في الحقيقة ذكرياتي عن رؤيتي المتأخِّرة للتلفزيون والمروحة وكذلك متى لأوَّل مرة رأيتُ الغسَّالة، حينما جاءت بها نِعْمَات الحوري إحدى قريباتي ممن كانوا يسكنون الخرطوم ثلاثة. وأتذكّر بكل وضوح تجمهر النسوة حولها، وهرجهن وتلك الزيطة كلّها (هوووي يا نَاعَمَات، ما تدخلي إيدك في الشيء أم سنون دي، ها مَرَه ها، الشيء دي بتقوم تَجْقُم أصابعينك ديل)، وتسأل أخرى (والصابون بكبوهو وين يا دي؟)، ثالثة (هي لكن يا نَاعَمَات الصابون المسحون دا دكاّن التعاون ما عندو تسوّد عليك إن قام كمل!). وحين أدارت لهن تلك الآلة ورأينها كيف تقلب الملابس بسلاسة وتدفع برغوة الصابون، وهنّ يبحلقن باندهاش من خلال زجاج نافذتها، زغردت مريم بأعلى صوتها وصاحت في النساء (هووي يا حريم اتلمّن، أم طارق ما بتنقدر"!؟")، مع أنَّ النساء كُنَّ مؤدَّبات، ولا يحتاجن للممان، فقط مندهشات! أهي صيحة تَصُفُّ بها مريم نَفْسَهَا في صف الحداثة، أم مجرّد هوشة بدافع الحماسة المذهلة التي غطّـت الجو؟ أمّا حين أدارت لهن النشّافة وأخرجت لهن الملابس ناشفة وعرضتها عليهن، فتحولت دهشتهن إلى فزع رسمي. وصمتن لفترة طويلة مبهوتات، لتصيح امرأة منهن فجأة (أجييي يا الفكي حسين صقر الجمعة واللتنين، النّصارى أهل البصارة، قهرتهم بالله)، وكانت الغسّالة يابانية الصنع*.
وهذه القصص عن (بداوة ابن البتولا) كانت لي بمثابة الفينار بينما كنتُ طالباً أدرس علم التنمية الريفية بجامعة الجزيرة. والعزلة البادية هنا، لا تدلُّ على التقصير في تنمية التلقي التكنولوجي وحده للكائن الريفي، وإنّما تجوز ذلك لتقودنا نحو عزلة أخرى على صعيد الوعي السياسي والوجودي أيضاً. وهذه الحالة لا تخص ابن البتولا وحده، وإنّما هي حالة ريفية في العموم. إذن هي ظاهرة اجتماعية ما تزال قائمة بوسط المجتمعات الريفية البعيدة. هناك إذن عزلتان، على صعيد التقدُّم المادي الذي تدل عليه المخترعات الحديثة هنا وعلى صعيد الوعي، معاً، وهما مترابطتان بحيث لا تنفك إحداهما عن الأخرى لكون الظواهر الاجتماعية كلّها مترابطة ببعضها بعضاً حسب دوركايم. كما أنَّه من المستحيل عزل التصور البشري إجمالاً للوجود بما في ذلك أديانه وثقافته وما يعرفه ورآه وعايشه من فنون، آداب، آلات.. إلخ عن الاقتصاديات وتطويرها، والتأثير على حركة التاريخ، كما في نقد ماكس فيبر القوي لماركس.
|