عرض مشاركة واحدة
قديم 04-12-2005, 11:00 AM   #[34]
خالد الحاج
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية خالد الحاج
 
افتراضي

ضَمْرَة : أَنْتَ إِنْسَانٌ ذُوْخُبْثٍ عِلْمِىٍّ ؛ فَمَا قَصَدْتَ بِكَلامِكَ هَذَا إِلاَّ أَنَّ قُوْزْ قُرَافِى هُوَ المَوْطِنُ الأَوَّلُ لِلْقِرْدِ .
العَوَّام : بَلْ قَصَدْتُ العَكْسَ تَمَاماً .. قَصَدْتُ أَنَّ أَصْلَ الإِنْسَانِ إِنْسَانٌ ولَيْسَ قِرْداً .
وَدّالبَاشْكَاتِب : هَلْ تَدْرِى يَاضَمْرَة لِمَ أَنْشَأَ(دَارْوِن) أَصْلاً نَظَرِيَّةَ أَنَّ أَصْلَ الإِِنْسَانِ قِرْدٌ؟
ضَمْرَة : لا .
وَدّالبَاشْكَاتِب : لأَنَّ (دَارْوِن) كَانَ شَدِيْدَ الشَّبَهِ بِالقِرْدِ ؛ إِلَى الدَّرَجَةِ الَّتِى تَصْعُبُ مَعَهَا التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا .
فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ بَدَا قُوْزْ قُرَافِى فِى الدُّنْيَا كَالحَوَصِ فِى العَيْنِ ؛ وَذَلِكَ فِى شُعُوْرِ وَدّالعَالْيَابِى ؛ الَّّذِى اسْتَمَعَ بَعْدَ قَلِيْلٍ إِلَى وَدّالسَّخِى الَّذِى جَلَسَ لِتَوِّهِ يَقُوْلُ لِصِبيْرٍ :
ـ كَيْفَ حَالُكَ؟
فَتَجِيْبُهُ عَيْنَا صِبِيْرٍ اللَّتَانِ كَانَ العَوَّامُ يَنْظُرُ إِلَيْهِمَا بِصَفَاقَةٍ أَقْبَحُ مِنْ عَمَلِكَ يَاأَقْبَحَ أَهْلِ الدُّنْيَا) .
لَكِنَّهُ سَمِعَ صَوْتَ صِبيْرٍ :
ـ لاأَدْرِى حَالِى تَحْدِيْداً ؛ لَكِنَّهُ قَطْعاً أَفْضَلُ مِنْ غَدٍ .
حاج الخَلِيْفَة : حَقِيْقَة حَالُنَا تَغَيَّرَ إِلَى الأَسْوَأِ .. صِرْنَا نَرَى الشَّخْصَ يَتَحَدَّثُ إِلَيْنَا مِنَ (التِّلَفِزْيُوْن) ؛ يَشْغَلُ مَعَنَا نَفْسَ الغُرْفَةِ وَهُوَ يَبْعُدُ عَنَّا آلافَ الأَمْيَالِ ؛ لَكِنَّنَا صِرْنَا لانَرَى أَنْفُسَنَا!
حاج الصَّافِى : هَذَا مَاكَانَتْ تَخَافُ عَلَيْنَا مِنْهُ الخَوَاجِيَّة ؛ أَنْ يُصْبِحَ قُوْزْ قُرَافِى مَدِيْنَةً فَنَفْقِدَ أَنْفْسَنَا إِلَىالأَبَدِ .
حاج الدُّسُوْقِى : التِّلَفِزْيُوْن أَفْسَدَ أَوْلادَنَا ؛ فَأَقْلَقُوا رَاحَتَنَا .
وِدَاعَة : لارَاحَةَ لأَهْلِ بَيْتٍ فِيْهِ مُرَاهِقٌ .
حاج الرَّضِى : أَوْمُرَاهِقَة . حاج الدُّسُوْقِى صَدَقَ ؛ التِّلَفِزْيُوْن أَفْسَدَ أَوْلادَنَا وَأَلْهَانَا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فِى آخِرِ عُمْرِنَا .
حاج الصَّافِى : إِنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُوْن .
هُنَا سَمِعَ وَدّالبَاشْكَاتِب صَوْتاً قَدِيْماً فِى نَفْسِهِ يَعْرِفُهُ جَيِّداً لَقَدِ انْتَهَى كُلُّ شَىْءٍ فِى قُوْزْ قُرَافِى .. الأَغْصَانُ أَصْبَحَتْ تَحْتَقِرُ الثِّمَارَ ؛ وَمَاعَادَتِ الثِّمَارُ تَثِقُ بِالأَغْصَانِ ؛ وَنَحْنُ لَسْنَا حُبُوْبَ اللَّقَاحِ ؛ وَقَدْ مَاتَتْ كُلُّ الفَرَاشَاتِ وَالزَّنَابِيْرِ) . ثُمَّ صَوْتَاً آخَرَ قَدِيْماً أَيْضاً نَحْنُ لانَكْرَهُ الثِّيْرَانَ لأَنَّنَا مِنْ فَصِيْلَةِ البَقَرِ ؛ وَلَكِنْ لأَنَّنَا نَخَافُ قُرُوْنَهَا) . لَكِنَّ صَوْتَ وِدَاعَة عَلا عَلَى الصَّوْتِ الَّذِى بِدَاخِلِ وَدّالبَاشْكَاتِب :
ـ قُوْزْ قُرَافِى يَابَلَدَ الغَرَائِبِ وَالعَجَائِب ؛جَاءَ بِنَا القَدَرُ إِلَيْكَ ونَعْلُنَا فِى أَرْجُلِنَا؛ وَسَنُفَارِقُكَ وَأَرْجُلُنَا بِنَعْلِهَا فِى قُلُوْبِنَا .
فَمَا كَانَ مِنْ ضَمْرَةَ إِلاَّ أَنْ قَالَ :
ـ قُوْزْ قُرَافِى حَسْنَاءُ لَيْسَ لَهَا أَىُّ مُحِبٍّ لأَنَّهَا لاتَتَبَذَّلُ ؛ فِى زَمَنٍ يَعْشَقُ فِيْهِ النَّاسُ التَّبَذُّلَ .
قَالَ ذَلِكَ وَهُوَ يَنْظُرُ فِى سَاعَتِهِ ؛ وَيعُدُّ الدَّقَائِقَ البَاقِيَةَ لِغُرُوْبِ الشَّمْسِ كَى يَفْطُرَ بَعْدَ هَذَا اليَوْمِ الرَّمَضَانِىِّ الطَّوِيْلِ .
وَفِى بَيْتِهِ أَلْقَىحاج الفَكِى نَظْرَةً عَجْلَى عَلَى جَوَّالاتِ التَّمْرِ القَلِيْلَةِ المَرْصُوْصَةِ بِغَيْرِ تَنَاسُقٍ وَلاانْسِجَامٍ ؛ عَلَى شَقَائِقَ مِنْ سِيْقَانِ النَّخْلِ الَّتِى أُزِيْلَتْ كَرَانِيْفُهَا .. تُرَى مَاهَذِهِ العَلاقَةَ الَّتِى لاتَنْقَطِعُ بَيْنَ التَّمْرِ وَالنَّخْلِ ؛ حَتَّى بَعْدَ جَنْىِ التَّمْرِ وَقَطْعِ النَّخْلِ؟ نَظَر حاج الفَكِى نَظْرَةً عَجْلَى إِلَى جَوَّالاتِ التَّمْرِ .. جَوَّالاتٍ قَلِيْلَةٍ بَدَتْ لَهُ فِى لَحْظَةٍ كَسَنَوَاتِ عُمُرِهِ البَاقِيَةِ ؛ وَقَالَ فِى نَفْسِهِ بَعْدَ أَنْ عَدَّ سِنِيْنَ عُمْرِهِ المَاضِيَةَ كَمَا يَعُدُّ أَحَدُنَا نَوَى تَمْرٍ مُسَوِّسٍ أَكَلَهُ فِى الظَّلامِ :"مَاأَعْحَبَ هَذِهِ السَّنَةَ! أَحَتَّى السُّوْسُ أَصَابَهُ الجُوْعُ ؛ فَأَصْبَحَ يَأْكُلُ نَوَى التَّمْرِ؟! لَقَدْ أَصْبَحَتِ الدُّنْيَا كَأَرْمَلَةٍ خَرَجَتْ لِتَوِّهَا مِنَ العِدَّةِ" . وَلَكِنْ هَلْ فَقَدَتِ الدُّنْيَا زَوْجَهَا حَقّاً؟ هَلْ مَاتَ حَقّاً زَوْجُ الدُّنْيَا؟
(5)
قَالَ الرَّشِيْد وَدّالتُّهَامِى (الرَّشِيْد وَد عُوْد الفَاس) الَّذِى خَرَجَ مِنْ قُوْزْ قُرَافِى مُعْدَماً ؛ وَعَادَ إِلَيْهِ وَفِى نَبَرَاتِهِ رَائِحَةُ البِتْرُوْلِ ؛ وَفِى ثِيَابِهِ إِنْسَانٌ آخَرُ ؛ قَالَ وَهُـوَ يَجْلِسُ بِالحَوْشِ الوَاسِعِ لِعَمِّهِ سِرَاجِ الدِّيْنِ بَعْدَ هَذِهِ الوَجْبَةِ
الدَّسِمَة :
ـ بِاللَّهِ قُلْ لِى يَاعَمِّى الفَكِى ؛ أَمَا زَالَتْ نَخْلَةُ عَمِّى سِرَاجٍ أَطْوَلُ نَخْلَةٍ فِى البَلَد ؛ مَوْجُوْدَةً حَتَّى الآن؟
حاج الرَّضِى : شَىْءٌ غَرِيْب! تَسَأَلُ عَنْ نَخْلَةِ عَمِّكَ سِرَاجٍ وَلاتَسْأَلُ عَنْ عَمِّكَ سِرَاج؟!
حاج الدُّسُوْقِى : لأَنَّ نَخْلَةَ عَمِّهِ سِرَاجٍ أَنْفَعُ لِلنَّاسِ مِنْهُ ؛ بَلْ أَنْفَعُ لِعَمِّهِ سِرَاجٍ مِنْ نَفْسِهِ .
حاج الخَلِيْفَة : صَدَقْتَ ؛ عَمُّهُ سِرَاجٌ لَيْسَ فِيْهِ نَفْعٌ حَتَّى لِنَفْسِهِ .
حاج الصَّافِى ؛ الَّذِى كَانَ فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ أَمْيَلَ إِلَى الاعْتِدَالِ : صَدَقْتَ يَاحاج الدُّسُوْقِى ؛ بَعْضُ الأَشْجَارِ أَنْفَعُ لِلنَّاسِ مِنْ أَصْحَابِهَا .
عِنْدَئِذٍ حَمَلَ صِبيْرٌ نَظْرَتَهُ بِإِعْيَاءٍ لِيضَعَهَا بِعَنَاءٍ عَلَى عَمِّهِ سِرَاجٍ؛ بَعْدَ أَنْ قَطَعَتِ المَسَافَةَ بَيْنَهُمَا وَكَأَنَّهَا عِدَّةُ سَنَوَاتٍ ضَوْئِيَّةٍ. نَظَرَ صِبيْرٌ إِلَى عَمِّهِ سِرَاجٍ ؛ فَوَجَدَهُ مَازَالَ عَلَى المَائِدَةِ وَهُوَ يَأْكُلُ بِطَرِيْقَةٍ فَظِيْعَةٍ ؛ إِذْ كَانَ طَقْمُ أَسْنَانِهِ الاصْطِنَاعِيَّةِ قَدْ ضَاعَ مِنْهُ .. رُبَّمَا ابْتَلَعَهُ أَثْنَاءَ أَكْلِهِ . لَقَدْ كَانَ عَمُّهُ سِرَاجٌ يَأْكُلُ بِطَرِيْقَةٍ تُحِسُّ مَعَهَا وَأَنْتَ جَائِعٌ ؛ بِأَنَّكَ قَدْ شَبِعْتَ مَادَامَ الطَّعَامُ يُؤْكَلُ بِهَذِهِ الطَّرِيْقَةِ . وَفَجْأَةً تَذَكَّرَ صِبيْرٌ قَوْلَ عَمِّهِ تَبيْقَ لَهُ ذَاتَ مَرَّةٍ ؛ وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ سِرِّ احْتِفَاظِ عَمِّهِ النُّعْمَانِ بِكُلِّ أَسْنَانِهِ عَمُّكَ النُّعْمَانُ مِنْ سُلالَةِ قَوْمٍ يَمُوْتُوْنَ بِأَسْنَانِهِمْ كَامِلَةً لِقِلَّةِ كَلامِهِمْ .. كَثْرَةُ الكَلامِ تُكَسِّرُ الأَسْنَانَ) . وَحِيْنَ انْتَهَى مِنْ كَلامِهِ نَظَرَ صِبيْرٌ حِيْنَذَاْكَ إِلَى أَسْنَانِ عَمِّهِ تَبيْقَ الَّذِى كَانَ يَبْتَسِمُ ؛ فَوَجَدَهَا لَمْ تَنْقُصْ سِنّاً وَاحِدَةً ؛ فَتَأَكَّدتْ لَهُ صِحَّةُ قَوْلِهِ النَّابِعِ مِنْ تَجْرِبَتِهِ فِى الحَيَاةِ . وَحِيْنَ نَظَرَ إِلَى عَمِّهِ سِرَاجٍ مَرَّةً أُخْرَى وَوَجَدَهُ مَازَالَ يَأْكُلُ بِطَرِيْقَتِهِ العَوِيْصَةِ تِلْكَ؛ رَسَخَ فِى نَفْسِهِ أَكْثَرُ صِدْقُ مُلاحَظَةِ عَمِّهِ تَبيْقَ. لَقَدْ كَانَتْ مُنَاسَبَةُ تِلْكَ الوَلِيْمَةِ الَّتِى أَقَامَهَا سِرَاجٌ أَنَّهُ قَدْ أَصْبَحَ جَدّاً ؛ وَهُوَ الَّذِى لَمْ يَرَ أَبَاهُ نَاهِيْكَ عَنْ جَدِّهِ ؛ وَبِدَوْرِهَا أَصْبَحَتْ قُوْتُ النُّفُوْسِ جَدَّةً ؛ إِذْ هَذَا هُوَ المَوْلُوْدُ الأَوَّلُ ـ وَإِنْ كَانَ بِنْتاً ـ لابْنِهِمَا مَالِكٍ ؛ بَعْدَ سَنَوَاتٍ عَدِيْدَةٍ مِنْ زَوَاجِهِ . مَرَّةً أُخْرَى نَظَرَ صِبيْرٌ إِلَى الجَالِسِيْنَ عَلَى المَائِدَةِ ؛ وَهُوَ يُرَاقِبُ فِى هَذِهِ المَرَّةِ تِلْكَ اليَدَ المَعْرُوْقَةَ الَّتِى تَتَحَرَّكُ حَرَكَةً كَسِلَةً كَسْلَى بَيْنَ الإِنَاءِ وَالفَمِ ؛ فَعَذَرَ المِائَةَ عَامٍ الَّتِى تَرْقُدُ بَيْنَ الإِنَاءِ وَالفَمِ ؛ وَقَالَ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ يَجْلِسُ قَرِيْباً مِنْهُ إِنْ كَانَ حَادَّ السَّمْعِسُبْحَانَ اللَّه.. كُلُّ شَىْءٍ يَهْرَمُ ؛ حَتَّى عَمِّى النُّعْمَان!) وَحِيْنَ نَظَرَ إِلَى وَجْهِهِ أَحَسَّ صِبيْرٌ أَنَّ رُوْحَ عَمِّهِ النُّعْمَانِ قَدْ ظَلَّتْ هَائِمَةً فِى هَذِهِ الدُّنْيَا ؛ مُنْذُ أَنْ كَانَ المَسْجِدُ الأَقْصَى القِبْلَةَ الَّتِى يُصَلِّى إِلَيْهَا المُسْلِمُوْنَ . لَقَدْ أَحَسَّ صِبيْرٌ أَنَّ عَمَّهُ النُّعْمَانَ قَدِ اسْتَنْفَرَ فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ سَنَوَاتِ عُمْرِهِ المَدِيْدِ يَوْماً يَوْمَاً ؛ وَهُوَ الَّذِى يَعْلَمُ أَنَّ عَمَّهُ النُّعْمَانَ صَبُوْرٌ عِندَ الأَذَى مَلُوْلٌ عِنْدَ النِّعْمَةِ . وَلَكِنَّهُ حِيْنَ تَمَعَّنَ أَكْثَرَ وَرَأَى أَنَّ الجَالِسَ خَلْفَ الإِنَاءِ المَنُوْفَلِى وَلَيْسَ عَمُّهُ النُّعْمَانُ ؛ قَوِىَ يَقِيْنُهُ القَوِىُّ أَصْلاً بِأَنَّ عَمَّهُ النُّعْمَانَ مَازَالَ بِخَيْرٍ . لَكِنَّهُ تَذَكَّرَ أَمْراً آخَرَ؛ فَقَبْلَ مُدَّةٍ وَحِيْنَ رَأَى المَنُوْفَلِى يُشَقِّقُ بِالفَأْسِ سَاقَ شَجَرَةِ طَلْحٍ فِى بَيْتِ عَمِّهِ النُّعْمَانِ ؛ وَصَوْتُ ضَرْبَةِ الفَأْسِ يَأْتِى أَقْوَى مِنَ الضَّرْبَةِ وَأَعْمَقُ مِنَ الأَثَرِ الَّذِى تُحْدِثُهُ؛ أَدْرَكَ أَنَّ الوَهَنَ قَدْ دَبَّ إِلَى جَسَدِ المَنُوْفَلِى مِنْ بَعْدِ رُوْحِهِ . لَكِنَّهُ حِيْنَ نَظَرَ إِلَى وَجْهِهِ وَرَأَى الدُّمُوْعَ تَنْهَمِرُ بِغَزَارَةٍ مِنْ عَيْنَيْهِ ؛ سَأَلَهُ :
ـ (مَابِكَ؟)
فَأَجَابَهُ المَنُوْفَلِى :
ـ (إِنَّنِى أَبْكِى عَلَى شَجَرَةِ الطَّلْحِ هَذِهِ) .
حِيْنَذَاْكَ تَعَجَّبَ صِبيْرٌ وَتَسَاءَلَ فِى نَفْسِهِ :"كَيْفَ يَبْكِى إِنْسَانٌ عَلَى شَجَرَةٍ مَقْطُوْعَةٍ أَصْلاً ؛ وَلايَبْكِى عَلَى نَفْسِهِ الَّتِى تُقْطَعُ فِى كُلِّ حِيْنٍ ضَرْبَةً مِنْ بَعْدِ ضَرْبَةٍ؟ وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الشَجَرَةُ المَقْطُوْعَةُ تُثِيْرُ فِى نَفْسِهِ كُلَّ هَذَا القَدْرِ مِنَ الشَّفَقَةِ ؛ فَلِمَاذَا يُشَقِّقُ بِالفَأْسِ سَاقَهَا الآن؟" ..." رُبَّمَا كَانَتِ الشَّجَرَةُ عَزِيْزَةً عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ نَفْسِهِ" ؛ إِجَابَة وَجَدَهَا صِبيْرٌ حِيْنَذَاْكَ ؛ تُعْفِيْهِ مِنْ تَلاحُقِ الأَسئِلَةِ فيْمَا بَعْدُ ؛ أَوْعَلَى الأَقَلِّ تُوَفِّرُ لَهُ الوَقْتَ الَّذِى يُضَيِّعُهُ سُدًى فِى مِثْلِ تِلْكَ الأَسْئِلَةِ . فَهُوَ لايُهِمُّهُ أَمْرُ المَنُوْفَلِى بِرُمَّتِه ؛ فَكَيْفَ يُهِمُّهُ أَمْرُ التَّسَاؤُلِ عَنْ شَأْنٍ مِنْ شُؤُوْنِهِ؟ لَكِنَّ سُؤَالاً مُتَمَرِّداً شَقَّ عَصَا الطَّاعَة :"أَىُّ نَفْسٍ هَذِهِ الَّتِى لاتُسَاوِى عِنْدَ صَاحِبِهَا شَجَرَةَ طَلْحِ؟" تَذَكَّرَ صِبيْرٌ كُلَّ ذَلِكَ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى عَمِّهِ النُّعْمَانِ الَّذِى كَانَ يَضْحَكُ ؛ وَكَأَنَّهُ لَمْ يُجَرِّبِ الحُزْنَ لَحْظَةً وَاحِدَةً فِى حَيَاتِهِ . وَفَجْأَةً مَالَ صِبيْرٌ نَحْوَ العَوَّامِ وَقَالَ لَهُ :
ـ انْظُرْ إِلَى عَمِّى النُّعْمَان ؛ لَقَدْ أَصْبَحَ أَنْضَرَ مِنْ شَقَائِقِ النُّعْمَانِ . انْظُرْ إِلَى عَيْنَيْهِ المَكْحُوْلَتَيْنِ ؛ وَإِلَى قَامَتِهِ كَيْفَ امْتَلأَتْ كَمَا لَوْكَانَ فَتًى فِى الثَّلاثِيْنَ . مَنْ كَانَ يُصَدِّقُ أَنَّ عَمِّى النُّعْمَانَ بَعْدَ أَنْ كَانَ لايَسْتَطِيْعُ الوُقُوْفَ لِلصَّلاةِ إِلاَّ بِصُعُوْبَةٍ ؛ يأْتِيْهِ يَوْمٌ يَقْفِزُ فِيْهِ مِنْ غَيْرِ كَلْفَةٍ عَلَى سَرْجِ حِمَارٍ يَنْهَقُ رَغْمَ اللِّجَامِ؟
وِدَاعَة ؛ مُخَاطِباً الجَمِيْعَ : بَلِ انْظُرُوا إِلَى (عَرَفَةَ) أَوِ(السُّرَّتِيَّة) كَمَا يُلَقِبُوْنَهَا؛ فَقَدْ كَانَ فَخِذَاهَا نَحِيْفَيْنِ كَفَخِذَىِّ جَرَادَةٍ خَلَوِيَّةٍ فِى زَمَنِ المَحْلِ .. كَانَتْ تَبْدُو كَنَاقَةٍ عَجُوْزٍ جَرْبَاءَ ؛ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ مَايُسِىءُ إِلَى جِنْسِ الإِبِلِ .. كَانَتْ مِنْ عِصَابَةِ نِسَاءٍ لَمْ يَتْرُكِ الدَّهْرُ لَهُنَّ رَجُلاً يَقْتُلُ فِى البَيْتِ عَقْرَباً ؛ وَانْظُرُوا إِلَيْهَا الآن ؛ هَلْ تَرَوْنَ امْرَأَةً فِى سِنِّهَا أَجْمَلَ مِنْهَا وَأَتَمَّ صِحَّةً؟
صِبيْر : سَأَحْكِى لَكُمْ شَيْئاً ؛ فَحِيْنَ دَخَلْتُ عَلَى عَمِّى النُّعْمَان بَعْدَ زَوَاجِهِ بِأَقَلَّ مِنْ أُسْبُوْعٍ ؛ وَوَجَدْتُهُ مُسْتَلْقِياً عَلَى قَفَاهُ وَهُوَ يَهُزُّ قَدَمَيْهِ مَعَ اللَّحْنِ المُوْسِيْقِىِّ المُنْبَعِثِ مِنَ المِذْيَاعِ الَّذِى وَضَعَهُ عَلَى صَدْرِهِ ؛ تَأَكَّدَ لِى أَكْثَرُ مِمَّا كُنْتُ أَعْتَقِدُ أَنَّ الإِنْسَانَ حَيَوَانٌ طَرُوْبٌ ؛ وَأَنَّ المُوْسِيْقَى لُغَةٌ عَالَمِيَّةٌ . أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ تَأَكَّدَ لِى أَنَّ عَمِّى النُّعْمَان مَازَالَ يَسْتَمْتِعُ بِالحَيَاةِ ؛ وَقَدْ بَدَا فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ كَلَحْنٍ قَدِيْمٍ فِى تَوْزِيْعٍ مُوْسِيْقِىٍّ جَدِيْدٍ .
وَدّالعَالْيَابِى :عَمِّى النُّعْمَان إِنْسَانٌ طَرُوْبُ القَلْب ِ؛ وَصَاحِبُ القَلْبِ الطَّرُوْبِ لايَهْرَمُ أَبَداً؛ لأَنَّهُ لايَمْرَضُ .
فَرَح : بَلْ لأَنَّهُ لايُصَابُ بِالحَسَدِ وَالحِقْدِ وَالضَّغِيْنَةِ .
وَدّالسَّخِى : حَمَانَا اللَّهُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ .
قََالَ وَدّالسَّخِى ذَلِكَ ؛ وَهُوَ يَتَحَسَّسُ مَوْضِعَ قَلْبِهِ تَحَسُّسَ مِنْ لايَثِقُ بِعُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ جِسْمِهِ ؛ حَتَّى بِلِسَانِهِ وَعَيْنَيْهِ وَهُمَا أَدَاتَا النَّمِيْمَةِ فِى أَبْنَاءِ آدَمَ . وَدّالعَالْيَابِى :عَمِّى النُّعْمَان لايَهْرَمُ وَلايَمْرَضُ ؛ فَهُوَ حِيْنَ يَيْتَسِمُ تُحِسُّ أَنَّ البَسْمَةَ تَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ بُصَيْلاتِ شَعْرِهِ .. تُحِسُّ أَنَّ كُلَّ شَىْءٍ فِيْهِ حَتَّى شَعْرُهُ يَبْتَسِمُ ؛ وَمَنْ يَبْتَسِمْ حَتَّى شَعْرِهِ يَطْرَبْ حَتَّى شَعْرِهِ .
وِدَاعَة : وَأَيْضاً يَحْزَنُ حَتَّى شَعْرِهِ .
صِبيْر: عَمِّى النُّعْمَان كَانَ فِيْهِ نَحْسٌ شَدِيْدٌ .. حَظُّهُ فِى الدُّنْيَا كَانَ مِثْلَ حَظِّ المُنَافِقِيْنَ فى الآخِرَة . وَلَعَلَّ هَذَا النَّحْسَ قَدْ فَارَقَهُ الآنَ بِزَوَاجِهِ بِالسُّرَّتِيَّة ؛ بَلْ لَعَلَّ الحَيَاةَ سَتُصْعِدُهُ عَلَى مَسْرَحِهَا لِيُؤَدِّىَ مَعَ السُّرَّتِيَّة أَمْتَعَ أَدْوَارِهِمَا المُفْرِحَة .
تُرَى مَاذَا سَيَقُوْلُ صِبيْرٌ لَوْنَظَرَ فِى وَقْتٍ لَيْسَ بِبَعِيْدٍ مِنَ الآنَ إِلَى تَوْأَمَىِّ عَمِّهِ النُّعْمَان ؛ وَهُمَا يَرْضَعَانِ ثَدْيَىَّ السُّرَّتِيَّة وَيَنْظُرُ كِلاهُمَا إِلَى الآخَرِ نَظرَاتٍ نَاطِقَةً تَقُوْلُ سَنَرَى أَيُّنَا يَكْبَرُ أَسْرَع) ؛ تُرَى مَاعَسَى صِبيْرٌ أَنْ يَقُوْلَ لَوْرأَى ذَلِكَ؟ بَلْ تُرَى مَاذَا سَيَقُوْلُ لَوْرآهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ يَلْعَبَانِ؛ كَشِبْلَيْنِ قَدِ التَقَيَا بَعْدَ أَنْ ضَلاَّ طَرِيْقَهُمَا طَوِيْلاً فِى ظَهْرِ حاج النُّعْمَان ؛ الَّذِى كَانَ دَائِمَ الدُّعَاءِ : (اللَّهُمَّ أَرِنِى مِنْ ذُرِّيَتِى مَنْ تَقَرُّ بِهِ عَيْنِى) .
هَكَذَا كَانَ صِبِيْرٌ نَهَاراً بِبَيْتِ عَمِّهِ سِرَاجٍ ؛ أَمَّا مَسَاءً بِفِنَاءِ نَادِى القَرْيَةِ فَقَدْ تَحَوَّلَ إِلَى شَخْصٍ آخَرَ ؛ وَهُوَ يَجْلِسُ عَلَى الرَّمْلِ مَعَ زُمْرَتِهِ وَيَقُوْلُ :
ـ حِكْمَةُ اللَّهِ يَاجَمَاعَة .. رَبُّنَا أَعْطَى وَدّالبَاشْكَاتِب كُلَّ شَىْءٍ ؛ ثُمَّ عَوَّضَهُ عَنْ كُلِّ شَىْءٍ لَمْ يَفْقِدْهُ .
ضَمْرَة : كَيْفَ يَفْقِدُ مَنْ لَمْ يَمْلِكْ أَصْلاً؟
العَوَّام : صَدَقَ صِبيْر؛ وَدّالبَاشْكَاتِب إِنْسَانٌ غَنِىٌّ .
رُضْوَان : الغِنَى الحَقِيْقِىُّ غِنَى الرُّوْحِ وَالفِكْرِ .
وِدَاعَة : بَلِ الفَقْرُ الحَقِيْقِىُّ كَثْرَةُ المَالِ .
وَدّالعَالْيَابِى : وَدّالبَاشْكَاتِب إِنْسَانٌ غَنِىٌّ فِى رُوْحِهِ وَفِى فِكْرِهِ أَيْضاً . وَدّالبَاشْكَاتِب قَالَ لِى مَرَّةً إِذَا وَلَدْتُ وَلَداً سَأُسَمِّيْهِ الشَّنْفَرَى) .
ضَحِكَ قَاسِمٌ مِنْ هَذَا الاسْمِ ؛ لَكِنَّ ضَمْرَةَ أَرْغَمَهُ عَلَى السُّكُوْتِ وَهُوَ يَقُوْلُ : ـ اسْمٌ شَاذٌّ فِى هَذَا القَرْنِ وَفِى قُوْزْ قُرَافِى .
وَدّالعَالْيَابِى : أَنَا نَفْسِى قُلْتُ هَذَا الكَلاَمَ لِوَدّالبَاشْكَاتِب ؛ فَقَالَ لِى : (فِى هَذَا الزَّمَنِ لايَسْتَطِيْعُ العَيْشَ إِلاَّ قَاطِعُ طَرِيْقٍ .. الحَيَاةُ الآنَ عَقَبَةٌ خَطِيْرَةٌ لايَجْتَازُهَا إِلاَّ قَاطِعُ طَرِيْقٍ هُوَ فِى نَفْسِ الوَقْتِ شَاعِرٌ صُعْلُوْكٌ كَالشَّنْفَرَى) . "لَقَدْ كَانَ الشَّنْفَرَى ـ ثَابِت بن أوس الأزدِىُّ ـ شَاعِراً مُبْدِعاً مَافِى ذَلِكَ أَدْنَى رَيْب ؛ أَبْدَعَتْ قَرِيْحَتُهُ لامِيَّةَ العَرَبِ وَهِىَ وَاحِدَةٌ مِنْ أَعْظَمِ القَصَائِدِ ؛ وَلَكِنْ هَلْ كَانَ الشَّنْفَرَى قَاطِعَ طَرِيْق؟ لَقَدِ اعْتَزَلَ الشَّنْفَرَى مُجْتَمَعَ البَشَرِ إِلَى مُجْتَمَعِ الحَيَوَانَاتِ وَالوُحُوْشِ ؛ لإِيْمَانِهِ بِأَنَّهَا أَكْثَرُ بَرَاءَةً مِنَ الإِنْسَانِ ؛ وَلاتَحْمِلُ ضَغَائِنَ الإِنْسَانِ وَإِحَنَهُ" . هَكَذَا خَاطَبَ ضَمْرَةُ نَفْسَهُ ؛ وَهَكَذَا سَأَلَهَا ثُمَّ أَجَابَهَا . وَقَدْ ظَلَّ رَغْمَ ذَلِكَ يُتَابِعُ الأُنْسَ ..
صِبيْر : فِى الحَقِيْقَةِ الاسْمُ يُؤَثِّرُ كَثِيْراً فِى شَخْصِيَّةِ صَاحِبِهِ .



التوقيع: [align=center]هلاّ ابتكَرْتَ لنا كدأبِك عند بأْسِ اليأْسِ، معجزةً تطهّرُنا بها،
وبها تُخَلِّصُ أرضَنا من رجْسِها،
حتى تصالحَنا السماءُ، وتزدَهِي الأرضُ المواتْ ؟
علّمتنا يا أيها الوطنُ الصباحْ
فنّ النّهوضِ من الجراحْ.

(عالم عباس)
[/align]
خالد الحاج غير متصل   رد مع اقتباس