الأستاذ درويش (3)
[align=center]خلاصات شخصية من وحي قراءآتي و تأملاتي (3 من 3) الجزء الأول...[/align]
إذا أردنا أن نكتب دورة حياة مبسطة للوصول للمعرفة الحسية نقول اولاً بوجود مؤثر خارجي تستقبل تأثيرَة مستقبلاتٌ حسية متخصصة في جسم الإنسان Receptors تقوم بدورها بمناولة إشارات المحتوى الحسي إلى النواقل العصبية وهي مجرد وسائط نقل لا غير...هذه النواقل قد تفرغ حمولتها الأساسية لدى مراكز إدراك أولية في النخاع الشوكي لها عُقيلات "تصغير عقل" بدائية مصممة لنوع محدد من الأفعال الإرتدادية Reflexes إذا كانت الإستجابة الفورية هي المطلوب بعيداً عن مماحكات العقل المتريث بطبعه "مثال اليد والنار اعلاه" , وهذا نوع من أنواع التفويض الإداري من المستوى الأعلى "المخ" لمستوى أدني "النخاع الشوكي"للحصول على الإستجابة الأعجل في الظرف الطارئ ...أما الغالبية العظمى من المحتويات الحسية فتنقلها الحوامل العصبية لمركز الإحساس في قشرة المخ وهي الجزء الواعي من العقل...
أول العمليات التي يقوم بها المخ هى "التصور الذهني" للمؤثر الخارجي وهذا التصور هو عبارة عن صورة هلامية وكأنها صورة غير مضبوطة الألوان والسطوع والأبعاد...هذا التصور يتم معالجته بواسطة المخ ليتكّثف مكوناً "الإدراك" تتضح فيه بعض المعالم العامة في صورة أضبط من التصور...ثم يعكف المخ على المدركات المعالَجة فيصب عليها عمليته التفاعلية المعروفة بالتفكير مستخدماً أسلوب التجميع بين كل التنبيهات الحسية وتصوراتها و إدراكاتها الواردة من كل نوع عصب حسي وتنظيمها والمقارنات بين بعضها ومضاهاتها بالخبرات المخزونة سابقاً بغرض الوصول إلى فهمٍ للمدركات نسميه "المعرفة"...إذن فالمعرفة هي الخلاصة من تكوين التصورات وتكثيفها كإدراكات ومن ثم معالجتها بالتفكير لينفتح باب المعرفة.. ولذلك فالإنسان من خلال مراكمة هذه التصورات والإدراكات قد أنتج معارفه..
والمعرفة في حد ذاتها هي البوابة الرئيسية للوصول إلى "العلم" وليست هي إلا مقدمة له...ومعالجة المعارف المتواترة تؤدي للعلم الذي يعني الإحاطة التامة بالمعلوم....ولذلك فالمعرفة مجرد خطوة نحو العلم...
يجدر بي هنا أن أسهب قليلاً في المعرفة:
فمعرفة الإنسان في بواكير الحياة البشرية هي الثمرة البكر للتفكير وقد أملتها التحديات الخارجية التي تهدد بقاء النوع البشري..واعني بها تحديات الأمن وتحديات الحوجة للطعام والماء والهواء وتحديات الحوجة للتناسل وتحديات الحوجة للصحة من المرض والإصابة...إلخ
هذه التحديات كانت -ولا زالت- عندما تقارب الإنسان تثير في نفسه وعقله أحاسيس و توترات مؤلمة...
فلتهديد الأمن توتراته المؤلمة المعروفة بالخوف....وحوجة الطعام توتراته الجوع والماء هي العطش والهواء هي الإختناق وحوجة التناسل هي الشهوة للجنس..إلخ.
ولولا الخوف والجوع والعطش والإختناق وشهوة الجنس لما تكبّد الإنسان مشقة المعرفة.. بل ولولا وجود هذه التوترات المؤلمة لمات الكثير من بني البشر في عالم اليوم رغم وصولهم للذروات السوامق من العلم وإلا فدلوني على من ياكل ويشرب ويتنفس ويتناسل لمجرد هدف البقاء لذاته والمحافظة على الجنس البشري.!!..هل سيفعلون ذلك إن إختفت هذه التوترات.؟.
وتلك التوترات المؤلمة نعمة كبرى حافظت على الجنس البشري و كانت سبباً في إجباره على حصوله على المعرفة...ويحمد لهذه التوترات المؤلمة أنها لا تحدث إلا للضرورات الملحة ولا تشمل التحسينات والكماليات كالحوجة للغناء واللعب والمظهر الجمالي والفنون والثقافة..إلخ...
إذن المعرفة غايتها إشباع الضرورات إشباعاً يبعد شبح توترات الحوجة المؤلمة... والعلم أشمل منها ويسعى لإشباع التحسينات والكماليات و دافعه ميلٌ غريزي نحو إستكشاف المجهول ومعرفة كنه الظواهر والأشياء والوقوف على الكيفيات والعلل ومعرفة المسببات والنتائج..إلخ.
والعلم الذي يعني الإحاطة التامة بالمعلوم له صور تعلّم شتى:
فهناك العلم الوارد عبر تراكم المعارف الواردة من المحسوسات الذي سبق ذكره...
وهناك العلم الوارد بالتجربة والملاحظة والمعايشة...
وهناك العلم المكتسب عبر التلقينات الموثوق بها وأثبتت الإستدلالات والبراهين على صحتها...
كل هذه وغيرها أنماط تلقي من تلقاء مصادر و مؤثرات خارجية...
وهنالك نمط تلقى ذاتي وليس له أي مصدر خارج بيئة الإنسان الداخلية..!!..
إنه نتاج للفكر الإنساني عبر استخدام الإستقراء والإستنباط والإستنتاج وهو ما يسمى بالإبداع والتفكرالخلاق...
[B]فالإبداع العقلي في نظري هو إستخدام مواد أولية موجودة اصلاً بالعقل "في صورة مخزونات معارف وعلوم" والإنطلاق منها لتوليد منتوجٍ جديدٍ يختلف نوعاً ومقداراً عن مكوناته الأولية....[/B]
وهذا النمط وكأنه المراكمة الكمية المقصودة التي في لحظة ما تتحول إلى تغيير نوعي...
والإبداع العقلي من أرقى أنواع المنتوجات العقلية في مجال العلوم ولا تتوفر هذه الخاصية المبدعة في كل عقل وإنما هي هبات لبعض القلة من الناس....
والتفكير الخلاق هو ما أستولد منتوجاً جديداً دون إستخدام مواد أوليه مختزنة و دون نظير مشابه....وهذا النمط من التفكير تنقدح نتائجه فجأة - من حيث لا أعلم- في بعض العقول النادرة التي تشربت بالعلم حتى فاضت....
يجدر بي هنا أن أذكر تجربة شخصية...
فقد قمت بالبحث هذه اللحظة في المصحف عن مفردة (الخلاق) بعد كتابتي للجملة الأخيرة...
ولم أجدها إلا في موضعين اثنين ولم تُذكَر في سواهما البتة وهما سورة يس آية 81 وسورة الحجر آية 86...
وبنصٍ واحد هو:
(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ)...
ياله من إرتباطٍ حصيف بين مفردتي (الخلاق) و (العليم)...
وسبحان الله..!!.
نواصل في الجزء الثاني في الحديث عن الوعي...
وهو - ما لا يخفى على أحد- الدافع الأساسي لإيراد هذه المقدمة الطويلة من الحلقات...
|