عرض مشاركة واحدة
قديم 12-10-2010, 08:43 AM   #[5231]
هاشم أبوزيد نقد
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

رحلتي إلى أسيوط ...(2)

... في صباح اليوم التالي لإذاعة أسماء الطلاب (المبتعثين) إلى مصر ... ذهبت باكرا إلى مكتب البعثات ، كان مقره بالقرب من القيادة العامة ، كان المكتب واحدا من تلك المباني الجميلة و البسيطة التي شيدت - على ما أظن - أيام الإستعمار بيوتا للموظفين ذووا الدرجات العلا ، ثم آل إلى أن يكون مكتبا حكومياً إمتدت إليه يد الروتين ففقد الكثير من رونقه ، و المكتب على صغره إلا أنه كان يحتمل الوافدين إليه في هدوءٍ و سكينة. أسماء الطلاب المبتعثين كانت قد رتبت كل حسب جامعته ، و علقت على جدران المبنى هنا و هناك .
إحساس غريب بالنصر و النشوة تراه في عيون الطلاب. و أنا أراجع الأسماء و أتابع الوجوه فإذا ببعض الأسماء أعرفها ، منهم من كانوا زملاء دراسة في الثانوي و منهم من عشنا سوياً إنقلاب السلم التعليمى علينا عندما كنا في المتوسط.
لم يكن إستخراج جواز سفر في ذلك الوقت بالأمر الشاق ، فلا كانت هنالك (إلزامية) و لا رسوم (مليونية) . كانت رسوم إصدار جواز السفر الجديد خمسة جنيهات سودانية لا غير ، و كان الجنيه السوداني في ذلك الوقت يعادل ثلاثة دولارات و ثلاثة و ثلاثون بنساً ، و بالأرقام 3,33 دولار (سبحان الله مغير الأحوال من حال إلى حال).
لم يكن مكتب الجوازات غريباً على فقد كنت، وعلى مدى أكثر من سبع سنوات ، كنت أعمل في الإجازة الصيفية كاتباً أمام مكاتب الجوازات ، نكتب (العرضحالات) و (نملأ) أرانيك التاشيرات و الجوازات و الجنسيه و نبيع الدمغة ، و كانت الإجازة الصيفية بالنسبة لنا (زي الإغتراب) حيث نجمع مصاريف المدرسة و أكثر . كان ذلكم الجيل جيلاً منتجاً و اليوم نرى أجيالاً تأخذ و لا تعطي. أجيال الجلوس على نواصي الشوارع و الكباري إلا من رحم ربي.
من مكتب البعثات إستلمت خطابات موجهة إلى سلطات الجوازات و الخطوط الجوية و السفارة المصرية ، كل على حده ، تفيد بأنه قد تم إبتعاثنا للدراسة بمصر و ترجو من الجميع تسهيل مهمتنا في إنهاء الإجراءات المطلوبة للسفر.
إستخرجت جواز سفري و تأشيرة الخروج ثم تأشيرة الدخول من القنصلية المصرية و التي لا تزال في مكانها صامدة صمود الأبطال. على الرغم من أن سوق الخضار الذي كان يقبع جنوب القنصلية قد رحل أو (إرتحل) إلى أسواق طرفيه سموها مركزية و البرلمان الذي كان شمال القنصلية قد تغير إسمه مرات عدة و رحل إلى أمدرمان ، و بقيت القنصلية رمزاً لحبل سري يربط شمال وادي النيل بجنوبه. و لا انسى (كرت) الحمى الصفراء الذى إستخرجناه من مركز صحي بالقرب من سينما كلوزيوم و الذي بدونه تصبح معرضاً للحجز في الحجر الصحي بمطار القاهرة لمدة إسبوع.
كان لي خال (رحمه الله) تقيم زوجته و أبناؤه في الإسكندرية و يعمل هو في فرنسا و كان في إجازته السنوية في السودان و كان أن قدر لي أن أسافر معه إلى مصر.
أهداني أبي (رحمه الله) حقيبة جديدة أسافر بها ... و دس في يدي مبلغ (ستون جنيها سودانيا) كانت ثروة في ذلك الزمان و أهداني أخى محمد (جزاه الله خيرا) تذكرة الطائرة . ملأت امي (أطال الله عمرها) حقيبتي بالشاى و الويكة و التسالى ، و كذلك أمواس الحلاقة ماركة (ناسيت) التي كنا نبيعها في مصر في سوق العتبة بالقاهرة و الحصيلة كانت عشرات الجنيهات التي تعيننا على مصاريف السكن و الميز و خلافه.
كان كل من أعرفه تقريبا في المطار ... ففي ذلك الزمان كان وداع المسافر واجب إجتماعي مقدس.
كانت المرة الأولى التى أمتطي فيها صهوة طائرة و بالطبع المرة الأولى التي أسافر فيها خارج السودان . كان وداعا طيباً و لكنه حزيناً ذلك الذي أمطرني به أصدقائي و زملاء طفولتي. شعور غريب إمتزج فيه الحزن بالفرح والأمل بالدهشة و الرجاء بالخوف ، الخوف من المجهول ، و الأمل بالتخرج و الحزن على فراق الأهل و الأحبة و الأصدقاء.
أقلعت الطائرة من مطار الخرطوم ، ذلكم المطار الذي طالما كنت فيه مستقبلا أو مودعا لأخ أو قريب مسافر إلى الخليج أو ليبيا أو القاهرة حيث كان منزلنا في القشلاق الجنوبي ثم بعد ذلك في الصحافة محطة ثابتة لأهلنا القادمين من (البلد) في طريقهم إلى خارج السودان (و بالعكس).
اليوم تنقلب المواقف ... و يعرف الإنسان الفرق بين دموع المودع و دموع المسافر. دمعات ساخنات كانت تنحدر على جبينى و أنا أرى أنوار الخرطوم تتلاشى من تحتي رويداً ... رويداً ... و كلمات خجولات تمر في خاطري تهتز بها شفتاي على استحياء...
القطارات ... المحطات ... السفر...
السحابات ... (الدميعات) ... المطر ...
الشراعات ... (المقاديف) ...البحر...
الجوازات ...المطارات ...العساكر و الخفر...
ما أقسى السفر.
بمشيئة الله ...نواصل



التوقيع: هـاشـم أبـوزيـد
[email protected]
هاشم أبوزيد نقد غير متصل   رد مع اقتباس