عرض مشاركة واحدة
قديم 16-09-2009, 03:28 PM   #[53]
خالد الحاج
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية خالد الحاج
 
افتراضي

الأستاذ درويش (4) والأخيرة :

[align=center]خلاصات شخصية من وحي قراءآتي و تأملاتي (3 من 3) الجزء الختامي...[/align]

[align=center]الوعي[/align]
قلنا فيما سبق أن العقل يتصل بالبيئة الخارجية والداخلية عبر الحواس وخاصة الحواس الخمس التي تستقبل مؤثرات الواقع الخارجي والداخلي وترسلها عبر الأعصاب الناقلة لتستلمها المراكز الحسية المختصة بقشرة المخ كتصورات ذهنية يتم معالجتها عبر خطوات إلى إدراكات ومن ثم معارف ومنها لعلوم...
ويجدر بنا هنا أن نكمل الدورة حيث أن المخ يقوم بإستدعاء معارفه وعلومه المخزنة وتجاربه المراكَمة ليختار الإستجابة الأمثل التي يدفع بها ل جهات التنفيذ ليستطيع المرء أن يحدث فرقاً نوعياً أو كمياً في الواقع الذي أثار هذه الإستجابة...
العقل هنا يكون في حالة يقظة واستنفار للتفاعل الأسلم مع البيئة التي يتعامل معها...وهذه الحالة العقلية التفاعلية هي ما نسميها حالة الوعي... والوعي –تفاعل العقل مع الواقع- ليست عملية بسيطة إذا علمنا أن المخ البشري يستقبل سيلاً متدفقاً من ملايين الإشارات في الثانية الواحدة من مراكز الإحساس المختلفة... ورغم أن الغالبية العظمى من هذه الإشارات تتم معالجته والإستجابة له في مستويات العقل اللاواعي –لضرورة عدم إزحام القيادة العليا بتوافه المهام- إلا و أن المهمة أجسم مما يمكن إختزالها في "صعوبات كمية" تتعلق بالمقدار لوحده... إذ التصورات شتى ويتم مضاهاتها بالمخزون من مثيلاتها ومقارنتها مع التجارب المتراكمة المشابهة ..وعملية المضاهاة هذه تنطبق أيضاً على مستويات الإدراك والمعرفة والعلم مما يستلزم طريقة تخزين فاعلة تكون أدعى لسرعة الإستدعاء...والغرض من هذه المضاهاة هوإستيلاد خيارات متعددة للإستجابات الواجب إتخاذها..وكلما كان الوعي وافراً كلما كانت مقدرة الإستيلاد أخصب... ولا يمكن بالطبع لجهات التنفيذ أن تقوم بإنفاذ كل الخيارات المتاحة بالتزامن وإنما على العقل إختيار الإستجابة الأمثل والأحصف والمستطاع إنفاذها...وحتى "الإستطاعة" هذه تستلزم من العقل الإحاطة التامة بقدرات و إمكانيات صاحبه والعلم التام بالذات الحاوية من حيث نقاط قوتها وضعفها و إمكانياتها ووضعها الإجتماعي والمادي والثقافي ومكونات القيم الأخلاقية التي تحدد مدى مقبولية الإستجابة المرشحة للإنفاذ...
وبذلك فإن الوعي هو إحاطة وتفاعل مع البيئة الخارجية "زمان ومكان و أشخاص و أحداث..إلخ" والبيئة الداخلية "الذات"....
وحتى من بعد تبني الخيار الأمثل "توقيتاً ومقداراً ونوعاً ومراعاة إستطاعة ومقبولية" ودفعه للواقع عبر جوارح التنفيذ فإنه مهمة الوعي لا تنتهي إذا يظل العقل في حالة إستلام تقرير دورية عن التغيرات في البيئة قبل وبعد إنفاذ الخيار الأمثل وربما إستدعى الأمر إجراء تعديلٍ كلي أو جزئ للخيار تحت التنفيذ...
ولذا فالوعي هو حالة من الجاهزية والإستنفار والتفاعلية ويمكن تشبيه العقل بهذه الحالة كجندي مسلّح ومؤهل من حيث العلم والخبرة ووجد نفسه في غابة ذات وحوشٍ كواسرٍ في أرض العدو..هذا الجندي قد يجد نفسه أمام عقرب يستجيب لها ب"البوت" أو ثعبان بالمسدس أو وحيد قرن وفيل يجابههما بسلاحٍ أثقل..وكل هذه خيارات مثلى تتناسب مع تحدي الواقع وبالطبع سيكون من غير الأمثل لو إنه أراد أن يعبر مجرى ماء بإستعمال المسدس أو أراد أن يواجه أسداً هصوراً بديوانٍ للشعر مثلا....
ومن هنا نعلم أن الإستجابات الوعوية "إن صح التصريف" تختلف بإختلاف العقل الواعي بين فرد و آخر بل وحتى في الفرد الواحد فإن حالة الوعي تتفاوت في الحدة والمقدار...
ويمكن تفكيك الوعي إلى مكوناته ليكون:
"محيط داخلي وخارجي + اتصال +معالجة وفق المخزون المعرفي والعلمي والتجارب المتراكمة + استنباط خيارات لاستجابة + التفضيل بين الخيارات لإختيار الأحصف + تبني الإختيار الأمثل وانفاذه + مراقبة تغيرات المحيط قبل وبعد الانفاذ + تعديل الخيار وفق المتطلبات الطارئة..."...
وربما من الأحكم أن نقول أن إنفصال العقل عن الإحساس بالمحيط الخارجي أو الداخلي هو حالة "لا وعي " بنفس القدر الذي يكون فيه الإستقبال الزائف للمحيط الخارجي أو الداخلي هو حالة "لا وعي" كما و إن عدم وجود إختيارات إستجابية لإنعدام أو ضمور المعرفة والعلم والتجربة يمثل حالة "لاوعي"..وإذا إستحضرنا دورة حياة الوعي فإنه يمكننا أن نعدد النقاط التي يمكن أن ينقطع فيها الوعي ليكون حالة لاوعي...
أنظر مثلاً للشخص المريض في حالة غيبوبة...إنه يعاني من عدم مقدرة على استقبال الإشارت الحسية من محيطه الخارجي والداخلي ومثل هكذا شخص هو بالضرورة في حالة "لاوعي عقلي" ويمكن أن يصاب بقرحة سرير مثلاً لأنه لايستطيع أن يستقبل إشارات آلام الضغط التي تنتج من ثقل جسمه على السرير الذي يستلقي فوقه وبالتالي لا يتقلب في رقدته مما يلزم طاقم التمريض أو المرافقة على تقليبه ذات اليمين و ذات الشمال "يمكنك هنا أن تستحضر قصة أصحاب الكهف وتقليبهم ذات اليمين و ذات الشمال"...وهنا قد تقارن بين حالة اللاوعي النسبي للنائم الذي يستطيع أن يحس بآلام الضغط فيقلِّب نفسه فلا يصاب بقرحة السرير....
كما أن صاحب السُكر أو مصاب الهلاوس مثلاً قد يستقبل المحيط من حوله بطريقة زائفة مما تصدر منه إستجابات غير مثلى, فتراه مثلاً يحسب الأرض اليابسة محيطاً من الماء فيخلع ملابسه ويشرع في السباحة "في شارع الزلط " وهذه حالات من غياب الوعي بالبيئة الخارجية...
ومن هذا المنطلق يمكن أن نفهم حالة الموت الإكلنيكي "وهي حالة موت الدماغ" بأنها - بسبب غياب العقل الواعي - ترقى لدرجة الموت الطبيعي رغم أنه بالمعينات الآلية فإن القلب ينبض والرئة تتنفس والكلى تنتج بولها والإمعاء تفعل فعلتها وحرارة الحياة تشمل الجسم كله...
والوعي في ذاته يمكن تصنيفه على حسب البيئة الخارجية التي تثير التحدي ويتفاعل معها العقل...فهناك الوعي السياسي إذا كان الواقع من حوله ذا طبيعة سياسية وهنا العقل الواعي لابد له أن يستعين بالمعرفة والعلم وتراكمات التجربة فيما يختص بالنشاط السياسي ويَعرِف مكونات الواقع السياسي والعلاقات بين القوى السياسية ونقاط ضعفها وقوتها ومدى قرب أو بعد منهجها و أهدافها مما يريد هو...وهناك مثلاً الوعي الطبقى الذي يستلزم فوق توفير العلم والتجربة المخزونان إلى إحاطة تامة بخصائص الطبقة وعلاقات الإنتاج ورأس المال و صراعات المكونات الداخلية إلخ...
والوعي يمكن تنميته إبتداءاً من تنمية مقدرات الحواس على إستقبال دقائق الإشارات إلى زيادة العلم والمعرفة ومضاعفة مراكمة التجارب وتحسين مقدرات الفرد على تنفيذ الاستجابات...
وإستغرب جداً حينما يطرح السيد إيكهارت نظريته حول الوعي التي تستهين بالواقع الخارجي في مقابلة الإعلاء من الذاتية المنقطعة عن الواقع الخارجي ولم يسلم العقل ذاته من التسفيه في نظريته للوعي...
فكيف يكون هنالك وعيٌ في غياب مادته الأساسية التي هي التواصل مع المحيط الخارجي؟!!...
وهل خلاصة الوعي إلا إستجابة حصيفة لتحديات المحيط الخارجي و إنفاذها فيه..؟!!..
وكيف يكون هنالك إزراءاً للعقل وهو الجهة المناط بها القيام بمهمة الوعي ومعظم عملياتها تجرى داخله.؟!!..
إن غاب المحيط الخارجي وغاب العقل فإن الوعي لا يكون إلا حالة "لاوعي مطلق"..!!!..
و إيكهارت يدعو في نظريته إلى هذا "اللاوعي المطلق" من حيث يحسب أنه يدعو للوعي...


ومعا نتواثق...



التوقيع: [align=center]هلاّ ابتكَرْتَ لنا كدأبِك عند بأْسِ اليأْسِ، معجزةً تطهّرُنا بها،
وبها تُخَلِّصُ أرضَنا من رجْسِها،
حتى تصالحَنا السماءُ، وتزدَهِي الأرضُ المواتْ ؟
علّمتنا يا أيها الوطنُ الصباحْ
فنّ النّهوضِ من الجراحْ.

(عالم عباس)
[/align]
خالد الحاج غير متصل   رد مع اقتباس