بابكر كيف حالك
-
أعكف هذه الايام على قراءة كتاب الدكتور حيدر على ابراهيم ( مراجعات الاسلاميين السودانيين كسب الدنيا وخسارة الدين) . فشكرا للاخ اسامة المامون الذي أهدانيه ووجدت أن مقدمة الكتاب فقط تفتح افاقا عريضة لحوار كبير حول الاسلام السياسي في العموم وحول تجربة الاسلاميين السودانيين :
---
مقدمة الكتاب وفيها يقول الدكتور حيدر على ابراهيم :
اتعاطف مع الاسلامويين علي المستوي الإنساني والوجداني، وارفضهم علي المستوي السياسي والوطني. فهم في النهاية سودانيون يعيشون مأساة حقيقة، وهم الآن أقرب إلى نهايات أبطال روايات شكسبير التراجيدية، منهم إلى أن يكونوا أناسا عاديين. ولا مجال للشماتة علي منكسر ومهزوم، فالشماتة تليق بالعظيم الشامخ، وليس بالمكابر، ومنهم من لايزال يكابر. وفي الواقع، ورغم امساكهم بالسلطة وأصبحت كل أعمالهم للجاه لا لله، ومع محاولتهم ادعاء القوة والجبروت، فهم يثيرون فيك الشفقة لمسكنتهم، وعزلتهم، وانكساراتهم الداخلية. كيف لا وهم قد خسروا أنفسهم ولم يكسبوا من الدنيا غير اوساخها: المال والعقار. لم يكسبوا الرحمة والتراحم والشهامة والبشاشة والمحبة ولم يمدحهم الحردلو: دا الاداك وكتر ما بقول اديت. وهم يستحقون فعلا تسمية "حزب الجراد" فهم قد جردوا البلاد والعباد من خيراتهم المادية والروحية.
ومن يتأمل مراجعتهم ونقدهم يجدها أقرب إلى المراثي والمناحات. وقد قرأت بعض الاهداءات في كتب الاسلامويين وهي بكاء حزين علي الماضي وندم عقيم علي اللبن المسكوب. إذ يبدأ مدخل كتاب (المحبوب عبدالسلام) كمرثية أوبكاء مفجع علي الذات يستنجد فيه بمحمود درويش والفيتوري وحتي محجوب شريف. والعنوان حزين ونادم: الأشياء تتداعي.. أو.. خواطر اليوم الأول، ويستهل المقدمة بالأبيات التالية:
مدّيت علي الأمل القريب أشواق كتيرة وقصّرت
لابتعرف الزول البجيك ولا البيجيك بيعرفك
ويختم بالاستشهاد:
جدار الدّجي أعمي عيوني
وفي يدي تساقط مصباحي بدمع مبدّد.
ويكتب أخوه السابق - عبدالرحيم عمر محيي الدين- في اهداء كتابه:
"...ثم يتواصل الاهداء لأبناء الحركة الإسلامية الذين قضوا نحبهم من أجل القضية والمشروع الإسلامي.. الشهداء الأحياء، وللذين تفرقت بهم السبل السياسية بعد الفتنة ومازالوا يتلمسون طريق النجاة القاصد نحو الله." (2009 ص5) اهداء حزين يجمع بين الذين ماتوا ماديا في حرب القتال، والذين ماتوا رمزيا في حرب الاختلاف والمفاصلة. فهو يبكي على "ميت الأحياء" وهذه قمة البؤس والمأساة لدي الاسلامويين، أن يرثوا صحابهم الاحياء الذين أصبحوا في عرفهم موتي.
ويبحث اسلاموي - مصطفي ادريس بشير- آخر عن الكفّارة لهذا الذنب العظيم، فيقول: "لا أجد من فعل يكفّر عنّا ما جنيناه في حق الامة إلا جمع الصف من جديد وإعادة ترتيبه لخدمة الامة ومشروعها الحضاري برؤية جديدة وكوادر جديدة (...) أحلم - وتملؤني ثقة في رحمة الله بنا - بمستقبل أفضل تتم فيه ثورة من قواعد الحركة الإسلامية بالسرعة المطلوبة". (كتاب: مراجعات الحركة الإسلامية السودانية، إعداد: وليد الطيب. القاهرة، مكتبة مدبولي و2010، ص62).
جمعت الحركة الاسلامية في تنظيمها، بين الشمولية والقدسية والقيادة الكارزمية، لذلك وجدت صعوبة في ممارسة النقد والنقد الذاتي ومن ثم المراجعة. فقد طغي الاحساس بالتفرد بين الاسلامويين، وتملكهم احساس الطليعة المؤمنة – كما ذكر (مكي) في إحدي المناسبات. كل هذا تسبب في قدر كبير من المكابرة، والشعور بالعصمة، وامتلاك الحقيقة المطلقة، وبعيدين عن المؤمن التّواب والنواب. فقد روى أحد الاسلامويين حادثة ذات دلالات عميقة في فهم التكوين النفسي للفرد الاسلاموي وعضو التنظيم الملتزم خاصة. إذ يروي الشيخ/ عيسى مكي عثمان أزرق: "في جلسة مجلس الشورى في21/7/1967 اثيرت قضية الأخ الركابي، والتي فحواها شكواه من التصريح الذي نشره الترابي بشأنه بخصوص مهاجمة الركابي للصادق فيما يختص بقضية فلسطين. فقد صرح (الترابي) لوكالة الانباء أن المحرر الذي هاجم الصادق محرر غير مسوؤل. وقال الركابي مقدما شكواه لاعضاء المجلس يطالب برد اعتباره أمامهم بصفته المسؤول عن الجريدة (الميثاق) في ذلك الوقت وأن التصريح المنسوب لأمين جبهة الميثاق فيه اساءة له. وطلب الحاضرون من الأخ حسن أن يعتذر له، ورفض حسن ذلك بحجة أنه لم يتعود أن يعتذر أمام الملأ! واحيل الأمر للمكتب التنفيذي لمعالجته هناك". (من تأريخ الأخوان المسلمين ص 105).
يبدو أن الأخوان المسلمين والاسلامويين عموما، قد اقتنعوا بأنهم "شعب الله المختار"، باعتبار الأمانة الفكرية والرسالية التي اصطفاهم القدر لتحملها. فالاسلامي (..وى) يمتاز عن الشيوعي والطائفي والعلماني والقومي. وهذا إصطفاء ونعمة من الله، كونه مسلما ثم يهديه الله إلي جماعة تعمل علي إعلاء كلمة الدين. ويظهر هذا التصور عن الذات في كثير من مظاهر السلوك والمعاملة مع الآخرين. وهو أكثر بروزا في المجال السياسي وقد جاءت ممارسات العنف من هذا التصور. فالاسلاموي يعتقد أنه يملك الحقيقة المطلقة التي تسمح له بأخذ القانون في يده. ويبرر فعله بأنه يمكن أن يغيّر أو ينهي عن المنكر بيده أو لسانه (أن ينصحك أو حتي يسبك أو يزجرك لو تماديت). وأنظر لهم الآن كيف يسمون سلطة الغلبة والانقلاب "التمكين" ويصلونها بالله: "والذين إن مكّناهم في الارض". وهذه الخصلة متعمقة في ثقافة وتكوين الاسلاموي بالذات المنظم. تقول مقدمة سيد قطب لكتاب الندوي: "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟" القاهرة، مكتبة السنة، 1990 "إن الاسلام عقيدة استعلاء، من اخص خصائصها أنها في روح الؤمن بها احساس العزة من غير كبر، وروح الثقة من غير اغترار، وشعور الاطمئنان من غير تواكل. وأنها تشعر المسلمين بالتبعة الانسانية الملقاة علي كواهلهم، تبعة الوصاية علي هذه البشرية في مشارق الارض ومغاربها، وتبعة القيادة في هذه الأرض للقطعان الضالة، وهدايتها إلى الدين القيم، والطريق الشوى، واخراجها من الظلمات إلى النور بما آتهم الله من نور الهدى والفرقان: "كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله..." و"وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا.." (5:1990) ولكن ضعف تمسك المسلمين بدينهم في أزمان لاحقة فاضاعوا العزة والتفوق .ودخل المسلمون مرحلة انحطاط طويلة. فكان "تخليهم عن القيادة التي يفرضها عليهم هذا الدين، والوصاية التي يكلفهم بها علي البشرية، والتبعات التي ينوطها بهم في كل اتجاه" (ص22). وهناك رواية متداولة عن الفيلسوف الاسلامي محمد اقبال يقول فيها ان المسلم لم يخلق ليندفع مع التيار، ويساير الركب البشري حيث اتجه وسار بل خلق ليوجه العالم والمجتمع والمدنية، ويفرض علي البشرية اتجاهه، ويملي عليها ارادته، لأنه صاحب الرسالة وصاحب العلم اليقين. ولأنه المسؤول عن هذا العالم وسيره واتجاهه. فليس مقامه مقام التقليد والاتباع، ان مقامه مقام الامامة والقيادة ومقام الارشاد والتوجيه. ومقام الأمر الناهي. والاعتذار بالقضاء والقدر من شأن الضعفاء والاقزام. أما المؤمن القوى فهو بنفسه قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يرد. (ص22-23)
وجدت في الآراء السابقة ما أراحني في تفسير المرجعية التي ارتكز عليها الاسلامويون في التعالي وعدم الاحترام للآخرين المختلفين عنهم فكريا وسياسيا. وقد لاحظت ذلك كثيرا في تعامل المسؤولين مع ما يكتب عن ادائهم الحكومي، وغم أن هذا شأن يخص واجباتهم تجاه المواطنين.
يحاول البعض تخفيف أثر الخلافات المتتالية باستخدام تشبيه يتكرر لدي الاحزاب العقائدية، وهذه وسيلة لتأكيد ثبات الايديولوجية مع تغير الاشكال والافراد. ولذلك، يشبه الاسلاميون مسار الحركة السودانية في مفهومها الحركي: "بقطار يسير خلال محطات كثيرة. سرعة هذا القطار تتفاوت وصولا وبقاء وقياما من تلك المحطات (...) بهذا النظام شهدت الحركة الاسلامية السودانية، عددا من عتاة المثقفين والمفكرين (...) تحرك هؤلاء في قطار الحركة وفق حركة القطار". (صحيفة قلب الشارع 1/11/1995) لم يحاول الاسلامويون تقديم مراجعة مؤسسية كما فعل العديد من الحركات، ولكن الحركة الاسلاموية السودانية دأبت علي عدم احترام شعبها وأنها غير مسؤولة امامه. وقد تكرس هذا الشعور بعد الاستيلاء علي السلطة ونجاح الاسلامويين في تغييب الشعب. وصار الاسلامويون الحاكمون في السودان يعتبرون الصمت أو السكوت صوتا لصالحهم، وهذا ما اسموه: الاجماع السكوتي! لذلك يجب عليهم أن يرضوا بالشماتة والاتهام بالكذب والتمثيل. فكثيرون لم يصدقوا المفاصلة، ويرون أنها مدبرة لإلهاء الناس وتوجيه انظار الجماهير إلى صراع غير موجود في الواقع. وفي هذا السياق يمكن ان يفهم تصريح علي محمود حسنين، يقول: "نحن لا نفرق بين البشير والترابي. كلاهما مسؤول عما حدث خلال العشر سنوات الماضية. وينطبق عليهم قوله تعالي: واقبل بعضهم علي بعض يتلامون." (الوفاق 15/12/1999).
كشفت المفاصلة عن أخلاق وقيم الاسلامويين الحقيقية، فهم رغم إطلاق صفة الحديثة علي الحركة الإسلامية، كان واضحا تقليدية وتخلف العلاقات. ويعلق (عروة) علي العلاقات عقب المفاصلة، بقوله: "..لقد أصبحت الحركة الإسلامية السودانية الحديثة" وهي العبارة التي تفضلها "مثلها مثل الكيانات الطائفية السودانية لا فروقات كثيرة بينها سوى المسميات وبعضا من أشكال وطبيعة الممارسة بحكم طبيعة التطور ولكن جوهرها واحد ولعل هذا بسبب طغيان الروح الأبوية والطائفية وثقافتها الغالبة في السودان" .(صحيفة الرأي العام 8/2/2000).
يظهر أن الاسلامويين قد فشلوا مبكرا في الجنع بين السلطة وأخلاق المسلمين الحقة. فقد صادفتني حكايات عديدة تؤكد هذا التناقض. فهذه قصة مروية عن محمد عثمان محجوب: "في أيام الإنقاذ الأولي كنا حريصين علي أن تسير الإنقاذ علي هدى الإسلام وسيرة الصحابة والخلفاء الراشدين في القدوة الحسنة، وتقديم النموذج الحسن للقيادة السياسية، لذلك كان لنا يوم في كل أسبوع – صيام – نلتقي فيه نحن مجموعة من الإخوان ونختار أحد القيادات السياسية وندعوه لهذا اللقاء، ونقوم بنصحه وتوجيه الانتقادات اللازمة له، وتذكيره بأمانة التكليف والمسؤولية". ويقول أن الأمور سارت بلا مشكلات إلا أن (الجاز) يبدو أنه لم يقبل هذه الطريقة، فذهب إلى (الترابي) محرضا بأن الحركة قد انشقت بقيادة محمد عثمان محجوب. وارسل إليه (الترابي) ودار بينهم الحديث الغاضب التالي: "قال له الترابي: البلد دي فيها أنصار سنة؟ قلت: نعم! هل فيها جماعة بلاغ ودعوة؟ قلت نعم! هل فيها طرق صوفية؟ قلت: نعم!
قال الترابي: من هذه الطرق والتنظيمات يجب أن تختار ليك واحدة!.. قلت: لكن الحركة الإسلامية ليست ملكك ولا ملك أبيك ونحن شركاء فيها وليس أجراء". ثم هدأت الامور وأخبره (الترابي) أن (الجاز) قد أوغر صدره. (عبد الرحيم، ص146).
انتهى
|