بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة على النبي الأمين، وعلى آله مع التسليم،
و بعد
(هي في أول الخطاب
يا فاتح الأبواب
أرفع لنا الحجاب
ورينا الأبواب...
الله يا وهاب،
صل على الأواب...
أتانا بالصواب)
وانطلق الصوت متكأً على قرون من الوجد الصوفي والشجن الصادق
(مرادي الجلسة يا أحباب
بين الروضة والمحراب
إلهي الواحد الوهاب
عبيدك واقفاً بالباب
بين الروضة والمحراب
ثنيت بالماجد الأواب
شفيع الجاني والكذاب
...)
لن تعرف أو تسبر أغوار هذا الصوت ولا التهدج الذي يتقافز من بين نبرات صوته الرحيب، ينساب المديح في تموجاته الملائكية، سلساً يأخذ السامعين رويداً رويداً، حتى إذا تحقق أن قد استغرقهم الوجد، إذا به يصل بهم الذروة(الكرشندو)، ثم ويصعد بهم من خلال ذات المدحة، ذروة أخرى، وفجأة:
(هوووي اللييييلة
فوق نبييييينا، هيييي
نبينيينا البيشفع ليييينا... هوووي
المديييينة..... هوووي)
وإذا القوم صرعى الوجد وكأنما أغفو بين مدارج الصوت ومسالك أهل الحضرة!
الشيخ علي المبارك
ياهـ... يا عبد الله..!
كان يومئذ والزمان غض، من بواكير الثمانينات من القرن المنصرم. المكان شمال ميدان الأمم المتحدة حيث سوق الخرطوم (في الزمان السمح)، حيث كان سوق الخضروات والسمك واللحوم وثلاجات الموز، ما بين شارع الطيار(مراد، أم زلفو؟)، جنوب بنك الخرطوم وشارع البرلمان!
أذكره جيداً، في إحدى تلك الجزارات، بردائه الأخضر وضفائر شعره المسدلات في إهمال محبب، وغرة تتلألأ على جبينه. هو نفسه، وقد كنت مساء أمس الجمعة(من ذلك الزمان البهي) شاهدته على التلفاز، كان قدمه الأستاذ محمد الحجاز المدثر، في برنامجه، وهو ينشد تلكم المدحة الشهيرة، بعد أن طلبها منه تحديداً مقدم البرنامج، صاحب الذوق والحس الراقي. وانطلق صوته، وكأن خلفه جيشاً عرمرماً من المنشدين ذوي الأصوات الجهيرة الراعدة :
(ناهـ، نَهَوْ
أنا لَيْ في زيارتو هَوْ
...
مولاي سوّي لي ضَوْ
والحقني بمن مَضَوْ
..)
ويرزم صوته ويهدر ، كان يزأر في إيقاع مهيب وتصيب الجسم رعدة!
كان أول مبتدانا معه،(من جهلنا) أنْ كتمنا بعض قهقهات، فقد كان صوته غريباً، وفيه عمق يتحكم فيه، وحين يغرغر باللحن في حلقه، ثم يطلقه دفعةً واحدة، كالرعد، كان ذلك مما لم نعتد عليه بعد، (يا لسذاجتنا يومئذ)!
حبَّبني فيه شقيقي محمد عباس، وهو في الترتيب السابع من ثمانية أشقاء، فأنا أكبرهم (سنّاً) وهو، منذ يفاعته حباه الله بقدر غير يسير من الذائقة الفنية العالية، وغير المألوفة، فهو من أوائل من رأوا في عقد الجلاد، إبّان ظهورهم ظاهرة تستحق الاحتفاء، خاصة في أسلوب غنائهم الجماعي الذي يفرد لكل صوت حيزاً خاصاً به، وكان الناس فيما سبق على أسلوب الصوت الجماعي الواحد، والمتسق، وكان يرى في النور الجيلاني مستقبلاً رائعاً، من ناحية الأداء وتطويع الصوت، ويتعشق أسلوب خضر بشير، ويقول هذا هو الفنان الطليق الحر، الفنان الذي لا يعتد إلا بفنه، ونبهني مبكراً إلى مصطفى سيد أحمد ، وأسلوب اختياره لأغنياته ويعده نموذجاً جديداً يمثل فتحاً سيبدو في الأفق قريباً، وكان لا يرى في المُدّاح إلا علي المبارك، وهو يقول أن الفنان(مادحاً، مغنياً، شاعراً ، رساماً أم ممثلاً) هو تميز وتفرد ولا يمكن تنميطه. ويقول: ستجد مقلدين كثيرين، ولكن الفنان الأصيل باين، ومختلف، ودائماً ما يبدأ غريباً ثم ترسخ أقدامه، لأنه يحرك الركود! وأشهد أنه قد صدق في كل ملاحظاته!
محمد، حين يمدح الشيخ علي المبارك، تعتريه هزة ويسري في أوصاله طرب غريب، وكان ينتبه بشكل خاص حين يسمق صوت المادح فيصل الذروة، ويهدر، ودائماً ما يتحول اللحن فجأة، عند علي المبارك، إلى موجة عارمة فيما يشبه الكسرة(عند أهل الغناء)، فيأتي بالعجب! تبهنا محمد لهذا الصوت وتعلمنا منه حب المديح والإنشاد وأدمنا أداءه الباهر:
(صل يا رب السماء
على نبيك صاحب اللواء)
وحين يهمهم ويغمغم ويكتم اللحن في حلقه ويتغرغر به ثم يطلقه، فكأنما هو خروج المارد من القمقم
(طه مطروح الجبين
رحمة للعالمين)
يرحمك الله شيخنا علي المبارك، وسقى قبرك شآبيب الرحمة. كنا حين نسمعك نتضاءل ونتواضع ونخشع، وحين نلتفت إلى ذواتنا نردد معك:
(عيبي.. وا عيبي
من ما قدم شيبي،
خاليات جيبي.
أسألو يرجع
يمحى أوزاري
من صبا وشيبي،
خالياً جيبي.
عيبي وا عيبي
....)
عيبنا نحن، يا نذيرنا العُريان، حين لم نحسن الإنصات إليك من قبل، وحين انتبهنا إليك، عاجلتنا بالرحيل!
رحم الله الشيخ علي المبارك، رحمة واسعة، فقد شق في أداء المديح دروباً وأفانين، وكان فيه ولاَّجاً خرّاجاً، بصوته المتفرد العريض العميق. ليت لو سار على نهجه المادحون الجدد، وأنّى لهم! ففي يقيني أنه لا يتكرر!
ثم،
والسلام عليك يا عبد الله، وأنت دأبك تتحرّى مواضع الجمال والوفاء فتضرب فيها بسهمك الذي لا يخيب
|