(6)
لا أُخفي عليك، قد تكون المعاناة في طفولتي، جعلتني أكون صديقاً حتى للمعاناة، ولا أرى فيها، كما يرى
البعض، قهر ،ٌ ومللٌ، بل أرى أنها نار حنون، تحرق التبلُّد، وت شُعل العاطفة، والإلفة مع الكائنات المحرومة، وأرى أنّ
المعاناة ت عُنى )بالجسد( فقط، ولكن الروح لا سلطان عليه، بل تهذيب الجسد )ما تقر كل الأديان بمنسك الصوم(، تعني أنْ تفرهد الروح فيك، فكل الأديان ذكية، وتعرف ماهية الجسد، وأهل مكة أدرى بشعابها، بل الحكمة الجاهلية لدى العرب، قبل الإسلام، كانت )البطنة ت نُيم الف طِْنة(، وهذا يدل للملاحظة البشرية، في أنَّ التخمة، وحياة الدعة، تشل قدراتنا الكامنة، وأنَّ الحركة، والصبر، تهز ثمار الدواخلي، فتسقط سبطاً ذكية في باحة الحواس.
وهذه المعاناة الأولى، في سنوات التكوين، جعلني، كما نو هَّت في اسمِ ونعت هذا المقال )الأسنانُ البيضاء لوجه الحزن، أو أسارير جميلة لوجه الحزن(، وهو تحوير للحديث الشهير بين السيد المسيح، وأسباطه، حين رأوا جيفةَ كلبٍ، وقال التلاميذ: )ما أن تْ نَ رائحته(، وقال المسيح: )ما أنصع بياض أسنانه(، فقد رأى الجانب الجميل من عوالم القبح، وبذات المنحى قال ابن العربي )أن يّ لأعجب لشقاوة الإنسان، ولا أعجب لسعادته(، لأنه يرى الكون مسرحاً للتعجب، والحيرة، والسحر، والشاعرية،
حتى في بطن الحوت، أو السجن، بل آلبرت انشتاين، بطل الفيزياء، قال )إنّ عوالم الفزياء ت شُئ بشاعرية غريبة، تلف الكون، تجعلك تسجد لهذا الخفاء، وهذا معنى الدين عندي(، وله الحق، كشاعر فيزياء وكمياء، وذكاء بشري خلاّق.