عرض مشاركة واحدة
قديم 28-01-2018, 03:57 PM   #[17]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

الحلقة الخامسة عشر
إبراهيم عبود و17 نوفمبر
دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة
بقلم : د.محمود قلند
مع تصاعد الضغوط على 17 نوفمبر، فكر دهاقنة النظام في ركوب موجة الديمقراطية كوسيلة من وسائل سحب البساط من تحت أقدام القوى السياسية التي ما فتئت تزعج النظام بمذكرات متوالية تفيض شوقاً إلى الديمقراطية . وقد رأي هؤلاء أن النظام يمكنه تحقيق ذلك بتطعيم حكمه ببعض المحسنات الديمقرطية ، على أن لا تكون الديمقراطية ، ديمقراطية كاملة الأركان . ولعل مرد ذلك الحرص هو الظنون والشكوك المتوطنة في نفس النظام حول الديمقراطية الحزبية ، بعد تجربة سنوات ما بعد الاستقلال ، وربما جرياً على ما كان عليه الحال من حول السودان وقتها ، من أنظمة اشتراكية وأنظمة نيابية قصيرة الظل كتلك التي كانت على حدود السودان الشمالية ..
و لابد أن الواقع السوداني المناهض للشمولية والرافض لها بأشكال المختلفة - والذي أسمته لجنة أبورنات الأولى (والتي وضعت قواعد التنسيق بين الحكم المحلي والمركزي) "حب السودانيين للديمقراطية"- لا بد أنه كان واحداً من مبررات ذلك المضي على طريق التغيير النيابي . فقد واجهت نظام نوفمبر من أشهرهـ الأولى أمواج عارمة من المقاومة جعلته يبحث - ما استطاع - عن منافذ وطاقات يتمكن بها من السماح للشعب بالتنفس الديمقراطي .
لجنة أبورنات الأولى : مجالس المحافظات ومجلس المديرية
كون الفريق عبود لجنة أبورنات الأولى عام 1959م ، بعد مرور عام على انقلابه ، وأسمى تلك اللجنة بلجنة التنسيق بين الحكم المحلي والمركزي ، وهي اللجنة التي وضعت أسس قيام مجالس للحكم المحلي ومجالس للمديريات كنواة وقاعدة للهرم الإداري المنتظر. وبموجب توصيات تلك اللجنة ، فقد تم تقسيم السودان إلى قطاعات إدارية صغرى هي المجالس المحلية .
وكان المقترح الأساسي الذي تقدمت به لجنة أبورنات ينادي بتكوين المجالس المحلية في المحافظات - بكاملها - من شخصيات يتم اختيارها بالتعيين . وقد ذكرت اللجنة في حيثياتها أنها تعتقد أن أية ممارسة انتخابية ديمقراطية في هذا المستوى ستؤدي إلى :
"دخول أعضاء غير مناسبين وسيحط من قيمة المجلس نفسه ، ويدفع إلى بروز تكتلات حزبية ، ويعطل أعمال المجلس ويؤدى إلى إهمال المجلس لأدوارهـ الأساسية."
هذا بالرغم من أن ديباجة تقرير لجنة أبو رنات المكتوب باللغة الإنجليزية ، يقول بالحرف الواحد وباللغة الإنجليزية :
The love of democracy is ingrained in the character of this nation
"حب الديمقراطية محفور في وجدان هذا الشعب"
كانت توصية أبورنات الأساسية إذن هي أن تكون مجالس المحافظات بالتعيين المطلق من قبل السلطات المحلية التي ينبغي عليها أن تجمع المعلومات عن الأشخاص ذوى الأهمية والنفع في المنطقة ثم ترفع قائمة بتلك الأسماء لسلطات المديرية والتي بدورها ترفع توصيات بها لوزير الحكومات المحلية . بيد أن هذا الجانب تم تعديله لاحقاً بحيث سمح بانتخاب بعض الأعضاء ولكن ظل مبدأ التعيين هو المبدأ المسَوَّد في كافة مستويات الحكم المحلي .
مجالس المديريات
كما هو الحال في مجالس المحافظات المحلية ، فقد كان مقترح لجنة أبورنات الأصلي هو أن لا تجرى أية انتخاب على مستوى المديريات أيضاً ، فقد نصت الفقرة (أ) من الباب الثالث على "أن يتكون المجلس من كل رؤساء مجالس المحافظات ، وبعض أعضائها و من شخصيات عامة يتم اختيارها على أساس الخبرات الفنية أو العلمية أو العملية ، ومن رؤساء الوحدات الحكومية وشبه الحكومية - عدا القضاء." وفصلت المادة على أنه ينبغي تعيين كل هؤلاء.
وبذلك فإن المقترح الأساسي للجنة أبورنات استبعد تماماً أية اتجاهـ للانتخاب من قبل المواطنين ، رغم أنه أكد على أن مثل ذلك الانتخاب سيظل هو المرتجى ، ولكن لبعض الوقت لا بد من الاعتماد على التعيين ، وذلك تفصل لجنة أبورنات - حتى لا تتعرض المجالس لما تعرضت له الحياة السياسية النيابية في تلك الفترة .
إلا أن مقترحات أبورنات - كما رأينا - ادعت أن الشعب غير مؤهل لكي يقوم بالانتخاب ، وأن الانتخابات ستفرز شخصياتٍ غير مؤهلة ومحطة من قدر المجالس . وبذلك فقد انتهت اللجنة إلى وجوب تعيين - وليس انتخاب - العضوية الكامل لتلك المجالس .
و لابد أن السلطة الأعلى على أبورنات كانت أكثر وعياً بأهمية التنفيس الديمقراطي ، فقد تم تعديل توصيات أبورنات لتشمل انتخاب جزء من العضوية انتخاباً مباشراً .
وبناء على تلك التعديلات قامت مجالس المحافظات ومجالس المديريات وفيها خليط عجيب من الديمقراطية والديكتاتورية على مستوى المديريات . فعلى مستوى المديرية مثلا كان المجلس المديرية يرأسه "الحاكم العسكري" ونائبه عضو معين ورئيس لجنته عضو منتخب انتخاباً مباشراً من المواطنين.
المجلس المركزي وقانونه
اعتماداً على نتائج لجنة أبورنات الأولى ، كون الفريق عبود لجنة أبورنات الثانية وهي اللجنة الأشهر لأنها التي جاءت باقتراح قمة الهرم نصف الديمقراطي .. والذي تمت تسميته بالمجلس المركزي .
ولا يملك المراقب إلا أن يلاحظ أن فكرة التصعيد المتدرج والمحدود من المحافظات إلى المديريات إلى المجلس المركزي ، إنما هي في مجملها قريبة الشبه من نظام الديمقراطية المركزية الممارسة في الأنظمة الشيوعية مع الفوارق الأيديولوجية والتنظيمية . فالشاهد في كلا النظامين أن الديمقراطية المقصودة هي ديمقراطية قلة تختار من بينها من تراهم مناسبين لتمثيل كافة الناس . ففي نظام عبود الديمقراطي ، يتم التصعيد من مجالس المحافظات بطريق الانتخاب ، وهو انتخاب محدود ليس للشارع دور فيه . فهو انتخاب يتم من قبل أعضاء مجلس المحافظة لبعض أعضائه لمجلس المديرية .
يحدث نفس الشيئ على مستوى المجلس المركزي ، فالمجلس المركزي ليس فيه انتخاب مباشر، إذ تنص لائحة تكوين المجلس المركزي على أن تكون عضويته كما يلي :
* كل الوزراء .
* 45 عضوا منتخبين من قبل مجالس المديريات .
* 18 عضوا يعينهم رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة .
ولو أمعنا النظر في تركيبة المجلس نلاحظ أن شكل ديمقراطية عبود يمكن تلخيصه كما يلي :
* مجالس المحافظات :
تعين الدولة ثلثي أعضاءها .. والثلث الثالث ينتخب مباشرة من المواطنين .
* مجالس المديرية :
تعين الحكومة ثلثاً ويشكل التنفيذيون ثلثاً ثانياً ، وتنتخب مجالس المحافظات من بين أعضائها الثلث الثالث .
* المجلس المركزي :
يعين المجلس الأعلى ثلثه ، ويكون الوزراء الثلث الثاني ، وتنتخب مجالس المديريات من بين أعضائها ثلثه الثالث .
وبالنظر إلى هذه المعادلة يمكن أن نرى أن ديمقراطية نظام عبود تتوقف فقط على انتخاب الثلث الثالث من المجالس القاعدية المجالس المحلية .
وبالنظر إلى هذهـ المعادلة ، فإن تركيبة المجلس المركزي كان شكلها كما يلي :
من مجموع عضوية المجلس الكاملة 86 عضواً ، هناك 63 عضوا للحكومة دور مباشر أوغير مباشر في اختيارهم للمجلس المركزي . وهناك 23 عضواً فقط (27%) تم انتخابهم مباشرة من المواطنين على مستوى المحافظات تمكنوا من الوصول إلى المجلس المركزي ..
تم تكوين أول مجلس مركزي بعضوية فاقت الثمانين ، وكما هو الحال في كل السودان ، فقد احتل العسكريون من أعضاء المجلس الأعلى عدة مقاعد فيه كتنفيذيين (وزراء) ، فكانوا بذلك السلطة الأعلى داخل السلطة الأدني .. بينما تم اختيار رئيس المجلس (عوض عبد الرحمن صغير) من بين أعضاء المجلس الأعلى الذين أخرجتهم حركة محي الدين وشنان . أما رائد المجلس ، فلم يكن إلا الأميرآلاي المقبول الأمين الحاج ، عضو المجلس والضلع الثالث في حركة مارس 1959م .
وبذلك يمكن فهم حجم الديمقراطية التي أتاحها الفريق عبود لشعب السودان من خلال تلك المتواليات الحسابية . كما يمكن فهم ازدحام تلك المجالس وحتى المجلس المركزي بعدد معين من الشخصيات والأفراد الذين أراد لهم المجلس الأعلى الوصول إلي المجلس المركزي .
اختصاصات المجلس المركزي
أراد عبود لمجلسه المركزي أن يكون قريب الشبه من المجالس النيابية في الأنظمة الديمقراطية النيابية . لذلك فقد تحددت للمجلس معظم صلاحيات المجالس النيابية المعروفة في الديمقراطيات الغربية ، إلا قليلاً . والقليل المقصود هو تعيين رئيس الوزراء وعزل الوزراء وإسقاط الحكومات .
فحسب لائحته ، اعتبر المجلس المركزي جزء من السلطة التشريعية التي يكملها المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، كما شملت اختصاصاته إجازة القوانين والاتفاقيات والمعاهدات ، وتضمنت مهامه مهمة إجازة الدستور الذي انتوت 17 نوفمبر وضعه للبلاد .
الشيوعيون والأحزاب والمجلس المركزي :
ذكرنا كيف أن الحزب الشيوعي آثر أن يتعامل مع اتجاهـ عبود لإقامة نظام المجلس المركزي تعاملاً مختلفاً قصد من خلاله ، كما أشارت عدد من بياناته في هذا الصدد ، إلى رغبته في العمل على تقويض النظام من داخله . حدث هذا في الوقت الذي قررت فيه كافة الأحزاب عدا الختمية وحزب الشعب الديمقراطي ، مقاطعة مجالس عبود بكل مستوياتها . واعتبر الحزب قرار نظام عبود بمنح بعض المستوى الديمقراطي ، تراجعاً لمصلحة القوى الشعبية لا يجب التفريط فيه .
وبالرغم من المسببات والمسوغات التي قادها الحزب لتبرير مشاركته في ديمقراطية عبود ، إلا أنه لا يمكن استبعاد سبب سياسي آخر لتلك المشاركة ، وهو تقارب نظام 17 نوفمبر مع الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت ، وهو ذلك التقارب الذي تتوج بزيارة عبود لموسكو، وزيارة سكرتير الحزب الشيوعي برجنيف للسودان ، في واحدة من زيارات الشيوعيين النادرة لإفريقيا في ذلك الوقت .
ومهما كانت أسباب تعاون الشيوعيين مع مجالس عبود ، فقد ترشح عدد من كوادر الحزب في عدد من المجالس المحلية ، فلم يفلحوا في أي منها ، ولم يدخل المجلس إلا التجاني الطيب .
فيما يتعلق ببقية الأحزاب ، فبالرغم من مقاطعتها الرسمية لانتخابات المجالس ، إلا أن عدداً من أقطاب حزب الأمة وبعض الاتحاديين وجدوا أنفسهم وقد تم تعيينهم في المجلس المركزي . وحدهم حزب الشعب الديمقراطي وجماعة الختمية الذين وقفوا موقف إيجابياً من تجربة نوفمبر البرلمانية . إذ كانت المجالس النيابية للنظام - بمختلف مستوياتها - مسرحاً خاليا ً لهم ، فملأوا كافة مستوياته ، وكانوا بكل معني لحمة الديمقراطية النوفمبرية وسداها ..
فهل أسمنت ديمقراطية نوفمبر من جوع الشعب ؟




التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس