عرض مشاركة واحدة
قديم 24-05-2009, 03:22 PM   #[19]
آدم صيام
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية آدم صيام
 
افتراضي


(09)


هبط المسافرون من الشاحنة وقد أعياهم الخدر حاملين ما خف من أمتعتهم فافترشوا الرمال بعد أن اجتاحتهم سحب الحزن من ما تناقل إليهم من أخبار المسافرين السابقين والمصائر التي لاقوها ساعة أن هجم عليهم متمردو الطوارق من أعلى الجبل وهم محصورون أدنى الوادي فأمطروهم بوابل نيرانهم وأعملوا فيهم تقتيلاً وسلباً . لم يبدد سحائب ذاك الحزن إلا انشغال المسافرين ببعض شؤونهم، فبعضهم ذهب لقضاء حاجته والبعض الآخر شرع يطهو له طعاماً بقليل من الماء النادر أما أواني الطبخ فإن رمال الصحراء كفيلة بتطهيرها وأيما تطهير.

إذ القوم منشغلون بما لديهم يهبط علينا أفراد من شباب قبيلة البررو( أم برروا) منسلين من فجاج الصحراء كالنبت الشيطاني وهم طوال الجسوم شعورهم مسترسلة مضفورة ومرصعة بحبيبات الخرز، أما عيونهم مكحلة بالكحل تزين معاصمهم ورقابعهم حلي النساء، إذن انقلبت مفاهيم الصحراء في تمييز الرجال من النساء! ترك شباب البررو أبقارهم على مقربة منهم وعلى رؤوسها العصي الطوال أم أجسامها ملساء كما تبدو عليها القصر. وقد أشارت كتب التاريخ أن الموطن الأصلي لقبائل البررو هو جبال القوقاز في أواسط آسيا. البررو يعبدون الشيطان ويقدسون البقر ويتجولن في محيط السافنا على طول قارة أفريقيا.
عرض علينا شباب البررو بضاعتهم المتمثلة في بعض عروق الأشجار التي تسمى قنج وزعموا أن الرجل إذا تناولها ولا سيما مع الشواء فإنه يصاب بالإنعاظ لدرجة التحجر وإذا لم يمارس الجنس آكله فلا محالة لابد له من فصد عضوه عدة فصدات حتى تخرج كتل الدماء المتحجرة، عندما سمع المسافرون تلك الوصفة أصيب بعضهم بالانتصاب والبعض الآخر بدأ يقلب في عواقب تلك الوصفة. كما زعمت مجموعة أخرى من شباب البررو أنهم يقرأون الحظ ويتنبأون بالمستقبل، و أن لهم جذور أشجار سموها عروق المحبة تجلب إليك الحبيب أينما تكون بمجرد ذكره أو تخيل صورته! لم يتبق لهم إلا أن يعرضوا لنا عروق ( لاتموت إلا إذا أجلك تم)
في ذلك المكان لحق بنا مالك الشاحنة على سيارته ذات الدفع الرباعي وإطلع على الموقف الأمني الذي ينبغي التقيد به حتى يتمم الله الرحلة بسلام. في المساء بعدما اطمأن على الخطوات الاحترازية الأمنية انطلق بسيارته غير ما بعيد في الوادي فإذا بعيون زرقاء تعكس أنوار السيارة فعلم أنها غزال فعاجلها حتى دهسها فسقطت تحت إطارات السيارة فأسرع إليها وقضى على حياتها بمديته الطويلة، سال منها دم شحيح أقرب إلى السواد وذلك لاعتمادها في غذائها على جذور الشجيرات. حملوها إلى قرب الشاحنة وبدأ القوم في إعداد حفل شواء لم يسمع به ساكنو الصحراء من قبل . أحد الرجال أكد على أن عمر الغزال تجاوز التسع سنوات وكان برهانه عدد الحلقات التي تطوق قرون الغزال وعندما عددناها وجدناها كما قال، وهكذا تحتفظ الطبيعة بدقة تسجيل تواريخها حتى ولو داخل قرونها وجيناتها. انتهى القوم إلى مضاجعهم بعد حفل الشواء الذي كان عشاءً ذا صيت.

في الصباح الباكر تجمعت أرتال الشاحنات مؤلفة قافلة تتقدم من أمامها وخلفها سيارات الجيش الممشوقة المدافع ثم انطلقنا إلى الوادي المخيف وعندما مررنا على ذلك المجرى أطلق الجنود عيارات نارية خوفاً و إنذاراً حتى أدركنا موضع أحداث الشاحنة المنهوبة فوقفنا على أثار الدمار من ملابس بالية وعلامات أخرى ثم تجاوزنا الممر بسلام وعلى مرمى من البصر وادي الحنظل.
أسرعنا العدو حتى لاحت لنا مشارف مدينة أقديز فارتسمت على محيا القوم علامات الفرح والنصر وكأنما وصلنا إلى ديار أحبتنا وأهلنا الذين فارقناهم منذ زمن طويل.

كانت (1992) مدينة أقديز التي تتوسط الصحراء مبنية من أكوام القش والعشش أما دور الحكومة فمبنية باللبن، ورغم أنها المدينة الثالثة في دولة النيجر إلى أنها تفتقر لمياه الحياة صالحها وطالحها وتنعدم فيها الإنارة والطرق والسيارات.
ألح علي بعض الرفاق بمرافقتهم إلى سكن أحد شيوخ قبيلتهم في تلك البلدة وأكدوا أنه سيسر بزيارتي، فذهبت معهم واستقبلنا الشيخ بالذبائح والموائد وقضوا ليلتهم يدوكون الأخبار بلغتهم غير العربية.

فاتني في معرض سفرنا أن أذكر أنه يكاد في أي منعطف من أرض النيجر يتلقفنا موظفو الشرطة بزيهم غير الرسمي يختمون على جوازات سفرنا ختماً باللون الأحمر بعد أن ندفع لكل ختم مبلغ خمسين ريالاً فرنكياً ( فرنك سيفا) لدرجة أن جوازي شكا من كثرة التأشيرات التي بلغت في غدوي ورواحي 15 ختماً .




رجل من البررو Bororo



التعديل الأخير تم بواسطة آدم صيام ; 07-07-2009 الساعة 08:35 AM.
آدم صيام غير متصل   رد مع اقتباس