ـ
" 1 "
بت المسيرية
كوّنت علاقات مجيدة مع كومسنجية السوق الشعبي قديماً قبل تحويل البصات إلى الميناء البري الحالي بسبب السفر المتكرر بين مدني والخرطوم .. كنت حين السفر أراجع المنفستو بروية .. أبحث عن أسماء الراكبات الوحيدات حتى أتخير من الاسم من يمكن أن أجلس جوارها .. مسألة مريحة أن تسافر جوار أنثى لابد وأن تنفحك من شذاها بطريقة ما .. فلا انثى حقيقية يمكن أن تسبب الكدر لأي مخلوق .. تعيسات هن النسوة اللائي ينكدن عيش الاخرين .. كذلك ما هي فائدة الجلوس لثلاث ساعات أو أكثر جوار رجل غريب قد لا تجد منه إلا امتداد جرائده أمام عينيك قسراً .. أو المعاناة من مسألة تعاطيه التمباك وتبعاتها .. كنت أتخير من الاسم .. فلا اختار أبداً إسماً قديماً .. نانسي .. سوزان .. هيفاء .. لمياء .. وما إلى ذلك .. كنت لا أحب " الخالات " في تلك السن المبكرة .. لكن في مرة وأنا قادم من مدني لم يكن لدي خيار .. كل الراكبات من ذوات الأسماء القديمة .. أسماء تدفع إلى مخيلتك فوراً تفاصيل الشلوخ المطارق ورائحة الكركار المزعجة ، وتهتم الاسنان .. لذلك لجأت للخيار الثاني مباشرة .. قلت لعثمان الكومسنجي مقعد رقم واحد أو اتنين .. ومن حقيبتي أخرجت كتاب كنت احمله دائماً لحسم الفضوليين .. كتاب عدد صفحاته مهول .. وحجمه أقرب للحقيبة منه إلى كتاب .. وعنوانه عجيب .. الله في الفلسفات المعاصرة .. عادةً ما أن تقع عين الراكب بجوارك على الكتاب حتى تحس بانكماشه بعيداً عنك .. إذ أول ما سيتبادر إلى ذهنه أنك شيوعي كافر .. هكذا علمّتنا زهرة بت الإمام عليها الرحمة .. أن الشيوعي كافر لا تحل مجالسته ولا مرافقته ولا حتى الاقتراب منه .. الكتاب حين اشتريته من فراشات المحطة الوسطى امدرمان اشتريته فقط لهذا الغرض .. الايحاء للفضوليين والغير مرغوب في رفقتهم بأنني شيوعي .. مسألة تضفير الشعر واتخاذ الهيئة المتسخة والتي يتميز بها الشيوعي لم تكن يسيرة علّي .. فلطبيعة جينية لم أكن احب أبداً أن يطول شعري عن الملميترات .. فاستعضت عن ذلك بهذا الكتاب المعجزة ، وبعض عبارات مثقفاتية من شاكلة الكلمات التي تنتهي عادة بلازمة " وِيّة الشهيرة " يكفي فقط أن تحمل الكتاب بين يديك وتقول للجالس جوارك عبارة أو اثنتين من بين كلماتها كلمات من هذا النوع .. قل له مثلاً " إن الأُطُر النخبوية للاسلاموية الافروعروبوية ... " وقبل أن تكمل جملتك سيكون قد أتم تصنيفك كشيوعي ود أم زق وابتعد منك للطرف الاخر .. وللحق أن هذا الكتاب قد أخرجني من ورطات لا تحصى .. فحتى على المستوى القريب والذي لا يمكن أن تنطلي على جماعته مسألة ادعاء الشيوعية المنفرة هذه كان لهذا الكتاب دوره .. فقط جرب أن تسألني كتاباً للاستعارة .. أمده بلا تردد وأنا على ثقة تامة بأنني أنقذ مئات الكتب النفيسة والعزيزة إلى قلبي من مغبة الوقوع في جب الحكمةالتي تقول " حجش من يسلف كتاباً .. وحمار من يرده " .. تطلب كتاباً فلا تجد امامك إلا أن تعتذر أنت عنه المهم أخرجت الكتاب الشهير وركبت البص قبل تحركه بلحظات .. وحين صعدت فوجئت حين وقع بصري على الراكبة في المقعد المجاور .. هتفت سراً " المجد لله في الاعالي ، وبالناس المسرة .. وعلى الأرض السلام .. بحق القديسين السبعة من في كون الله الفسيح هذا ارتكب جناية أن يسمي البت دي عشه !! " .. تمثال من البرونز في كامل بهاءه وتشكله كان يجلس في المقعد المجاور .. أُنثى لا تشبه أية أُنثى أخرى رأيتها في حياتي .. بلا مكياج ولا أدنى علامة تذويق ، تجلس فقط بطرحة على رأسها يبين تحتها شعر أسود حالك وممتد حتى ما بعد الطرحة بمراحل .. شعر يغطي كامل المساحة خلفها وينفرد على طول المقعد وعرضه بلا استثناء ..
يتبع ...
ـ
التعديل الأخير تم بواسطة ماجد تاج ; 27-02-2014 الساعة 11:01 AM.
|