عرض مشاركة واحدة
قديم 30-05-2014, 08:00 PM   #[2]
ناصر البهدير
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية ناصر البهدير
 
افتراضي

غربة الروح والسفر
في بدايات الإنقاذ غاب الكثير من أهل المصنع بسبب رعونة لازمت أصحاب المشروع الحضاري والصالح العام، فكان ضمن هؤلاء رجل متخم بالانسانية وحب الناس والعمل العام وصاحب قسمات صارمة في دروب الاستقامة.. رحل إلى مسقط رأسه بعد سياسة الفصل التعسفي القاصرة وغير الرشيدة جارنا العزيز والأب الروحي لنا في الحياة والمعرفة الراحل المقيم العم محجوب أحمد العمدة والد الصديق الجميل عبد الخالق وإخوته طارق وسامي والحسين ومحمد وراشد وبقية زغب الديار.
فكان يوم وداعهم رهيباً إختنق الناس فيه بنشيج البكاء المر حتى كلبهم الحنين شق طريقه بين الجموع وأصر أن يكون معهم في شاحنة رِحلهم في لحظات صادقة من الوفاء الموسومة به فصيلة الكلاب مما أصاب الجميع بالدهشة والصدمة في آن واحد بين باك لفراق الأسرة ومشفق لحال الكلب البائس.. وما بين أصرار عبد الخالق وإخوته وموقف والدهم الرافض والمتعنت لحمل الكلب وشغف الكلب للصعود معهم مضت الشاحنة بدونه في مشهد من الأسف والإشفاق عالق بذاكرة كل من كان حاضرا تلك اللحظات العصيبة والحرجة.. وخاب أمل جِلِقر وضاع حلمه في المغادرة وصحبة العائلة في رحلتها الأولى والأخيرة.
وبات الكلب ليلتها في نحيب مستمر أمام باب المنزل حتى صباح اليوم الثاني وعاش ممزقاً بين الأرق والبكاء وندب حظه لمفارقته عائلته الوحيدة التي تفتحت عليها عيونه بعد أن رأى الشمس.
بالطبع غزت البيت العامر وحشة كئيبة وصمت مطبق لا يمكن معه الحياة بعد أن كانت الديار تضج بالحراك وصوت الصغار.. فاتن وحمادة والحسين.. ومع ذلك لم يغادر الكلب إلى جهة مأوى ورزق أخرى طالما يهدهد بين جوانحه عشقاً كبيراً ومعزة لأهل الدار، فظل صامداً على أمانته ودفق وفائه لا ينتظر معروفاً من أحد فقط كل ما يرجوه ويتمناه عودة أصحابه كما كان يظن حتى رحل عن الدنيا بعد عمر مديد في الصبر ومقارعة الصعاب..
ومضت الأيام الأولى والكلب في موقفه لا يتزحزح قيد أنملة وظل رابضاً أمام عتبة باب الدار طيلة يومه ما بين اليقظة والغفوة والسهو والنوم لا يلوي على شيئاً سوي أن تكون بمعيته حاشية الصبر وجحافل الأمنيات بعيدا عن الملل حتى يلقى أصحابه من جديد.
وكحال تلك الفرص التي تتاح كلما نُقل عامل بقطاع السكر إلى جهة ما أو أُحيل إلى التقاعد أو الصالح العام أو الفصل السياسي التعسفي أو غيرها من محن الأفندية والمطففين الجدد يمنح البيت إلى آخر.. فكان أن ملأ فجاج البيت شخص آخر.
وفي حضرة الوجوه الجديدة لم يعد الكلب يجد مكاناً مناسباً يليق به وينال فيه راحته وحريته، فقرر الرحيل – منعتقاً من ربقة القيود - إلى الفضاء الواسع الذي يقع شمال حى خمسين بيت ضمن قطيع من الكلاب الضالة التي كانت تستقطع جزءاً مقدراً من مشتل مطار المصنع القديم، فصار يقضي سحابة نهاره هنالك تحت ظلال أشجار البان والسنط حيناً وحيناً آخر في مجري الترعة العفنة الواقعة شرق الحى نفسه في صحبة جديدة لبني جنسه.
وما أن تتكىء شمس اليوم وتميل نحو الأفول في مواعيدها المعروفة ويرخي المساء سدوله ويخيم الليل على المكان يتأهب الكلب إلى رحلة عكسية كل يوم بعد أن ينسرب بنشاط ومرح يغمره من نشوة الحنين إلى عبق المكان الذي عرف فيه الدنيا.. ويعبر كل المسافات منتشياً إلى شارعنا في ذات المكان ولكن قريبا من بطن الشارع المحاذي لمنزل العم العمدة، فيمكث في مكان واحد لا يغيره حتى قبيل شروق شمس اليوم الثاني، ومن ثم يغادر إلى مرقده النهاري وهكذا دواليك لمشواره اليومي لا يفكر يوما ما في الانقطاع، مهما كانت أحوال الطقس ودفق الوجوه الغريبة التي لم يحظ بمعرفتها، فهو لا يزال على عهده متئداً على حشاشات النفس ووالغاً في لفافات الصبر ومتعلقاً بآل العمدة، لا خلبتْهُ حَيَّةُ المقادير ولا لسعات العثانين المؤذية فبات على عشق نادر يطويه على ضيق صدره!



ناصر البهدير غير متصل   رد مع اقتباس