عرض مشاركة واحدة
قديم 28-01-2018, 06:41 PM   #[22]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

الحلقة العشرون

دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة
17 نوفمبر .. سيناريو النهايات
ست ندوات عن الجنوب في الجامعة آخرها ندوة استشهاد القرشي
بقلم : د.محمود قلندر
أنسب بداية لسيناريو نهايات 17 نوفمبر هي تلك الندوة التي نسميها الندوة القاضية ، ندوة ليلة الحادي والعشرين من أكتوبر 1964م وهي الندوة الممنوعة ، التي أقيمت على أنقاض الندوة السابقة التي فضتها الشرطة بالقوة في العاشر من أكتوبر.
وفي الحقيقة ، لم تكن ندوة أكتوبر هي أول الندوات ، بل سبقتها - في سبتمبر- ندوات شارك في بعضها أساتذة الجامعة وطلابها ، ثم تمددت الندوات فيما بعد لتشمل سياسيين ، وانصبت معظمها في مناقشة أسباب وخلفيات المشكلة ، كما تناولت بعضها الجوانب القانونية ، والإدارية ذات الصلة بتطور القضية وتعقدها.
الندوات تدين النظام وتعتبرهـ المشكلة
ورغم أن الندوات أخذت في أولها منحى علمياً جعلها تستحوذ على اهتمام الحكومة حتى أن عضواً في المجلس الأعلى - هو الأميرآلاي المقبول - شهد بعضاً منها ، كما شهدها السيد أحمد محمد يسن ، رئيس لجنة تقصي الحقائق حول مشكلة الجنوب ، إلا أنها سرعان ما انزلقت نحو المناوأة والنقد السياسي ، حتى أن المقبول وجد نفسه في إحداها في وضع حرج اضطر معه إلى الخروج الغاضب . ومن ثم فقد غلب على بقية الندوات طابع الهجوم وإدانة أساليب النظام القمعية ، وتحميل أسلوب المعالجة المسلحة المسؤولية فيما وصل إليه الحال من تصاعد خطير . ومنذ أول أكتوبر، أخذت الندوات مساراً أكثر سياسية وأقل علمية ، فصارت مسارات الحوار في اتجاهـ الحديث عن إستحالة حل المشكلة تحت نظام عسكري ، وكان هناك شبه إجماع على أن النظام العسكري هو أقل الأنظمة قدرة على معالجة قضية ذات بعد ثقافي واجتماعي وسياسي معقد كقضية الجنوب .
من أشهر تلك الندوات ، الندوة التي تحدث فيها الدكتور حسن الترابي ، وكان وقتها حديث العودة من دراساته العليا بفرنسا ، وحديث الصعود إلى مراقي القيادة في تنظيم الإخوان المسلمين . وقد تلخص حديث الترابي في تلك الندوة في أن "حل مشكلة الجنوب إنما يكمن في حل مشكلة الشمال،" ومشكلة الشمال هي في هذا النظام الديكتاتوري العسكري ، ولا حل إلا بزوال النظام العسكري الذي فاقم المشكلة وعقدها بلجوئه إلى القوة المسلحة وحدها .
مع تزايد حدة النقد لنظام نوفمبر في تلك الندوات ، أصدرت وزارة الداخلية ، قراراً بوقف الندوات استناداً على قانون الطوارئ ، بالرغم من أن ندوات جامعة الخرطوم كانت جزء من نشاط لجنة تقصي الحقائق التي كونها المجلس الأعلى نفسه . وكان ذات المجلس قد أقر ما يشبه التجميد لبنود قانون الطوارئ التي تمنع التجمع ، وذلك حتى تتمكن اللجنة من دعوة المواطنين إلى المساهمة برأيهم كما طالب بذلك أمر تأسيسها .
بالرغم من قرار المنع استند طلاب الجامعة على مبدأ استقلال الجامعة وقرروا عقد الندوات في إطار علمي لبحث القضية المشكلة . ومن ثم دعوا لندوة ليلة العاشر من أكتوبر، وهي تلك الندوة التي لم تسمح إدارة الجامعة بعقدها في نادي الطلاب ، فاتجه الطلاب إلى داخليات (البركس) حيث تجمعوا بين داخليتي القاش وكسلا لعقد الندوة ، قبل أن تتدخل الشرطة وتمنعهم من عقدها .
واعتماداً على تقرير وزير الداخلية بالإنابة - أحمد رضا فريد - نستكمل رواية تطور الأحداث التي أدت إلى ندوة ومواجهات ليلة الحادي والعشرين من أكتوبر 1964م .
قال اللواء أحمد رضا فريد :
" في تاريخ لاحق (ليوم 10 أكتوبر 1964م ، ليلة قامت قوات الأمن بفض ندوة البركس بالقوة)، تقدم عشرة من لجنة الطلاب (لجنة حافظ الشيخ) بعريضة لوزارة الداخلية ، كانت كلها هجوماً سافراً وتحد مرير للسلطات (كانت المذكرة هي احتجاج على دخول حرم الجامعة ، وضرب الطلاب ، وأكد إيمان الطلاب بضرورة عودة الديمقراطية) واعتقلت السلطات مقدمي العريضة تحفظاً ولم تقدمهم للمحاكمة . ومنذ ذلك التاريخ خرجت صحف الحائط للمعسكرات والاتجاهات المختلفة ترتكب المخالفات القانونية الواضحة ، وظلت السلطات تراقب عن قرب وصبر هذهـ الأعمال الصبيانية لعل الطلبة يعودون إلى رشدهم ..
بدأ الطلبة التحضير لتحدي الحكومة والقانون (بعقد ندوة جديدة) وكانت السلطات تعلم بأنهم أعدوا العدة للاصطدام بالبوليس ، ففي يوم أمس الأول دعا الطلاب إلى إقامة ليلة لدراسة مشكلة الجنوب ، علماً منهم أن قيام مثل تلك الليلة يمنعه القانون . فلما بدأ الطلبة خاطبهم الضابط المسؤول فأنذرهم بالتفرق ، فلم يزدهم إنذارهـ إلا تحدياً وتحدثوا عن تكميم الأفواهـ وتقييد الحريات ..
ثم قال اللواء :
عند إصرار الطلاب إضطر البوليس إلى إلغاء القنابل المسيلة للدموع فجرى الطلاب إلى داخلياتهم ، ثم عادوا حيث بدءوا في رمي البوليس بالحجارة كما التحم بعضهم مع البوليس مستعملين العصي الغليظة وفروع الأشجار والزجاج الفارغ ، مما أوقع الأذي بثلاثين من رجال البوليس . وكان إصرار الطلبة واضحاً في تحديهم لقوات الأمن تاكيداً لما ذكروهـ وهو دحر رجال الأمن مهما كلفهم الأمر . ظل البوليس يحاول لفترة ساعة كاملة تفريق جماعة كبيرة من الطلبة مسلحة بالعصي الغليظة والحجارة والزجاج مستعملين معهم أقل ما يمكن من قوة إلا أن الطلبة استغلوا هذا الموقف وأحكموا الحلقة على تلك الفئة من الرجال (الشرطة) الذين وجدوا أنفسهم في موقف صعب ، الشيء الذي دعا الضابط المسؤول وهو برتبة حكمدار أن ينذر الطلبة للوقوف عند حدهم"
ثم يسطرد وزير الداخلية بالإنابة :
كرر الضابط عبارات الإنذار بأنه سيطلق النار.. الشيء الذي تسبب في موت طالب وإيقاع الأذي بآخرين حجز بعضهم بالمستشفى . وظل الطلبة يتربصون برجال الأمن ، ويرمون عرباتهم بالحجارة .
ومنذ الصباح الباكر بدأت جموع الطلاب تزحم ساحة المستشفى بالخرطوم متذرعين بتشييع الطالب المتوفي ، ولما سمحوا لهم بذلك استغلوا الموقف وخرجوا في مظاهرات عدائية لم تقف عند حد الهتافات ، بل تعدته إلى أعمال الضرر بالممتلكات والعربات الحكومية ، وامتدت مظاهرات الطلبة إلى العديد من الشوارع والطرقات وكان رائد الطلبة في كل مظاهراتهم إظهار العنف وأعمال التخريب .. وأن قوات الأمن لن تسكت على ذلك .. ولن تتهاون .
كان ذلك هو سردا لأحداث ليلة الحادي والعشرين من أكتوبر من وجهة نظر نظام نوفمبر الذي كان - وقتها - يلفظ أنفاسه الأخيرة .
عشرون من الطلاب جرحى
بلغ عدد الطلاب الجرحى في ليلة المواجهة الدامية عشرين طالبا ، نرى للتاريخ أن نثبتهم هنا : وهم بابكر حسن عبد الحفيظ (وقد استشهد متأثراً بجراحه بعد أيامخالد نجم الدين ، حسن أحمد عجبنا ، جلال الدين عباس ، حسن الوديع السنوسي ، عثمان البلك ، خالد الحاج ، علي إبراهيم أحمد ، حمزة عبد الله كنة ، محمد الحسن محمد سعيد ، النور عبد الخالق ، يس الدسوقي ، محمد فائق يوسف ، محمد الفاتح الطريفي ، الأمين عبد الله ، حمد أحمد المهدي ، عبد العزيز محمد فرج ، سليمان عبد الواحد ، وسهام مصطفى الصاوي .
والشاهد في أمر هذهـ المصادمة ، أنها كانت علامة فارقة في التاريخ السياسي السودانية لسبب أساسي واحد ، وهو أن الطلاب السودانيين لم يتعرضوا للموت ، قبل ذلك التاريخ على أيد سودانية ، فقد كانت حدودهـ المواجهات والصدامات السياسية مع الطلاب ، وغيرهم من القوى في أقصى حالاتها ، قنابل الدموع وعصي الخيزران ..
لم يعرف طلاب السودان العنف المفضي إلى الموت إلا على يد نوفمبر ....
التصعيد والتشييع وميلاد جبهة الهيئات
كان يوم الثاني والعشرين من أكتوبر هو يوم تشييع جثمان الشهيد أحمد القرشي طه ، إبن القراصة الذي آل إخوانه وزملاؤهـ وأساتذته على أن يجعلوهـ رمزاً لمقاومتهم للسلطة العسكرية . ولم يكن الطلاب وحدهم هناك ، بل كانت جموع الشعب من كل حدب وصوب ..
جاءت الأحزاب السياسية بكبارها إلى ميدان عبد المنعم ، فكان هناك الهادي المهدي ، ومحمد عثمان الميرغني ، واسماعيل الأزهري ، والصادق المهدي - الذي صلى على جثمان القرشي ، وأحمد المهدي ، ومحمد احمد محجوب ومبارك زروق ، وغيرهم من أقطاب الأحزاب . بعد الصلاة على القرشي الشهيد .. علت هتافات الطلاب والمواطنين ضد النظام .. وبدأت الجماهير تجوب الطرقات مع الطلاب تهتف ضد النظام .. ووجدت الجماهير نفسها وهي تسيطر على شوارع الخرطوم بينما وقفت قوات الأمن بعيداً حتى لا تتكرر مأساة الليلة الماضية .
وكانت تلك هي بدايات التكوين لتنظيم المقاومة الجماهيري غير المرتبط بالأحزاب .. والمكون من فئات الطلاب والأساتذة والمحامين والمهنيين الآخرين . وقد انتظم هذا الجمع بعد ذلك بقليل في دار أساتذة الجامعة .. مؤذناً بميلاد تنظيم جبهة الهيئات .
التنظيم الذي تقدم الخطى على طريق تفكيك نوفمبر ..




التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس