاف حولها فيما بينهما.
وهكذا دخل أعضاء المجلس الإثنان السجن وتقلبت بهم الأنواء بين سجون شندي وسواكن لبعض الزمان . بينما دخل نظام نوفمبر مرحلة جديدة من عمرهـ ، من بعد محاكمة الرفاق والزج بهم في السجون .. ظن فيها أنه مقبل على سنين من الهدوء والاستقرار ، ولكنه كان ظناً بلا يقين .. فقد كمن الزمان لهم بجديد كان على بعد بضع شهور.




التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس