عرض مشاركة واحدة
قديم 29-11-2024, 01:08 AM   #[8]
عايد عبد الحفيظ
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

القوة والضعف فى شخوص الطيب صالح الروائية
(5)
سعيد البوم

سعيد عشا البايتات
(3)

كان صوت سعيد البوم كما سمعه محيميد في تلك الساعة ، وهو بين النائم واليقظان ، كأنه مغناطيس ، قد علق به غبار الأحلام الموؤودة ، فاتخذ أعماقاً وأبعاداً ليست له . لم يكن كما سمعه أول مرة، ذلك الصوت الأخرق الضعيف .

سعيد عشا البايتات
وفجأة في غمرة المرح تلك قال :
يا جماعة في سر عاوز أقوله ليكم. ما قلته لجنس إنسان .
حصل على انتباههم بعد مشقة .

فقال :
الشتاء الفات في أمشير الدنيا برد وهبوب بين العشا والفجر .
ما تقولوا حلم ، أبدا .
شوف عيان زي ما أنا شايفكم هالساعه .
وحياة خوتكم يا اخوان ، أنا صاحي والفانوس موقد ، متغطي بتلاتة بطاطين والريح بره تصرخ الله واني واني واني الشبابيك مقفوله والباب مقفول بسم الرحمن الرحيم . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .
وقف فوق راسي .
قال لي بنهره «قوم» .
شيخنا الحنين اللهم ارضى عنه .
وقت الخوف راح مني ، عاينت له زين.، يا هو ذاته ذاته لابس عبايته وشاله فوق كتفه وابريقه ال ما يغباني في إيده .
قال لي قوم ، قلت له على وين يا شيخنا؟
قال لي امش القلعه قلت له الخرابات؟
قال لي ما ها خرابات . امش القلعه تلقى قصر .
قلت له قصر منو ؟
قال لي قصر بندرشاه ، قلت له بندر شاه يبقى منو؟
قال لي واحد من سلاطين الدنيا الزائله زمان زمان كان موجود كان عنده أملاك وأطيان ما ليها أول ولا آخر أراضيه كانت الخيل تمرح فيها ما تصل حدها .
تمره وعيشه وقمحه كان يغلبوا في لمه .
كان عنده ولد واحد وحداشر عبد . امش القصر فوق القلعه تلقى باب مفتوح ادخله وامشي لحد ما تدخل دیوان تلقی بندر شاه وولده ينتظروك. عندهم أمانة على شانك .

لا تسلم عليهم. ، لا تتكلم معاهم. ، لا تتلفت يمين ولا شمال .
أدخل استلم الأمانه وامرق ، الحذر ثم الحذر تقول بم ولا بقم .
تدخل دار الهلاك وال يكوسك ما يلقاك. الأمانة مال مالك حلالك بندر شاه ظن نفسه يرث الأرض ومن عليها. الأرض أرضك وأرض الضعفاء
بعدك . قوم. قوم .

يا زول مشيت القلعه لقيت زي ما وصف لي شيخنا للحنين. قصر وين وين إني آمنت بالله منور تقول بابور بحر وحس غناء ورقيص وضحك . مشيت لا اتلفت شمال ولا يمين وزي كأن بنات يجرني لي جاي ولي جاي. الديوان لا شك كان مليان ،نسوان، ما اتلفت ولا عاينت لكين الريحة ضاربة محلب وصندل ما تغباني .

لقيتهم الإتنين جالسين جلسة قدرة الله كأنه ملك ومعاه وزير الراجل الكبير قال لي أهلاً وسهلاً ومرحباً . أهلاً بابننا عشا البايتات ، إجلس اشرب واطرب ما رديت عليه مديت إيدي وعقلي يحضر ويغيب . الولد الصغير نطق قال انطق بالكلام. رد علينا السلام .
عليك أمان الله ، قربت اتكلم لكين ستر رب العباد . سكت ساكت .

الراجل الكبير صفق بإيديه ، جات بنيه زي الحورية ....................
آخ آخ يا اخوان من وقدة النيران . شفت بي عيني سكة النجاة وسكة الهلاك . ولولا عناية الله كنت رحت في ستين داهية وما هماني .
اتعوذت في سري من الشيطان الرجيم وقلت يا منجي، ومديت إيدي صم بكم زي ما وصاني شيخنا الحنين .
وقف الولد الصغير وضرب رجله بي زعل ونهر البت مشت في حال سبيلها .، الراجل الكبير ضحك وقال له لا تغضب يا مریود .
دا وارث وطالب حق ، سلمه الأمانة وخليه ينصرف بلا شر .

الولد سلمني صرة أخدتها ومرقت زي ما دخلت لا سلام ولا كلام ولا بم ولا يفتم. وقت فت لقيت نفسي عند الجامع ، بردان وعرقان أبكي زي الناقة على الفصيل .

كان الفجر قرب يطلع ما فتحت الصرة ولا عاينت فيها ، حطيتها عند المحراب .
طلعت الميدنة وأنا أبكي ما أعرف على إيش ولأيش؟ من الحزن ولا من السرور ؟
فريت الأذان يا اخوان ، طلع الصوت ما هو صوتي .
صوت مليان بالأحزان .
ناديت فوق البيوت .
ناديت للسواقي والشجر .
ناديت للرمال والقبور والغياب والحضور .
ناديت للضالين والمهزومين والمكسورين ، للصاحين وللسكرانين .
ناديت للنصارى والمسلمين .
ناديت الله أكبر الله أكبر وأنا أبكي وأنوح .
ما أدري أبكي على ال لقيته ولاً على الراح مني .

آخ آخ يا جماعة على تلك الليلة . سمعت بأداني هبوب أمشير تردد أذاني ، زي كأني أنا سعيد الكحيان التعبان ، بندر شاه زماني ، أقول لأهل الدنيا والآخرة
حي على الهلاك، حي على النجاح . حي على الضلال ، حي على الفلاح . حسيت وأنا فوق ميدنة الجامع عند الفجر ، كأن الملايكة والشياطين ، قالوا بصوت واحد آمین آمین ، نزلت وجدت الجامع مليان بشر .

ناس ما دخلوا الجامع من قبل . زي كأن البلد كلها اجتمعت في المسجد عند الفجر . كنت عارف يا اخوان أنهم كلهم حضروا لأنهم سمعوا الصوت ناداهم المنادي بلساني .
كان في شي عجيب داك الفجر .

أقيمت الصلاة وأنا دموعي نازله شل شل الإمام قرأ سورة الضحى سمعت بكاء عبدالحفيظ وبعدين سيف الدين وبعدين محجوب ومحيميد، وأنا أبكي معاهم وأجرهم ورائي لحد ما كل المصلين بكوا الدمع السخين في داك الفجر ، لأيش وعلى أيش؟ آخ آخ .

وكان عند الشباك اليسار راجل غريب ليه علاقة بكل ما جرى ودار يختفي ويبين لحد ما الناس قالوا عليكم السلام .
اختفى ولا ،خبر ولا أثر ومحيميد المسكين يصرخ بطول الحس ، يقول
الشخص الكان هنا راح وين ؟

في البيت ضويت المصباح قبل ما يبين ضو الصباح .
فتحت الصره لقيت أشكال وألوان ، كأنها كنوز الملك سليمان .
جلت قدرة الله ، قلبتها في إيدي بدون أي بهجه ولا انشراح كأني اقلب في رماد .
رميتها في مكان في البيت ما أدري وين ، ونمت النهار بطوله نوم كأنه نوم الأموات .
صحيت من النوم وأنا أبكي الدموع الغزار، ما أعرف لأيش وعلى أيش .

كان في صوت سعيد وهو يقص تلك القصة شيء حرك شجون أولئك الرجال فأخلدوا إلى صمت غریق ممتد ، قطعه أخيراً صوت عبد الحفيظ وهو يقول :
الله حي .

وخيم الصمت من جديد، وتنهد محجوب وسعيد وأحمد. وفجأة ضحك ود الرواسي مقهقها وقال :
يا زول ، عليك أمان الله كلام أضغاث أحلام تضحك على دقوننا يا عشا البايتات بي كلام زي حجى الزمن السالف؟
يظهر طلوع الميدنة في الفجر لخبط مخك .
باكر تجي تقول لنا إنك نبي الله الخضر ولا المهدي المنتظر .
حينئذ ضحكوا جميعاً ما عدا محيميد ، وقال أحمد إسماعيل الملقب بأبو البنات :
دا کلام سكر . لازم عشا البايتات كان شالع .
قسم الواحد يشرب قزازة العرقي يبقى زي اسمه منو دا؟ شهبندر
ولا بندر شاه .
لم يعترض سعيد، ولم يزد على أن قال :
آخ ثم آخ ثم آخ» .

محيميد هو الوحيد الذي اعتقد بتأثير الضوء الغامر في تلك الليلة ، ان سعيد عشا البايتات قد رأى وسمع . وإذا كان حلماً، فإنه سيربو مثل طوفان حتى يغرق البلد كلها .

وقال عبد الحفيظ :
الفجر قرب يطلع . يالله يا عشا البايتات، قوم إذن .

طفا سعيد من صمته مسروراً منشرح الصدر، وقال لهم في تلك الحالة :
إيه رأيكم نقوم كلنا نحضر صلاة الفجر وأصله اليوم يوم جمعة . بعد الصلاة كلكم معزومين فطور عندي في ديوان جناب الناظر . عندي حمل عديل ندبحه ونتبسط عليه .

أول من قبل الدعوة أحمد الذي قال :
إذا كان صلاة بعدها خروف ما في مانع .
رفض الطاهر ود الرواسي، ورفض سعيد ورفض محيميد ولكن محجوب قال فجأة :
والله كلام عشا البايتات معقول . منها صلاة ومنها عزومة . يالله يا جماعه .

كان صوته مثل تلك الأيام، حين كان ريس المركب يأمر وهم ينفذون ، في تلك اللحظة التأم شملهم كما لم يحدث من زمان طويل .
لذلك قال الطاهر الرواسي، وهم
يتحركون في قبس الفجر، بين النور والظلام :
رحمة الله عليك يا ود الريس .
قاموا وساروا وراء سعيد عشا البايتات ، وهم ذاهبون إلى الصلاة ، كمن يسير إلى وليمة .



التوقيع: وانا . . من انا يا سيدى
سوى
واحد من جنودك يا سيدى
خبزه . .خبز ضيق
ماؤه . . بل ريق
والممات بعينيه . . كالمولد
واحد من جنودك يا . . سيدى
يركع الان ينشد جوهرة
تتخبأ فى الوحل
او قمرا فى البحيرات
او فرسا فى الغمام
امل دنقل
عايد عبد الحفيظ غير متصل   رد مع اقتباس