الموضوع: مجرد ذكريات
عرض مشاركة واحدة
قديم 10-09-2020, 10:35 AM   #[3]
imported_عبدالله الشقليني
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عايد عبد الحفيظ مشاهدة المشاركة
كتب الأستاذ عبد العزيز محمد عطيةفى صفحة مجرد ذكريات بالفيس بوك
ذكريات

فى حضرة على المك وسوق العناقريب بالموردة (1)

"والحكمة كونك بخيل وأهلك أربيب الندى

ما عندي مانع حتى لو ضيعني ساكن الموردة"

جلس على المك ذات صباح خريفى على رزاز المطر المتناثر فى فسحة المكان تحت شجرة لبخ وسط سوق العناقريب بالموردة؛ بعد أن توقفت السماء عن الهطول وأنحسرت على طل خفيف لا يزال يداعب نسمات الصباح بين ملامح الناس التى تشاطر ظلال الأشجار الجاسية وسط السوق وقد أتخذت الحاجة الجاز عوض الكريم متكأ لها منذ مخاض المدينة وسط أهلها وعشريتها؛ فكانت الشجرة تعرف بها شجرة الجاز بت عوض الكريم؛ حيث يتحكر جذعها المنتفخ اسفل مؤخرتها المغروسة منذ أكثر من مئة عام فى وسط السوق القديم وبأغصانها المتدليه والتى تنحني من أعلى هامتها تكاد تلامس الارض كأنها ترد جميل الوفاء لرحم الارض التى أنجبتها؛ وقد أتخذت الحاجة الجاز من ضل تلك الشجرة ملاذا يوميا للقاء أصدقائها وزبائنها فى بيع السمن البلدي والمصنوعات اليدوية من السعف والفخار؛ وهي تتوسط (عنقريبه) المتين المصنوع من بقابا خشب السنط لصناعية المراكب أسفل البحر وتحت خور أبوعنجة؛ وقد تم إعادة نسجه عُدة مرات.

كان يقابل مجلسها من جهة الصعيد دكان ود البخيت العجلاتي ومن جهة السفلي دكان الخياط البشير العمرابي؛ جلس على المك متصفح وجوه المارة أمامه كالعادة بالقرب من الحاجة الجاز يرد التحية بإبتسامته العذبة؛ جالسا مرة ومنتصب القامة مرات عديدة؛ متحمسا للقاء العابرين من رواد السوق الذين يحفظ أسماءهم وتاريخ ميلادهم وأقاربهم وأصهارهم وحتى جيرانهم فى حي الموردة القديم والسوق؛ بل فى كل ارجاء أمدرمان من زريبة العيش والعرضة شمال وجنوب وبانت وود المكي الى المزالك لابروف وبيت المال والملازمبن وودرو وودنوباوي وحى الأمراء وحي الإستبالية وحى الضابط وحى البوسطة والمحطة الوسطى وقهاوي امدرمان القديمة والهنود اسفل سينماء الوطنية.

كان على المك يجلس بالساعات الطويلة يزجي لحاجة الجاز بعبقريته الفزة لشحذ ذاكرتها الغنية باسرار المدينة وتفاصيل شعراءها واغاني الحقيبة وذكريات رجال الموردة وفاتناتها قبل أكثر من سبعين عاما؛ كان الوقت خريف صباحي يضج بالحياة ويزجي الرغبة فى نشوة الذكري بين منحنيات العمر والحياة التى تمتزج بروعة ودفء المكان والناس؛ لا يكاد على المك أن يترك سانحة حتى يدركها بين الحنين الى زمن سوق العنقاريب وسط الموردة لكى يجد له متكأ هناك؛ حين تشعل الحاجة الجاز سجارتها (البينسون) الخصيص وهي ترتشف أول رشفة من فنجان القهوة أمامها بعد أن تجذب طرف ثويها التوتل بلونه البصلي فوق راسها بعد أن إنحسر ما بين صدرها وعجزها أستعدادا لطقوس القهوة فى صحبة على المك لإستعادت الذكريات بينهم.

سنحة الفرصة لعلى المك فى الذكريات للشاعر عبدالرحمن الريح* وقد صدحت فى التو أغنيته من دكان العجلاتي من الراديو الموضوع فى أعلى الرف خارج الدكان

ياحرام عليك يا جميل ما بيصح ليك تعمل كده

أنا بي محاسنك افتخر؛ وأنت المحاسن سيدها

البدر لو شافك يذوب من الأنوار الجيدة

أما الشمس لو شافتك ترجع اسيرة مقيدة

وأقول حبيبي عمل عدوني وخلاني لى الأذى والردى

خليتنى اشكو من الفراق وأقول حقائق مفردة

وأنا من غيرك حياتي منكده ما حرام علبك

والحكمة كونك بخيل وأهلك أربيب الندى

ما عندي مانع حتى لو ضيعنى ساكن الموردة

ويطلق على المك ضحتكه الفاخرة بصوته الجهوري يترنح وسط أهازيج الكلمات كأنا به سكرُ تملكه الأن ؛ أوكالمجذوب وسط حلقة النوبة والطبل وقد تحلق وذاب فى الوجد بإرتعاشة من أعلى راسه الى أسفل قدميه ...

وظل يردد كلمات الأغنية ...

ما عندي مانع حتى لو ضيعني ساكن الموردة

وقد تذكر الشاعر والمناسبة لتلك الأغنية للصبية يافعة من حي الموردة التى كانت تصد نظرات الشاعر عنها بمزيد من الجفاء وقد بخلت حتى بنظرة عابرة يسترقها بين نفاج البيوت

والحكمة كونك بخيل وأهلك أربيب الندى

ما عندي مانع حتى لو ضيعني ساكن الموردة

كفكف على المك بقايا دموع سالت رغم عنه فى نشوة اللحظات المفعمة بالحنبن لذكريات الشعراء وحكايات الصبى الاولى؛ وقد إنحسر وتحسر الزمن بين طيات العمر الذى ظل حبيس الدروب بين أحياء وازقة امدرمان القديمة.

-----------------------

* الشاعر عبدالرحمن الريح

وليد بين سنوات 1915؛ او ربما 1918 ؛ وربما 1922 بمدينة أمدرمان فى "حي العرب"

له ديوان منشور (الروائع الحبيبة فى أغاني الحقيبة) 1971

له مخطوطات لم تنشر فى أدب المديح وبعض الأشعار

توفي فى امبده 28 ابريل 1991

--------------------------------------

ونواصل أن شاء الله فى حضرة على المك

حبيبنا الأكرم عايد
تحياتي وشكري لكل ما تكتبه.
تذكرت بروفيسور علي المك
كان على رأس دار جامعة الخرطوم للطباعة والنشر. وكان الراحل من مؤسسي برنامج ( فرسان في الميدان) على تلفزيون السودان . وكان مؤسس القناة الثانية في الإذاعة السودانية ، وكانت ليلا مكنوزة بصفحات الشعر والأدب . وكان في سبعينات القرن الماضي مراسلا لمجلة الدوحة القطرية الثقافية الملونة ومعظم محرريها من السودانيين. فهو قاص وكاتب له العديد من الكتب والمقالات والندوات ومؤسس قسم الترجمة والتعريب بآداب جامعة الخرطوم وغيرهم كثر...
*
كتب الشاعر عبدالقادر الكتيابي قصيدة قال في مقدمتها
أحـار لكيف تنحسـر البحـار
وكيف تطامن القمــم الكبار
وكيف تطـيق أم درمان حزنا
عليك وحـزن أم درمان نار
مـنابرها ومـلعبهـا وحـتى
مقـابرها ســرى فيها الأوار
غداة رحلت يا بن المـك باتت
كواكبها يضـيق بها المـدار
مجلات واللقاءات .
*
رثاه الشاعر محجوب شريف بقصيدة لحنها وغناها دكتور حمزة سليمان


[rams]https://www.youtube.com/watch?v=aTcC2P13Rbw&list=RDaTcC2P13Rbw&start_radio =1[/rams]



التوقيع: من هُنا يبدأ العالم الجميل
imported_عبدالله الشقليني غير متصل   رد مع اقتباس