نعود مرة أخرى (للحاء) الأولى التي ذكرها الأخ طارق
وهنا سنطوف قليلاً مع (ابن حزم) وكتابه المشهور (طوق الحمامة في الألفة والأُلاف ) وهو كما ذكرت كتاب يتناول عاطفة الحب الإنسانية بأسلوب تحليلي ودراسي بليغ وشيّق لأخبار وأشعار وقصص المحبين.
جاء هذا الكتاب في ثلاثين باباً تناول ماهيّة الحب وأصوله وعلاماته وغير ذلك الكثير والكثير.
أقتطف منه هنا إحدى القصص التي يحّدثنا بها ( إبن حزم ) وبطريقة مختصرة وقد جاءت في باب ( من أحب من نظرة واحدة ) ...
حدثني صاحبنا أبو بكر محمد بن أحمد بن إسحاق عن ثقة أخبره ،و أظنه القاضي ابن الحذاء،أن يوسف بن هارون الشاعر المعروف بالرماديّ،كان مجتازا عند باب العطارين بقرطبة ، و هذا الموضع كان مجتمع النساء ، فرأى جارية أخذت بمجامع قلبه ، و تخلل حبها جميع أعضائه ، فجعل يتبعها و هي ناهضة نحو القنطرة (جسر قديم على الوادي الكبير). فجازتها إلى الموضع المعروف بالربض ، فلما صارت بين رياض بني مروان – رحمهم الله – المبنية على قبورهم في مقبرة الربض ، خلف النهر ، نظرت منه منفردا عن الناس ، لا همة له غيرها ، فانصرفت إليه فقالت له : مالك تمشي ورائي ؟ فأخبرها بعظيم بليته بها.قالت له : دع عنك هذا. فقال : إني أقنع بالنظر. ثم سألها: ياسيدتي : أحرة أم مملوكة ؟ قالت : مملوكة ، قال : و لمن أنت فقالت له : علمك و الله بما في السماء السابعة أقرب إليك مما سألت عنه ، فدع المحال...ثم قالت: إما أن تنهض أنت و إما أنهض أنا ؟ فقال لها : انهضي في حفظ الله . فنهضت نحو القنطرة و لم يمكنه اتباعها لأنها كانت تلتفت نحوه لترى أيسايرها أم لا. فلما تجاوزت باب القنطرة أتى يقفوها فلم يقع على مسألة.
قال أبو عمرو ، و هو يوسف بن هارون : فو الله لقد لازمت باب العطارين و الربض من ذلك الوقت إلى الآن ، فما وقعت لها على خبر. و لا أدري أسماء أم أرض بلعتها ، و إن في قلبي منها لأحر من الجمر. و هي التي يتغزل بها في أشعاره.
ثم وقع بعد ذلك على خبرها بعد رحيله في سببها إلى سرقسطة في قصة طويلة ، و مثل ذلك كثير.
[align=center] وفي ذلك أنشد :
عيني جنت في فؤادي لوعة الفكر.... فأرسل الدمع مقتصا من البصر
فكيف تبصـر فعل الدمع منتصفا .... منها بإغراقها فــي دمعها الدرر
لم ألقها قبل إبصــاري فأعرفها .... و آخر العهد منها ســـاعة النظر[/align]
|