عرض مشاركة واحدة
قديم 04-07-2009, 03:11 PM   #[23]
آدم صيام
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية آدم صيام
 
افتراضي

هممت بطرق الباب إلى أن أحدهم دلف إلى الداخل فأتبعناه. من بالداخل لا يرد ولا يستجيب، جسنا فضاء المنزل المؤلف من عدة أكواخ فخرجت امرأة في الثلاثينيات من عمرها، سلمنا عليها ، تنحى رفاقي جانباً وتركوني والمرأة التي بزعمهم سودانية دعتني إلى داخل عشتها وذهبت لجلب الماء. تفرست في ملامحها إذ لا تختلف شيئاً عن السودانيات، من الحناء إلى فصدتين صغيرتين على جانبي صدغيها ولهجة بدو السودان، بيت بسيط ومنظم ، ملابسها من جنس الشفون السوداني حيث أن نساء النيجر وتشاد يكثرن من لبس المزركش متعدد الألون وفاقعها.
أين السودانية التي يزعمون؟
جاءتني المرأة تحمل كوباً من الماء ، وبعد أن شكرتها سألتها :
إنت من وين في السودان؟
نفت بهز رأسها أنها ليست من السودان وإنما من سنتر آفريك، وقد هاجر جدودها قبل زمن بعيد إلى تلك البلاد من السودان، إلا أن سكان النيجر يطلقون على كل قادم من الشرق تكروني!!!
( الشرق تكروني)!
لم أتوقف كثيراً في كلمة (تكروني) إلا أني حزمت أطراف نفسي ويممت خارجاً مشيراً لها بالوداع إشارة.
قابلني الرفاق متسائلين، قلت لهم إنها تكرونية فحسب.

في طريق عودتنا مررنا بلافتات زاهية بصورة الزرافة قال الرفاق إنها حانات على الطريقة الفرنسية، فتيات متبجحات في تنانير قصيرة وموسيقى أفريقية صنفوها الجالوة تنبعث منها، أرجعتني صورة الزرافة إلى صورة البيرة أبوجمل في السودان تختلف الجعة والرمز الطويل واحد.
في اليوم الثالث ودعني الرفاق عند محطة الحافلات وداعاً قلما أنساه من نفر جمعتني بهم الصحراء ، مصداقاً لمقولة العالم عبدالله الطيب: ومازال أخو الصحراء يتلفت بقلبه...) وقد تلفت حتى لويت ليتاً وأخدعا
ودعوني كأنما بدأت عشرتنا منذ الطفولة.
ولضم درمان مع السلامة
ولضم درمان الله يحفظك
لا يوجد في هذا الوداع دموع إنما عرى صادقة صقلتها التجربة وصدق الرجولة.
تركوني في المحطة وعيني على المدينة التالية – زيندر- ومن ثم التوجه إلى حدود نيجريا ذهاباً إلى مدينة تقبع شرقها تسمى مايدوغري حيث الجامعة التي أجد في طلبها.

تفرست في ركاب الحافلة علي اصطاد أحد الرفاق للرحلة القادمة ، لم أعثر على أي فرد يتكلم اللغة العربية ولا حتى اللغة الإنجليزية، إنما يمزجون لغة الهوسا باللغة الفرنسية كأنما الفرانكفونية من بنات أفكارهم لاغير.

رجعت أدراجي أتجول داخل ممرات ودهاليز نفسي لعلي آتي بقبس من ذكريات أعالج بها طول الرحلة القادمة، إذ طاف بي لفظ ( ولد أم درمان) الذي ساقني إلى عام 1967 حيث وصولي لأول مرة إلى أم درمان وأنا ابن ست سنوات مرافق لوالدي الضرير الذي فقد إحدى عينيه في مزرعته بقرية الكويك جنوب النيل الأبيض وهو يجتهد ليجتث شجرة في قلب المزرعة تجمعت الطيور والبغاث لحصدها قبل أن يجمعها، فإذا بعينه الثانية تلحق بها ليصبح ضريراً كاملاً.
جئت ووالدي إلى أم درمان من القضارف التي روج تجار الأساطير آنذاك أن بمدينة القضارف بئر يستشفى بها كل مريض، فتجمع حولها خلق من كل بقاع السودان والدول المجاورة: الكسيح والأعرج والأعمى المجزوم الأبرص لم يسبق ليسوع عليه السلام توافد لفيف من المرضى كهذا عليه.



آدم صيام غير متصل   رد مع اقتباس