عرض مشاركة واحدة
قديم 12-10-2010, 06:23 PM   #[5235]
هاشم أبوزيد نقد
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

رحلتي إلى أسيوط (3)

... و ما هي إلا دقائق معدودات حتى تبددت أنوار الخرطوم و تلاشت في سكون، و استحال محيط الطائرة إلى سواد دامس، لا يدانيه إلا سواداً قد اكتحلت به بعض عيون المسافرين الدامعة، و كنت واحداً منهم. و في خضم ذلك الصمت (الأسود) يمر كل شريط حياتي من المولد و حتى تلك اللحظة ، و بدأت تلوح لي سيرتي الدراسية بدءاً من خلوة الشيخ عبد الغفار بالقشلاق التي تعلمنا فيها القرآن والقراءة و الكتابة و الحساب و انتهاءاً بمدرسة الخرطوم الجديدة الثانوية، مروراً بمدرسة السجانة (3) الابتدائية و مدرسة الإتحاد المتوسطة و الآن الطريق المجهول إلى الجامعة.
و بين زحمة الذكريات تبقى صورة واحدة لا تتزحزح من مخيلتي قيد أنملة ... هي صورة أمي ، شريط طويل من الذكريات المحور فيه هي تلك الأم الحنون ثم باقي أفراد الأسرة ، ثم رفاق الدرب في مراحل التعليم المختلفة ، كل ذلك الكم الهائل من الماضي يتزاحم في رأسك و كأنه يقول لك : كن أنت كما أنت ... ابن أمك و أبيك و (حلتك) ... سافر كما أنت ... عش في غربتك كما أنت ... و عد إلى بلدك كما أنت و لا تقل كما يقول البعض : إن كنت في روما فأفعل كما يفعل أهل روما . بل أفعل كما يفعل أهلك الطيبون، كن سودانياً أسمر البشرة أبيض القلب، كن طالباً، كن سفيراً و اتق الله.
نسيت تماماً أن خالي يجلس عن يميني فقد كانت يميني و شمالي و نفسي قد غاصت في الماضي. ثم آن لي أن أعود إلى الحاضر حينما شق سكون ذلك الصمت صوت المضيف و هو يعلن أننا نحلق الآن على ارتفاع 37000 قدم ،فقلت يا لله سبعة و ثلاثون ألف قدم ! ماذا تساوي هذه الطائرة بمن فيها وسط هذا الكون الفسيح ؟ و بدأت أتململ في ذلك المقعد الضيق و أتساءل ثم ماذا بعد ؟ ماذا بعد أن تحط طائرة الخطوط الجوية السودانية رحالها في مطار القاهرة؟ إلى أين سنذهب، لا أدري، فعلي أن أتبع خالي ذلك الرجل الذي لا يتحدث إلا قليلاً، فقد عاش جل حياته بين فرنسا و سويسرا و تعلم سكوناً كسكون الكرة الأرضية على ارتفاع سبعة و ثلاثون ألف قدم. و أنا بطبعي لا أحب أن أعيش في الصدفة، هكذا كنت و لا أزال.
حطت الطائرة رحالها في مطار القاهرة الدولي، و انتهت إجراءات الجوازات و استلام العفش بسهولة و يسر ، خرجنا من المطار ، كانت الساعة قد جاوزت منتصف الليل و كان الجو بارداً و ركبنا سيارة أجرة و سمعت خالي يقول للسائق (باب الحديد). آآآه ، هنا تذكرت أبي و حكاياته لي فقد عاش في مصر بعضاً من سني شبابه، كان يذكر أسماءاً علقت في ذهني مثل باب الحديد ، باب اللوق ، باب الخلق ، معروف ، التل الكبير ، عابدين ، عين شمس ، العتبة ، و كنت أمني النفس أن أرى هذه الأماكن و تلك الأبواب. و وصلنا إلى حيث توقف التاكسي و على الرغم من أن الوقت تجاوز منتصف الليل بأكثر من ساعة فقد كان المكان مزدحماً بالخلق و العربات و القطارات ... إذاً هذا هو (باب الحديد).و أنا الذي كنت أظنه باباً (بحق و حقيقة).
قال لي خالي في هدوء :" سوف نسافر إلى (إسكندرية)" هكذا نطقها بدون تعريف ، و ما كان لي أن أعترض فقد علمونا صغاراً أن (الكبير كبير و الماعندو كبير يشتري ليهو كبير). تركني خالي أمام الحقائب و ذهب ليحضر التذاكر و قال لي : (خلي بالك من الحرامية و النشالين) و كانت هذه أولى الوصايا العشر. ثم عاد خالي بعد قليل و قال لي : "حا نركب قطر (الصحافة) لأنو لو حا ننتظر(المجري) حا نقعد هنا للساعة ستة صباحاً" قلت لنفسي ما الذي أتى (بالصحافة) إلى مصر؟!، و أظن أن خالي قد إستدرك أن مقولته ما ذادتني إلا تيها و توهاناً ، فقال لي :" إسمو قطر (الصحافة) عشان بشيلو فيهو الجرايد و هو قطر درجة تالتة أما (المجري) فقطر درجة أولى و تانية."
و ركبنا (قطر الصحافة) و لم يكن هنالك مقعداً خاليا فجلسنا في مطبخ القطار على صندوق خشبي كبير. كانت شبابيك القطار متهالكة و الزجاج مهشماً ، و عندما بدأ القطار يتحرك أدركت لماذا كان خالي متحفظا في إبداء معلومات أكثر ، فقد اكتفى بالقول :" لو ركبنا قطر الصحافة ، حا نصل (إسكندرية) قبل ما يكون المجري إتحرك من مصر" و أردف خالي سريعاً عندما رأى في عيني سؤالاً : " المصريين بيقولوا للقاهرة (مصر)." بعد ثلاث ساعات و صلنا (إسكندرية) بعد أن شربت هواء الطريق البارد و بعض أكواب من الشاي و مقلب باب الحديد و قطر الصحافة و محطة مصر.


و بمشيئة الله نواصل.



التعديل الأخير تم بواسطة هاشم أبوزيد نقد ; 13-10-2010 الساعة 05:55 PM.
التوقيع: هـاشـم أبـوزيـد
[email protected]
هاشم أبوزيد نقد غير متصل   رد مع اقتباس