الحلقة السادسة عشر
إبراهيم عبود و17 نوفمبر
دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة
د.محمود محمد قلندر
الدور الذي لعبه نظام عبود في استعار مشكلة الجنوب لا يعادله في الخطورة إلا دور الجنوب في الإيداء بنظام عبود إلى حتفه .
والدارس الممحص للتاريخ الوطني يحتاج إلى وقفة متأنية ليتمكن من قراءة تلك الحقبة التاريخية قراءة تستجلي الوقائع وترتب الأحداث ترتيباً يساعد على بيان الحقيقة .. وهذه الحلقة هي تلخيص واف لتسلسل الأحداث في الجنوب من زاوية تصرفات وردود أفعال نظام الفريق عبود ..
لم تكن لنوفمبر سياسة خاصة وواضحة تجاهـ الجنوب عند استلامها للحكم في نوفمبر. ولهذا فإنها في بداية الانقلاب ، تعاملت معه بلا التفات لخصوصيته ، وحساسية ما كان يجري فيه . لهذا فقد خضع الجنوب ، كغيرهـ من أجزاء السودان ، للأحكام العرفية . ولكن بعد عدة أشهر من وجودهـ في الحكم ، ونتيجة لتصاعد أعمال العنف في الجنوب ، فقد اتخذ المجلس الأعلى قراراً في يناير عام 1959م باعتبار الأحوال في الجنوب أحوال أمن داخلية ، تتطلب من الجيش تنفيذ عمليات الأمن الداخلي ، ومن ثم بدأ الجيش في تحريك قواته وآلياته ومعداته بكثافة إلى الجنوب لتنفيذ خطط الأمن الداخلي . وبالفعل بدأ الجيش منذ ذلك التاريخ تنفيذ عمليات الأمن الداخلي في كافة مناطق الجنوب مستنداً إلى حالة الطوارئ المفروضة ، وما تعطيه من سلطات وصلاحيات للعسكريين في مناطق القتال . وقد ساعد ذلك على استعار المواجهة بين الجيش وجماعات متمردي 1955م الذين كانوا يقودون الهجمات ضد الجيش وقوافله . ومع استعار حدة المواجهة بين الجيش والجماعات المناوئة ، بدأ المواطنون الجنوبيون والسياسيون ، والموظفون والمثقفون الجنوبيون يتعرضون للمضايقة الرسمية ، والمساءلة الأمنية من قبل الجيش والسلطات الرسمية ، وذلك في إطار الشكوك المتزايدة وقتها بضلوع السياسيين والمثقفين الجنوبيين في حركة المقاومة . ونتيجة لذلك ، فقد لفت مشاعر الشك ، والغضب ، والبغضاء غابات الجنوب ، وتلونت الحياة فيه بألوان الخوف والرهبة .
عبود يلغي عطلة الأحد في الجنوب
وفي خضم تلك المشاعر السالبة في نفوس الجنوبيين ، اتخذت حكومة عبود عدداً من القرارات الإدارية الرامية الي إحكام قبضة الحكومة ، والتي كان لها أخطر الآثار على مسار قضية الجنوب . ففي تلك الأيام ، ولأسباب لا زالت غير معروفة ، وبتاريخ السادس من يناير 1960م ، رفع مدير المديرية الاستوائية ، علي بلدو، مذكرة (رقمها م أ/سري/34/أ/)1 ، إلى السلطات العليا في الخرطوم ، يقترح فيها استبدال عطلة الأحد في الجنوب بعطلة الجمعة . وقد بررت مذكرة مدير الاستوائية اقتراح استبدال العطلة بعدة مبررات ، منها إن نسبة موظفي الحكومة المسلمين تفوق نسبة المسيحيين وإن صلاة المسيحيين غير مرتبطة بميعاد محدد ويمكن أن تؤدى في أي وقت . ومنها أيضاً أن اختلاف العطلات قد يؤدي إلى عدم إمكانية إجراء الاتصالات الممكنة في أي لحظة كما يستدعي الموقف في الجنوب . كما ساق بلدو من المبررات أهمية إشعار الكنائس التي تشعر بسطوتها ونفوذها في الجنوب بأن الدولة مسلمة ، وأن نفوذ هذه الكنائس ليس بلا حدود .
بعث مدير الاستوائية مذكرته إلى السلطات في الخرطوم في يناير من عام 1960م ، وخلال أقل من شهر، في فبراير من نفس العام ، اتخذت حكومة عبود قرارها بتغيير يوم العطلة الأسبوعية في جنوب السودان من الأحد إلى الجمعة . وكان هذا هو أخطر القرارات الإدارية في تاريخ الجنوب السياسي وهو قرار كما نلاحظ هنا ، تم اتخاذهـ بسرعة غريبة ومريبة ، دون إخضاعه للدراسة المتعمقة ، أو تقويم عواقبه أو تقدير النتائج المنتظرة من تطبيقه .
ولم نجد أدلة على المسببات الحقيقية لاقتراح بلدو الخطير ذلك ، ولكننا نقدر أن إدارياً مقتدراً كعلي بلدو لا يمكن أن يتعجل أمراً كهذا لو لم تكن وراء الأمر جهات أعلى دفعته دفعاً .. ولا بد أن تلك الجهة هي التي وقفت وراء قرار الموافقة السريع الذي جاء خلال أيام قليلة ، في وقت كان ينبغي أن يخضع مثل ذلك القرار لتمحيص ودراسة واستطلاع آراء .
ولم يكن قرار تغيير يوم العطلة وحدهـ هو المثير، بل صاحب ذلك القرار، خطوات إدارية قصد منها توسيع دائرة النشاط الإسلامي ، وفي المقابل ، تقليص النشاط المسيحي . فقد بعث مدير الاستوائية مثلا ، بخطاب رسمي إلى وحداته الإدارية كافة يطلب منها مساعدة المسلمين وذوي الديانات المحلية من الأهالي ، وذلك بإقامة المساجد والخلاوي والمدارس ، وإزالة آثار الاضطهاد الديني الذي كانوا يتعرضون له من جانب الكنيسة .
ولا نجد من تبرير لتلك القرارات الخطيرة سوى ذلك الافتراض غير العلمي الذي ظل يرددهـ البعض من أن حل مشكلة الجنوب يمر عبر بوابة إذابة ثقافة الأطراف في ثقافة المركز الغالبة . وهو ذلك الافتراض الذي رأى في سياسة المناطق المقفولة البريطانية مؤامرة لإعاقة تيار الثقافات العربية الإسلامية الذي لو ترك على حاله لكان قد جرف - حتى اليوم - الثقافات الفرعية ومعها مشكلة الجنوب . نعتقد أن هذا هو التيار الذي كان يقف وراء قرارات فبراير 1960م باعتبارها رغبة في تصحيح مسار التاريخ .
ولا بد أن نشير هنا ، إلى أن معظم الأحداث التي بدأت في التصاعد في الجنوب منذ ذلك الوقت ، إنما كانت في معظمها ، ردود فعل على تلك القرارات التي اتخذتها السلطات القومية في الخرطوم حول عطلة الأحد ، وعلى الخطوات الأخرى التي نفذتها السلطات الإدارية في الاستوائية على وجه الخصوص .
فقد أدى تطبيق عطلة الجمعة في الجنوب ، إلى ردود فعل واسعة وعنيفة على امتداد المديريات الجنوبية ، إذ انطلقت الكنائس في كل موقع تطلب من رعاياها مناهضة القرار والوقوف ضدهـ ، كما أخذت في تحريضهم على مغادرة الجنوب إلى خارج الحدود حيث يمكنهم ممارسة أديانهم بحرية ، وأخذت الفعاليات الجنوبية في إبداء تذمرها وسخطها من القرار . وعبرت الفئات المستنيرة والمتعلمة من الجنوبيين عن معارضتها للقرار بصور مختلفة ، بينما عبر المسئولون الإداريون الشماليون عن آرائهم في القرار أيضاً .
فقد عبر مفتش التعليم في المديريات الجنوبية ، السيد سر الختم الخليفة ، عن رأيه في مذكرة رفعها في السابع عشر من فبراير 1960م ، أشار فيها إلى أهمية يوم الأحد بالنسبة للمسيحيين ، ليس باعتبارهـ يوم عطلة ، بل للقدسية التي يتميز بها اليوم في الدين المسيحي . وعبر مدير مشاريع الاستوائية عن رأيه مستندا على معطيات اقتصادية ، موضحا بالأرقام الخسائر التي تتعرض لها المشاريع في حالة تطبيق عطلة الجمعة ونصف يوم الأحد . وعبر عدد من الجنوبيين الموظفين في الحكومة عن معارضتهم أيضاً ، وكان من هؤلاء أقري جادين ، الذي كان حتى ذلك الوقت مساعداً للمفتش بمديرية بحر الغزال ، وماقوت وينفرد ، اليوزباشي السابق بالجيش .
لقد أعطى القرار الهيئات التبشيرية المختلفة في الجنوب أسبابها القوية لمواجهة ومعارضة الحكومة وإجراءاتها . كما أنه منح السياسيين الفرصة المناسبة لدفع حركة معارضتهم في اتجاهـ المناداة بوجوب تحقيق استقلالية سياسية للجنوب في علاقته بالشمال . وبالتالي فقد منح القرار السياسيين والكنيسة الأرضية المشتركة التي وقفوا عليها في معارضتهم لحكم عبود .
ومع تزايد المعارضة من كل جانب لقرار استبدال عطلة الأحد بالجنوب ، صعدت الحكومة رد فعلها على المعارضين لقراراتها . فحذرت السلطات رجال الكنائس رسميا ، وفرضت رقابة أمنية على الموظفين النشطين ، ثم قامت بتقديم بعض القسس السودانيين للمحاكمة .
تطبيق قانون الهيئات التبشيرية ، والاستيلاء على مدارس الكنائس
في إطار ذلك التصعيد ، رأت الحكومة الاتجاهـ نحو الحد الشامل من السيطرة الكنسية في الجنوب . فأصدرت في أغسطس 1960م عدة قرارات تتعلق بالكنائس والقسس ، وتلخصت في الاستيلاء على مدارس الكنائس ، وانتخاب مجلس كنائس سوداني ، و إبعاد المبشرين عن المدارس التي تم الاستيلاء عليها ، والاستغناء عن خدمات الراهبات (السسترات) بوزارة الصحة ، وقفل ورش الكنائس ومستشفياتها .
ثم اتخذت الحكومة عددا آخر من الإجراءات ، فأصدرت قانون تنظيم الهيئات التبشيرية ، والذي لقي إعلاما واسعا في العالم الغربي باعتبارهـ قانونا هدف إلى منع العمل الكنسي وسط المسيحيين . وكان أحد أشهر بنود ذلك القانون هو البند الخاص بمنع الكنائس من تعميد الأطفال إلا بعد استشارة ذويهم ، وبعد ملئ استمارة خاصة أمام موظف حكومي يثبت موافقة ذوي الطفل . كما اشتهر في ذلك القانون بندهـ الخاص بمنع الجمعيات من ممارسة أية نشاط إلا بعد الحصول على إجازة من الحكومة بذلك .
رأت الهيئات التبشيرية العاملة في الجنوب مناوأة القانون بشتى السبل ، فقامت بتنظيم معارضة المواطنين الجنوبيين لقرارات الحكومة المتعلقة بالتبشير . فظهرت عدد من التنظيمات والجمعيات ، والمنشورات السرية معارضة في مدن الجنوب ، بينما قامت الحكومة بتضييق الخناق على الكنائس والقسس وحدت من تحركاتهم على امتداد الجنوب .
الكنائس العالمية وقرارات عبود
لم تصمت منظمات الكنائس العالمية أمام التطورات التي كان يشهدها جنوب السودان فيما يتصل بالعمل المسيحي فيه . فقد أحدثت قرارات عبود المختلفة ردود فعل واسعة على النطاق العالمي . وقد أخذ رد الفعل الكنسي العالمي شكله الأول في صورة الحملة الإعلامية المناهضة لقرارات الحكومة السودانية . فظهرت المقالات الصحفية في كبرى الصحف العالمية تصور ما يجري في الجنوب ، وخاصة قرار استبدال عطلة الأحد ، باعتبارهـ اضطهادا دينيا وعرقيا . وبعد صدور قانون الهيئات التبشيرية نشطت الأقلام المعادية لذلك القانون في الإعلام الغربي عموما والمسيحي على وجه الخصوص .
طرد المبشرين المسيحيين من السودان
وبحلول عام 1964م اتخذت الحكومة أخطر قراراتها في شأن علاقتها بالكنائس على الإطلاق . إذ أعلنت في مارس من عام 1964م ، طرد المبشرين الأجانب من الجنوب وسودنة الكنائس ..
وكانت وزارة الداخلية قد أعدت صحيفة الاتهام للقسس الذين قامت بإبعادهم شملت أنواعاً مختلفة من المارسات والجرائم التي أخذتها عليهم الدولة واعتبرت تلك الممارسات مبرراً للإبعاد . وبالرغم من تلك الاتهامات التي ساقتها مذكرة وزارة الداخلية ، إلا أن قرار إبعاد المبشرين استند ، من بين أسباب أخرى فيما نرى ، على رد الفعل المباشر والغاضب على أحداث محاولة الاستيلاء على مدينة واو في يناير عام 1964م والتي حاول خلالها أحد العسكريين السابقين وابن أحد زعماء الدينكا ، الاستيلاء على المدينة ، حيث اتهم قس كاثوليكي إيطالي بالضلوع في الهجوم على مدينة واو . فقد هزت تلك الحادثة هيبة النظام العسكري وجعلته يحس بخطورة الأدوار التي يمكن أن تلعبها الكنيسة في مسار المشكلة . ونلحظ في المبررات التي ساقتها مذكرة وزارة الداخلية حول طرد المبشرين الأجانب اتهامات واضحة للإرساليات بالعمل السياسي السافر والمضاد للحكومة ، وهو ما يعني أن الدولة قد وضعت هذهـ الهيئات في موضع العدو، وراحت تتعامل معها من ذلك المنطلق . وقد أحدث قرار الطرد ردود فعل أكثر عنفاً على مستوى الحركة الكنسية العالمية ، كما نتج عنه تدهور علاقات حكومة الفريق عبود بالغرب عموماً وبأوروبا الغربية خاصة .
لقد طرد نظام نوفمبر 272 قساً كاثوليكيا ، و28 قسا بروتستنتيا ، وبذلك وضع نفسه في المواجهة المباشرة مع السلطات الكنسية العالمية في أعلى مستوياتهما ، كما عرض نفسه للأعمال الدعائية المضادة من قبل القوى العالمية المساندة للكنائس . وفتح أبواب الدعاية المسيحية والغربية المضادة لحكومة السودان ، إذ نشطت المحافل الكنسية الدولية في اتهام السودان بالسعي إلى فرض الهيمنة الإسلامية العربية في الجنوب .
أما القسس المطرودين ، فإنهم ما لبثوا أن عادوا من النوافذ الخلفية إلى المناطق الحدودية في الدول المجاورة للسودان ، حيث واصلوا نشاطهم المضاد لحكومة السودان وسط اللاجئين .
ومن ثم فإن الجنوب شهد تطورات درامية حادة خلال ذلك العام ، فقد تصاعدت أحداث العنف من كل جانب ، فنشطت الأنيانيا مع دخول عام 1963م ، وتمكنت من إحداث خسائر كبيرة بعملياتها المضادة لقوات الحكومة ، وضد الموظفين الحكوميين ، والمواقع الرسمية المختلفة . وتعرضت القطارات للمهاجمة ، كما نسفت الكباري ، وقطعت الطرق ، وتم اعتراض سبل القوافل (الأطواف) التجارية والحكومية .
وكان من أشهر أعمال تلك الفترة العدائية الهجوم على فشلا في أغسطس عام 1963م ، وهو الهجوم الذي اعتبرهـ البعض فاتحة المقاومة المسلحة من قبل الأنيانيا . ثم جاءت بعدها حادثة الهجوم على واو بقيادة برناندينو، والتي يعتبرها البعض أيضا من العمليات التي أحدثت الصدمة المطلوبة للحكومة المركزية . ومع تزايد أعمال العنف المسلح أخذت المواجهة في الجنوب تتحول تدريجيا إلى ما يمكن اعتبارهـ حرباً أهلية ضحاياها الشماليون والجنوبيون على حد سواء .
وبذلك الاستعار بدأت قضية الجنوب تتحول إلى جرح غائر يكاد أن يعضف بنظام نوفمبر كله .. فلم يجد النظام بداً من الاستنجاد بالآخرين .. كما سنرى في الحلقة القادمة ..